من خصائص الفكر السياسي قدرته على السجال المنتج للمعرفة إلا أن منطقتنا بشكل عام والعراق بشكل خاص يعاني عدم خصوبة في الحوارات السياسية , لاسيما تلك التي تدور في أروقة الحكومة وأحزاب السلطة .
فبدلاً من الانفتاح على آفاق المستقبل والتنظير للدولة في مجالات التخطيط والتنمية والبناء في مستوياته المتطورة كما هو في الدول ذات الإنتاجية والنمو الملموس وهو ما يبدأ من 1|0 إلى 8|0 سنوياً، إلا أن السجال السياسي في العراق ينحدر صوب المنخفضات الفكرية, لأن الذين يشاركون بهذا السجال لا يمتلكون القدرة على إثراء الحقل السياسي وإنما أصبحوا سبباً للتصحر السياسي التي ترك مناخاً جافاً لا ينمو فيه ورق ولا يزهر فيه برعم ولا يثمر فيه من ينع.
فجل المشاركين في المناكفات السياسية يحشرون أنفسهم في دهاليز المديح الشخصي , ويكثرون من الثناء لأحزابهم وكياناتهم التي أصبحت لا ينفع معها تلميع ولا يغير من واقعها التشجيع.
فهم مشغولون بالدستور, ولا يعرفون ما هي خبايا وكهوف الدستور الذي كتب بنيات لا تريد خيراً للعراق ويكفي أن يكون نوح فيلدمان مستشاراً لما كتب, وبريمر راعياً لما نصب من أفخاخ, والجوقة الحديثة بالسياسة وصالوناتها شكلت زغاريد الفرح التي لا تتعدى حنجرة الصارخين والمهللين وهم من غثاء البرانيات ومن حواشي المكاتب الذين يتكاثرون كتكاثر الطحالب والاشنات.
للسجال السياسي قواعد وأصول , وله أدبيات وأولويات، لكن في العراق تحرق الأوراق ويستحضر النفاق وتدق الأعناق ويدان البريء, ويجرم من لا علم له بالجريمة , ويتوج المجرم وينادى للأبله والمعتوه , ويقدم المتأخر, ويؤخر المتقدم، ولهذا يضيع السجال, وتحل مكانه لكنة المقال وحبسة اللسان عند المغفل من الرجال, فتتحول الرطانة إلى مقالة, وينسب الأدب إلى الخنفسانة, وهذا هو الجدب الذي يجلب المهانة.
وتلك هي إخفاقات السجال السياسي التي لا تحتاج إلى بيان ويكفي انك تستمع إلى احدهم وهو يهذي أمام الميكرفونات ويزداد حنقاً أمام عدسات الفضائيات فتتحقق مصداقية القاعدة :
“ تكلموا تعرفوا والمرء مخبوء تحت لسانه”، لقد تحول السجال السياسي في العراق إلى عراك تشتبك فيه الألسن أولاً ثم تتحرك الأيدي بخفاء ليحل الاشتباك بالصور التالية:
1- تأليب سفارات دول كبرى
2- تأليب بعض دول الجوار
3- كواتم صوت
4- مفخخات
5- أحزمة ناسفة
6- عبوات ناسفة
ولذلك اعترف ما يسمى بدولة العراق الإسلامية وهو تنظيم وهابي تكفيري عن مسؤوليته عن “131” تفجيراً في العراق خلال المدة الأخيرة.
وهذا أن دل على شيء فإنما يدل على بيان نوعية السجال الذي يراد رسم صورته في العراق , فهو قتال وليس سجالاً يقوم على استحضار ما يلي :
1- زرع بذور الفتنة
2- تخريب النفوس باستعداء لا يبقي ولا يذر
3- تحريض يتخذ من السياسة غطاء
4- إظهار المشاكسة لتوجهات الدولة حتى في الصحيح منها والوطني مثل : قضية تسليح الجيش, ومسك الحدود, ومنع تهريب النفط والغاز, ومنع الاعتداء على سيادة الدولة كما حدث في زيارة وزير خارجية تركيا احمد داود اوغلو التي شاهدنا اختلافاً في الآراء لا يدخل في إطار السجال السياسي الوطني وإنما هو عمل لا نجد له شبيهاً في سجالات الشعوب والنخب السياسية بشأن قضية وطنية بامتياز مثل: احترام سيادة الوطن .
إن تحول النقاش إلى تبريرات خطأ قام به وزير دولة تعمدت حكومته إلى الإساءة إلى الحكومة العراقية من خلال التدخل بالشؤون الداخلية العراقية واستعمال الورقة الطائفية ذريعة تحمل الكثير من اللؤم والكراهية, ثم كررت ذلك باحتضانها لمن هو مطلوب قضائياً للقضاء العراقي وهذا عمل ترفضه القوانين الدولية والأعراف الدبلوماسية ومبادئ حسن الجوار مثلما ترفضه طبيعة العلاقة بين الشعبين التي تتداخل فيها المصالح بشكل لا يقبل تخريبها, ومن يفعل ذلك يخون شعبه قبل أن يسيء لغيره .
ومن مظاهر سطحية التعليقات السياسية التي يتناولها ويتداولها المحسوبون على أحزاب السلطة وكتلها ومن هم يعملون في مناخاتها ممن انتحلوا صفة المحلل السياسي ووجدت فيهم بعض الفضائيات وسيلة لحشو مادتها وسد الفراغ الإعلامي بما يحول الإعلام إلى ثرثرة تجلب الملل وتؤدي إلى صداع المشاهدين والمستمعين بعد أن تضيع الحقائق وتشوه المعاني ويختلط الحابل بالنابل فلا يعرف من المخطئ ومن المسيء ومن هو صاحب الحق .ونتيجة لذلك الحشو من معاكسات الرأي الذي يعتمد خطل الكلام وزيف الاستنتاجات والادعاء بدون دليل لم تعد مواضيع الساعة معروفة ومشخّصة, ولم يعد عدو الأمة التاريخي يتصدر اهتمام الأحاديث الإعلامية والسياسية , مثلما لم تشخص النشاطات العدائية مثل مشروع الإرهاب الذي أصبح يستنزف العراق والمنطقة, ومازال بعض السياسيين في العراق لم يحددوا أولوياتهم تجاه المشروع الإرهابي التدميري , فما زال البعض يقيم علاقات مع الدول الداعمة للإرهاب وتلك خيانة, وهي من النتائج الوخيمة لإخفاقات السجال السياسي في العراق, مثلما مازال البعض من النواب لا يستحي من تكرار ظهوره على شاشات الفضائيات من عواصم دول الجوار، وما هو أبعد من دول الجوار فيما كان يعرف ببلاد ما وراء البحر, وتلك ظاهرة تسقط كل حجة لمن يفعلها, وهذه دول العالم أمامنا وبرلمانياتها لا نشاهد منهم من يكرر ظهوره اليومي والأسبوعي والشهري ليتحدث عن مسائل بلاده وهو جالس في بلد أجنبي، اللهم إلا من يكون قادماً لزيارة رسمية محددة, بينما حالة بعض النواب والمسؤولين في العراق تعبّر عن تسيب وظيفي مصحوب بالتسيب السياسي الذي يقف وراء ظاهرة إخفاق السجال السياسي في العراق .