قراءة/نصر ايوب
عـندمـا نصبت أشـرعتي لأبحـر في قصـائد الشاعرة وفـاء ، لم أكـن أعـلـم أنني أمـام حـروفٍ استثنـائيـة لـشـاعــرةٍ استثنائية لـهـا الأرض والبرتقـال ولحبيبها المطـر .. شـاعرة تمـرّدَت على حدود الحرف والخجـل ، تجـرّدت من قـيـود الخـوف والـوجـل ، في كثيــرٍ من نصوصها الوجدانية الـوفـائيــة العـفـيـفـية الجريئة ، بما فيها من معـانٍ وصور، ومـبـانٍ وفكـر ، عـبــرت بـهــا عـن لـواعــج القلـب واختـلاجـاتــه ومعاناتــه واشتهاءاتــه .. ديوان ( لو يُنصفني الخجل ) ، جاء بثمانٍ وثلاثين قصيدة جميعها وجـدانيــة في المحبـة والعشق والغــرام وما يعـتـري النفـس من اختلاجاتٍ تتأرجح ما بين مـدٍ وجـزر على أرصفة الغياب ومرافىء الحنين ، دون أن تتطــرق الشاعــرة لأي موضـوع آخر على نهج شعـراء آخرين في التعـدد والتنـوع بمواضيع القصائـد في متن الديـوان الواحــد ..وبهذا تكون الشاعرة وفاء قد اختصرت علينا مسافة البحث عن مذاهب شعرية أخرى تتناولها في قصائدهــا كما يفعــل أغلب الشعــراء بتنـوع مواضيع القصائـد في الديـوان الواحــد .. وهــذا بحد ذاتـه تمـردٌ على التقليــد ودعـوة إلى التجديد وإعــادة القراءة في التقييم ما بين السائد والبائد من مدارس الشعــر والثقافـة والأدب ورغـم مرور أكثر من نصف قرن على ظهور قصيدة النثـر العربية والذي اعـتـرف الأديب توفيـق الحكيم بمغـريات جمالهـا وكتب فيهـا مجموعـة من القصائد .. كمــا أكـدّ أنـسـي الحــاج على خلــق القصيدة من النثــر. بينما اعتبرجبران خليل جبران أن الوزن والقافية قـيـدانِ على الإبداع لابدَّ من التخلص منهما ليكون الشعر ملائماً لواقع الحياة .. الشاعرة وفاء كغيرها من شعراء الحداثة وكُتّاب قصيدة النثر العربية التي كانت مقموعة ومحاصرة سواء مع الشعرية العمودية التكوين أو سليلتها الحُـرّة المتمردة على وحدة البيت والقافية .. جاءت بديوانها وغلافهِ الأحمر الذي يرمز إلى حرارة الشوق واشتعالاتهِ ومرارة الحنين وانفعالاتهِ بقصائد نثرية عبرت بها عن لواعج القلب وما يعتري النفس من الرغبة والألم بأسلوبِ تمردت فيه على المألوف وركبت بهَ الأبراج العاجية وحلقت في عنان السماء .. وجعلت من شعرها مناخاً للتعبير عن التجربة والمعاناة من خلال الصور العريضة التي تتوافر فيها الشفافية والكثافة في آنٍ واحـد . ومع أن الديوان جاء بقصائدٍ وجدانية فقط ، متدفقة بالعواطف والأحاسيس الجياشة التي قادت الشاعرة – إلى حـدٍ ما – إلى التمرد الملحوظ في كثير من قصائدها غير تمردها على التقليد في تعدد مواضيع قصائد الديوان كما هو الحال عند أغلب شعراء الحداثة وكتاب قصيدة النثر بل
تفردت بموضوع الوجدانيات وتتمرد من خلالها على التقاليد والعادات والمفاهيم الدينية والأعراف الاجتماعية وأنماط السلوك والقيم بكل جراءة ووضوح وأسلوبٍ بارقٍ بالصور وأحاسيس مشبعة بالآهـات
وكما أن( الأذن تعشق قبل العين أحيانا ) عند بشار بن برد .. فالتهجئة عند الشاعرة وفاء ليست بالصوت المسموع بل باللمس المحسوس بالأصابع .. كما ورد تمردها اللفظي الجريء في قصيدة ( أتهجاك بأصابعي ) صفحة 29 فتقول :
أيها الوجـدُ المملـوءُ إغـراء ً
تذيبني لمساتك المباغتة في موطن ضعفي
وأما في قصيدة على( هامش الصراخ ) ص 93 فتعلن تمردها على العادات والتقاليد ولا تعترف بأنصاف المغامرات ولا غرو فهي الاستثنائية المغمورة بذكريات مجنونة مليئة بأشباه الحبيب ومع أن الشاعرة وفاء كانت جريئة في البوح صريحة في الصدح إلا أنها جاءت بأسلوب واضح بعيد عن الإبتذال بمفرداتها المنتقاه التي تخاطب بها الروح الساكنة في مبنى الجسد ، فقامت الشاعرة بتوظيف بعض المفردات والمصطلحات الدينية للتعبير عن مشاعرها وصدق عواطفها في كثيرِ من قصائدها الأمر الذي جعلها تقع في مصيدة الصناعة الشعرية والتكلف كما في قصيدة ( أقم صلاة العشق ) ص 33 فتقول :
أيا نبي الشعر
تـذكـر ما خـلـقـتَ من أجلـه
لا تتهاوى في الجب
إنهض وأقم صلاة العشق
ثم بارك قبلات تجري من تحتها الأنهار
وورد من هذا القبيل أيضاً في قصيدة ( لا تباغت وجودي بك ) ص 73 والذي تقول فيها :
أنا فلسطينية المشاعر وأردنية التكوين
حيث أن هذا التعبير لا يقترب كثيراً مع مبنى القصيدة وما فيه من تدفق شعوري أنيق ..
وقولها في قصيدة ( بسملات عشق ) ص 81 بقولها :
إن العناق على العاشقين كان فرضاً موقوتا ً
فالفرض إستجابة لأمر في موعد محدد والعناق إستجابة لحالة شعورية متدفقة لا تتقيد بزمانٍ أو مكان .
ومع هذا فإن القصائد جاءت زاخرة بالتوظيفات القوية للمفردات الدينية والناضجة في مبناها ومعناها كما في قصيدة ( أيها اليوسف الطفل )37 بما فيها من بوح مفرط وشوق جامح ووصف جميل بتوظيف ديني يوسفي رائع ولم تقف الشاعرة وفاء عند هذا الحد فقد ورد تمردها على المفاهيم الدينية وتوظيفها لمصطلحاتها في كثير من قصائدها بشكلٍ مبهر إلى حد الدهشة والروعة كما في قصيدة (خذني بوفائي إليك) ص 61 و( في غربة العناق ) ص 85 وقصيدة ( لو ينصفني الخجل ) ص89
التي تقول فيها :
لم أكتبُ ما يدون جذري كإمرأة استثنائية
لها الأرض والبرتقال ولحبيبها المطر
ثابتة النسبة في الهوى
يبرأ قلبها من سواك
كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب
وتبلغ حالة التمرد المثيرة عند الشاعرة وفاء أبو عفيفه باختراق حاجز الزمن الإفتراضي في قصيدة ( لا يكفي أن تصمت ) ص133 فتقول :
ما الذي سيفعله فينا البكاء
إذا تعانقت الأرواح خارج الزمن
واستحضرت ذكريات ملذات جريئة الصور
.. وبما أننا أمام نصوص شعرية نثرية لها ما يميزها من الجمال والأناقة في اللغة وصدق العاطفة والتعبير المتوهج بشاعرة عاشقة وجريئة تمردت على حجاب القصر وكلاب الحراسة وثرثرة اللائمين حتى تمردت على الخجل بقوالبها اللفظية الشعرية الشحيحة بموسيقاها والغنية بصورها والتي تقاربت مابين الفلسفة في البوح والحكمة في الطرح وكيف لا !! وهي القائلة ص 137 : كـلُّ المسـاءات نوافذ مشرعة تدعوك للحضور