عباس باني المالكي
السيرة الذاتية
تحقيق التوازن ما بين ذهنية فكرة النص والأطر الدلالية للنص الشعري تخلق أبعاد معنوية صورية تقارب الصورة إلى سيميائتها ، ويكون هذا لصالح لغة الصورية ومشهدية الحياة بتصاعدها البصري ، ما يؤدي إلى التحكم بالشكل ( الخارج) من أجل الارتقاء بالمحتوى الضمني ، لكي يبقى التوازن الدلالي ما بين الشكل والمضمون ، وهذا ما يحقق البينة الرؤيوية التي تنفتح على الاستعارة المركزية البؤرية للنص ،ما يجعل النص الشعري عنده: هو علاقة جدلية وتضافر فعال بين مستويات مختلفة من إيقاعية ولغوية تصويرية ، ضمن تأليف سيمفوني متكامل تلج عالم مبدعه الداخلي، فتتشكل لتخرج الصورة التي تكشف عن رؤاه للعالم الخارجي، وهذا ما نجده في مجموعة الشاعر علي محمد الحسون (حلم في ذاكرة ) وقد استطاع أن يكون نصوص خارج أنساق النصوص الاعتيادية بعمق الدالة الموحية بايجابيات الإنسان المتوحد مع روحة في زمن تزحف موانئه إلى شواطئ الروح بالغربة، وقد حقق نص توحيد العوالم الدفينة في داخل الذات الموحية بعمق تجربته في الحياة ، وقد شكل البؤرة محور أنساق الحلم في الذاكرة ،واستطاع أن يجعل من مساحة الحلم، هي الحقيقة الباقية في داخلنا وسط إرهاصات المكان حولنا، فجاء النص كلوحة سريالية عميقة المعنى في التكثيف الصورة الذهنية نتيجة تعاون كل الحواس وكل الملكات مع معرفته بمعاني اللغة المتقاربة، التي تحتم تقارب خطوط الصورة الشعرية ، فجاءت الكلمات شفافة بالمعنى ،عميقة بالرؤيا المعبرة عن أحداث حياته وانعكاس لمسيرته الذاتية ، وهذا ما يسمى في النقد الحديث (منهج البيوجرافي).ما جعل الاستعارة الفكرية ذات دلالات موحية بالرؤيا الذي أراده أن يصل إلى المتلقي ، وجعل النص لديه نص اللغة والصورة الشعرية ..
نص (جناية) ص 23
(يتوارى كأمواج تتلاشى /كأعوام مضت/شوارع أصابها العمى /تستقطب الندم /الفوانيس تتثاءب /لمحطات تتبادل الحقائب /سنابك الكوابيس تسحق خاصرة الليل./جهض الحلم /يغوص في شواخص الزمن العتيدة /يبحث عن تلك الرغبة /أثرت إلا الإصرار /لم تدرك معنى الجناية /نبتت في أرض سبخة ./بذرة ليس للزرع /بل طعم يسترسل منها نشوة / أين كان العقم !!)
الشاعر يتدرج في تحديد الحياة حين تكون غير شريعة وخارج القيم الإنسانية، لا تنتج إلا الولادة غير شرعية والمشوهة ، وقد أتخذ من تصوره الإدراكي تحديد المعنى لكي يقارب الفعل الدلالي الذي ينمو وفق سياقات الحدث المشهدي في الحياة ، وتم هذا من خلال الحوار الداخلي لكي يكشف كل ما يحيط به من مسيرة الحياة ، مع كل ما مر به في حياته(كـأعوام مضت ) لهذا نجده يفقد الأمل بالوصول إلى لحظة التصالح مع الواقع ، لكي يبين تداعي الحدث ونموه ، يناظر سيرته في الحياة مع كل ما يشهده في كل أعوامه ، فكل شيء يتلاشى و يبتعد من قيمة ، وقد أستخدم الاستعارة الأشارية لكي يوصل الدالة إلى مدلولها دون أن يتدخل في تحريكها اتجاه ما يريد لكي يتم كشف الأزمة التي يراها تتسع وتكبر ، ويجعل هذه الأزمة هي الدالة التي تنمو من أجل تحديد مصائر الإنسان في حياة تغيب عنها القيم ،فكل شيء أصبح عاطل عن الحياة ، حتى الشوارع أصابها العمى ،الضوء الشوارع صار مجرد فوانيس تتثاءب في طريق الضوء فأصبح كل شيء غير واضح وغير حقيقي، وهذا ما جعل الليل يتحول إلى كوابيس ، ما أدى إلى أجهاض الأحلام وتحولها إلى شواخص وعلامات تدل على الموت والتراجع في كل شيء حوله ، و قد أستدل على كل هذا من خلال الحياة التي تحولت فيها الدلالات إلى فوضى وأخذت الحياة تتراجع إلى الوراء ( الزمن العتيد)وقد أستطاع الشاعر أن يؤشر هذا التراجع من خلال الأستدال من خلال الزمن الماضي ، والتلاشي هنا هو التراجع والغياب التام في كل شيء حوله ، لأن المستقبل لا يتلاشى وهو لم يعيشه ، وقد حقق هذا من خلال تصوره الفهمي في بصرية الصورة الذهنية لحوارات وفق الدلالات المثبتة للمعنى (يتوارى كأمواج تتلاشى /كأعوام مضت/شوارع أصابها العمى /تستقطب الندم /الفوانيس تتثاءب /لمحطات تتبادل الحقائب /سنابك الكوابيس تسحق خاصرة الليل./جهض الحلم /يغوص في شواخص الزمن العتيدة)لكي يحدد حجم الصورة الكاملة وفق أنساق الامتداد البصري الذي ظل ينمو ويأخذ المساحة المدركة في محسوسات الشاعر والتي هي مرحلة التأويل أو الاستعارة لمقاربة إحداث الانزياح الصوري في تشكيل نصه الشعري ، ومن أجل أن يثبت كل هذا ويعطي الصورة اليقينية في مداركه البصرية ، يأتي بصورة الفوضى والرغبات غير الإنسانية والإصرار على الإتيان بالجناية، التي لا تنبت في الأرض سوى بذرة مشوهة ، وهي ليس للزرع بقدر ما هي جناية تؤدي إلى الضياع والفسق وولادة أبناء غير شرعيين لم يأتوا إلى الحياة إلا من خلال البحث عن النشوة (يبحث عن تلك الرغبة /أثرت إلا الإصرار /لم تدرك معنى الجناية /نبتت في أرض سبخة ./بذرة ليس للزرع /بل طعم يسترسل منها نشوة / أين كان العقم !!)بعدها يطلق صرخته عن كل هذا أين كان العقم ، وهذا أشارة إلى أن الكثير من الناس الصالحين يبحثون عن الولادة ولا يجدونها لأنهم أصابوا بالعقم ، وبصرخته هذه قلب المعنى إلى احتجاج ضد الحياة ، وأشر القيمة المعنوية التأويلية العالية في بنيان نصه وفق الرؤيا الفكرية لموضعة المعنى ضمن مساراته النصية.
نص (فك ارتباط( ص 57
(أسراب هوس تحلق /فوق الريح / أشواك رحم /تنمو في خاصرة الضيق / يختنق الليل / يجهض الحلم قبل أن تغمض العين /الملاذات كلها منكوبة /حالة طوارئ / غادرتها الفضاءات / لعدم رحابة التيه /يكدح القلق / شرر يتطاير يحرق الخريف /يتشتت الصقيع يضيع /متشبث برغبة فك الارتباط /غادر الرحيل )
يتخذ الشاعر من الشعر الطاقة التـأويلية لمسيرة الحياة حوله، لكي يبحث عن المعنى فيها ومن أجل كشفها وإعطاء الحقيقة المخفية في حركتها، لأن الشعر هو اللغة الذاتية المعبرة عن الهواجس الكامنة فينا، وكلما أدركنا هذه الهواجس كلما كان النص أكثر اقترابا من وعينا.