التحليل السياسي /غانم عريبي
انفتحت الساحة العراقية على اكبر موجة للتغيير بعد تشكيل حكومة العبادي ومارافقها من تداعيات كبيرة ومهمة في المشهد العربي والدولي وهي تنفتح على الحكومة الجديدة باعتبارها اول حكومة تتمثل فيها كل المكونات وتعول عليها المرجعية الدينية والمجتمع الدولي والشعب العراقي برمته.
لكن الساحة العراقية لم تنفتح على التحول الاعمق بعد وما اقصده بالتحول الاعمق ظهور طبقة سياسية وسطى تمارس دورها السياسي والفكري والمجتمعي على اساس ابتداع اساليب جديدة في نظام الخدمة الوطنية ينهض بالتحديات والمسؤوليات التاريخية ويمنع الفساد ويبني الدولة بالاعتماد على مقولة الحاجة الى الحكومة الادارية بدل تكريس الطبقة الحالية للحكومة السياسية او الحكومة التي تعتمد في ادارة الدولة على مجموعة من السياسيين الذين يأتون من احزابهم يعبرون عن مصالحها في الدولة ويقاتلون من اجلها في النظام الجديد .
ان التغيير الاعمق هو اجراء تحول في البرنامج السياسي والرموز القيادية التي أمضت سنوات طويلة في احزابها وتنظيماتها السياسية والاهم من ذلك النمط الفكري الذي يتسرب الى الناس واللغة المتبعة في ارشاد الاتباع وتحقيق الاهداف العليا التي نشأت تلك الاهداف الوطنية والاسلامية على اساسها.
للان ولحين اكتشاف تلك الخلة في الحياة السياسية العراقية لم تظهر تلك الطبقة السياسية الى العلن ولم ير العراقيون قيادات سياسية وسطية تمارس فعلا سياسيا فعليا على الساحة العراقية وجل ما نراه تصعيد سياسي يقابله تصعيد سياسي مماثل وصراع ديكة تستخدم فيه كل الافكار الروحية والسياسية والوطنية من اجل استدرار الدموع والعواطف لغايات واهداف انتخابية كلما اقتربت الانتخابات المحلية من مواعيدها او الانتخابات التشريعية التي تستقتل فيها الطبقة السياسية الحالية حد الاقتراب من التكفير!.
ان التحول الاعمق الذي نراه مؤشرا حقيقيا على اهمية مكسب وجود نظام ديمقراطي في البلد يتمثل في نكران الذات والملذات وهوى النفس والتخلص من الانا المتضخمة لبعض القادة السياسيين الذين يعتقد البعض منهم ان السماء بعثته رحمة مزجاة للشعب العراقي وان العراقيين سيموتون من دونه وهو الذي اخرجهم من الظلمات الى النور وهو الذي اخرج القوات الامريكية من العراق والبلد من الفصل السابع وهو الذي اعاد الامن والاستقرار الى العراق مع ان حقيقة الامر ليست كذلك!.
ان التحول لم يجر بعد لان الذهنية السياسية التي تقود البلد لم تنضج بعد ومن يتحدث خلاف ذلك فليراقب مستوى اداء الدولة العراقية خلال السنوات الثمان الماضية وما شابها من تناقضات جوهرية على كافة المستويات والمرحلة الحالية تقتضي الارتفاع لمستوى المسؤولية التاريخية في التوافق والتعاقد والانسجام والتفاهم على العقد السياسي قبل الذهاب الى ورقة الاصلاح السياسي او تنفيذ مطالب كتلة سياسية معينة في الحكومة العراقية الحالية واذا لم يجر هذا التعاقد السياسي بين قادة المكونات فان العقدة لن تحل والازمة في طريقها الى التعقيد الكبير.
ان الطبقة الوسطى لن تنتجها المرجعيات السياسية الحالية بل ينتجها الطالعون الجدد من المثقفين والكتاب والصحفيين والاتباع البررة من ابناء الحركة الاسلامية والوطنية ممن يقاتلون اليوم في جبهات الحرب ممن دفعوا ويدفعون الثمن غاليا على سواتر الصراع التاريخي ضد مشروع التكفير والتطرف والزندقة.. مشروع داعش البغدادي والقاعدة الظواهري.
ان هؤلاء مدعوون جميعا الى التأسيس الموضوعي لعناوين احزابهم السياسية وان لا يعولوا كثيرا على الاماني والاحلام التي يتحدث بها قادتهم على منابر التوجيه والارشاد وكل الاحزاب السياسية المخلصة التي كان لها شرف المساهمة في بناء أعظم التجارب الديمقراطية في العالم استلهمت التأسيس وبناء الاحزاب الوطنية العتيدة من مراحل المخاض العسيرة في الحياة الداخلية للاحزاب والخارجية على المستوى الوطني العام .
لست يائسا من ظهور هذه الطبقة السياسية المجاهدة وهي موجودة في كل الاحزاب السياسية من اقصى اليسار الماركسي الى اقصى اليسار في الاسلام وقد عشت جانبا مهما من ارهاصات هذا الجيل وهو يتطلع الى التعبير عن التغيير المنشود في الاسس والمناهج واسلوب الخطاب واسماء القيادات التي تتصدى وما ينبغي ان يتكرس ويتعزز .
ان التجربة العراقية في مجال التغيير كبيرة ومهمة وقد عشنا في زمن المعارضة السابقة التي بدأت فعليا في الثمانينات من القرن الماضي ونحن اشد قوة ورغبة اكيدة في التصحيح وفي التعبير عن طموحات شعبنا العراقي في الحرية والخلاص والعدالة الاجتماعية والتخلص من نظام الاستبداد السياسي لكن ظروف الهجرة وعلاقة عدد كبير من الاحزاب السياسية بالدول المضيفة وتغليبنا مصلحة الصراع ضد النظام السياسي السابق ضد اي مصلحة سياسية اخرى حال دون اجراء هذا التغيير .
ان التغيير سنة كونية وحركة اجتماعية والشعب العراقي جزء جوهري ومن هذه الحركة ومن منظومة التطلعات الانسانية الكبرى ومن واجبنا نحن الطليعة المؤمنة بخيارات الشعب العراقي ان نجري هذا التغيير كما صنع نوح النبي عليه السلام الفلك واجرى التغيير وحدث التحول .
نحن جزء من الحركة الرسولية وجزء من الحركة الرسالية المرتبطة بقواعد المشروع النبوي ولذا كان التغيير حجة الزمنا الله سبحانه وتعالى باجراءها في مجتمعاتنا العربية والاسلامية ومن لا يعمل وفق هذه السنة فان له معيشة ضنكا سواء في اطار حركته المجتمعية او في العاقبة الشخصية يوم القيامة .السيستاني حجة علينا وقد افتى الامام قبل مئة يوم من الان بضرورة التغيير وان يكون هذا العنوان سيد الموقف في الساحة العراقية لان البلد في رأي الامام كان ذهب الى المجهول وتردى في سحيق الهاوية وداعش على الابواب والفساد داخل البيوت والهزيمة تطرق الابواب!.
من هنا تحركت الفتوى وتحرك فعل المرجع وحدث التحول الاكبر في حياة المجتمع العراقي حيث اكمل الامام ملحمة الانتخابات العراقية بتصحيح مسار تشكيل الحكومة العراقية الحالية .
لقد وقع الاختيار على الاخ الدكتور حيدر العبادي بوصفه وليد ظاهرتين في الديمقراطية العراقية المعاصرة .. الانتخابات وفتوى المرجعية الدينية ولهذا كان لا بد من احترام ارادة المرجعية الدينية واحترام ارادة المجتمع العراقي الذي ايد خطوة الامام في التغيير لكن البعض يحاول ان يشذ عن القاعدة عبر التشكيك بمصداقية التغيير وصحة صدور التحول!.
اود ان اقول في النهاية ان التغيير قد حصل وحكومة الرئيس العبادي هي التعبير الاكبر لمضمون هذا التحول وآن لنا ان نؤمن ان المسألة حسمت الى النهاية ولا مجال لانكار ما جرى قبل ثلاثة اشهر من الان في اطار دستوري وقانوني وحالة اقرها القضاء العراقي عبر تفسيره الشهير للمادة 76 من الدستور العراقي .المطلوب منا جميعا خصوصا المنتمين الى الاحزاب السياسية العراقية العمل على التغيير عبر الاطاحة باصنام فكرية واخرى سياسية وبشرية تحاول ان تقلد صدام حسين في دكتاتوريته وابدية السلطة لان التغيير انطلق ولا مجال لايقاف قاطرة التغيير.