بغداد/ المستقبل العراقي
كانت نداءات ودعوات السعودي عثمان آل نازح العسيري (قتل في عين العرب – كوباني
في الثاني من كانون الثاني الجاري) للعلماء والدعاة للهجرة إلى ملاذات ومناطق «داعش» الآمنة، دالة وواضحة على ضعف أو جفاف الأساس الشرعي للتنظيم
على رغم تمدداته التنظيمية السابقة في سورية والعراق وتلقيه البيعة من بعض فروع «القاعدة» سابقاً، وعلى رغم أزماته وتراجعاته الأخيرة، بخاصة في العراق في الشهرين الأخيرين.
عثمان آل نازح كان أحد كبار الشرعيين في هذا التنظيم، وتولى ديوان التعليم فيه، وكان يخطب في المسجد الكبير في الرقة ودير الزور، وقد انضم إلى «داعش» بعد أن كان عنصراً فاعلاً في «أحرار الشام»، وعلى رغم حصوله على ماجــستير في أصول الفقه من جامعة الملك خالد في أبها، لا دكتوراه كما ذكر بعض من رثوه من عناصر التنظيم، لم نجد له آثاراً إلّا مجرد تغريدات على مواقع التواصل الاجتماعي، وخطباً مصورة بين عناصر التنظيم أو في مساجده، كان فيها تكفيرياً بامتياز لكل المخالفين الذين رفضوا بيعة البغدادي، من الجيش الحر إلى النصرة وغيرهما، معتمداً على خطابية سطحية في مفهوم الولاء والبراء، ويلتقي معه في هذا كل من أبو عمر الكويتي الذي أعدمه «داعش» في تشرين الثاني الماضي متهماً إياه بالغلو، وأبو بكر القحطاني الذي غير كنيته من أبو عمر إلى أبو بكر تيمناً بخليفته، والذي يذكر أنه من المقربين لأمير التنظيم أبو بكر البغدادي ومسؤول دعايته، وبرز حين الخلاف مع «النصرة» و «القاعدة» تحديداً، ثم اختفى بعد ذلك.
من هنا، نرى أن تركي البنعلي (ذو الثلاثين عاماً) هو من يمكن أن يوصف بالمنظر الوحيد لهذا التنظيم، على رغم انقلاباته على كل شيوخه، بدءاً من المغربي عمر الحدوشي إلى أبو محمد المقدسي إلى هاني السباعي الذي قدم له أحد كتيباته عام 2012 بعد رجاء وانتظار طويلين، فإذا به بعد انتقاد السباعي البغدادي و«داعش» يصفه بـ «ابن الرافضة»! وهو يلتقي في هذه الشدة مع عثمان آل نازح وكل عناصر «داعش» الذين لا يتحملون خلافاً ويصفون كل مخالفيهم بالكفر والردة وغيرهما من التهم! بينما وقف مخالفوهم من الجهاديين عند أوصافهم بالخوارج والغلاة وعقلية الخوارج والانحراف عن تطبيق السياسة الشرعية في الجهاد! وغير ذلك.
أخطاء البنعلى في ترجمة البغدادي:
تعد رسالة «مد الأيادي لبيعة البغدادي» التي كتبها المنظّر «الداعشي» الشاب تركي البنعلى أو أبو همام بن بكر الأثري (مواليد سنة 1984)، النص الوحيد في التبرير الشرعي لخلافة «داعش» وخليفتها أبو بكر البغدادي، وقد صدرت عقب إعلان تنظيم الدولة خلافته باثنين وعشرين يوماً فقط! في 21 تموز سنة 2014 وحدث تصحيف على ما يبدو من كاتبها في تاريخها الهجري، فكتب 1434 بدلاً من 1435.
كان أبرز أخطاء هذه الرسالة التي ذكر كاتبها أنه نقل كثيراً مما فيها من البغدادي شخصياً، أنه أخطأ – عن قصد أو غير قصد – في تزكية تعليم وعلم أمير تنظيمه، ففي المحور الأول الذي عنونه: «إعلام الرائح والغادي، ببعض مناقب البغدادي»، وبعد أن ذكر سلسلة نسب إبراهيم بن عواد البدري السامرائي المعروف بأبو بكر البغدادي، ثم عقب بالآثار في فضل آل البيت عند أئمة السلف، قال في حسبه ومقامه: «نشأ الشيخ أبو بكر الحسيني حفظه الله في بيت خير وصلاح، وترعرع على حب الدين والفلاح، حتى واصل دراسته الأكاديمية في الشريعة الإسلامية، فنال البكالوريس، ثم الماجستير في الدراسات القرآنية، ثم الدكتوراه في الفقه»! وهو الخطأ الذي وقع فيه البنعلى الذي يرى ضرورة الفقه في العلم الشرعي في الخليفة، وإن كان ثمة آراء أخرى في ذلك ترى أنه ليس شرطاً، ولكن أراد أن ينسب البغدادي إلى كل فضل وإلى كل صلاح وعدالة، وقد عدنا لقوائم الرسائل العراقية في الجامعات العراقية، تحديداً أقسام الدراسات القرآنية، فوجدنا ماجستير إبراهيم عواد البدري بعنوان «روح مريد في شرح العقد الفريد في نظم التجويد تحقيق ودراسة المنهج الشارح»، من جامعة صدام للعلوم الإسلامية عام 1999، أما أطروحته للدكتوراه فكانت في عنوان «اللالئ الفريدة في شرح القصيدة الشاطبية بتصنيف الشيخ العالم العلامة أبي عبد الله جمال الدين» وحصل عليها من كلية اللغة العربية بالجامعة المستنصرية في العراق سنة 2007. هنا، نلاحظ خطأ البنعلى ومبالغاته، حين ذكر أن أطروحة دكتوراه البغدادي في الفقه وليست في العلوم القرآنية، فالقصيدة الشاطبية أو متن الشاطبية هي نظم في علوم القراءات للقاسم بن فيزة الشاطبي، وتنسب إليه، وليست في علوم الشريعة أو الفقه أو أصوله!
ربما لم يستطع البنعلى تحديد النسبة، أو أراد نسبة البغدادي إلى الفقه وأهله! وظني أن الكتابات التي كتبها في أحكام التجويد لن تزيد عن ذلك، فهي من مبالغات الرجل التي أفردها كأجزاء مستقلة، حيث أراد البنعلى إضافة الكثير إلى البغدادي مما ليس له فيه!
كذلك أتت تركي البنعلى للعدناني ترجمة وجدانية تعبوية تنزيهية خالية من المعلومات وتحقيق التواريخ الذي يلتزمه البنعلى في رسائله وكتاباته، على رغم صغر حجمها، فهو لم يذكر تاريخ مولده ولا الهوية العراقية المزورة التي كان يستخدمها أثناء وجوده في العراق، باسم حسين خلف نزال الراوي، كما لم يذكر شيئاً عن استقراره في الأردن بعض الوقت في مدينة الزرقا قريباً من تيار السلفية الجهادية هناك الذي يقوده أبو محمد المقدسي، وربما جاء تجاهل هذا اللقاء المبكر مع الأخير نظراً إلى الانفصال المتأخر بين «داعش» من جهة وبين السلفية الجهادية و «القاعدة» من جهة أخرى، ولانتقادات المقدسي لتنظيم الدولة أكثر من مرة، كان آخرها رسالة مناصحة ومناصرة ركزت على الأخير.
تنكر الزرقاوي لشيخه المقدسي وتنكر «داعش» لـ «القاعدة» وشيخ الزرقاوي أبو محمد المقدسي وغيره! وصار المنظر الجهادي هاني السباعي، بعد أن سبق أن قدم كتاباً قبل عامين لتركي البنعلى سنة 2012 بعد إلحاح من الأخير، ابن رافضة، مرتداً عام 2014، حين كتب رسالته في ترجمة العدناني الذي وصفه بمنجنيق الدولة الإسلامية، وحدد دافعها: «أحببت أن أخط ترجمة مختصرة لفارس البيان والسنان، تؤنس الأولياء، وتغيظ الأعداء» وفيها من المبالغات أنه قرأ كل كتب الأدب القديم وأعجب إعجاباً خاصاً بالمتنبي، وقرأ كل الفقه ويدرس دورات دراسية في فقه الجهاد! وغير ذلك مما لا يصمد أمام ما كتبه منظرو السلفية الجهادية في نقد هذا التنظيم الذي رفض التحكيم بينه وبين «النصرة»، وقتل الوسطاء وفي مقدمهم أبو خالد السوري وهو الفاصل الذي فصل بينه وبين «القاعدة» والسلفية الجهادية.