في البدء لابد من القول : لا تنمية مع الفساد

ولا خلاص من الفساد مع وجود بعض فساد ملفات الفساد  

وهذا التمحل يجعلنا نستذكر قول الشاعر:

بليت بأعور فازداد همي

             فكيف إذا بليت بأعورين  

والأعور الأول  هو ملفات الفساد , والأعور الثاني هو فساد بعض ملفات الفساد  

والمثل الذي ينطبق علينا هنا هو وجود ظاهرة “حاميها حراميها” 

والمعضلة هنا : من اختار هذا “ الحامي “ “ الحرامي “  

هل هي صناديق الانتخاب  

أم مكاتب الأحزاب  

 أم رؤساء الكتل  

أم الجهات النافذة الأخرى  وهي على الشكل الآتي :

1-  الحكومة

2-  مجلس النواب

3-  مجالس المحافظات والإقليم برئاسته وحكومته ومجلس نوابه

4- الهيئات المستقلة

هذه الحواضن أصبحت جاذبة للفساد وغير طاردة للفساد وللأسباب التالية :

1-  سكوتها عن التزوير بل محاولة تشريع قانون يعفي المزورين

2-  دفاعها عن الفاسدين من خلال تغطيتهم وفتح منافذ لهم للتسرب الى حقول الاستثمار مثل شركات , مقاولات , تعهدات , خطابات ضمان وصيرفة وعمولة . 

3-  ونتيجة لذلك السكوت المريب , والدفاع غير البريء أصبح العراق مطوقا بشرنقة من العملاء تجوب دوائر الدولة. ومؤسساتها تفتح لها الحواجز والسيطرات بهويات تحمل لهيب الخطورة والامتياز المعزز بالسطوة التي تجعلها تدخل أي مكان تريد وتصل الى أي جهة ممنوع الوصل إليها .

4-  وأصحاب الامتيازات هؤلاء أصبحوا أسماء مخيفة لا يقوى الوزير على رد طلبها, ويستقبلها وكيل الوزير بخضوع تام ويتلقى المدير العام تعليماتها طمعا بالرضا وعدم العقوبة  وينفذ المحافظ ما تريد, ويتبارى أعضاء مجالس المحافظات لاستقبالها , وأعضاء مجلس النواب لصحبتها في الزيارات خارج العراق, ولذلك كثرت مشاهد الاستضافات الفضائية للبعض من هؤلاء من خارج العراق حتى أصبحت عمان بؤرة انطلاق تتصل بالإمارات والسعودية والقاهرة ولندن وطهران ولا ننسى بعض الولايات الأمريكية فالبعد هنا ليس مشكلة لمن يمتلك “ الايفون 4 , 5 “ مع السيولة النقدية الجارية في كل البنوك والمصارف التي يتوزعها الإقليم والعالم, فأحد أبالسة البورصة والسمسرة الجديدة الذي يعمل من خلف موقع رئاسي سجلت له المكالمة التالية على الموبايل يقول فيها: “يقولون عندي مليارات من الدولارات  والله ما عندي غير مئة مليون دولار ؟! . 

ونقل احد الذين كان مقربا من إحدى الرئاسات وابعد عنها قوله:

“ان احد المقربين من موقع رئاسي والذي يمثله في بعض المناسبات قوله: أنا مفتاح الرئاسة الفلانية فكل ما تريدون لا يتحقق إلا من خلالي وعن طريقي” ولذلك تكدست عنده طلبات السماسرة والمقاولين والمستثمرين والميسورين من أصحاب الحاجات الملحة حتى عرف بالكذاب الأشر.  

لهذه الأسباب خيم الفساد على الدولة والحكومة ومؤسساتها ولم تعد تنفع لجان المراقبة والنزاهة في مجلس النواب لأنها مخترقة ولم تنفع لجان أخرى لأنها تعاني من نفس العلل والأمراض, ولم تعد هيئة النزاهة إكمال مهمتها لوصول الداء إليها, ولم يعد القضاء قادرا على إتمام رسالته لوجود نفس الأعراض التي أصيبت بها بقية الجهات والهيئات والمؤسسات, وهناك معضلة للفساد مستعصية بحكم الحالة الأمنية وخصوصيتها ومن يمثلها ظل يرتع كما يريد ويصطاد من يريد من غنائم السرقة للمال العام سواء بالمشتريات التي لا تلاحقها إلا العين السحرية وهي غير موجودة عند البشر وتظل خائنة الأعين وما تخفي الصدور ليس باستطاعة القدرات البشرية المحدودة .

إن عيونا لا تشبع من النظر لما حرم الله , وبطونا أدمنت أكل السحت لما تجد وتطلب مالا تجد وأصبحت من أهل القرار لا يؤتمن منها مال ولا عرض ولا دم يحلله الزائف من الشعار.  

وان أيادي تطاولت وامتدت إلى مالا يجوز وهي لا تفرق بين الفتى والفتاة والعجوز, وتتخذ من فنادق بغداد ذات الخمس نجوم مأوى لها في آخر الليل حيث تقتنص الخلوات في البارات والملاهي المليئة بالحسناوات, هذه الأيادي لا يمكن ان تكون وصية على امن الناس لأنها تعمل على بوصلة الوسواس الخناس, وتهجر كل شيء في سبيل الإيناس, ولا تبالي أن أصاب البلد الخراب والإفلاس, فمدخراتها أصبحت في الخارج تعد بالأكداس . 

لهذا فالتنمية في العراق متوقفة, ومشاريعها مؤجلة إلى أن يتخلص العراق من الفاسدين ومن ملفات الفساد ومن فساد بعض ملفات الفساد, ومن رقابة المفسدين, ومن خطب الذين اكتنزوا من وراء الفساد ووصلوا إلى ما وصلوا إليه من خنادق الفساد واعتلوا ظهر ما يقفون عليه بمستلزمات الفساد, وحجوا واعتمروا بطرق الفساد, وانتخبوا بمال الفساد, واستوزروا بعمولة الفساد, واستثمروا بربا الفساد, وتوضأوا بماء الفساد وتيمموا بتراب الفساد, وحلفوا بلغة الفساد واقسموا بنية الفساد وتعاهدوا على ولاية الفساد واخلصوا لائمة الفساد , واتبعوا رؤساء الفساد .

هؤلاء جميعا لا يرتجى منهم حصاد لغلة تطعم العباد, وإنما يخشى منهم عواصف الرماد وهلاك العباد  وفضيحة الأوغاد

فهم همزة الشيطان ووسوسة إبليس ورنة الخلخال في عسعسة الليل وجنة الظلام, وهواجس النفس التي لا تعرف الحلال والحرام كتلك الغانية اللعوب التي تقول: لا اشغل نفسي بالحلال والحرام, لأنها أصبحت كفاقد الشيء لا يعطيه.  

او كناقر على الطبلة بين الطرشان , وموقد الشمعة بين العميان هذا حال المصلحين في وسط المفسدين والذين ران على قلوبهم فهم يعمهون, أو كالذين “سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون * ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم *”.

ولنا من قدرة الله الفرج وعلينا بذل الإخلاص والطاعة فهي مفتاح تغير الجماعة.

التعليقات معطلة