علي حسن الفواز
يبدو أن الفضائح التي ينشرها موقع ويكيليكس لوثائق الخارجية السعودية تكشف عن الكثير من مظاهر الخراب الذي تعيشه السياسة العربية، وعن دور دول معينة في الترويج الحقيقي لنظرية (المؤامرة) عبر التخطيط الغرائبي لإشاعة العنف والانقلاب على قيم الدولة الوطنية، وعبر توريط شخصيات قابلة لممارسة وظائف العمالة والخيانة، حتى بات التوصيف الوظيفي لوزارة الخارجية السعودية لا يختلف كثيرا عن توصيف أية جهة مخابراتية، لا شأن لها سوى خلق الأزمات والصراعات هنا أو هناك، ومراقبة كل ما يحدث من صغائر الأمور الى كبائرها في عديد البلدان التي تُعنى المخابرات السعودية بشأنها.
هذه الوثائق تضع الكثير من علامات الاستفهام حول طبيعة الدور السعودي في المنطقة، وعن علاقة مؤسساتها الدبلوماسية والمخابراتية، وحتى المؤسسة الدينية بكل وقائع الأزمات التي تعيشها العديد من الدول العربية ومنها العراق، إذ تم الكشف عن فضائح لشخصيات حكومية، وعن تسريبات لممارسات تهدف للتسقيط السياسي، وتوريط مسؤولين لهم مواقع سيادية ودينية وأمنية في أعمال تتنافى مع مسؤولياتهم الأخلاقية الوطنية.
وإذا كان هذا هو جوهر ما تبدى من هذه الوثائق، فإن أية حفريات معلوماتية فيها ستضعنا أمام الكثير من أسرار ما يجري في زوايا الصراعات وخفاياها داخل العديد من البلدان العربية، تلك التي عاشت غش الربيع العربي، أو التي ظلت تعيش محنة صراعاتها الأهلية الدامية التي تغذيها أجندات مخابراتية ترتبط بالمال السعودي وبالسياسة السعودية كما في العراق وسوريا ولبنان.
خطورة الوثائق تكمن في طبيعة علاقتها مع أحداث خطيرة، وعن كشفها لتمويلات مالية كبيرة لجهات سياسية وإعلامية مقابل أدوار تحريضية، أو القيام بأعمال تخلّ بالأمن القومي، ولعل ورود أسماء لشخصيات عراقية معروفة في هذه الوثائق يثير الجدل حول مرجعية الأزمات التي كانت تواجه العملية السياسية العراقية، ومن يدعمها، ويمولها؟ وعن دور جهات معينة في المؤسسات السعودية السياسية والدينية والإعلامية في الدفع على التحريض، وترويج الشائعات، أو استمالة بعض الشخصيات لممارسة أدوار داخلية تقوم على الضغط والتعويق والتشهير مقابل حصولها على أموال، فضلا عن تأثيرها في إشاعة
الحس الطائفي، وتجنيد شخصيات أخرى للقيام بما يشبه التضليل والتهريج كما حدث في ساحات الاعتصام وغيرها.
وبقطع النظر عن مصداقية هذه الوثائق أو كذبها، أو حتى في طبيعة توقيتها، فإن الجهات الرسمية في الدولة العراقية مطالبة باتخاذ الإجراءات القانونية إزاء ذلك، لا سيما فيما يتعلق بالتأكد مما ورد فيها من معلومات، ولما تكشّف فيها من وقائع ملموسة تقوم على الدفع للتدخل الفاضح في الشؤون الداخلية، وهو ما يستدعي العمل مع الجهات الدولية لاتخاذ الإجراءات التي تمسّ الجانب السيادي في الدولة العراقية بوصفها عضوا في الأمم المتحدة، خاصة وأن بعض التسريبات تقول: إن المتحدث الرسمي باسم موقع ويكيليكس الالكتروني كريسن هرامفيس يؤكد صحة هذه الوثائق، وصحة المعلومات الواردة فيها.
إن تحليل المعلومات الوثائقية يتطلب جهدا علميا وأمنيا، مثلما يتطلب قراءة سياسية لحمولاتها الرمزية، ولمعلوماتها، وحتى للأرقام والاحصاءات الواردة فيها، ولطبيعة الشخصيات المقصودة في ملفاتها المسربة، والتي قد تكون سببا في فتح الباب على صراعات وأزمات جديدة، قد تهدد الواقع السياسي، وتهدد السياسة الدبلوماسية العراقية، تلك التي تعاني أصلا من ضعف في تعاطيها مع الكثير من الملفات، إذ أن ما كشفه موقع ويكيليكس من تسريبات يضع هذه السياسة أمام مسوؤلية وطنية وإدارية، مثلما يضع السياسة الأمنية في حفظ الوثائق أمام خطر كبير، كما ان هذا لا يمكن فصله، وطبيعة توقيته عن الدور المخابراتي الاميركي، الذي باتت لعبة الأزمات هي جوهر سياساته القائمة على صناعة الخنادق وخلط الأوراق.
إن نشر أكثر من 60 ألف برقية دبلوماسية من وثائق المؤسسات الدبلوماسية السعودية ليس عشوائيا، إنه جزء من سياسة ممنهجة، وتقوم أصلا على فتح سياسة الفضائح، والتي تذكّرنا بما نشره موقع ويكيليكس عام 2010 حين نشر تسريبات كبيرة لبرقيات وزارة الخارجية الأميركية، لكن خطورة ما تم نشره حتى الآن من 500 ألف وثيقة سيتم الكشف عنها يثير لغطا لخطورتها، ولطبيعة الملفات التي تتعاطى معها، وتكشف عن أسرارها، لاسيما ما يتعلق بدعم العمليات الإرهابية وتجنيد الارهابيين في العراق وسوريا، وفضح شخصيات عراقية سياسية وإعلامية لها موقف إشكالي من العملية السياسية العراقية، فضلا عن كشف وتعرية السياسة الأميركية البراغماتية في المنطقة ودورها في تغذية الصراعات المهددة للسلم الأهلي، وعدم جديتها في مواجهة تضخم الجماعات الارهابية، وحتى توظيفها لصالح تنفيذ أجندات سياسية ستراتيجية تخدم مصالح الولايات المتحدة، ومنها ما يتعلق بالملف النووي الإيراني ومعارضة السعودية لأي اتفاق مع إيران في هذا المجال، والضغط لإسقاط النظام في سوريا، وهو ما يعني الضغط على الواقع السياسي العراقي، وخلق المزيد من الأزمات أمام العملية السياسية، وتوريط شخصيات عراقية في إطار خلق لوبي مضاد لأية علاقة سياسية واقتصادية وأمنية مع إيران وسوريا.
لا يمكن فصل ما نشر من وثائق عن الجانب السياسي، وهو ما لم يدفع الجهات العراقية حتى الآن الى التعاطي الواقعي معها، أو حتى مطالبة الشخصيات المشار اليها بتوضيح مواقفها من ذلك، لأن التغافل عن ذلك سيكون كارثة قانونية ووطنية، كما أن التسليم الكامل بها سيكون محطّ جدل، وهو ما يعني ضرورة وضع الأمر في سياقه القانوني وليس السياسي، وباتجاه وضع توصيف دقيق لهذه المعلومات، واتخاذ الإجراءات الوطنية بحق أي خرق يمسّ السيادة، ويعرّض الأمن الوطني للاخطار، أو يتساهل مع شخصيات وظيفية في الجهاز الحكومي بعيدا عن المحاسبة والردع، وبما يعزز قوة الدولة ومؤسساتها ويحمي شخصيتها من التجاوزات.
إن حرب الوثائق هي الحرب المقبلة، والتي ستكون أيضا مجالا لتشويه مواقف وسياسات وشخصيات، مثلما ستكون لحظة مفارقة لإشغال الرأي العام العراقي والعربي عن الكثير من المشكلات السياسية والاقتصادية والأمنية، وفتح الباب لصراعات قد تعرّض الامن القومي العربي الى مشكلات خطيرة، والى فضائح قد تكشف عن حقيقة الدور السعودي والخليجي في تهديد الأمن الوطني العراقي، وفي دعم الجماعات الإرهابية بالسلاح والمال، والتنسيق مع جهات إقليمية اخرى لفتح جبهات في بعض المدن ذات الحواضن الطائفية.
ولعل الأخطر ما في الأمر أن تكون هذه الحرب التي لا تتعلق بالأمن العراقي وحده بابا لتكريس التوصيف الطائفي لها، من منطلق أن السياسة السعودية أمنيا ودبلوماسيا تقوم أساسا على الترهيب الطائفي، ووضع العراق في أجندة صراعية ترتبط بتمويل كل جماعات العنف والتطرف الطائفي بعيدا عن اية اعتبارات قومية وسياسية، وهو ما يعني أيضا فضحا لأزمة الدولة السعودية ومواقفها، ودفعها للتورط كثيرا في حروب استنزاف وفضائح تبدأ من حرب الوثائق التي كشف عنها موقع ويكيليكس.

