حوار/قاسم وداي الربيعي
حينما فكرة بأجراء حوار مع الشاعرة بشرى الهلالي دفعتني رغبتي بالوقوف عند التجارب النسائية خصوصا العراقية منها وذلك لقلة المحاولات بالمقارنة إلى الرجال . بشرى الهلالي شاعرة وإعلامية لها تاريخها المشبع بالحضور في الصحافة العراقية , ثم أنها متنوعة في الكتابة كتبت الشعر والترجمة وبعض الإعمال التلفزيونية إضافة إلى المقالات السياسية ..هي متجددة ولها رغبة كبيرة في كتابة القصة ..التقيتها في معرض الكتاب في بغداد وهي توقع ديوانها الأول “ لن تشفى مني “ فكان الحوار التالي
_ البداية والتجربة الشعرية
البداية في الترجمة، ثم كتابة المسلسلات الدرامية في تسعينات القرن الماضي، عرض أولها من على شاشة التلفزيون العراقي في العام 1998 وكان اسمه (كبرياء وهوى) عن قصة الكاتبة جين أوستن، ومسلسل أخر بعنوان (وداعا أيها الحب)، وثالث اسمه (اوركسترا) عرض في العام 2007. أما في مجال الكتابة فقد كانت البداية مع الصحافة في العام 2008 حيث بدأت العمل كمحررة ثم تنقلت بين العديد من الصحف المحلية و كتبت العديد من المقالات في مجال السياسة والأدب إضافة إلى التحقيقات والحوارات. أي أن الشعر كان بعيدا كل البعد عن اهتماماتي، لكنه ولد فجأة ليعبر عن انفعالات وأحاسيس داخلية كانت تختفي لسنوات عديدة دون أن تجد منفذا
_ حين يمنحكِ الشعر مساحاته فماذا منحتي الشعر
منحته الصدق، فانا كما ذكرت سابقا، لم أكن يوما شاعرة ولم انوي كتابة الشعر، بل طموحي هو كتابة القصة أو الرواية، ولي محاولات في القصة القصيرة. و عندما اخترت التعبير عن الجزء الخفي مني، جنحت إلى الشعر، إلى الخيال والحلم، فلم اختر كلماتي، بل هي اختارتني، و لم أكن أفكر في ما اكتب، بل ينساب مني دون قرار، فجاءت كل كلمة مما كتبته صادقة نقية، حتى أن بعض الصور والتعابير فيها الكثير من الطفولة والبراءة.
_ مشهدنا الثقافي العراقي كيف تراه الهلالي بشرى
أجده مضطربا أحيانا، ومبشرا بالخير في أحيان أخرى، أي أن الانفتاح على الكتابة والنشر افرز نتاجات أدبية دون المستوى، وفي نفس الوقت، قدم لنا مواهب كانت مستترة خلف القمع. وهذا أمر يحدث في كل مجتمع يمر بما مررنا به، لكن الزمن سيفرز الجيد من السيئ، لذا أرى بصيص أمل في ما يطرأ على الساحة من فوضى ثقافية. ما يحزنني في المشهد الثقافي هو تشرذم المثقفين وعدم انسجام أطروحاتهم أو تنسيقها لبناء مشهدا ثقافيا جديدا يتلاءم مع التغير الذي طرأ على البلد والمجتمع، فالتجارب فردية، والصراخ فرديا أيضا، مما أدى إلى ضعف النخبة الثقافية .
_ البعض يصف قصيدة النثر بأنها هروب من الشعر الحقيقي ..العمودي ..كيف تجدين ذلك؟
لا أنكر أن الشعر العمودي أمرا يصعب خوضه إلا من شاعر امتلك معرفة كبيرة في الوزن و القافية و بحور الشعر وتفاصيل اللغة، إلا أن لكل جنس أدبي زمنه، ولكل نوع ضمن الأجناس الأدبية زمنه أيضا، فالشعر ألان بدأ يتراجع أمام تقدم الرواية وازدياد شعبيتها، لان لغة الرواية أكثر سهولة واقرب إلى المتلقي، وهكذا هي قصيدة النثر الآن، أنها تسمح للشاعر بأن يدخل مديات قد لا يصلها من خلال الشعر العمودي، وتسمح بتناول مفردات أكثر سلاسة وتراكيب أكثر بساطة، أي باختصار أنها تمنح حرية اكبر للشاعر الذي يرغب دائما بكسر القيود. لكن كما هي الحال في كل مجالات الكتابة، تطرأ بعض التجارب التي تسئ إليها، فبعض قصائد النثر أساءت إلى قصيدة النثر من خلال إمعانها في التجريب واختيار المفردات الصعبة والصور الغير قابلة للتفسير، مما دفع المتلقي للعزوف عن الكثير منها، بل أن هذا لم يكن تماما في صالح الشعر والشعراء، حيث أسهم في تراجع الشعر.
_ المشهد النقدي اليوم ما عاد يهم أغلب الشعراء . هل أنتِ أحدهم
يهمني القارئ قبل الناقد، فالقارئ هو الناقد الحقيقي، ثم أن النقد لدينا أيضا يعاني من التراجع، فنادرا ما تجد ناقدا مختصا، بل أن بعضهم يتحول إلى ناقد بمجرد قراءته لبعض الكتب، وهذا يسئ إلى الكاتب وإبداعه، فالنقد في النهاية هو علم إضافة إلى كونه أدبا أي أن له قواعده و أصوله، بينما تجد أن معظم النقاد انقسموا إلى قسمين، أما مادحا للكاتب، خصوصا إذا كانت تربطه به علاقة صداقة، و أما مهاجما شرسا، ويتجاوز الأمر أحيانا إلى التقريع والأسلوب الخشن، وهذا لن ينفع لا الكاتب ولا القارئ، فالنقد في أساسه، عملية تقويمية لتصحيح المسيرة ولتوضيح الجوانب الخافية من القطعة الأدبية للقارئ. من ناحية أخرى، دأب بعض النقاد على استعمال مصطلحات نقدية أدبية وجمل معقدة تحيل النص إلى لغز يصعب فهمه، حيث يظن بعض النقاد أن المعقد من القول دلالة على ثقافة الناقد ومعرفته، وأنا أرى أن العكس هو الصحيح، فالبساطة هي الأصعب في كتابة إي قطعة أدبية. أظن أن النقد بحاجة إلى مختصين أكثر فما لدينا محدود جدا.
_ هل أضافت لكِ التجربة الإعلامية شيئا ؟.
التجربة الإعلامية كانت الأساس في بداياتي وحياتي، ربما لن أبالغ أن قلت أن العمل الصحفي مدرسة لا تعادلها كل المدارس التي يؤمها الفرد، هذا أن كان عملا صحافيا حقيقيا، وأنا عملت في كل أركان العمل الإعلامي، صحافة، أعداد برامج، أعمال درامية، بل حتى ضمن الصحافة، فقد كتبت المقال والتحقيق الصحفي والحوار والتقرير والخبر، وكل هذه كانت تجرب حية من ارض الواقع كنت التقي فيها مع الناس، المثقفين، المسؤولين، الناشطين، بل وحتى السجينات والفقراء والمتسولين، الخ. مثل هذه التجارب المتنوعة هي خزين ينحت التجربة الإنسانية ويصقل الشخصية. ومثل هذا الحزين يظهر بالتأكيد في تجربة الكتابة سواءا في الشعر أو الرواية.
_ صمت . حزن . هدوء .. هذا ما نراه في ( لن تشفى مني )
الصمت ابلغ من الكلام فيما يتعلق في التعبير عن المشاعر، فالمشاعر ان صرخت تحولت إلى نعيق و نواح. والحزن هو التطهير للروح وهو الخمرة التي تهبها ربة الشعر فبدون حزن تبقى المشاعر باهتة، ربما لأننا شعب يرضع الحزن مع حليب أمه. أنا شخصيا لا أرى في الحزن امرأ معيبا أو مدمرا كما يراه البعض، بل هو طاقة خلاقة تستفز الإنسان فتخرج مشاعره صادقة شفافة. و (لن تشفى مني) جاء صرخة مكتومة، فأن ترد على ضربة السوط بتنهيدة لهو ابلغ درجات الصبر والتطير للروح. و أنا أوغل في الروح واعشق نقاءها ووحدتها واتحادها مع الأشياء، فكل الأشياء من حولنا عندما نستشعرها بأرواحنا، يكون لها معنى أخر، بل إننا نقترب من الحقيقة بذلك.
_ هل أنتِ مع حرية النشر وهذا الكم الهائل من المطبوعات التي تسكن الرفوف والغبار
نعم، فالحرية تماما هو ما كان يفتقده الكاتب في زمن حظر المطبوعات وتدخل الرقابة وفرض الكلمة. صحيح أن هذا الكم الهائل يظل معظمه مركونا على الرف لكن لكل إنسان الحق في التعبير عن نفسه، وللقارئ الحكم في نهاية الأمر. فلا احد مجبرا على قراءة ما لا يعجبه أو يتلاءم مع ذائقته، لكن حرية النشر تنتج لنا مواهب وتطلبنا على إبداعات كتاب قد يكون لهم مستقبلا مميزا و دورا في بناء المشهد الثقافي العراقي مستقبلا.

