علي بابان / وزير التخطيط الأسبق 
لايمكن لأي امة ان تفقد الرؤية او البوصلة التي تستهدي بها وهي تسير في طريق بناء القوة والازدهار والعمران لشعوبها .
الرؤية تلخص تجربة الامة عبر تاريخها ..كما تجسد طموحها واعتزازها بذاتها وحقها في الحياة ..
الرؤية تعني العين البصيرة التي تعرف طريقها برشد ووضوح ..والرؤية تحدد اقصر الطرق وأيسرها ، وانجح العلاجات وأكثرها فاعلية ، واجدي المناهج واسلم السياسات ..
الأمة التي لاتملك الرؤية لاتعرف في اي طريق تسير وهل هو طريق صاعد يرتقي بها الى القمم او هو طريق هابط ينزلق بها الى الحضيض .
ضياع البوصلة ..يعني ضياع الزمن والفرصة والثروة ، ويعني ان الأمة تصبح حقلا للتجارب وقد تضيع عليها فرص عظيمة لاتتكرر ..
في ظل فقدان الرؤية والإستراتيجية والمنهجية المعتمدة تكون لنا في كل يوم رؤية وكل ساعة إستراتيجية..ولن يكتب لنا انجاز او نجاح .
ولأننا نغير وجهتنا باستمرار فلن نصل الى اي محطة ولن ندرك اي هدف .
الرؤية او الإستراتيجية الاقتصادية التي تعتمدها امة لايمكن ان تنفصل عن الرؤية العامة لبناء الدولة ..وحالة الاقتصاد لايمكن ان تنعزل عن الأوضاع الاجتماعية والسياسية في اي بلد ..ونحن في العراق نعيش هذه الحقائق ونؤمن بهذا الترابط . العراق لم يحسم خياراته الاجتماعية والسياسية ولذلك ليس من المتوقع ان يحسم خياراته الاقتصادية بسهولة .
ولكننا اليوم في وضع بات فيه التأخير باهظ التكلفة على حياتنا وعلى مصير اجيال العراقيين على هذه الأرض الطيبة .
انحدرت أسعار النفط إلى القاع وربما تنحدر الى قاع اخر وقتها انحدرت مواردنا وميزانيتنا وصرنا امام واقع خطير لابد ان نفكر فيه بالخلاص من هذا الحال البائس الذي نرهن فيه مستقبلنا ومستقبل اجيالنا لأسعار النفط .
لابد اليوم من حسم الاختيار الاقتصادي وان يحتشد الساسة وراء هذا الخيار ، فالقرار هو اشد مانحتاجة في الاقتصاد العراقي اليوم وبدون قرار وحسم ستفتقد الرؤية أهميتها  وستتفاقم مشكلاتنا الاقتصادية .
خياراتنا الاقتصادية واضحة ومحدودة وبوصلتنا معروفة الاتجاه ..الزراعة والصناعة ..القطاعات الإنتاجية ..والتحول الى مجتمع منتج،  وبناء قطاع خاص مؤهل ومتطور  يستطيع النهوض بالمهام التي تسند اليه  ..تخفيف الأحمال عن كاهل الدولة  ونقلها للأنشطة الخاصة من خلال برنامج متدرج ومدروس ..المزيد من الاستثمارات التي تضخ في شرايين الاقتصاد العراقي سواء جاءت من  الاستثمار الداخلي ام الخارجي  ، بكل بساطة هذه هي بوصلتنا ، وتلك هي استراتيجيينا .
امكانيات العراق معروفة  والفرص المتوفرة فيه مشخصة ومحدودة وليس هناك من مجال واسع للجدال والمناظرة ..لانملك اقتصادا معقدا تتعدد فيه الخيارات..لم يعد جائزا ان تبقى الزراعة العراقية بالحال التي هي عليه اليوم ، ولايمكن ان يقبل بان يكون وضع الصناعة كئيبا بهذا الشكل ..وليس مقبولا ان تكون خدماتنا بهذه الرداءة والتخلف .
لابد ان تدور عجلة الانتاج في مجتمعنا بكل سرعتها وقوتها لكي تعود الحياة مجددا في مفاصل اقتصادنا التي اصيبت بالضمور والتيبس .
تبني الرؤية واعتمادها هو الذي سيمكننا من اختزال المراحل وتعويض ما فات 
فاذا ما تيقن المريض انه توصل الى معرفة العلاج الناجع فانه سوف يصبر على مرارة الدواء ..
البوصلة الدقيقة في العراق لها اتجاه واحد لايخطيء ولايميل وهي لابد ان تكون دليلا مرشدا لمسيرتنا الاقتصادية التي كانت خلال العقود الاخيرة سنوات من التيه والضياع ..
ترسيخ وارساء الرؤية الاقتصادية سوف يسرع في تكريس الرؤية السياسية والاجتماعية وبدون الرؤية والاستراتيجية  والبوصلة التي تدل عليها سوف يستمر النزف وتتواصل الفوضى التي لايوجد ماهو اخطر واسوأ منها على اية امة من الامم .
ندرك اننا نواجه صعوبات في اتخاذ القرار ثم في تحويل القرار الى وقائع ..لكن تحديد الرؤية  وتبنيها هو بداية المبتدأ ، وهو الخطوة الاولى التي لامناص منها .
العراق اليوم وفي ظل الحقائق المستجدة في سوق النفط لم يعد يملك الكثير من الوقت والمال ، ولابد من ان نضبط البوصلة على الوجهة الصحيحة ونسرع الخطى في اتجاهها .
ملاحظة هذه الرؤية قيلت في بداية العام 2009 ولكن من اتعظ ؟!!

التعليقات معطلة