أحمد اللاوندى
محمد حلمي حامد شاعر مصري ولد بحي السيدة زينب بالقاهرة عام 1959، حصل على ليسانس اللغة العربية من كلية الآداب جامعة عين شمس عام 1990، والماجستير عام 1996، ثم الدكتوراه عام 2000، يعمل أستاذا للتصميم بكلية الفنون التطبيقية جامعة حلوان .
نشرت قصائده في شتى الدوريات المصرية والعربية، أصدر خمسة دواوين شعرية هي: قصائد برية عام 1981 وطقوس عام 1986 وخماصا تؤوب الطيور عام 2011 ورسم نائلة عام 2012 ورداء قديم عام 2013 .
مؤخرا صدر ديوانه السادس بعنوان (تراب السِّكَّة) عن سلسلة الإبداع الشعري المعاصر بالهيئة المصرية العامة للكتاب، يتكون الديوان من 144 صفحة، ويضم 15 قصيدة كلها من شعر التفعيلة.
لا تحنِ الرَّأسَ أو القامةْ
وتحمّلْ قدركَ آلامه
إن تبد أو تخف غضبًا
فالجرحُ سينهي أيَّامه
سيمرُّ العمرُ وما أحلى
أن تبقى مرفوعَ الهامةْ
إن الشاعر هنا يخاطب ويحرض الإنسان العربي في كل مكان، ويدعوه إلى عدم الانحناء، بل ويناديه بخطاب واضح، وبثورية معلنة كي يتحمل تلك الآلام، وهذه المشقات التي تحاصره، كما يرتجي منه أن يحس بواقعه المرير، ولا يذعن أبدًا لأية ضغوط فيظل مرفوع الهامة، إن مثل هذا الشعر لا يقنع أبدًا بالخضوع أو الاستسلام، بل يريد أن يؤدي دوره المنشود كما ينبغي، فرسالته لا تكتفي بالبوح، وبالتبليغ المكاني المحدود ،إنه يُصر على الوصول إلى كل بقعة من بقاع تلك الأرض، ولِمَ لا ؟ وهو القادر على خلق كلمات وأفكار ورؤى وأطروحات تتصدى للطغيان مهما بلغت قوة مواجهته، ومقاومته على الدوام.
لا تتركْ حقَّـكَ
لكلابِ الشَّارعِ والأريافْ
لا تخشَ الموتَ ولا تركضْ ذعرًا وتخافْ
الموتُ سيرقصُ عريانًا
في جُثثِ أسودٍ وخرافْ
هنا الذات الشاعرة تحمل على عاتقها طاقاتٍ، وهمومًا إنسانية وشعورية ضخمة للغاية، وذلك من خلال مجموعة من الألفاظ والمعاني والدلالات المختلطة بمشاعر وأحاسيس محمودة بالطبع كالاعتزاز بالنفس، والارتقاء، وعدم الخوف من الموت ،أو التفريط في الحقوق على اختلاف أشكالها ومسمَّياتها،كل تلك الأشياء وغيرها تجعلنا نقول إنها باب الدخول إلى العالم الشعري لمحمد حلمي حامد .
إنني أرى أن شاعرنا يعي ما يقول فهو يمتلك لغته، وصوره، وتعبيراته، وموسيقاه، فمعجمه يعج بالكثير من المفردات الدالة، والمعبرة عن الحدث برشاقة، وجاذبية، وبلا تعقيد.
عَلِّمْ قلبكَ كيفَ يُحبُّ
وإن أذاكَ الناس
ما أجمل القلب حين يحب حتى وإن تلقى الأذى من الناس، فبه تنتشر الفضائل، وتنتهي الرذائل، ويعم الخير على العالم،إنه هنا يذكرني بقول المسيح عليه السلام “أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، صلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم” .
مارِسْ حُبَّكَ
في العاصفةِ وفي الدَّيجورِ
وألمسْ شمسَ اللهِ
تأرجحْ فوقَ النُّورْ
في هذا المشهد أيضًا نتلمس مزاجًا شعوريا شفافًا يسيطر على شاعرنا بقوة وذلك من خلال مجموعة من المعاني الغير مبهمة، والبعيدة عن الشعوذة،وهذا دور الشعر وتأثيره في الحياة وفي الناس، يقول ميشيل مانويل “إن الحل لكي تعود الثقة بين القارئ والشاعر هو أن يصبح للشعر ما يكفي من الشفافية والوضوح ليغري أي واحد كان بقراءته” وهذا ما يقوم به محمد حلمي حامد ببراعة واحترافية فهو يبتعد عن الغموض، بل ويتعمد ذلك فهو يريد أن يصل إلى القارئ من أقصر الطرق بلا تعب، ودون معاناة.
يعودُ الحمامُ إلى عُشِّهِ في المساءْ
جناحاهُ نورٌ وفيضُ صفاءْ
يقابلُ غَدْرَ الصَّديقِ رصاصًا
فلا يعرفُ الزَّيفَ والانحناءْ
يرى القشَّ والعُشَّ دونَ بنيهِ
فيلقفهُ الحزنُ والكبرياءْ
يجسد لنا الشاعر بأناقة ورقي صورة غاية في الجمال حيث (الحمام/الرمز) الذي يرجع في آخر النهار محمًّلا بالفرح والسرور لأنه اجتهد وسعى على رزقه ورزق صغاره، حيث لم يعتمد على غيره مثل كثيرين من بني البشر، وفي المقابل وبعد هذا السعي وتلك التضحيات يجد غدر الصديق الذي دمر العش برصاصه الطائش، ورعونته الغير مسئولة، فيا له من كرب، ومشهد حزين لا يحتمل، يقول نيتشه “ليس هناك فنان يستطيع أن يحتمل الواقع لأن من طبيعة الفنان أن يضيق ذرعًا بالعالم” وهذا بالضبط ما فعله ويفعله شاعرنا، إنه لا يحتمل مثل هذه التصرفات الهمجية، وتلك السلوكيات الشاذة والمنبوذة التي انتشرت وسادت في المجتمع مما جعله يضيق، ويستنكر، ويشجب، ويتمرد، ويسخر، ويقاوم .
محمد حلمي حامد ضاقت عبارته فاتسعت رؤيته، ونحن هنا على عجالة قد تناولنا أنموذجًا مختلفًا في المشهد الشعري المصري المعاصر، إذ إنه يحرض من أجل نشر الخير، والعدل، والحرية، والكرامة، والقيم الإنسانية النبيلة .