لكل حدث نتيجة له أو عليه, وقمة بغداد بالسياقات السياسية التي تمر بها المنطقة والعالم هي حدث مهما تواضعت نتائجه. وأذا أخذنا بنظر ألاعتبار تردي الوضع السياسي العربي, وعدم وصول المخاضات التي عصفت به الى نتائج تسجل لصالح المواطن كقيمة إنسانية سبقتنا اليها دول كثيرة. وإذا استحضرنا ما أريد للعراق من عزلة أقليمية وعربية أطرافها واضحة تترجم نواياها بشكل عملي حتى وصلت تلك الترجمة الى طريقة التمثيل في مؤتمر القمة ببغداد, وما أريد للعراق من اشتعال فتنة داخلية أدواتها معروفة جعلت من الحراك الداخلي في العملية السياسية بابا من أبواب الاستباحة السيادية وصلت الى الحد الذي لايفرق بين طرح المشكلات العربية في القمة وبين طرح المشكلات الداخلية العراقية في القمة العربية ببغداد. وهذا اللون والمستوى من التفكير هو الذي صنع شرنقة التمحل والمراوحة المملة بين الذين دخلوا الندوة البرلمانية بأصوات غيرهم نتيجة دكتاتورية القائمة الانتخابية التي ظلت حكرا بيد الكتل والأحزاب التي استهوتها سهولة حصد الاصوات على حساب الناخب وعلى حساب الوطن معا. كما أن هذا اللون والمستوى من التفكير هو الذي صنع الضعف الحكومي بكادره المرحل قسرا عبر المحاصصة ذات التفقيس الخديجي في مؤسسات الدولة التي لم يعد أوكسجين الشعارات كافيا لخروجها من غرفة الإنعاش التي فسد العاملون فيها ولم يعد لجرس الانذار من فائدة على طريقة قول الشاعر :
من يهن يسهل الهوان عليه
مالجرح بميت أيلام
في مثل هذه الوسط انعقدت قمة بغداد, ووسط من هذا النوع لايسمح بالتألق كثيرا . ولكن قمة بغداد لمن يعرف أسرار المفهوم الغيبي الذي لايمكن إنكاره عقلا, أصبحت حدثا للعراق بالحد الادنى, فالعراق كان يحتاج القمة بمفهومها المعنوي وهذا ليس عيبا, والدول العربية كانت تحتاج القمة لنفي شبهات كثيرة لحقتها جراء عدم قدرتها على الحضور الفاعل في القضية الفلسطينية تاريخيا, وعدم قدرتها على التعامل مع القضية السورية بأفق متوازن يمنحها الدور القيادي الذي سلمته برهانات ضعيفة وواهية الى الأمم المتحدة, وكرست هذا التنازل في قمة بغداد عندما وقفت وراء مبادرة كوفي أنان المصنوعة أمريكيا, والجامعة العربية لاتملك حضورا في النقاط الست التي طرحتها مبادرة كوفي أنان لحل الازمة السورية. إن مابعد قمة بغداد العربية تعني أشياء كثيرة لمن يفقه المعنى السياسي للأحداث, وأريد هنا ان أركز على الخصوصية العراقية مابعد قمة بغداد , وهذه الخصوصية تتطلب النظر والتنظير العالي فيما يلي من الامور:
1- أن تعلم الكتل السياسية المشاركة في الحكم أن نجاح قمة بغداد في حده الادنى عربيا وفي حده الاعلى عراقيا هو نجاح لجميع العراقيين. 2- أن تعلم الحواضن العراقية من دينية وعشائرية وحزبية وهيئات ومنظمات ونقابات, أنها معنية جميعا بما بعد قمة بغداد من انعكاسات ومخاضات. 3- أن تعلم المؤسسات الاعلامية من فضائيات وصحف واذاعات ومجلات أنها معنية بانعكاسات مابعد قمة بغداد وطنيا حتى لاتظل تغرد بعض الجهات على سمفونية ماقبل القمة التي حملت كثيرا من التحريض وروجت كثيرا من الشبهات, مما جعلها تخطئ في ترجمة حرية الرأي ذات الابعاد المقدسة, مثلما جعلها تخطئ في مفهوم الفن فسوقت بضاعة متهافتة تزدريها عين الناظر قبل تذوقها, وتعافها أذن السامع منذ الموجات الاولى لصخب الاوتار المعتدي على المطرقة والسندان والمتجاوز على لحاء العصب السمعي بتسلل غير مرغوب فيه. 4- وأن يعلم أحبتنا وأخوتنا من الذين طالبوا بإقامة الاقاليم: أن العراق المعافى من البند السابع , والقادر على محاصرة الارهاب وإنهائه, هو القادر بعون الله على إعطاء الحقوق لكل أبنائه, وأن قانونا للانتخابات جديدا, ودستورا مستوفيا للصياغة على مساحة ألاجتماع والجغرافية العراقية تتحقق فيه التوازنات المطلوبة هو البناء الصحيح لأرضية وسقف المناخ السياسي الذي لايخشى عليه من هزات طائفية وأخرى عنصرية وحزبية بعد أن أصبحت الانتخابات بابا للممارسة الديمقراطية في الحكم , وبقي علينا صقل التجربة, واستمرارية العمل بجد وحيوية بعد غربلة شوائب المرحلة حتى لا تظهر لنا حواشي طفيلية كما هي الان في كل أركان الدولة. 5- وأن يعلم الاخوة المتحفظون على سياقات العمل في المرحلة التي سبقت مؤتمر قمة بغداد, أننا أمام استحقاقات عراقية وطنية بامتياز لاتصادرها شخصية صاحب القرار وأن أخطأ واشتبه وتمادى في خطأه , فالفلتر الانتخابي موجود, والمصدات الدستورية موجودة, ومن هنا فلا داعي للخوف والوجل الذي يصل الى حد اليأس. أن مابعد القمة يلقي إضاءات واعدة في الدور الجديد للعراق الذي يتطلب منه الشروع بتوحيد الصف الوطني, فلايجوز بعد اليوم أن منصة قاعة الاعلام في البرلمان العراقي تعج بالتصريحات غير المدروسة, ولايجوز أن تظل بعض الفضائيات تغرد خارج السرب الوطني مستفيدة من وجود أستودياهاتها في الخارج لاسيما ذلك الذي يحرض على أرباك الوضع العراقي. ولايجوز أن تظل بعض التشكيلات الحزبية مجهولة التمويل, مثلما لايجوز أن يستمر الانشطار والانشقاق الحزبي على حساب وحدة الجمهور ووحدة الوطن, ولايجوز أن تبقى بعض دول الجوار حاضنة للبؤر المتورطة في الارهاب والعمل المشبوه وطنيا والمحرّض على الفتنة الطائفية. ولا يجوز أن تظل المؤسسات الحكومية مختطفة ومحتكرة بطواقم معينة , مصادرة بذلك أصحاب الكفاءة والخبرة الذين تنتظرهم حاجة وطنية ملحّة في ردم هوة التخلف التي ظهرت واضحة للعيان في كل مفصل من مفاصل الدولة. ولايجوز أن يظل العراق واقفا في المنطقة الرمادية تجاه القضية السورية, وتبعات ترؤسه للقمة العربية لايجب أن تتحول الى تكبيل لدوره العربي الانساني في فهم حقيقة مايجري في سورية لاسيما وأن الاطراف التي عرفت بتغذيتها للعنف في سورية وتلك التي عرفت بتسليحها للمعارضة السورية وهي ممارسة مرفوضة ديمقراطيا ومرفوضة من قبل مشروع مكافحة الارهاب, هذه الاطراف أعترفت بوجود اختراقات إرهابية في المعارضة السورية, ومؤتمر مايسمى أصدقاء سورية الذي فشل في تونس لا نأمل أن يخدع أحد بعدم نجاحه في أسطنبول بعد أن فشلت تركيا وفشلت قطر والسعودية, وأمتنعت أمريكا والدول الاوربية من التدخل العسكري, وظهرت بشاعة العنف الممارس من قبل العصابات المسلحة, وأدركت ذلك قمة البريكس التي دعت الى الحوار وطلبت إيقاف الدعم العسكري للمعارضة السورية, والعراق قبل ذلك وبعد ذلك مطالب بوفاء للشعب السوري الشقيق ومقتضيات الوفاء أن يكون وسيطا في الحوار وداعيا لنبذ التدخل العسكري في سوريا كما كان موقف رئيس الحكومة في المؤتمر الصحفي مع أوباما في واشنطن والذي قدر عاليا من قبل الشعب السوري.