ورقة نقدية أحمد المالكي
العمل الأدبي اندماج خاص بين التفكير التنقيبي، والتفكير التأملي، والتفكير الأخلاقي ، وهذا الاندماج المعرفي هو الذي يتناسب ويرتقي بالمنجز مهما كان نوعه.
نعم لا شك أن كل فن يفترض ويفرض فلسفته المسبقة. والمتناسقة مع خطوط الفكر والفكرة. لهذا السبب اكتشاف اللغة باللغة يحتاج. إن نرش الكثير من عطور الدهشة
حتى نشم تجارب المعرفة. بنكهة عفوية ذاتية الواعي غير قابلة للتكرار ولا تتبخر بسرعة النشر الذي يتشبث بذهنية المتلقي يحتاج قارورة اللا معقول وسائل الفرضيات التي تكشف الجديد. وتصنع بصمة من حديد التفرد في الموجات التي تحمل اشرعة لا بياض فيها سوى نقل النقل، في زمن لم تعد فيه الاعمال الادبية ذات رمزية وفلسفة فحسب بل تعدت مرحلة نقل الواقع بلا واقع . الاعمال التي عبرت اللا معقول في الوجود المتهم والمتخم بالأحداث . بات واقع لا مفر منه .
هكذا نجد تفرد ونفراد بعض الأقلام الضوئية التي تشهدها
العتمة الأدبية والسواد الثقافي الذي اطاله مد اللا وضوح.
خالد شاطي مثال القاص الذي يرسم شخوصة بكل حرفية المعنى وقوة الخبرة والتجربة المعرفة . نراه يشكل تكويناته الأدبية السردية وكأنه يضع لمساته الخاصة وألوانه التي لا تشير إلا إليه. خالد شاطي الفنان التشكيلي والقاص الذي اتخذ من السرد تناقضات لعوالم السرد الحديث والقصة القصيرة نراه قد اسس نظاما ومطلقا وخطاب يتحدث به عبر مكبرات
اللغة الحديثة التي تحمل المنهج الأكثر دهشة .
الجذب من خلال التفرد بالأسلوب وصناعة اللا متوقع هو الذي
ينقل المتلقي الذي تعود أن يردد الله . الله حين يسمع نص شعري … إلى التمسك بصراخ تكرار القراءة وشده بالأسلوب والتكنيك اللغوي الذي يجيد تشكيله القاص والرسام. العراقي خالد شاطي ثورة من ثورات الأدب بحد ذاته . وثروة فكرية وثقافية وفنية أفخر بها انا كمتلقي يقرأ ويتابع ويكتب عن مثل هكذا نماذج ترتقي بالمشهد الأدبي. والسرد القصصي على سبيل الخصوصي الى مراتب النسق الفذ والدهشة
العالية الخيال.
نموذج استعادة السرد الحديث للقاص العراقي
خالد الشاطي.
( جثة بلا رأس )
– الآباء –
في البزلِ المُهملِ شمالَ الحي ؛ عثرنا على جثةٍ بلا رأس .
جاء الأولادُ يتراكضونَ مذعورينَ . كانوا يلعبونَ الكرةَ في الأرضِ السبخةِ المحاذيةِ للبزلِ . فهِمنا من تمتماتهم أنهم شاهدوا جثةَ رجلٍ في البزلِ حين أرادوا إخراجَ كرتهم التي سقطتْ هناك .هرعنا إلى البزل فيما إنشغلتْ النساء بإجراءِ الرقي والتعازيم على الأولاد .
كان الجسدُ مستلقياً على منحدرِ البزل . إحدى يديهِ ممدودةٍ بجانبِ جذعهِ . الأخرى تستريحُ على بطنهِ المستوية وكانت رجله اليمنى منثنيةً قليلاً . بدا كشخصٍ يتشمسُ على رملِ شاطىءٍ لاوجودَ له ، ولو كان الرأسُ موجوداً لكانت العينانِ مغمضتين والشفتانِ مسترخيتان . لكن الرأسَ لم يكنْ موجوداً . بحثنا عنه بين أعوادِ القصبِ الكثيف ؛ في المياهِ الضحلةِ الآسنة ؛ في رملِ البزل الهش ، فلم نعثر إلاّ على كرةِ الأولاد .
قبل أن تأتي الشرطة ، صنعنا من طينِ البزلِ الطري رأساً مناسباً وضعناه مكان الرأس المفقود . أخذ كل واحد منا صورةً مع الجثة .
– الأولاد –
سحبناهُ من المياهِ السوداءِ القذرةِ ووضعناهُ على منحدرِ البزلِ . نظفنا ملابسه من الأوساخِ . ولمّا لم نجدْ الرأسَ في أيِّ مكان . وضعنا الكرة مكانَ الرأسِ وبعنايةٍ رسمنا بالطينِ الآسنِ الأنفَ والعينينِ والشفتينِ . لكن الفكرة لم ترقْ لنا . قلبناهُ على جنبهِ الأيسرِ وحفرنا بأيدينا ساقيةً على طولهِ في المكان الذي كان مُضطجعاً فيهِ . تناوبنا على التمددِ في الساقيةِ وإعادة الجثةِ إلى وضعها السابق بحيث يكونُ رأسنا مكانَ الرأسِ المفقودِ في كل مرة . حصل كلُّ واحدٍ على صورة وهو بذلك الوضعِ . ردمنا الحفرةَ وأعدنا الجثةَ إلى وضعها السابق . رتبنا وضعية أطرافهِ عدة مراتٍ دون أن نستقرَ على واحدة .
إتفقنا على أن نصطنعَ الذعرَ والتلعثمَ أمام أهالي الحي وأن نتمالكَ أنفسنا حين تغطينا أمهاتنا بالبخورِ والأدعيةِ على الأقل حتى يُذاعُ الخبرُ في نشرةِ المساء .
رمينا الكرةَ وسطَ القصبِ وشرعنا نتسابقُ نحو مقهى الحي .
– الآباء –
في المساء تجمّعنا في مقهى الحي . أصرّ الأولادُ على الحضور . عندما ظهر الخبر توقفنا عن التنفس ، وحين ذُكر إسم حينا لم نتمالك أنفسنا من الصياح والهياج . نظرنا ناحية الأولاد فأصابتنا الحيرة . كانوا يتبادلون النظرات … ويبتسمون.