د.خالص جلبي
من علاقة الطاقة بالمادة استطاع آينشتاين أن يضع قانوناً بسيطاً للغاية، ولكن نتائجه كانت مروعة، فالطاقة والمادة هما وجهان لحقيقة واحدة، حتى الضوء هو كتلة مادية، لكنها متناهية في الدقة، والطاقة تساوي المادة المتحولة، ولكن مضروبة في مربع سرعة الضوء، فإذا عرفنا أن سرعة الضوء 300 ألف كم في الثانية الواحدة، كان معنى هذا أن الطاقة تساوي ما يعادل 90 مليار من المادة المتحولة.
وهذا يحمل خبرين (إنذار وبشرى)، أحدهما يتعلق بإمكانية الوصول إلى الطاقة الرخيصة، وإذا توافرت الطاقة لم تبق نزاعات إنسانية، فالبشر لا يتخاصمون على «الهواء»، بل يتقاتلون على مصادر المياه والبترول، فإذا حلت مشكلة الطاقة الرخيصة إلى درجة تجعلها بالمجان، فربما تم حل القسم الأكبر من المشاكل الإنسانية، وأسباب الصراع بين أمم العالم.
أما النذير، فهو بناء القنابل النووية التي استخدمتها الولايات المتحدة في تدمير هيروشيما وناجازاكي!
وهناك فذلكة في عالم المادة والروح، فالضوء يبقى محدود السرعة لأنه «مادة»، وإن كانت رقيقة للغاية، أما الروح الإنسانية، فعندما غادرت عالم المادة لم تعد سرعة تقيدها، وهذا ما قد تكشف العلوم عن أسراره الغامضة في القادم من مراحل التطور العلمي.
شيء مهم من ذيول الفكرة النسبية لم يتم التأكيد عليه، وإن تمت الإشارة إليه أحياناً، وهو معنى روحي كبير وفلسفي ضخم، لا يقل عن الفتوحات المادية، وهو علاقة الزمن بالسرعة، وقد دشنتها نظرية «النسبية العامة» في صياغة العلاقة بين الكتلة والزمن، فاعتبرت أن الزمن يتباطأ كلما ازدادت السرعة، إلى درجة أن الزمن قد يتوقف إذا وصلت السرعة إلى حد سرعة الضوء، ومعنى توقف الزمن بكلمة أخرى دخول «الخلود»، أو على حد تعبير العالم الفرنسي «لونجفين»، منع الشيخوخة. فإذا عاش الإنسان على كوكب غير الأرض بسرعة كبيرة كسب من العمر المزيد فالمزيد، لكن دخوله سرعة الضوء يجعله يستعصي على الفناء، لأن الزمن لن يأكله بعد اليوم، بعد أن توقف عن العمل.وعندما نسمع عن تحول بيولوجي لأهل الجنة (التحول إلى طبيعة نورانية الذي يعني اكتساب سرعة الضوء أي توقف الزمن)، فإن هذا يقرب إلى وعينا أكثر طبيعة الخلود والصمود أمام الموت والزمن.
أما في نظرية «النسبية العامة»، فإن حياة الإنسان على كوكب ذي كتلة كبيرة تدخله نفس العملية من التأثير على الزمن، وهكذا، فالحياة على المشتري الذي يكبر الأرض بألف مرة، يمنح الإنسان حياة أطول، فإذا عاش على ظهر كوكب من النوع الذي قال عنه القرآن «عرضها السموات والأرض»، كان معناه مرة أخرى توقف الزمن أن يفعل فعله المميت المدمر، والدخول بالتالي في عالم الخلود، «جنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للمتقين»، وبذلك أدخلتنا النسبية إلى إمكانية الخلود مرتين، وقربت إلى وعينا مفاهيم روحية مستعصية على العقل، كي نصل إلى ذلك المزيج الرائع من العلم والإيمان.