أعلنت مفوضية الانتخابات أن نسبة التصويت بشكل عام لم تتجاوز 51%، وأن نسبة التصويت في بغداد 33% وفي البصرة 42%. وإذا أخذنا نسب التصويت في أي انتخابات في مختلف البلدان في العالم لم تتحقق نسب متكاملة مائة في المائة, ولا حتى النسب التي تدخل مربع التسعين مثلا، والسبب في ذلك راجع لحالات إنسانية كالمرض والسفر وأخرى وجدانية كتغير المزاج, أو نتيجة احتجاج كموقف سياسي لا يعجبه ما يلي:
1- نوعية المرشحين.
2- نوعية الشعارات المطروحة.
3- عدم قدرة المتنافسين على تحقيق وعود سابقة.
4- تفشي الفساد بين صفوف الكتل والأحزاب المتنافسة.
5- المبالغة بالإنفاق في الدعاية الانتخابية دون مراعاة شعور الفقراء.
ولكن إذا أخذنا بنظر الاعتبار انتخابات مجالس المحافظات التي جرت السبت الماضي في العراق والتي أجلت فيها انتخابات محافظتي نينوى والانبار لأسباب موضوعية يعتبر العامل الأمني في مقدمتها، فأن الحديث عن انخفاض نسبة التصويت الذي لم يكن كبيرا باستثناء محافظة بغداد, فأن المراقب للشأن العراقي يمكن أن يخلص إلى أهم أسباب ذلك الانخفاض والتي كانت على الشكل الآتي:
1- وجود مرشحين غير كفوئين ممن لم يشكلوا عامل جذب للمواطنين.
2- وجود مرشحين عرفوا بفسادهم، مما جعل العدد الكبير من المواطنين يعزفون عن التصويت.
3- وجود اضطرابات مفتعلة في الانبار ونينوى انعكست على مشاعر البعض ممن لا يدركون طبيعة المخطط التوراتي المعد للعراق, حيث أثر ذلك في الانكماش الذي ظهر واضحا في بعض مناطق بغداد.
4- وجود كثرة الخلافات غير المبررة بين الكتل والأحزاب المتنافسة.
5- إغلاق صناديق الاقتراع مبكرا (الساعة الخامسة عصرا في توقيت العراق) لم يكن قرارا مبررا من جانب المفوضية، مما ساهم في ضياع فرص الكثير من المواطنين للإدلاء بأصواتهم, وربما يكون هذا من أكثر الأسباب المباشرة لانخفاض نسبة التصويت التي بقيت مقبولة بلحاظ ظروف العراق الأمنية.
6- كثرة الحواجز والمفارز الأمنية في بغداد، وهي مبررة من وجهة نظر أمنية, ولكنها تسببت في تقليل نسبة الناخبين.
وإذا كانت التقديرات الأولية تشير إلى تقدم قائمة ائتلاف دولة القانون والقائمة الرديفة لها وهي قائمة الكفاءات والتي جاءت بالمرتبة الثانية في محافظة بابل, ثم تلتها قائمة “المواطن” بالمرتبة الثالثة في بعض المحافظات، وحصول قائمة التيار الصدري على المرتبة الرابعة في محافظة بابل -يقال أنها حصلت على 30000 صوت فقط- ولكن الأمر يختلف في محافظة صلاح الدين التي لم تتوضح فيها صورة القوائم المتنافسة وإن كانت نسبة التصويت مرتفعة قياسا للمحافظات الأخرى، حيث بلغت نسبة التصويت في صلاح الدين 60%، وهي نسبة جيدة, وجيدة جدا بلحاظ ظروف محافظة صلاح الدين.
وانخفاض نسبة التصويت تلقي بظلالها على جميع الكتل والأحزاب, لاسيما من حيث نوعية المرشحين غير المناسبة التي شارك فيها كل من كان مسؤولا عن الترشيح من جميع الأحزاب والكيانات، حيث ساهمت كل المكاتب في المحافظات بتردي نوعية الترشيح الذي غلب عليه طابع العلاقات الشخصية والمحاباة على حساب المصلحة الوطنية, وعلى حساب الأمانة التي تتحملها تلك المكاتب تجاه المواطن العراقي في تقديم الأحسن والأكفأ والأكثر خبرة وتجربة, ولكنها لم تفعل. كما أن تراجع نسبة البعض من حصتهم من التصويت الذي كانوا يحلمون به هو درس لذلك البعض, لاسيما وأن بعض المواقف لم تكن على قدر كبير من الفهم والنضج السياسي, كما أن كثيرا من التصريحات لم تكن تنتمي إلى معرفة سياسية أو إلى قراءة موضوعية لطبيعة حركة الواقع السياسي في العراق وما يحيطه من شراهة بعض الجيران وتدخل البعض الآخر في الشؤون الداخلية للعراق, وتناغم بعض المشاركين في العملية السياسية وفي الحكومة مع تلك المواقف والتدخلات بشكل يبعدهم عن الوحدة الوطنية مثلما يبعدهم عن الانتماء للروح الوطنية العراقية, وما جرى في مجلس النواب، وما جرى من مقاطعة لجلسات مجلس الوزراء غير مبررة ولا تعبر عن حرص وطني, وحرص على أداء الأمانة والقسم الذي تحمله من دخل في الخدمة العامة وزيرا أو نائبا, مما يبدو أننا بحاجة إلى إعادة النظر في كل مصاديق العملية السياسية ومفاهيمها وطبيعة المشاركين فيها من الذين دخلوا من باب ويحاولون الخروج من باب آخر, هذا فضلا عن الذين دخلوا من الشباك وهم كثر بفضل الاحتلال, وبفضل من لم يكن حريصا على أمن ووحدة العراق من الذين دخلوا من مناشئ تنظيمية تنتمي لحاضنات غير عراقية, أو من الذين وجدوا في الحاضنات الإرهابية حمالة ذرائعية للعزف على الوتر الطائفي معتمدين على قوة النار والسلاح دون السؤال عن وجهتها وأهدافها ومصادر تمويلها ومن يقف وراءها ومن هو المنتفع منها سياسيا وجغرافيا، حتى ظهرت لدينا شريحة لا يهمها لمن تفتح مشافي إسرائيل من المجموعات المسلحة في المنطقة, مثلما ظهر لدينا معممون يكثرون من الخطب ولا يهمهم إن كان المستمعون لهم لا يميزون بين الناقة والجمل, ولا يستنكرون المال الذي يدفع لطعامهم ونقلهم ما هو مصدره, وكأنهم لا يعلمون أن إسرائيل هي التي تبارك أعمالهم وتفرح لما يقومون به من شتم وسب حكومتهم في العراق, وهؤلاء المعممون الذين اتخذوا من مصطلح السجينات والسجناء فزاعة لخطاباتهم المنكرة التي لم تجد غير نصرة الإرهابيين الذين ذبحوا العراقيين وهم يهللون بكلمة “الله أكبر”، وهي بدعة لم يسبقهم أحد لها على مر التاريخ المليء بالأخطاء التي تدمي القلوب، ولكن عمل التكفيريين الإرهابيين اليوم يهتز له العرش ويستجلب غضب السماء التي أعدت لذلك جنودا لا يعلمها من هانت عليه نفسه ومشى وراء شهوته وكانت لعبته المفضلة “الفتنة الطائفية”.
والعراقيون بحسهم المكتوي بنار الطائفية وفتنتها ينفرون من المواقف التي هي استنساخ لموقف أبي موسى الأشعري, وبعض سياسيي اليوم في العراق جسدوا موقف الأشعري وإن لم يقصدوا ذلك, ففضحتهم سذاجتهم وغلبهم جهلهم بما يجري من ألاعيب وخطط ماكرة للمخطط التوراتي, ومن راهن على جمهوره البريء سيخذله جمهوره, ومن راهن على جمهور ليس له سيلفظه ذلك الجمهور -وقد حدث بعض ذلك- وانتخابات مجالس محافظات العراق كشفت بعضا من ذلك, وستكمل انتخابات مجلس النواب القادم مسلسل الانهيار لتلك المواقف التي لم تحسن الخيار والاختيار.