ريئة في أعمالها وفي تصريحاتها، لم تستطع الانتقادات أن تحد من طموحها أو تُسكتها، فانتقدت الدراما اللبنانية ورفضت أن تدّعي أننا نملك صناعةً سينمائية. الممثلة اللبنانية دارين حمزة تؤكد ان بداياتها الفنية في ايران دفعت المنتجين العالميين للعمل معها، مما طوّر قدراتها وإمكاناتها الفنية التي تعلمتها في لندن. وتكشف دارين عن فيلم ايطالي هو أول مساهمة لشركة الإنتاج خاصتها Winking Owl، كما تتطرق إلى الهجوم الذي تعرّض له فيلمها الأخير Nuts وغيره من الأعمال والنشاطات في هذا اللقاء…
– ذكرت سابقاً أن فيلم Nuts مثير للجدل، فهل كان الجدل بالقدر الذي توقعته؟
بتّ أعرف كيف يتلقى الجمهور الأمور، وأصبحت ذات خبرة في هذا الخصوص. كنت أعلم أن «ناتس» سيصدم الجمهور، لأنه فيلم سوداوي ويعالج مواضيع خطيرة ومحظورة، حتى أن العنف الذي يتخلله مزعج. الفيلم يحكي قصة «لانا» التي تعيش فراغاً عاطفياً على الرغم من أنها متزوجة، كما يطرق أبواب هذا الجيل الضائع. بالنسبة إلي «لانا» امرأة قوية، لكنها لا تدرك الاتجاه الذي يجب أن تسلكه، فتسقط بين أيدي أناس لا يمكنها التعرف إليهم في المجتمع إلا من خلال لعبة «الحظ» التي أدمنتها. هؤلاء الأشخاص يستسهلون القتل، ويقومون بكل الممنوعات. وهنا وددنا أن نسلط الضوء على جيل معين ضائع يشبه «لانا» وصديقتها «جيني»، ومدى عبثية شخصية «لانا»، حتى أنني سألت الكاتبة عن سبب سعادة «لانا» في آخر الفيلم عندما تم تكبيلها وصديقتها لقتلهما من جانب رئيس العصابة. ربما كان من المفترض أن تنهار، فقالت انها تراها بهذه الصورة، وأدركتُ انها تتحدث عن شخصية عبثية، حتى أن هناك جيلاً جديداً ملّ من الحياة ولا يملك هدفاً فيها. قررت أن أؤدي هذا الدور، علماً أنني لا أحب هذه الشخصية، ولست مغامِرة، وأردت أن ألعبها فقط لأسلّط الضوء على هذه الشريحة من المجتمع.
– لفتني أخيراً وجود ممثلات يؤدّين أدوار نساء محجبات في الأعمال السينمائية، ما لم نكن نراه في السينما اللبنانية سابقاً.
هذا صحيح، ولكن ثمة من هاجم هذه الظاهرة، واعترض على وجود محجبات في العمل السينمائي، علماً أنه لم يُهن المرأة المحجبة. حتى الشخصية التي أديتها (لانا) لم تظهِر انتماءها الى دين معين، وتجنبت التلفظ بالشتائم أو بكلمات غير لائقة إلا للضرورة القصوى. أما قاسم (غابرييل يمين) فهو رجل عصابة وتحدث بأسلوب رجال العصابات غير اللائق. حاولنا أن نكون واقعيين، ونثبت أننا في مجتمع يضم كل الأديان بما فيها من سلبيات وإيجابيات.
– ألا تعتبرين السينما تجميلاً للواقع؟
هي ليست تجميلاً للواقع، لكن قد تعمد السينما السياحية إلى تجميله أحياناً.
– ولكن هل يمكن أن نكون سوداويين إلى هذه الدرجة؟
السينما مرآة المجتمع، وتسلط الضوء على كل فئاته. نحب المرآة، لكن أحياناً نرفض شكلنا فيها، وهنا يختار الفرد القضية التي سيسلط الضوء عليها، سواء كانت إيجابية أو سوداوية، وهذا لا يعني أن السينما تصور كل المجتمع، وإنما شريحة واحدة منه.
– انتقادات كثيرة طاولت العمل، مثلاً عندما يقع انفجار في المبنى ويتناثر الزجاج عليك ولا تحرّكين ساكناً… كما كان يهمنا أن نعرف لماذا شعرت «لانا» بالملل من زوجها…
ما ذكرتِه كان فعلاً فكرة المنتج، ولكن الكاتبة شقيقته أرادت أن تعكس واقعاً أقسى. ربما تخلل النص بعض الثغرات، ولكنْ هناك مشاهدون استمالهم ذهاب «لانا» إلى الـ Extreme، وأحبوا العبثية التي ميّزت شخصيتها. لقد ذهبت إلى الموت وهي سعيدة وغير آبهة بشيء. أما في ما يتعلق بالانفجار، فهو مأخوذ من واقعنا في لبنان، إذ مررنا بمرحلة شهدنا خلالها سلسلة من الانفجارات، ورغم ذلك كنا نُكمل حياتنا بشكل عادي. عندما قرأت النص تضايقت، لكنني اكتشفت في ما بعد أنها محقّة، بحيث وصلنا إلى مرحلة لم نعد نتأثر بكل ما يجري حولنا. ثمة أشخاص يسيرون نحو الهاوية، ويعيشون عبثية الفراغ التي نجدها في الفيلم. أعتقد أحياناً أن علينا أن نُحدث خضة في المجتمع، لمعالجة هذه الآفات التي نتجنب الاعتراف بها. كما أنني لا أشجع الأفلام التي تعكس الواقع السياحي فقط، وإذا استسلمنا وتنكرنا لهذا الواقع سيكون مصيرنا مشابهاً لمصير «جيني» و«لانا».
– وهل اقتنعت بالنهاية؟
أحببت النهاية، لأن من الضروري أن تكون خاتمة هذه القصة مأسوية وليست سعيدة. ذلك أن أغلب أحداث الفيلم عبثية، ومن المنطقي أن تكون نهايته عبثية. وفكرة الفيلم تدور على أن حياتنا في لبنان تشبه لعبة «الحظ»، ولا ثوابت فيها، فقد ننام على مقولة أن هذا الفريق السياسي ضد ذاك، ونستيقظ في اليوم التالي لنجدهما وقد تصالحا. يوم يتظاهر الشعب بسبب انقطاع الماء والكهرباء، وفي اليوم التالي يجلسون في منازلهم كأن المشكلة حُلّت، وهكذا… لبنان بلد عبثي ومصائرنا عبثية، إذ وقع العديد من الانفجارات في الشوارع وأودت بحياة المارّة، وكان مصيرهم غير متوقع… هذا ما صوّره الفيلم.
– لكن الفيلم هوجم بقوة…
لم يقتصر الهجوم على «ناتس»، بل طاول أيضاً «بالحلال». وأتساءل لماذا لا تُهاجم الأفلام المصرية حين عرضها، خصوصاً أنها تناقش قضايا كالمحجبات والتحرش والطلاق وبيت الطاعة. لعبت دور امرأة مطلّقة، وبيّنت القمع الذي تتعرض له، وتزوجت زواجاً موقتاً وكان «بالحلال»، وركزنا على نظرة المجتمع الى المرأة المطلّقة. من يعترض على أننا تطرقنا إلى قضايا المرأة فهذه مشكلته، وقد حاز فيلم «بالحلال» جوائز عالمية. حاولنا أن نسلط الضوء على العدل الذي يتميز به الدين الإسلامي، والذي أعطى المرأة كامل حقوقها. في السينما نضيء على جوانب تخفى على المشاهد. مثلاً في ما يتعلق بـ»ناتس»، قدمت رسالة غير مباشرة لشباب ربما يرغبون في تجربة لعبة «الحظ»، وبالتالي ستردعهم مشاهدة الفيلم.
– قرأت تعليقات تقول: «مشاركة دارين في هذا الفيلم تعني أن مستواه هابط»، ما هو تعليقك؟
هذا رأيهم، عندما نلت جائزة أفضل ممثلة من اليابان عن فيلم «بالحلال»، كنت أمثّل بلدي في الخارج وهي المرة الأولى التي يحوز فيها لبنان جائزة من اليابان، علماً انهم لا يعرفون أين يقع لبنان. وشاركت في مهرجان Sundance السينمائي، ومهرجان دبي السينمائي ونوتردام وفي ألمانيا وفرنسا… وبالتالي لا يعنيني تقييم هؤلاء الأشخاص، بما أنه يتم تقييمي وإنصافي ممن يفهمون في السينما وأحوز على أعمالي جوائز عالمية. وفي النهاية، هناك من يحبك ويحب أعمالك، والعكس صحيح، و«الشجرة المثمرة تُرمى بالحجارة»، وكل من يجول العالم مثلي بأفلامه ويحترف أكاديمياً ويعمل مع الإيرانيين والألمان والفرنسيين، فإنتاج «بالحلال» كان ألمانياً، وأعتقد أنني لو لم أكن ناجحة لما كنت دُعيت للمشاركة في أكثر من عمل محلي وعالمي. ولا أدري ما إذا كانوا يرغبون في إنتاج أفلام هامشية تستخف بعقول المشاهدين ولا تسمح لهم بالتفكير في أي مجتمع يعيشون… فليبقوا في حالة تخدير. كما أنهم يريدون صبغي بلون معين، وأرفض تصنيفي لجمهور معين، فأنا فنانة حرة أقدّم كل الشخصيات في المجتمع.
– ما صحة ما قيل عن اقتطاع بعض المشاهد في فيلم Nuts خلال عرضه في لبنان، لكنه عُرض في مهرجان دبي كاملاً؟
هناك مشهد واحد فقط تم اقتطاعه، ولكنني لم أتنبه ما إذا كان قد حُذف المزيد من المشاهد.