التحليل السياسي /غانم عريبي
هذه هي المرة الاولى التي اتوجه فيها بالكتابة اليك باعتبارك رئيسا للجمهورية الفرنسية وادرك جيدا ان حملك هذه المرة ثقيل وما ستفعله في مواجهة المجموعات المسلحة وعمليات القاعدة الظواهرية سيتوقف عليها وزنك السياسي في البلد . ابتداء يحزنني ان ارى واحدة من اهم الديمقراطيات في العالم تصحو مرعوبة على وقع الاسلحة والمسدسات التي اخترقت الصحيفة الفرنسية التي لم تحسن تقدير الموقف الوطني فاساءت الى النبي الكريم ( ص) وادخلت البلاد والمجتمع والسياسة الفرنسية في مواجهة غير متوقعة مع تنظيم القاعدة لهذا اتمنى ان تكون ردة الفعل الموازية (مراجعة موضوعية) للجاليات العربية والمسلمة في الجمهورية الفرنسية وليس ردة فعل عكسية ازاء مستقبل الجاليات في فرنسا والرب في كتابه المقدس القران كما الانجيل عندكم يتحدث عن هذه الظاهرة بالقول ( ولا تزر وازرة وزر اخرى) اي ان البريء لايؤخذ بجريرة القاتل والمتهم ليس كالذي يخترق صحيفة فرنسية ويطلق الرصاص ويحول الجمهورية الى غابة ارهاب واسعة .
اتذكر حكاية رواها لي صديقي الاعلامي والنائب السابق حسن العلوي قال:كنت في العاصمة البريطانية لندن ايام المعارضة العراقية وقد اتفقت مع احدى التلفزيونات البريطانية المحلية على تقديم برنامج سياسي اتحدث فيه عن السياسة العراقية في عهد صدام حسين ( كان ذلك بداية الثمانينات في عهد رئيسة الوزراء البريطانية ماركريت تاتشر ايام الحرب العراقية الايرانية) وقد استكملت كل التفاصيل المتعلقة بتقديم هذا البرنامج وبينما كنت انتظر دخول الاستوديو جاءني مدير المحطة ليخبرني ان الحكومة البريطانية لم تجز بث البرنامج بسب وجود مصالح مشتركة سياسية وامنية واقتصادية وتسليحية بين عراق صدام حسين والمملكة المتحدة.
اجبت مدير المحطة ( والكلام لازال لحسن العلوي) ان الليبرالية والشروط الديمقراطية في بريطانيا تجيز الحديث عن الدكتاتورية العراقية وان ما تفعله المحطة خلاف السياقات المتبعة لهذه الديمقراطية!.
قال لي مدير المحطة ان المصالح الستراتيجية البريطانية توقف قوانين الديمقراطية حين يتعلق الامر ببيع صفقات سلاح تجلب المال للخزانة البريطانية وان تطلب الامر السكوت على قرار الحكومة العراقية اعدام الايراني الاصل البريطاني الجنسية بازوفت في بغداد!.
هذا الكلام هو سؤال محوري واساسي يجب الاجابة عليه في معرض الحديث عن الديمقراطية الفرنسية واساليب القاعدة الظواهرية في استثمار تلك القوانين على خلفية وجود صحف خليعة ومتهتكة ولا تحترم القيم الدينية والمذاهب والتيارات الاجتماعية والرسالات السماوية لاستهداف تلك الديمقراطية في مهدها وهو ماحدث بالفعل حيث اختارت القاعدة تلك الصحيفة المتهتكة فطعنت الديمقراطية الفرنسية في الصميم في حين كان بالامكان ايقاف هذه الصحيفة عن مسلسل تهتكها واباحيتها واستهتارها بالقيم الرسالية والرسولية لحماية فرنسا وصيانة المجتمع الفرنسي وليس السكوت على الاستهتار والصمت على الفضيحة.
السيد هولاند :
ان اقامة استعراض جنائزي في القصر الرئاسي بحضور عائلة الشرطي العربي وتقليدك ميدالية على جثمانه لن يشفع للسياسة الفرنسية سكوتها على البعد الفضائحي الممارس في الصحافة الفرنسية وبدل ان تقلد الجندي القتيل ميدالية انتهى وهجها وبريقها في مربع الصورة التلفزيونية الفرنسية والعربية والدولية كان عليك ان توقف في اليوم الثاني قرار الصحيفة بطبع اكثر من ثلاثة مليون نسخة تضمنت نفس الرسومات المسيئة للنبي الكريم في فرنسا وخارجها ما عد اكبر تحدِ سافر تمارسه صحيفة متهتكة اسائت لفرنسا وصورة الديمقراطية وحالة التعايش المجتمعي بين العرب والفرنسيين وهي قضية غريبة وربما كان هناك تواطؤ بين بعض الاجهزة الامنية الفرنسية التي تحمل ضغينة مماثلة لضغينة الصحيفة ورجال في ( شارلي ايبدو).
اننا في العراق احزننا مشهد الدم في العاصمة الفرنسية باريس لكن ما كنا نتوقعه من الحكومة الفرنسية اجراء يتناسب ومستوى ( الخطيئة الاعلامية ) التي ارتكبتها الصحيفة وهي تسيء الى نبي الاسلام ونبي الجاليات العربية والمسلمة في فرنسا وكان من المفترض ايضا ان تقدم الحكومة الفرنسية اعتذارها لاكثر من مليار ونصف المليار مسلم في العالم بسبب هذه الخطيئة لا ان تحشد مظاهرة بائسة في الشارع الفرنسي رفضا لهذه العملية الارهابية .. ان هذه العملية ستبدو ارهابية اكثر لو مضت الحكومة الفرنسية بقرار الاعتذار هذا او تكليف الصحيفة بالضغط عليها الى تقديم اعتذار مماثل لكن ذلك لم يحصل واتوقع وامام هذا الازدراء السياسي الفرنسي والاستياء الشعبي المتصاعد ازاء غض النظر عن سقطة ( شارلي ايبدو) ان تزداد النقمة في الايام المقبلة .
لقد عودنا الاسلام على التسامح ونبذ العنف واختيار الوسطية نافذة لبناء مستوى ممتلئ في العلاقات الدولية وليس التعويل على العلاقات الدولية الفارغة ونحن في العراق نتطلع دائما لبناء علاقات وسطية وهادئة وهادفة مع الحكومة الفرنسية لكن ذلك مرهون بمستوى اداء الحكومة الفرنسية مع القضايا العربية والاسلامية وخاصة القضايا الروحية اذ كيف يمكن اقناع شعبنا والحكومة العراقية ومجلس النواب العراقي بضرورة وجود علاقات متنامية وفاعلة والحكومة الفرنسية تسمح لبعض فضاءاتها الاعلامية بالاساءة الى الاسلام ونبيه الكريم ؟.
ان فرنسا تشارك في التحالف الدولي ضد داعش وطائرات الميراج الفرنسية تقصف يوميا مواقع هذا التنظيم على امتداد جبهات الحرب المفتوحة لهذا على الحكومة الفرنسية ان تتوقع السيء والخيارات الاسوء من قبل المجموعات المسلحة لهذا على باريس ومثل ما تمشط طائراتها الميراج جبهات القال لكي لا تترك اي ثغرة مع داعش عليها ايضا ان لا تترك ثغرة في مجالها المحلي حتى لا تتسلل ذئاب القاعدة وداعش منها لطعن التجربة الفرنسية من الظهر لكن باريس فعلتها فقصفت طائراتها الميراج جبهات القتال مع داعش وتركت ظهرها لخلايا الارهاب في الضواحي .. فتحولت الضاحية الفرنسية الى ضحية!.
السيد هولاند:
نحن نمر بمنعطف دولي خطير تمتحن فيه مجتمعاتنا واراداتنا السياسية وقواتنا المسلحة واستعداداتنا في الفصل الاخير من حربنا مع الارهاب وعلينا جميعا التهيؤ لخوض هذه المعركة الى النهاية عبر تحصين مجتمعاتنا من الداخل وتوفير البيئة الامنية والسياسية الصالحة التي تستطيع ان تحصن باريس من العدوان والمجتمع الفرنسي من التدمير المنظم الذي نواجهه بفعل وجود تنظيم يمتلك القدرة الفائقة في اختراق الدول والقيام بالعمليات المسلحة وارعاب الناس .
ربنا في قرانه الكريم يقول ( واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) وهذه الاية دعوة لنا ولكم بالتعاون والعمل المشترك من اجل مواجهة هذا التنظيم الارهابي عبر تقديم الاسلحة للحكومة العراقية والانفتاح على الاخ العبادي وزيادة الاستثمارات الفرنسية والاهم العمل الجاد مع بغداد من دون ان نشتغل برؤية تقدم الدعم للحكومة لكنها لا تستطيع ايقاف جشع صحيفة نالت من كرامة نبي الاسلام وكرامة مئات الالاف في باريس من ابناء الجالية المسلمة .
انا اعجب ان تكون صحيفة متهتكة اكبر من حكومة بحيث تطبع الصحيفة ثلاثة مليون نسخة من عدد مسيء لرسول الاسلام وليس هنالك قرار حكومي بوقف هذا العدد على الاقل.. ليس هنالك منطق في الدنيا يقبل بنظرية ان تكون صحيفة اكبر من دولة او ان تكون الصحيفة هي التي تحرك مواقف الدولة .
سيد هولاند :
مشهدك وانت تضع (الميدالية الوطنية) على جثة الشرطي العربي القتيل كان مشهدا ناجحا على مستوى الصورة التلفزيونية لكن ادائك السياسي في مواجهة تمرد الصحيفة وصلفها .. لم يكن لائقا .