هانا كوتشلر
شابة ترتدي ساريا تُجرّب دراجتها الهوائية للمرة الأولى، تركب الدراجة حول ساحة رملية في أمباجي، وهي بلدة صغيرة في ولاية جوجارات، شمال غربي الهند. الدراجة باللون الأزرق وقوية، مع إطارات عريضة لمساعدتها على تحمّل التضاريس الوعرة. في الخلف يوجد صندوق يحمل بضائع ثمينة: ليس بيتزا، ولا بريدا، لكن إنترنت. «جوجل» تُرسل آلافا من مثل هذه الدراجات إلى المناطق الريفية في الهند. كل منها يحمل اثنين من الهواتف الذكية التي تعمل بنظام الأندرويد واثنين من الأجهزة اللوحية، مع وصلات لبيانات الهاتف الخليوي المموّلة من شركة البحث الأمريكية العملاقة. النساء اللواتي يحصلن على الدراجات مُدرّبات على استخدام الإنترنت بأنفسهن قبل ركوب الدراجات والانتقال إلى القرى لتدريب النساء الأخريات. قمر نيراما بهامبرو، الخيّاطة البالغة من العمر 22 عاماً، من شوشار، ترتشف من كوب الشاي المصنوع من الورق المقوى خلال استراحة في فترة تدريبها الرقمية لمدة يوم ونصف يوم، التي تجري في بيت ضيافة بدائي عادة ما يستضيف الحجاح.
لقد أكملت للتو أول عملية بحث لها على «جوجل»، بينما تقضم ابنتها زاوية حزمة جهاز الأندرويد. تقول، قبل أن تُضيف أنها تُكرر الأشياء التي قالتها لها المُدرّبة: «أستطيع البحث عن ما هي الموضة الجديدة، وكيفية قص القماش، وكيفية تصميم بعض الأشياء التي لا أعرفها».
بلدة غاندي
جوجارات هي بلدة غاندي، هنا ولِد ونشأ الزعيم السياسي، ومن هنا قاد في عام 1930 مسيرة ضد ضريبة الملح التي فرضها المستعمرون البريطانيون. اليوم شركات وادي السليكون، بقيادة «جوجل» و»فيسبوك»، تصل ومعها المفتاح لمورد حيوي في القرن الـ21: الاتصال. وقد أطلق النقاد الهنود، الحذرون من بعض أساليبها وخطاباتها، على الشركات الأمريكية «المستعمِرون الرقميون». اللهجة المُشدّدة للنقاش تعكس مقدار ما هو على المحك. مع عدد سكان يبلغ 1.2 مليار نسمة، تملك الهند القدرة لتكون أكبر سوق إنترنت مفتوحة في العالم (الصين، أكبر بلد في العالم من حيث عدد السكان، تُقيّد إمكانية الوصول علناً). اعتباراً من عام 2014، أحدث عام تتوافر فيه البيانات، أكثر من مليار شخص في الهند لم يكُن لديهم إنترنت، وذلك وفقاً للاتحاد الدولي للاتصالات، وهو وكالة تابعة للأمم المتحدة.
يتحدث مسؤولون تنفيذيون من كل من «جوجل» و»فيسبوك» بحماس تبشيري عن جلب إمكانية الوصول إلى الإنترنت إلى الجماهير في الهند باعتبارها وسيلة لتخفيف حدّة الفقر، وتحسين التعليم، وإيجاد فرص العمل. لكن دوافعهما معقدة. شركات الإنترنت تملك القوة لتشكيل نوعية الحياة والحكومات والاقتصادات بطرق لا يفعلها مروّجو السلع الاستهلاكية الأكثر وضوحاً. ومن ثم تعمل فيما يدعوه مختصو الاقتصاد أسواق «الفائز يأخذ كل شيء»، ما يعني أن الشركات، بمجرد تأسيسها، تستفيد من تأثير الشبكة: كلما زاد عدد الناس الذين يستخدمون أحد التطبيقات، أصبح أكثر جاذبية، ما يترك القليل من المجال للمنافسة المحلية. مصير تطبيق «فري بيزيكس» Free Basics التابع لـ»فيسبوك»، الذي كان من الناحية العملية محظورا من قِبل المنظمين في الهند الشهر الماضي، يُقدّم لمحة عن المعارك التي يُمكن أن تكون في انتظارها، في أنحاء العالم النامي كافة، حيث تتصارع الشركات لكسب ولاء المليارات من مستخدمي الإنترنت في المستقبل.
في عام 2013، أصدر مارك زوكربيرج، المؤسس والرئيس التنفيذي لـ»فيسبوك»، «ورقة بيضاء» مكونة من عشر صفحات بعنوان «هل الاتصال يُعتبر من حقوق الإنسان؟». علامة الاستفهام كانت من باب السؤال الاستنكاري. يجادل زوكربيرج بأنه «من خلال جعل الجميع يتّصل بالإنترنت، فإننا لن نُحسّن فقط نوعية حياة المليارات، لكننا أيضاً نُحسّن حياتنا لأننا سنستفيد من الأفكار والإنتاجية التي يُسهمون بها في العالم». اليوم، صفحة «فيسبوك» الخاصة بمارك، البالغ من العمر 31 عاماً، مليئة بصور من زيارتيه الاثنتين إلى الهند في العامين الماضيين، حيث تنوي شركته جعل تلك الرؤية حقيقة واقعة. زوكربيرج زار تاج محل. ويُجيب على أسئلة في اجتماع علني مع طلاب في نيودلهي. ويستضيف قمة عالمية من أجل مبادرة Internet.org الخاصة به لربط العالم. ويُرحّب برئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، في مقرّ «فيسبوك» في وادي السليكون.
المليار التالي
تُعتبر الهند أساسية أيضاً لطموح «جوجل» لربط «المليار التالي» الذي يُركّز على الهند وإندونيسيا والبرازيل. راجان أناندان، رئيس منطقة الهند وجنوب شرقي آسيا، البالغ من العمر 47 عاماً، في «جوجل»، يُشارك زوكربيرج طريقته الحماسية. يقول: «لتحقيق وعد الهند لمواطنينا، نحن بحاجة إلى التأكد أنهم سيحصلون على إمكانية الوصول إلى الإنترنت».
الشركات تُردد ليس فقط وجهة نظر الأمم المتحدة، التي تشتمل على إمكانية وصول إنترنت شاملة في جدول أعمالها للتنمية المُستدامة لعام 2030، لكن أيضاً الحكومة الهندية التي تملك استراتيجيتها الموجودة منذ فترة طويلة – على الرغم من أنها متأخرة باستمرار – لتطوير «الهند الرقمية». وادي السليكون مُصمم على التحرك بشكل أسرع. «جوجل» و»فيسبوك»، اللتان تملكان مبالغ كبيرة من النقود، والآمنتين في هيمنتهما على الأسواق الغربية، تستثمران في مجموعة متنوعة من الخطط المنفصلة. «جوجل»، مع مساعدة «تاتا ترستس»، المنظمة غير الحكومية، تهدف إلى استخدام دراجات الإنترنت الهوائية الخاصة بها للوصول إلى النساء في 100 ألف قرية بحلول نهاية العام (النساء هن أقل اتصالاً بكثير من الرجال في المناطق الريفية). وتأمل الشركة أيضاً في إطلاق تجربة التكنولوجيا الطموحة لمشروع «بروجيكت لون» الخاصة بها هذا العام: من خلال إرسال بالونات في السماء الهندية لنقل الإنترنت إلى المناطق البعيدة. وتشاركت أيضاً مع وزارة السكك الحديديدة لوضع شبكة إنترنت لاسلكي عالية السرعة في 100 محطة قطار هذا العام.
مشروع فيسبوك رفيع المستوى كان «فري بيزيكس»، تطبيق الهاتف الخليوي الذي هو جزء من مبادرة Internet.org التابعة لشبكة التواصل الاجتماعي. «فيسبوك» تستخدم التطبيق لتزويد زبائن شبكات الاتصالات الشريكة بوصول مجاني إلى «فيسبوك» ومجموعة أساسية من المواقع الأخرى، مثل ويكيبيديا، وبي بي سي نيوز، وأكيو ويذر والمواقع الصحية. ومنذ إطلاقه في زامبيا في عام 2014، تم تقديم تطبيق فري بيزيكس في 38 بلدا، بما في ذلك الهند (مع ريلاينانس للاتصالات)، وكينيا (مع بهارتي آيرتل) وإندونيسيا (مع أندوسات). وتعمل الشركة أيضاً مع مجموعات الاتصالات لربط المزيد من القرى بشبكة الإنترنت اللاسكلية، ببيع الوقت على الإنترنت من خلال أصحاب مشاريع في الأحياء. ولديها، أيضاً، مشروع جوّي: بناء طائرات بدون طيار تعمل بالطاقة الشمسية لربط المناطق النائية.
يقول أرون موهان سوكومار، رئيس مبادرة الإنترنت في «أوبزيرفر ريسيرش فاونديشن»، وهي منظمة استشارية في دلهي: «هناك هذه الحاجة إلى توفير الاتصال لملايين الهنود، الأمر الذي لم يحدث ببساطة في الأعوام العشرة الماضية من خلال تدخل القطاع العام. الأمر الذي لا مفر منه هو أن الشركات التي ستوفر هذا النوع من الخدمات ستكون الشركات الكُبرى في وقتنا: أمثال جوجل وفيسبوك».
ومع أن المسؤولين التنفيذيين في وادي السليكون يميلون للحديث عن إمكانية الوصول الشاملة للإنترنت بأسلوب خيري تقريباً، إلا أن «جوجل» و»فيسبوك» لا تموّلان مبادراتهما للاتصال بالأموال التي وضعت جانباً من أجل مبادرات المسؤولية الاجتماعية المؤسسية – بل تستخدمان ميزانيتهما الأساسياتين. وهذا يعكس منطق الأعمال القوي للاستثمار في الاتصال في الهند وغيرها من الأسواق النامية. الأهم من ذلك، هذا يوفر فرصة لالتقاط مئات الملايين من مستخدمي الهواتف الذكية الجُدد في المراحل الأولى من اعتمادهم، في الوقت الذي لا يزالون يُثبّتون فيه عاداتهم. «فيسبوك» سوف تعاني في عالم، حيث تُسيطر «جوجل» على إمكانية الوصول إلى الزبائن من خلال نظام تشغيل الأندرويد المُهيمن على السوق الخاص بها، تماماً كما ستُعاني «جوجل» جمع البيانات من مستخدميها إذا أمضوا كل وقتهم على تطبيق «واتساب» المملوك لـ»فيسبوك». وعلى الرغم من أن سوق الإعلان الرقمي في الهند صغيرة في الوقت الحالي، إلا أن «فيسبوك» تتحدث بحماس عن شركات متعددة الجنسيات، مثل كوكا كولا ونستله، لاعتماد إعلاناتها على الهاتف الخليوي لاستهداف الهنود في المناطق الريفية.
القوى الاستعمارية
كيران جونالاجادا يُضيف الزبدة إلى قهوته السوداء على طريقة اختصاصي الحميات في وادي السليكون. مهندس البرمجيات «هواية»، البالغ من العمر 37 عاماً، ومُنظم مؤتمرات التكنولوجيا «مهنة» وناشط الإنترنت «شهرة»، يجلس في مقهى مُبهج في الطابق العلوي في بنجالور، عاصمة التكنولوجيا الهندية جنوبي الهند. كيران، الذي يرتدي قميصا أزرق بأكمام قصيرة، مع سماعات تخرج من الياقة، وجهاز فيتبيت على أحد معصميه، وساعة ذكية على الآخر، يشرح كيف استنتج أن «فيسبوك» تستحق أن يُطلق عليها اسم «المستعمِرة الرقمية».
يقول: «الاستعمار من وجهة نظر اقتصادية هو استخراج الموارد الخام وبيعها للمستهلكين دون إيجاد فئة رأسمالية في الوسط. هذا هو بالضبط ما يحدث: يُريدون البيانات الخام من المستهلك، من خلال استخراج المعلومات الشخصية، ويُريدون بيع خدمتهم. لكنهم لا يُريدون الناس الذين في الوسط». الطبقة الرأسمالية التي يشعر جونالاجادا أنها غير موجودة في خطة «فيسبوك» هي، من وجهة نظره، مبنية في بنجالور، البلدة التي في مكانة تتطور من موقع مفضل للاستعانة بمصادر خارجية بالنسبة للشركات الغربية إلى مركز حيوي للشركات الناشئة المحلية. جونالاجادا كان أحد أربعة أعضاء أصليين في مجموعة «سيف ذا إنترنت»، وهي مجموعة مكونة من نحو 100 ناشط حاربت، في شباط (فبراير)، وفازت في المعركة ضد تطبيق فري بيزيكس التابع لـ»فيسبوك».
جادل النشطاء بأن شركات الاتصالات لا ينبغي أن تكون قادرة على توفير بعض المواقع الإلكترونية، أو التطبيقات مجاناً، وفي الوقت نفسه استيفاء رسوم مقابل جميع استخدامات الإنترنت الأخرى، لأنها بذلك ستوجد نظاما بمستويين للوصول إلى الإنترنت. المجموعة، المُسلّحة بشريط فيديو كوميدي منتشر، تضغط من أجل «حيادية الإنترنت»، وهو مبدأ واسع يقول إن جميع حركة المرور على الإنترنت ينبغي أن تلقى المعاملة نفسها، وهذا تم اعتماده قانونا في بلدان من الولايات المتحدة إلى هولندا.
فيجاي شيخار شارما كان ناقداً آخر لتطبيق فري بيزيكس. في مكتبه في ضواحي دلهي، مؤسس PayTM ـ شركة الناشئة للمدفوعات ـ ورئيسها التنفيذي البالغ من العمر 37 عاماً، يُجادل بأن التطبيق كان يوفّر «إنترنت وليدة» لكنه يحاول تمريرها للمستهلكين على أنها أصلية. ويقول: «دعونا لا ندعو رحلة في السيارة بأنها رحلة بالطائرة. رحلات الطيران هي عندما تكون جالساً في طائرة نفاثة».
«فيسبوك» لم تنو أبداً المحاربة ضد حيادية الإنترنت. في الواقع، في الولايات المتحدة، تضغط الشركة من أجل حيادية الإنترنت. وعلى الصعيد العالمي يُمكن أن تخسر المال إذا تم المساس بالمبدأ، ما يسمح لشركات الاتصالات، مثلاً، باستيفاء رسوم إضافية مقابل استخدام تطبيق واتساب، لأنها شعرت بالضيق لخسارة إيرادات الرسائل النصية. وفقاً لكريس دانيلز، نائب الرئيس البالغ من العمر 40 عاماً في «فيسبوك»، الذي يُشرف على مبادرة Internet.org، رأت الشركة تطبيق فري بيزيكس باعتباره وسيلة لجذب الناس إلى الإنترنت من خلال إظهار فوائد الإنترنت المجانية لهم – نوع من تجربة الإنترنت.
يقول دانيلز، مُتحدّثاً من مكتب «فيسبوك» في مينلو بارك: «ما كنّا نريد القيام به هو بناء مُنتج من شأنه التغلّب على تحدّي الوعي هذا. وما تُريد أنت القيام به هو منح الناس الفرصة لتجربة، [لمعرفة]، ما هو موجود على الإنترنت عنّي؟ واكتشاف الخدمات، ومن ثم يُصبح مستخدم إنترنت». وكان قد تم إطلاق تطبيق فري بيزيكس بسلاسة في معظم البلدان، لكن في الهند سُرعان ما أصبح مُثيراً للجدل. في الوقت الذي بدأ فيه النشطاء وقادة الشركات الناشئة التشكيك في دوافع «فيسبوك» في توفير مثل هذه النسخة المحدودة من الإنترنت، استجابت الشركة بقوة من خلال شراء إعلانات كبيرة تتحدّى مزاعم النشطاء، وتوزيع ملصقات في أنحاء المدن الكبيرة كافة، والطلب من مستخدمي «فيسبوك» إظهار دعمهم للهيئة التنظيمية. التركيز على فعل الخير وربط الفقراء، بدون الإعلان كيف تستفيد «فيسبوك»، أثار غضب النشطاء بشكل خاص.
يقول جونالاجادا: «إن لهجة الاستعلاء وصلت للجميع. لقد أفسدوا الأمر تماماً. أنا أعرف بعض موظفي فيسبوك الذين يشعرون بالحرج منه».
اللحظة الأكثر إحراجاً بالنسبة لـ»فيسبوك» جاءت عندما حظرت هيئة تنظيم الاتصالات في الهند ما يُسمى «التسعير التفضيلي» من قِبل شركات الإنترنت في شباط (فبراير)، ليؤدي في الواقع إلى إعاقة مخطط تطبيق فري بيزيكس الخاص بـ»فيسبوك». قالت الشركة إنها شعرت بالإحباط من القرار، لكنها ستسعى إلى مشاريع ربط أخرى في الهند. بعد ذلك، أثار مارك أندريسن، المستثمر وعضو مجلس إدارة «فيسبوك»، غضب الكثيرين من خلال كتابة تغريدة على موقع تويتر قائلاً: «مكافحة الاستعمار كانت بمثابة كارثة على الصعيد الاقتصادي بالنسبة للشعب الهندي لعدة أعوام. لماذا التوقف الآن؟». زوكربيرج كان سريعاً في إدانة التعليق، بوصفه «مزعجا للغاية». أندريسن اعتذر، لكن جونالاجادا يقول إن تصريحاته أقنعت الكثيرين بأن «فيسبوك» تستحق أن تُدعى مُستعمِرة. يقول: «ما فعله أندريسن والجميع كان إقناع الناس بأن المصالح التجارية لهذه الشركات هي ليست المصلحة الوطنية للهند».
الإنترنت للجميع
توفير الإنترنت للجماهير ليس أمراً سهلاً: يجب حفر الخنادق، وترجمة المواقع الإلكترونية، وحتى ترويض القردة. عمل جونالاجادا على مشروع مشترك بين القطاعين العام والخاص لإنشاء مراكز إنترنت في القرى الهندية في عام 2007، حيث تعلّم أن القردة تُحب إسقاط الصحون اللاقطة للأقمار الصناعية من الأسطح.
من عدد سكان الهند البالغ 1.2 مليار نسمة، أكثر من 300 ألف هم من مستخدمي الإنترنت، وذلك وفقاً لمنظمة الإنترنت والهاتف الخليوي في الهند. صناعة التكنولوجيا في بنجالور تزدهر بفضل مجموعة من أصحاب المشاريع، في حين أن الكثير من الهنود بدأوا حياة مهنية ناجحة في شركات التكنولوجيا الأمريكية (بما في ذلك الرئيس التنفيذي لجوجل، سوندار بيشاي، ورئيس مايكروسوفت، ساتيا ناديلا، وكلاهما ولد في الهند وسافر إلى الولايات المتحدة من أجل الدراسات العُليا. في جميع أنحاء البلاد، انتشار الإنترنت يزيد بمقدار نقطتين إلى ثلاثة نقاط مئوية كل عام منذ عام 2010، وذلك وفقاً لبيانات الاتحاد الدولي للاتصالات. ذلك الارتفاع مدفوع من قِبل النمو الاقتصادي القوي في الهند وانخفاض أسعار الهواتف الذكية، مع تجاوز الهند للولايات المتحدة في عام 2015 لتُصبح ثاني أكبر سوق للهواتف الذكية، وذلك وفقاً لشركة كاونتربوينت ريسيرش. تقرير من إعداد شركة ديلويت، بطلب من «فيسبوك»، وجد أن توسيع انتشار الإنترنت في الهند إلى مستويات موجودة في البلدان المُتقدّمة يُمكن أن يزيد معدل النمو في البلاد أكثر من الضعف، ليُضيف 500 دولار إلى حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. لكن البرامج القائمة لنشر التكنولوجيا في جميع أنحاء البلاد – من الحكومة الهندية، وشركات الاتصالات، والمنظمات غير الحكومية – جميعها تتحرك ببطء. تقدّمها البطيء هو أحد الأسباب لتراجع عديد من النشطاء عن الرفض الجماعي لجهود وادي السليكون لنشر الإنترنت. لقد تم الثناء على «جوجل» لوجود استراتيجية علاقات عامة أكثر حساسية من «فيسبوك»، لكن حتى مشاريع شركة التواصل الاجتماعي الأخرى لم تُنتقد على نطاق واسع، طالما توفر إمكانية وصول إلى الإنترنت بأكملها.
مدرسة تموّلها الحكومة في ناند ناجري، في نيودلهي، تُشارك في برنامج «المُعادل الرقمي» الذي تُشغّله منذ 14 عاماً منظمة الهند الأمريكية، وهي منظمة غير حكومية. في غرف صف مُظلمة مُطلّة على فناء مفتوح، يجلس الفتيان والفتيات بأزياء كستنائية على السجادة في غرفة معروفة باسم «المختبر» الرقمي، الذي يوجد فيه جهاز كمبيوتر واحد وجهاز عرض واحد. في الطابق العلوي، توجد غرفة أجهزة كمبيوتر ممولة من الحكومة وعِد بها منذ فترة طويلة، لكن تم تثبيتها أخيرا، تحوي 11 جهاز كمبيوتر تُشغّل نسخة قديمة من نظام تشغيل ويندوز. يقول مشرف مختبر الكمبيوتر إن الفيروسات تمنعهم من تحميل جميع البرامج التي يحتاجون إليها.
الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 12 و14 عاماً، بضغط من المعلّمين، متحمسين بإخلاص بشأن التعلم الرقمي، واصفين إياه بأنه أكثر جاذبية من الكتب المدرسية. لكن من الواضح أن بعضهم تعلّم أكثر عن التكنولوجيا خارج الغرف الصفيّة، من ألعاب الإنترنت ومن خلال استخدام «فيسبوك» على الهواتف الخليوية وأجهزة الكمبيوتر المحمولة. يقول معظمهم إنهم يستخدمون «فيسبوك» لإجراء المحادثات، ومشاركة الصور، وجدولة المناسبات العائلية – لكن فتى صغيرا جداً يبلغ من العمر 13 عاماً يقول إنه كان يُشارك أفكاره.
نقود وتكنولوجيا وتفاني شركات وادي السليكون للتحرّك بسرعة يُمكن أن يساعد في تسريع اعتماد الإنترنت. «جوجل» و»فيسبوك» تتحدثان عن الوصول إلى مئات الآلاف من المجتمعات عند مناقشة مشاريع الاتصال على مدى الأعوام القليلة المُقبلة وحدها. شركات التكنولوجيا يُمكن أن تستثمر في مشاريع على نطاق واسع في أنحاء العالم كافة، وبالنسبة لـ»فيسبوك» و»جوجل»، مبالغ المال التي تتم مشاركتها صغيرة نسبياً. بريان ويزر، المحلل في شركة بيفوتال للأبحاث، يقول إن مبادرات مجموعات التكنولوجيا للاتصال «خارج المراقبة من حيث أهميتها» للمستثمرين في الشركات لأنها «ربما هي صغيرة جداً في سياق إجمالي الإنفاق على البحث والتطوير».
سيزار سينجوبتا، مدير إدارة المنتجات البالغ من العمر 40 عاماً في «جوجل»، يقول إن الهند تُثبت أنها تعليمية بالنسبة للشركات بعدد من الطرق، مثل تعلّم كيفية بناء منتجات للناس الذين تجربتهم الأولى للإنترنت تتم على الهاتف الذكي. يقول إن هذه الدروس ستُساعدها في تطوير منتجات مناسبة ليس فقط للأسواق الناشئة الأخرى، لكن يُمكنها حتى تحسين تطبيقاتها في الغرب، حيث يوجد جيل جديد يدخل الإنترنت على الهاتف الخليوي أولاً. يُضيف: «النمو في عدد الناس الذين يعتمدون الهواتف الذكية كأول شكل من أشكال الحوسبة، وفي عديد من الحالات الشكل الوحيد للحوسبة هو إلى حد كبير غير مسبوق في التاريخ». في الواقع، كارثة تطبيق فري بيزيكس ربما دفعت الحكومة الهندية وشركات الاتصالات لإدراك الحاجة إلى التحرّك بسرعة لوصل الناس غير المُتّصلين بالإنترنت. بارميندر جيت سينج من منظمة تكنولوجيا المعلومات من أجل التغيير، وهي منظمة غير حكومية قائمة في بنجالور تعمل على استخدام التكنولوجيا من أجل الخير الاجتماعي، يقول إن المعركة رفيعة المستوى جعلت ربط الناس بالإنترنت بمثابة قضية سياسية للمرة الأولى.