Pdf copy 1

شريف الشافعى 
“تأخذنى أحلام فترة النقاهة، العمل الأخير لنجيب محفوظ، إلى عالم رحب من التفسير، الأمر الذى جعلنى فى كل مرة أتخيل كيف كان يستحيل ميلادها بغير هذا الاسم، وهو ما يجعلنا نستنكر أن تكون تلك النقاهة مرتبطة بالمرض الأخير لمحفوظ، بل أجزم أنها النقاهة اللازمة لوطن لابد أن يحلم بشكل إنسانى أفضل”.
فى دراسته النقدية، التى صدرت حديثًا فى كتاب بعنوان “محفوظ وأحلامه التى لا تنتهى – مقاربة نقدية لأحلام فترة النقاهة”، عن سلسلة “مكتبة نجيب محفوظ” بالهيئة المصرية العامة للكتاب، يذهب الباحث أحمد مصطفى على إلى أن “النقاهة” أمر شديد الخصوصية، وهى لازمة يحتاجها الفرد والدولة معًا للتغيير، من المرض والشيخوخة إلى الصحة والتقدم، والأحلام حتمًا تسمح بذلك، فهى فى نهاية المطاف شريعة التقدم على مر العصور. والأمر المحير، كما يرى الباحث أحمد مصطفى علي، أن الأحلام تبدو فى كثير من الأحيان محملة بنبوءات خاصة جدًّا. إن الشمس تشرق حينما نتجاوز النقاهة، أما إرادة الأحلام فهى السبيل لتمام العافية، إذ تبدو الحياة حلمًا، ويصير الحلم حياة، بل والحلم نهج الحضارة، وشريعة نهضتها، كيفما شهد التاريخ من قبل، إذ تغدو ترجمة الأحلام هى الفاصل بين التخلف والتقدم. ويسعى الباحث أحمد مصطفى على إلى مقاربة تلك الإشكالية التى وضع نجيب محفوظ قراءة أمامها، ليحيلهم بنصوصه إلى “محكمة التاريخ”. 
 مثل هذا الأمر يحدث، وفقًأ للباحث، بعد أن أمضى صاحب نوبل شهادته المستنيرة فى أحلام الحق والخير والعدل والجمال، لتبدو طازجة، وفى حاجة إلى جهد دائم ومتجدد، من أجل أن نعيش بها ولأجلها، وأن نرجو فيها سبيل الحرية والنجاة. ويتفاعل كتاب “محفوظ وأحلامه التى لا تنتهي” مع قرابة مائة وخمسين حلمًا من أحلام فترة النقاهة، ولا يتضمن الأحلام التى وردت لاحقًا فى كتاب “الأحلام الأخيرة” الصادر عام 2015 عن دار الشروق.
 ينقسم الكتاب إلى فصلين؛ الأول بعنوان “نظرة شاملة لأحلام النقاهة”، ويتضمن توضيح الكاتب تصنيف العمل وظروف كتابته، واستعراض عنوان العمل وما يحمله من دلالات، والأسلوب المتبع فى كتابة الأحلام والألفاظ المستخدمة، وصولًا إلى مضمون نصوص الأحلام وتفسيرها “تأويلها”، وما تضمنته من موضوعات وقضايا. 
ويأتى الفصل الثانى بعنوان “قراءة بين نصية للأحلام”، وفيه يقرأ الباحث أحمد مصطفى على قرابة مائة وخمسين حلمًا من أحلام النقاهة المحفوظية، مع عرض وجهة نظره حول كل حلم على حدة، كما يستعرض باختزال أطروحات نقاد وباحثين آخرين حول قراءة الأحلام، ومحاولات تأويلها.
وفى مقدمة الكتاب، يسرد الكاتب يوسف القعيد، رئيس تحرير سلسلة “مكتبة نجيب محفوظ”، بعض ذكرياته الشخصية مع نجيب محفوظ، واصفًا تجربته فى كتابة الأحلام بأنها فريدة، لأن هذه الأحلام “لا تشكل الوجه الآخر للواقع، لكنها أمنيات الحياة اليومية التى لم نحققها، تتسلل عبر اللاوعى وتخرج على شكل أحلام أو ربما كوابيس، وحتى الكوابيس لها وجود فى أعمال نجيب محفوظ الروائية والقصصية، ويقدمها باعتبارها الوجه الآخر للأحلام”.
 فى كتابه، يرى الباحث أحمد مصطفى على أن الحلم الجيد والمحكم والواعى هو السبيل للإرادة الناجزة والفاعلة والقادرة على المستحيل، لذا لا يوجد مفر من الرجوع إلى الأحلام النبيلة، وهى تجربة جديدة فى التراث الإنسانى بما لها من أسلوب ونهج تختلف عن أى أسلوب، بل وقراءة نقدية للواقع عبر ما يمكننا أن نقول فيه إنه تحقيق دقيق لرسالة الأدب للحياة، وليس الأدب للأدب كما يرى الآخرون. 
 ويرى أحمد مصطفى على أنها لم تكن أبدًا مصادفة أن يكون للأديب العبقرى الراحل نجيب محفوظ أحلامه الرائعة التى تركها بين أيدينا، لما له من وعى جاد بمآلات ومصير الأوطان، وما له من إسهام نبيل فى قضية الأدب للحياة، حتى أننا يمكن أن نجد فى العمل ما يشبه دفتر أحوال مصرية مصيرية وربما عربية فى كثير من الأحيان والمواضع، عبر لغة أدبية رفيعة تسمح لشعاع أفكارها باختراق أصعب الأسوار البشرية. ومن ثم، تبقى الأحلام هى الأكثر ثراء، فالغرس الثقافى وإنماؤه أمران بالغا التعقيد والصعوبة، والحلم فيهما مشروع الأدباء لإيقاظ ضمير المجتمع والسلطة نحو مهامها المقدسة، وفى الوقت ذاته إنشاء أجيال جديدة على معانٍ أكثر نقاء وجمال وبهاء لأجل إشعال الضوء المراد. ومحفوظ هنا، وكما اعتدنا دائمًا، له القدرة على ذلك، فهو أديب يحمل روح الفيلسوف لما وراء الأشياء.
أما فى الجزء الذى يقدم فيه الباحث أحمد مصطفى على قراءته “البين نصية” للأحلام، فإنه يتبع سبيل “التأويل”، مستقطرًا كل حلم محفوظى على حدة، وصولًا إلى إسقاطاته الاجتماعية والسياسية، المحلية والعربية والعالمية، ومحاولًا بلوغ المراد الفلسفى والمغزى الإنسانى الأشمل من وراء الحلم، ويمضى الباحث على هذا النهج مستقصيًا الأحلام المحفوظية كلها، واحدًا تلو الآخر.
 على سبيل المثال، يقول نجيب محفوظ فى الحلم رقم (5): “أسير على غير هدى، وبلا هدف. ولكن صادفتنى مفاجأة لم تخطر لى فى خاطري، فصرت كلما وضعت قدمى فى شارع انقلب الشارع سيركاً. اختفت جدرانه وأبنيته وسياراته والمارة، وحل محل ذلك قبة هائلة بمقاعدها المتدرجة وحبالها الممدودة والمدلاة وأراجيحها وأقفاص حيواناتها، والممثلون والمبتكرون والرياضيون .. حتى البلياتشو. وشد ما دهشت وسررت وكدت أطير من الفرح. ولكن بالانتقال من شارع إلى شارع، وبتكرار المعجزة، مضى السرور يفتر والضجر يزحف، حتى ضقت بالمشى والرؤية، وتاقت نفسى للرجوع إلى مسكني. ولكم فرحت حين لاح لى وجه الدنيا وآمنت بمجيء الفرح. وفتحت الباب، فإذا بالبلياتشو يستقبلنى مقهقهاً!”.
 ويذهب الباحث أحمد مصطفى على فى تأويله لهذا الحلم إلى أن محفوظ يحذر هنا من ضياع هدفنا وقيمنا فى ألعاب السيرك، وما ستؤول إليه مصائرنا من انحطاط وضياع لمعالم المستقبل الواضح، وهو يتلاعب بالألفاظ كيفما يريد ليفضح الواقع المرير، حيث السيرك، بمعنى الخداع والتلون والأكاذيب والأدوار السخيفة.
ويقول نجيب محفوظ فى الحلم رقم (12): “فى الجو شيء مثير للأعصاب، فهو من عدة نواح تبرز رؤوس وتختفى بسرعة. وجرت شائعة مثل الشهاب تنذر بوقوع الحرب. وترددت كلمة “الحرب” على الألسنة، وعمت الحيرة والانزعاج، ورأيت من يحمل تموينًا لتخزينه. وجعلت أتذكر تلك الأيام المكدرة، هل نبقى أم نهاجر؟ ولكن إلى أين؟ ولذت بمقر المكان الآمن من الخطر، وجاء رجل من الأمن وقال صراحة: إن الدولة تريد أن تعرف طاقة الأسر على إيواء من يحتاجون إلى إيواء لا سمح الله. وتضاعف الاضطرابات، وأعلنت أمى وهى تعيش وحدها فى بيت كبير أنها على استعداد لإيواء أسرة كاملة. أما أنا فوجدت أننا يمكننا الاستغناء عن حجرة واسعة تسع لشخصين، وأصبحت حذرًا عند سماع أى صوت أو الإجابة على أى سؤال. وطرق ببابى مخبر ودعانى إلى القسم، ولما سألته عن سبب الاستدعاء أجاب بخشونة أنه لا يعرف، وقطع حديثنا انطلاق صفارة الإنذار”. فى المحصلة، يبدو كتاب “محفوظ وأحلامه التى لا تنتهي”، للباحث أحمد مصطفى علي، وقد طرح الكثير من التساؤلات الأدبية حول أحلام نجيب محفوظ، وتصنيفها، وتسميتها، وظروف كتابتها وموقف محفوظ منها، وما إلى ذلك، لكن الجانب التحليلى فى الكتاب يكاد يتوقف عند عتبة التأويل الأولى المباشر لتلك الأحلام، وتبيان إسقاطاتها الدلالية على حركة المجتمعات ومصائر البشر، ولعل ذلك يفتح الباب لاستكمالات أخرى تتفاعل مع الأحلام على نحو أشمل وأعمق.

التعليقات معطلة