التصنيف: الرأي

  • أحزاب أميركا.. وإعادة الاصطفاف

    جون جوديس 
    حتى وإن لم يفز «بيرني ساندرز» و«دونالد ترامب» بالرئاسة، فإن ترشحهما قد عكَّر المياه في سياسات الأحزاب الأميركية، ففي داخل الحزب «الجمهوري»، هؤلاء الناخبون البيض الذين بدؤوا في هجرة «الديمقراطيين» قبل 50 عاماً أصبحوا يشعرون بالاضطراب. وعلى جانب «الديمقراطيين»، فإن الناخبين من الشباب يتنصلون من سياسات «الطريق الثالث» المفضلة لدى النخب الحزبية. فهل هذه مجرد اضطرابات عابرة، أم أنها تشير إلى أن بعض التغير الكبير ينتظر الأحزاب السياسية الأميركية؟
    للإجابة على هذا السؤال، قد يفيدنا النظر إلى الخلف. في عام 1932، حيث ساعد فشل الحزب «الجمهوري» في مواجهة الكساد العظيم على تحول أغلبية «الجمهوريين» إلى الحزب «الديمقراطي»، وبعد الحرب العالمية الثانية، طور العلماء السياسيون نظرية إعادة الاصطفاف لتفسير هذا التحول.
    وقد ولدت هذه النظرية قبل 60 عاماً، حيث حاول العالم السياسي «في أو كي» إثبات أن إعادة الاصطفاف «الديمقراطي» الذي حدث عام 1932 كان متوقعاً من قبل الانتخابات الرئاسية الحاسمة لعام 1928، عندما فاز «الديمقراطي» «آل سميث» في الأجزاء الحضرية التي تضم الطبقة العاملة في «نيو إينجلاند»، والذين كانوا من قبل «جمهوريين»، وكان الناخبون في هذه المناطق، وأغلبهم من الكاثوليك، يتدفقون بشكل جماعي إلى «الديمقراطيين». وكان «كي» من بين أوائل العلماء السياسيين الذين وثقوا أن هذا التحول في كتل التصويت العرقية والطبقية من حزب إلى آخر (أو ظهور كتل تصويت جديدة) سيضع الأساس لإعادة الاصطفاف في الأحزاب.
    وفي 1967، أكمل «والتر دين بورنهام» عمل «كي»، ففي كتابه «النظم الحزبية والعملية السياسية»، وضع بورنهام نظرية جديدة لإعادة الاصطفاف، مشيراً إلى أن هذه عملية دورية وتحدث كل 30 أو 40 عاماً.
    وخلال سنوات نيكسون، قام «كيفين فيليبس» بتطبيق النظرية على ما يدور حوله. وفي كتاب «الأغلبية الجمهورية الناشئة»، كتب «فيليبس» إبان إدارة نيكسون عام 1969، إن إعادة الاصطفاف ستزيح الأغلبية «الديمقراطية». واستشهاداً ببيانات الانتخابات الرئاسية لعام 1968، ذكر أن «الديمقراطيين» العرقيين البيض في الجنوب والشمال، الذين نفروا من تأييد حزبهم لثورة حقوق الإنسان، سيعطون في نهاية المطاف أغلبية جديدة للجمهوريين. وقد ضرب بفكرته عرض الحائط بعد أن فاز «الديمقراطيون» بالبيت البيض مرة أخرى في أعقاب فضيحة «ووترجيت»، ولكن بعد فترة وجيزة، تحقق تنبؤ فيليبس.
    وفي أعقاب النجاحات «الجمهورية» بعد 11/9، لم يصدق أحد ما جاء في الكتاب. ولكن بحلول 2008، ساعدت الاتجاهات التي وصفناها «الديمقراطيين» على استعادة الكونجرس والبيت الأبيض. ومنذ ذلك الحين، ساعد هذا الائتلاف «الديمقراطيين» على الاحتفاظ بالبيت الأبيض، ولكن ليس بالكونجرس، وهذا يشير إلى أن الحزبين، كما كتب «بورنهام» فيما بعد، في حالة من «التوازن غير المستقر»، حيث إن الأغلبيات التي أوجدتها «موجة» الانتخابات يمكن أن تكون عابرة، وحيث يتمتع «الديمقراطيون» بميزة في السنوات الرئاسية، و«الجمهوريون» في انتخابات التجديد النصفي.
    وقد تعيد انتخابات هذا العام اصطفاف الأحزاب، لكنها قد تكون واحدة من مسابقات «كي» الحاسمة، فقد مزق ترامب تحالف الحزب «الجمهوري» مع الطبقة العاملة البيضاء التي انشقت عن الحزب «الديمقراطي» لتنضم للحزب «الجمهوري» وطبقة الأعمال من «الجمهوريين». وبالمثل، يشير تأييد «ساندرز» إلى انقسام «ديمقراطي» متزايد بشأن تبعية الحزب لوول ستريت ووادي السيلكون بشأن القضايا الاقتصادية.
    والأكثر ترجيحاً، أن خسارة «ترامب» على يد «هيلاري» ستعيد ببساطة تأكيد الوضع الراهن من التوازن غير المستقر، حيث إن الجمهوريين، الذين أخذوا العظة من هزيمتهم، سينتقلون إلى المركز، ومع تنبؤات بفشل الكونجرس، ومحاصرة البيت الأبيض وضعف الإقبال، قد يتمكن الجمهوريون من استعادة الزخم في انتخابات التجديد النصفي لعام 2018.
  • هل سيتحقق الإصلاح؟

    د. سعد العبيدي 
    في العراق، يمكن القول ان المجتمع قد نادى بالإصلاح منذ بضع سنوات أعقبت التغيير، فكانت المناداة الاولى صوتا طال الدستور الذي طالبت فئات من المجتمع بتعديله، أي اصلاحه بعد تشريعه مباشرة، بعد أن استشعرت وقوعها في فخ الوعد بالتعديل، ابان عملية الصياغة والتشريع، وهكذا تداول المصطلح بين الناس الواعين بالسياسة وشؤون الحكم، ليتسع التداول حتى شمل عموم الناس العاديين الذين لا يعي بعضهم المعنى الفني للمصطلح. من هذا يتبين ودون لبس أن العملية السياسية برمتها في حاجة الى اصلاح، بعد أن تبين عدم صحة تركيبتها، وعدم ملاءمتها مع حاجة المجتمع العراقي الى العيش بتجانس وانسجام، وتبين أن سبيلها في الادارة والحكم قاصر عن تلبية الحاجة الى الشعور بالرضا والامان وقدر مقبول من الرفاه. لكن الاصلاح مشكلة معقدة في مجتمع مليء بالعقد مثل العراق، اذ لا يمكن ان تكون فقط مشكلة تطبيقية عند الصياغة والرغبة واصدار الأوامر، بل هي في الواقع أشمل من هذا وذاك، فأول التعقيدات ما يتعلق بالنوايا الفعلية والاستعدادات الجدية ومديات القبول، تتبعها توجهات الأصحاب المعنيين بالعملية السياسية وشركائها، حين تراهم ينادون جميعاً بالإصلاح، وفي داخل الواحد منهم سعي للاستئثار، ورغبة في جعل الإصلاح على طريقته هو وبما يضمن توسيع هامش نفوذه في دائرة الحكم، ومن بعدها تعقيدات ذات صلة بالوضع العراقي المطلوب اصلاحه، أهمها مشكلة الحرب، فالحرب بحاجة الى تخصيصات مالية ضخمة لإدامة فاعلية الآلة العسكرية وفي ظروف العراق المالية الصعبة تكون التخصيصات على حساب التنمية والرفاه، واصلاح من أي نوع وبأي مستوى لا يكون نافعاً دون تنمية، ودون تحقيق الرفاه بمعاييره الدارجة للمواطن المتعب، والحرب بحاجة الى ادارة بجهد يخصص في معظمه لقيادة المعارك، والى فريق وزاري منسجم بأهداف تتمحور حول النصر الحتمي في سوح القتال، وظروف الحرب تحتاج الى أن تُقنع الحكومة شعبها بالأهداف لتحصل منه على تأييد لقراراتها ورضا في تحمل أعباء الحرب، وتحتاج الى وعي عال من قبل الشعب وثقة عالية بالحكومة لكي يعطي لها المجال لأن تتحرك بثقة عالية بغية تأمين أهداف الحرب… معادلات يحكمها التناقض في ظرف مليء بالمصاعب التي يراد في ظلها تحقيق الاصلاح، فهل يمكن تحقيقه؟.
    سؤال يطرح نفسه، والاجابة عليه لا تتعدى القول بأنه ممكن فيما إذا اتخذت الأطراف المعنية قرارات صعبة، وتفهمت جدياً الواقع الصعب الذي يعيشه العراق، وخرجت من عباءة الذاتية الحزبية الى الوطنية العراقية وشرعت هي في داخلها بعملية اصلاح بنيتها التي أدت بالعراق الى أن يكون مجتمعاً ببنية مضطربة في حاجة الى ترميم واصلاح.  اذا ما تم الأخذ بالاعتبار أن الاصلاح كمشروع بناء لا يتأسس فقط على تشخيص الخلل والاعتراف به والرغبة في تحقيقه، واذا ما اقتصر على هذا فسيبقى المشروع برمته مجرد دوران غير نافع في دائرة مغلقة لا نفاذ منها سوى الى الخراب.
  • ميانمار.. الخروج من العزلة

    باري بورتر 
    عملة ميانمار لها أربعة أسعار في البلاد. وهذا البلد بلا تصنيف ائتماني لكن لديه بورصة جديدة براقة لم يجر التداول فيها بعد. وما هذا إلا بعض أجزاء من الأحجية المالية التي ورثها حزب «الرابطة الوطنية للديمقراطية» الذي تتزعمه أونج سان سو تشي بعد أن هيمن الحزب على البرلمان في الأول من فبراير الماضي بعد خمسة عقود من الحكم العسكري. ويتعين على الحزب المعارض السابق التصدي لهذه الأحاجي والتركات الأخرى الناتجة عن عزلة البلاد. والمستثمرون يرون قدرات كامنة للبلاد التي يقطنها نحو 56 مليون شخص. ولدى البلاد ثقافة رأسمالية وموارد طبيعية، وقد تصبح البلاد في نهاية المطاف بين أسرع دول العالم نمواً هذا العام. ويتوقع صندوق النقد الدولي زيادة بنسبة 8.4 في المئة في الإنتاج المحلي الإجمالي الحقيقي عام 2016. وفي نفس الوقت يتسابق بنك ميانمار المركزي ليضع البنية التحتية المالية المطلوبة لاستيعاب تدفق متوقع للاستثمار والتجارة الأجنبيين. ومنح البنك المركزي تراخيص مبدئية لتسعة بنوك أجنبية في أكتوبر الماضي من بينها مجموعة أستراليا ونيوزيلندا المصرفية (أستراليا آند نيوزيلاند بانكينج جروب) وبنك الصين الصناعي التجاري، ويتوقع أن تنخرط هذه البنوك في عمليات مصرفية مؤسسية لتيسير دخول المستثمرين الأجانب. وأعلن البنك المركزي أنه يعتزم إصدار مجموعة أخرى من التراخيص هذا العام، وظل البنك الدولي يربط «الكيات» وهو عملة ميانمار الرسمية بسلة خاصة لحقوق السحب لفترة طويلة من حكم المجلس العسكري، وكان السعر الرسمي يبلغ نحو 6.4 «كيات» للدولار مما يجعل قيمته أكبر 100 مرة مقارنة بأسعار السوق السوداء، وبعد أن بدأت البلاد تتحرك نحو الحكم المدني، أدخل البنك المركزي عام 2012 عملية تعويم مقننة ليبلغ السعر اليومي (818 كيات للدولار الواحد)، وما زال هذا النظام معمولاً به. وكل صباح بعد أن تقدم البنوك التجارية عطاءات للعملة في مزاد، يعلن البنك المركزي سعراً مرجعياً. ثم يسمح للبنوك بعد ذلك أن تشتري وتبيع «الكيات» في تفاوت للسعر في إطار 0.8 في المئة بالزيادة أو بالنقصان.
    وترك الحكم العسكري ميانمار كواحدة من أفقر الدول في جنوب شرق آسيا. ويشير البنك الآسيوي للتنمية إلى أن ميانمار تحتاج إلى 80 مليار دولار لإنفاقها في مشروعات الطاقة والنقل والتكنولوجيا حتى عام 2030 لتحديث اقتصادها وللخروج من العزلة الاقتصادية.
  • ولليابان قصة

    هالة مصطفى 
    اليابان هي واحدة من أكبر الدول الرأسمالية المتقدمة، يُشار إليها باعتبارها عملاقاً اقتصادياً وهي رابع أقوى اقتصاد على مستوى العالم رغم ندرة مواردها الطبيعية، تكتسح منتجاتها الأسواق العالمية وتشتهر بجودتها العالية.
    فهي المنافس الحقيقي من هذه الزاوية لمثيلاتها الأميركية والأوروبية، تحقق نسبة نمو مرتفعة ودخل الفرد فيها هو أيضاً من أعلى النسب، حجم البطالة ضئيل وكذلك الأمية (1%) بسبب الطفرة الهائلة في التعليم الحديث، وعلى مستوى النظام والخدمات العامة التي تقدمها لمواطنيها فقد لا تضاهيها دول كبيرة أخرى.
    ونفس الإنجاز ينطبق على الجانب السياسي، تأخذ بالديمقراطية البرلمانية وموقع الإمبراطور شرفياً.
    البعض يُطلق على تجربتها مصطلح «المعجزة»، ولكنها ليست كذلك، فالمعجزة تستند على أسس غيبية، أما ما حدث في هذه التجربة المبهرة فيقوم على جهد وإبداع بشري وإصرار على النجاح بل التفوق ومواجهة التحديات مهما كانت صعبة أو مؤلمة.
    مناسبة الحديث عن اليابان، هي الزيارة الناجحة التي قام بها إليها أخيراً الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في إطار السياسة الخارجية النشطة التي اعتمدها منذ توليه القيادة. ولأن جانباً آخر من الموضوع يتعلق بهذا البلد كـ«نموذج» فيستحق التوقف عنده أيضاً.
    منذ ما يقرب من العقود السبعة كانت اليابان على النقيض مما هي عليه الآن، نعود فيها الى أشهر موقعة غيّرت مجرى التاريخ إبان الحرب العالمية الثانية وكان بطلاها هما الولايات المتحدة واليابان، وهي موقعة بيرل هاربور.
    والحكاية بدأت في العصر الامبراطوري مع السعي الياباني من خلال الحملات العسكرية للتوسع والسيطرة على أجزاء كبيرة من محيطها الإقليمي (شرق وجنوب آسيا والصين وكوريا) وكان الأسطول الأميركي متمركزاً في المحيط الهادئ في قاعدته البحرية بميناء بيرل هاربر بجزر هاواي، الذي قصفته القوات اليابانية في غارة مفاجئة مُحدثة صدمة وخسائر مروعة.
    وكان ذلك في ديسمبر 1941 في بدايات الحرب، المهم أن هذا الحدث تحديداً كان السبب المباشر في دخول أميركا الحرب العالمية في عهد الرئيس فرانكلين روزفلت بعدما كانت تقريباً على الحياد وكانت مقولته الشهيرة «الشيء الوحيد الذي يجب أن نخاف منه هو الخوف نفسه» أبلغ تعبير عن هذا التغيير.
    وانتهى الأمر بعد سنوات بإلقائها أول قنبلتين نوويتين في التاريخ على مدينتي هيروشيما وناجازاكي (6 و9 أغسطس1945) قتلتا ما يزيد على مئتي ألف شخص ناهيك عن آثارهما المدمرة التي استمرت على المدى الطويل، وفوق ذلك دُمرت أغلب مدن اليابان إلى أن أعلنت استسلامها غير المشروط بعد ذلك بأيام قليلة زامنت انتهاء الحرب.
    وتم احتلالها من قبل «الحلفاء» بقيادة الولايات المتحدة وعُين عليها حاكم عسكري (جنرال ماكارثر) في عهد الرئيس هاري ترومان (حتى استقلالها في 1952) والذي في ظله وُضع دستورها المعمول به إلى الآن، وكان من أخطر وأهم بنوده ما تعلق بالجانب العسكري (المادة 9 بند السلام).
    حيث حُظر عليها إعلان حالة الحرب كحق سيادي للدولة أو استخدام القوة أو مجرد التهديد بها لتسوية النزاعات الدولية أو إرسال جيشها للخارج للمشاركة في أي عمل عسكري، ولم يُسمح لها إلا بجيش دفاعي بمساعدة أميركا التي تحتفظ بقاعدة عسكرية وعدد كبير من جنودها هناك، وفي الآونة الأخيرة أُثير جدل حول تخفيف تلك القيود، إلا أن رئيس وزرائها عاد ليؤكد أن أي تغيير محتمل لن يمس المبدأ.
    باختصار، لم يكن هناك أسوأ مما تعرضت له اليابان، وغيرها من الدول لحظة خروجها من الحرب، بل إن أوروبا كلها التي دارت المعارك على أراضيها تعرضت لنفس الدمار، المهزوم منها والمنتصر، حتى ان الخسائر البشرية من العسكريين والمدنيين قُدرت بالملايين (85 مليوناً وفق بعض المصادر).
    هذه الدول في وقتنا الراهن هي في قمة النهضة والتقدم من كافة الجوانب، والمدهش أن أعداء الأمس باتوا أصدقاء وحلفاء اليوم، فليس أكثر من التحالف الوثيق بين أميركا واليابان وشراكتهما الاقتصادية والتجارية، لدرجة أن أهم الأفلام التي عظمت من القيم اليابانية القديمة للساموراي (وهي طبقة المحاربين القدامي) كانت من إنتاج أميركي (2003)، وهو فيلم «الساموراي الأخير» الذي لعب بطولته الممثل الأميركي الشهير توم كروز، ويُعد من علامات السينما العالمية.
    ليس هذا بالطبع مجرد استعراض تاريخي لقصة اليابان، وإنما تأمل لدلالتها ومغزاها، أي ماذا كانت هذه الدولة (وغيرها من الأمثلة المشار إليها) في ماضيها وكيف أصبحت اليوم، لنلقي من خلالها نظرة على واقعنا العربي.
    نعم، تعرضنا بدورنا للاحتلال لسنوات طويلة وكذلك عانينا ــ ومازلنا- من صراعات إقليمية ممتدة كالصراع العربي الإسرائيلي وأخرى طارئة كتلك التي نشهدها الآن في كافة أرجاء المنطقة، ولكننا أيضاً حصلنا على استقلالنا منذ عقود فماذا حدث؟ بقيت الصراعات الإقليمية مفتوحة نضيف إليها كل يوم صراعاً جديداً.
    فالصراع العربي الإسرائيلي لم يحسم حرباً أو سلماً واخُتزل في مشادات إعلامية حول التطبيع واللا تطبيع، والجانب الفلسطيني منقسم ما بين حماس والسلطة الوطنية ليعود بنا الى المربع الأول وتتوارى القضية عن الساحة مُخلية مكانها لحروب دينية وطائفية وحروب بالوكالة حتى بات الجميع يصارع الجميع.
    وفي الداخل ننشغل يومياً بالقضايا الصغيرة وبالاتهامات المتبادلة وبملاحقة الأفراد بالتكفير أو التخوين لنزيد من عبثية المشهد. مهما كان ما مررنا به فلن يكون أفدح مما حدث في الحربين العالميتين، ولكننا لا نريد أن نبدأ، وهذه هي قصتنا.
  • وصفة أميركية

    فيكتور ديفز هانسون 
    نما الاقتصاد الأميركي بمعدل ضعيف أي أقل من 1% في الربع الأخير من عام 2015. في حين انخفض معدل البطالة لأقل من 5%..
    كما حقق معدل المشاركة في سوق العمل الذي يعد بالغ الأهمية، أدنى مستوياته التاريخية بنحو 62.7% فقط. وأكثر من 90 مليوناً من البالغين الأصحاء، إما أنهم حالياً ليسوا ضمن القوى العاملة وإما أنهم قد توقفوا بشكل كلي، عن البحث عن فرص عمل.
    وكان متوسط دخل الأسر المعيشية راكداً، غالباً، خلال السنوات الأخيرة مرتبطاً بمعدل التضخم. وقد انخفض متوسط مؤشر «داو جونز الصناعي» بنسبة 2.2% في عام 2015، فضلاً عن استمراريته في الهبوط خلال العام الجاري. فضلاً عن أن معظم سجلات التقاعد للناس تفقد قيمتها المالية.
    في ضوء كل المحفزات الاقتصادية التقليدية، لم يكن من المفترض حدوث مثل هذا الركود الاقتصادي، بعد أكثر من سبع سنوات على الأزمة المالية عام 2008.ومع ذلك، وإلى حد كبير بسبب سياسات النفط، وإحباط القطاع الخاص، والحفر الأفقي لاستخراج النفط، انخفضت أسعار البنزين في أميركا، بالفعل، لمعدل وطني يبلغ أقل من 1.80 دولار، وهو انخفاض كبير مقارنة بمتوسط عام 2014، الذي يقدر سعر الجالون الواحد بنحو 3.34 دولارات، لذا ينبغي أن يقدم ذلك حافزاً اقتصادياً كبيراً.وبالنظر للاستهلاك السنوي الأميركي للبنزين بنحو 140 مليار جالون، يتمتع المستهلكون الأميركيون بوفورات جماعية غير متوقعة في الوقود، بأكثر من 200 مليار دولار سنوياً، إضافة للتخفيضات التي طالت نفقات التدفئة المنزلية.
    لكن إذا كان انخفاض أسعار الطاقة لا يعزز الاقتصاد، فماذا عن إيجاد دفعة تقليدية أخرى، كخفض أسعار الفائدة؟
    أسعار الفائدة، بالفعل، عند أدنى مستوياتها شبه القياسية، وقد انخفض متوسط معدل الرهن العقاري لأقل من 4%، ومتوسط الدفتر المصرفي الادخاري لا يسدد عادة أكثر من 1% من الفائدة.
    من الناحية التاريخية، يعتبر عام 2016 أحد الأعوام الأقل كلفة في الذاكرة، بالنسبة إلى تمويل منزل أو سيارة أو جهاز رئيسي، أو بعبارة أخرى، لا تلقى حسابات التوفير العادية تقريباً أي اهتمام. بمعنى من المعاني، جرى نقل مئات المليارات من الدولارات التي تدفع عادة للمدخرين، للمقترضين في صورة معدلات فائدة أقل.وبصرف النظر عن ذلك، بسبب أسعار النفط الأقرب للمنخفضة، لم يحقق المال الإضافي شيئاً يذكر لتحسين الاقتصاد.وتمثلت الطريقة الأخرى التي سعت الأجيال السابقة لإعادة تنشيط الاقتصاد الراكد بطباعة النقود و/‏‏أو الاقتراض واسع النطاق، والإنفاق في ظل العجز.
    وإضافة لما تم فعله، لطالما حاولنا استخدام ذلك الدواء السري القديم أيضاً. فقد ازداد المعروض من النقود، وتجاوز الدين الوطني مبلغ 19 تريليون دولار.
    العجز في الميزانية بنحو 430 مليار دولار خلال عام 2015 جاء بسبب الزيادات الضريبية للرئيس باراك أوباما وتخفيضات العزل التي أجراها في الكونغرس، وعلى الرغم من ذلك، تم اعتبار ذلك دليلاً على التبذير في الاقتصاد، على الأقل بالمقارنة مع حقبة يتخطى فيها العجز السنوي الواحد تريليون دولار.والأمر المثير للقلق بشكل أكبر، في حال بقي العجز لأكثر من 400 مليار دولار سنوياً، حتى بعد الزيادات الضريبية وتخفيضات العزل، حينها كيف سيتم تحقيق التوازن في الميزانية بدلاً من مواصلة رفع الضرائب وخفض الإنفاق إلى حد أبعد؟
    للأسف، يجب أن تعود أسعار الفائدة لمعدلاتها التاريخية بنحو 5%، لتزداد الكلفة السنوية لخدمة الدين الوطني لأكثر من الضعف.
    وهناك طريقة أخرى ممكنة لتحريك أميركا مجدداً تتمثل بزيادة إنتاجية الأيدي العاملة، من خلال الإدارة بشكل أفضل، أو التكنولوجيا الجديدة. باختصار، هناك خطب أساسي أصاب الاقتصاد الأميركي، جميع وسائل التكنولوجيا الحديثة والابتكارات، وأسعار الفائدة الأقرب للصفر، والأموال الجديدة المطبوعة، وعدد الشباب القياسي من خريجي الكليات، والاقتراض الحكومي الهائل، والطاقة الرخيصة، جميعها لم تسهم في جلب الملايين للقوى العاملة، أو في زيادة دخل الأسر السنوي، والقوة الشرائية.
    ربما حان الوقت لتجربة شيء مختلف جذرياً، أو بالأحرى شيء تقليدي، كموازنة الميزانية من خلال التخفيض الإضافي، وذلك بشكل أكبر من فرض ضرائب إضافية، وفقاً للنظرية القائلة إن الأفراد أكثر خضوعاً للمساءلة، وأكثر كفاءة من البيروقراطيات الحكومية.يعد نظام الضرائب معقداً للغاية، وبيزنطياً، حيث لا يستطيع معظم الأميركيين ملء استماراتهم، وفوق ذلك تضييع ساعات من وقتهم، والغش، وفي النهاية عدم التقديم على الإطلاق، أو بحثهم عن خصومات، وديون غير قابلة للتحصيل، وهي أمور تؤخر، غالباً، النمو الاقتصادي. ستعمل لوائح التخفيض على تشجيع الشركات على الاستثمار والتوسع.ولا يسهم نمو الحكومة والإجراءات الروتينية في خنق الإبداع وحسب، وإنما يشجع على إساءة الاستخدام المكلف، على الأقل إذا حملت سلسلة فضائح الأجهزة الحكومية الحالية أي إشارة على ذلك.بشكل مختصر، يجري تنشيط أميركا بإسراف من خلال الوقود الرخيص، ومعدلات الفائدة الأقرب للصفر، وعمليات الاقتراض الهائلة، والنقود الرخيصة، ومع ذلك يتحجر اقتصادها.لقد آن الأوان لتجربة شيء مختلف بصورة أساسية، أو بالأحرى، شيء قديم ومجرب.
  • مناورات روسية وطاجيكية

    كاثرين بوتز 
    من المقرر أن يشارك أكثر من 50 ألف جندي خلال الأسبوع القادم في تدريبات عسكرية لمكافحة الإرهاب وذلك في منطقة خاتلون في طاجيكستان. ونقلت وكالة «تاس» للأنباء عن وزارة الدفاع في طاجيكستان قولها إن التدريبات المشتركة قد بدأت يوم الخميس الماضي. وكذلك أكدت وكالة الأنباء الطاجيكية «آسيا بلس» أن المناورات ستجرى خلال الفترة من مارس 15- 20، ولكن بعض الفعاليات بدأت بالفعل. وتهدف التدريبات في المقام الأول إلى درء «التهديدات الإرهابية الخارجية» علاوة على التدريب على «التنسيق والتفاعل في المهام القتالية التي تتم في المناطق الجبلية».
    وحسب المتحدث باسم وزارة الدفاع الطاجيكية «فريدون محمد علييف» فإن هذه ستكون المرة الأولى «في تاريخ التعاون العسكري بين طاجيكستان وروسيا» التي تضم فيها المناورات جنوداً من المنطقة العسكرية الوسطى في روسيا، وليس فقط قوات من الشعبة موتور بندقية الـ201 «موتور رايفل» المرابطة في طاجيكستان. وهذه الشعبة التي يقدر قوامها بنحو 7000 جندي متمركزة في طاجيكستان (غالباً في منشأة خارج دوشانبي، وأيضاً في منطقتي كورجون طيبة وكولاب) منذ الحقبة السوفييتية. وعلى رغم أن روسيا كشفت العام الماضي عن وجود نية لزيادة عدد قواتها في طاجيكستان إلى 9000 جندي بحلول عام 2020، إلا أنها بدأت هذا العام بأخبار مفادها أن هذه الخطة قد تم حفظها. وعلى ما يبدو أن القوات الروسية في طاجيكستان تمت إعادة تنظيمها.
    والتدريبات المشتركة ستتضمن ألفي جندي روسي بالإضافة إلى 50 ألفاً من الجيش الطاجيكي وقوات الاحتياطي. كما ستتم هذه المناورات في خمسة معسكرات للتدريب في جنوب طاجيكستان. وعلاوة على ذلك، فقد ذكرت وكالة «آسيا بلس» أن 950 عربة مدرعة ستشارك أيضاً في المناورات. ومن المقرر أيضاً أن تشارك طائرات روسية في التدريبات. والطائرات المشاركة تضم المقاتلة «سو-25» والمروحيات «مي-»24 و«مي- 8»، بالإضافة إلى القاذفة بعيدة المدى «توبوليف» (Tupolev Tu-22M3). وقد حلقت هذه المقاتلات إلى قاعدة «إيني» في طاجيكستان قادمة من نوفوسيبيرسك في روسيا و«كانط» في قيرغيزستان.
    وحسب قائد المنطقة العسكرية المركزية الروسية فإن «طواقم القاذفة سيتلقون تدريباً على القيام بضربات جوية باستخدام قنابل تزن 500 كج (1100 رطل) ضد مواقع تحاكي مواقع الجماعات المسلحة غير الشرعية، في معسكرات التدريب الكائنة في سفوح منطقة «بامير» الشرقية في طاجيكستان.
    وقد كانت روسيا وطاجيكستان صريحتين للغاية فيما يتعلق بالمخاطر التي يريانها في المسلحين القادمين عبر الحدود الأفغانية. وفي العام الماضي، شاركت روسيا في العديد من المناورات العسكرية مع القوات الطاجيكية في إطار منظمة معاهدة الأمن الجماعي.
  • «هوفر» لا «هتلر»

    أندريس أوبنهايمر 
    عندما عمد الرئيس المكسيكي إنريك بينيا نييتو إلى تشبيه المرشح الجمهوري للتسمية للانتخابات الرئاسية دونالد ترامب بأدولف هتلر، الأسبوع الماضي، أخطأ التشبيه. وكان عليه أن يقارنه بالرئيس الأسبق هربرت هوفر. وكان هوفر رئيساً للولايات المتحدة في فترة «الانهيار الأعظم» الذي ضرب العالم في بداية الثلاثينيات. وكان يحظى بشعبية واسعة في أوساط حزبه الجمهوري مثلما هي حال ترامب اليوم، وهو الذي سبق له أن دعا في حملته الانتخابية إلى زيادة الضرائب على البضائع الأجنبية المستوردة سعياً منه، كما كان يظنّ، لحماية العمال الأميركيين. وبمجرد أن أصبح رئيساً، أطلق حربه التجارية التي أدت إلى ركود اقتصادي في الولايات المتحدة ذاتها.وفي حوار صحفي نشر يوم 7 مارس الجاري في صحيفة «إكسيليسيور» اليومية المكسيكية، عمد «بينيا نييتو» إلى تشبيه أطروحات ترامب بتلك التي كان ينادي بها كل من الزعيم النازي هتلر والزعيم الفاشي الإيطالي بينيتو موسوليني. وقال الرئيس المكسيكي في معرض تعليقه على موقف ترامب من المهاجرين المكسيكيين: «هذا بالضبط ما فعله موسوليني وهتلر». إلا أن هذه المقارنة، لم تكن أصيلة ولا جديدة، وليس من اللائق أن تصدر عن رئيس المكسيك. وقد سبقت الإشارة إليها ملايين المرات في الصحافة ووسائل الإعلام الأميركية بعد أن أعلن دافيد ديوك الذي يتزعم جماعة «كو كلوكس كلان» التابعة للحزب الجمهوري، بأنه سيصوّت لصالح ترامب.
    وتكمن مشكلة هذا التصريح الذي جاء على لسان رئيس أجنبي في أنه يستهين بموت ملايين الضحايا على يدي الدكتاتورين المذكورين، ويشجع على إشاعة التصور في أوساط مؤيدي ترامب بأنه ضحية حملة مغرضة.
    وبدلاً من هذا الذي فعله الرئيس المكسيكي، كان من الأفضل له أن يضع تشبيهاً لترامب أكثر انطباقاً على الواقع، وأن يضرب مثلاً يتسم بمصداقية أكثر، وأن يكون أكثر قرباً من الموطن الأميركي. ولو فعل ذلك، لعثر من دون شك على الشبيه المطلوب في شخصية «هوفر»، الرئيس رقم 31 للولايات المتحدة.
    وكانت حملة هوفر الانتخابية لعام 1928، قد دعت إلى زيادة الضرائب على السلع الزراعية من أجل حماية المزارعين الأميركيين. وبعد أن تسلم السلطة غداة فوزه في الانتخابات، وبدأت الحكومة الجديدة في فرض التعرفات الضريبية على السلع الزراعية المستوردة، سارعت قطاعات إنتاجية صناعية أخرى إلى المطالبة بمعاملتها بالمثل وفرض تعرفات ضريبية على البضائع الصناعية المنتجة في الدول الأجنبية لحماية صناعتها.
    وما لبثت كل القطاعات الصناعية المنتجة في الولايات المتحدة- التي لم تكن قد تأثرت بشكل كبير بالانهيار الأعظم الذي ضرب «وول ستريت» عام 1929- أن طالبت بزيادة التعرفات الجمركية على السلع المستوردة بشكل أكبر. وفي عام 1930، وقع هوفر على قانون التعرفات الجديد الذي زاد الضرائب على الواردات إلى مستويات قياسية. وأدى ذلك إلى مسارعة الدول الأخرى إلى فرض ضرائب مرتفعة على وارداتها من السلع الأميركية.
    وأدت هذه الحرب التجارية الحمائية التي عرفها العالم بين عامي 1929 و1934، إلى انخفاض الصادرات الأميركية إلى أوروبا من 1.3 مليار دولار عام 1929 إلى 784 مليون دولار عام 1932 وفقاً لبيانات رسمية صادرة عن وزارة التجارة الأميركية.
    ولا يزال الجدل قائماً حتى الآن بين المحللين الاقتصاديين حول ما إذا كانت هذه الحرب التجارية تمثل بحدّ ذاتها السبب الأساسي للانهيار الأعظم ذاته. وكان هناك خلاف أيضاً حول ما إذا كانت تشكل عاملاً من عوامل الانكماش الذي شهده الاقتصاد الأميركي في بداية عقد الثلاثينيات.
    وعلى نحو مشابه، قال ترامب إنه يعتزم فرض ضريبة بنسبة 35٪ على الواردات الأميركية من السيارات المصنوعة في المكسيك. وعندما سئل خلال النقاش الانتخابي الجمهوري الذي نظم في 25 فبراير الماضي، حول ما إذا كان من شأن هذا الإجراء أن يشعل حرباً تجارية بين الولايات المتحدة والمكسيك، قال: «حسناً، أنتم تعلمون جيداً بأنني لا أمانع من خوض حرب تجارية عندما نخسر 58 مليار دولار سنوياً».
    وبغض النظر عن تضخيمه للأرقام التي يستند إليها، فإنها لا تذكر أي شيء عن نسبة 40 بالمئة ثمناً لقطع الغيار وبقية المنتجات المصنوعة في الولايات المتحدة والتي تدخل في صناعة السيارات المكسيكية التي يتم تصديرها إلى الولايات المتحدة. ويبدو واضحاً أن ترامب يتجاهل التداعيات المحتملة للحرب التجارية للدرجة التي تذكرنا بموقف السياسيين الأميركيين في أيام هوفر وعند حلول الفترة الكئيبة للانهيار الاقتصادي الذي طال أذاه العالم أجمع.
  • تمثيلية الاستفتاء

    ÅíÇä ÈæÑæãÇ 
    ÊÓÊÚÑ ÍÇáíÇ ÇáÇÓÊÝÊÇÁÇÊ Ýí ÃæÑæÈÇ¡ ÝÝí íæäíæ ÓíÞÑÑ ÇáäÇÎÈæä ÇáÈÑíØÇäíæä ãÇ ÅÐÇ ßÇäÊ ÇáããáßÉ ÇáãÊÍÏÉ ÓÊÈÞì Ýí ÇáÇÊÍÇÏ ÇáÃæÑæÈí¡ ßãÇ ÏÚÊ ÇáÍßæãÉ ÇáåäÛÇÑíÉ Åáì ÇÓÊÝÊÇÁ ÝíãÇ íÊÚáÞ ÈÞÈæá ÍÕÊåÇ ãä ÇááÇÌÆíä ÇáÊí ÍÏÏåÇ ÇáÇÊÍÇÏ ÇáÃæÑæÈí¡ áÞÏ ÐßÑ ÑÆíÓ ÇáæÒÑÇÁ ÇáåäÛÇÑí Ýß澄 ̾ÑÈÇä Ãä åäÛÇÑíÇ ÓÊÞÇæã ÇáÓãÇÍ áåã ÈÇáÏÎæá¡ æÃÖÇÝ ÈÃä “ÌãíÚ ÇáÅÑåÇÈííä åã ÈÇáÃÓÇÓ ãåÇÌÑæä”¡ æãä ÇáãÑÌÍ Ãä íÝæÒ ÈåÐÇ ÇáÇÓÊÝÊÇÁ.
    ÑÈãÇ ÇáÇÓÊÝÊÇÁ ÇáÃÛÑÈ åæ ÇáÐí ÓíÌÑí Ýí åæáäÏÇ Ýí ÃÈÑíá¡ æÐáß ÈÚÏ ÍãáÉ äÇÌÍÉ áÊÞÏíã ÚÑíÖÉ¡ æÇáÓÄÇá ÇáãØÑæÍ Úáì ÇáãæÇØäíä ÇáåæáäÏííä åæ: ãÇ ÅÐÇ ßÇäÊ åæáäÏÇ ÓÊæÞÚ Úáì ÇÊÝÇÞíÉ ÇáÔÑÇßÉ Èíä ÇáÇÊÍÇÏ ÇáÃæÑæÈí æÃæßÑÇäíÇ¿ ÝÌãíÚ ÇáÏæá ÇáÃÚÖÇÁ ÇáÃÎÑì Ýí ÇáÇÊÍÇÏ ÇáÃæÑæÈí æÇÝÞÊ ÈÇáÝÚá Úáì åÐå ÇáÇÊÝÇÞíÉ æáßä ÈÏæä ÇáåæáäÏííä áä Êßæä åäÇß ÅãßÇäíÉ ááãÕÇÏÞÉ ÚáíåÇ.
    ÞÏ íÊÕæÑ ÇáãÑÁ Ãä ÊÝÇÕíá ÇáÇÊÝÇÞíÇÊ ÇáÊÌÇÑíÉ æÇáÍæÇÌÒ ÇáÌãÑßíÉ ÓÊÑÈß ãÚÙã ÇáäÇÎÈíä ÇáåæáäÏííä¡ æÞÏ íÊÓÇÁá ÇáãÑÁ ßÐáß: áãÇÐÇ íåÊãæä áÏÑÌÉ ÅÌÑÇÁ ÇÓÊÝÊÇÁ¡ áßä ÇáÇÓÊÝÊÇÁÇÊ ÊäÇÓÈ ÇáãÒÇÌ ÇáÔÚÈí ÇáÐí íßÊÓÍ ÇáÚÏíÏ ãä ÇáÈáÏÇä¡ æÐáß ãä ÃãíÑßÇ ÏæäÇáÏ ÊÑÇãÈ Åáì åäÛÇÑíÇ ÃæÑÈÇä.
    Åä ÇáÇÓÊÝÊÇÁÇÊ åí ãËÇá Úáì ãÇ íÚÑÝ ÈÇáÏíãÞÑÇØíÉ ÇáãÈÇÔÑÉ¡ Ãí Ãä ÃÕæÇÊ ÇáÌãÇåíÑ áÇ ÊÓãÚ ãä ÎáÇá ããËáíåã ÇáãäÊÎÈíä Ýí ÇáÍßæãÉ¡ æáßä ãÈÇÔÑÉ ãä ÎáÇá ÇáÇÓÊÝÊÇÁ ÇáÔÚÈí¡ ÚäÏãÇ ÇÞÊÑÍ æäÓÊæä ÊÔÑÔá ÓäÉ 1945 Ãäå íÊæÌÈ Úáì ÇáÈÑíØÇäííä ÇáÊÕæíÊ Ýí ÇÓÊÝÊÇÁ Úáì ÇáÇÓÊãÑÇÑ Ýí ÇáÍßæãÉ ÇáÇÆÊáÇÝíÉ ÇáÊí ÔõßáÊ ÅÈÇä ÇáÍÑÈ¡ ÚÇÑÖ ÒÚíã ÍÒÈ ÇáÚãÇá ßáíãäÊ ÂÊáí ÇáÇÞÊÑÇÍ¡ ææÕÝ ÇáÇÓÊÝÊÇÁÇÊ ÈÃäåÇ áÇ ÊÚßÓ ÇáÊÞÇáíÏ ÇáÈÑíØÇäíÉ æÃäåÇ “ÃÏÇÉ ááãÓÊÈÏíä æÇáÏíãÇÛæÌííä”.
    áÞÏ ßÇä ÂÊáí ãÍÞÇ¡ ÝÚáì ÇáÑÛã ãä Ãäå íÊã ÅÌÑÇÁ ÇáÇÓÊÝÊÇÁÇÊ ÃÍíÇäÇ Ýí ÇáÏíãÞÑÇØíÇÊ ÇáÊãËíáíÉ ãËáãÇ ÇÎÊÇÑ ÇáäÇÎÈæä ÇáÈÑíØÇäíæä ÇáÈÞÇÁ Ýí ÇáÓæÞ ÇáÃæÑæÈíÉ ÇáãÔÊÑßÉ ÓäÉ 1975¡ ÝÅä ÇáÍßÇã ÇáãÓÊÈÏíä åã ÚÇÏÉ ÇáÃßËÑ ÍÑÕÇ Úáì ÅÌÑÇÁ ãËá Êáß ÇáÇÓÊÝÊÇÁÇÊ¡ ÝÈÚÏ Ãä ÞÇã åÊáÑ ÈÛÒæ ÇáäãÓÇ ÓäÉ 1938 ØáÈ ãä ÇáäãÓÇæííä ãä ÎáÇá ÇÓÊÝÊÇÁ Ãä íÞÑÑæÇ ãÇ ÅÐÇ ßÇäæÇ íÑíÏæä Ãä ÊÞæã ÃáãÇäíÇ ÈÖã ÈáÇÏåã¡ æáÞÏ ßÇä åÐÇ ÎíÇÑÇ áÇ íÓÊØíÚæä ÑÝÖå ÝÚáíÇ¡ ÝÇáÍßÇã ÇáãÓÊÈÏæä ÚÇÏÉ ãÇ íÑÛÈæä Ýí Ãä íÊã ÏÚãåã ãä ÎáÇá ÇÓÊÝÊÇÁÇÊ áÃäåã áÇ íÏøÚæä Ãäåã íãËáæä ÇáÔÚÈ ÝÍÓÈ Èá åã ÇáÔÚÈ.
    Åä ãæÖÉ ÇáÇÓÊÝÊÇÁÇÊ åÐå ÇáÃíÇã ÊÚßÓ ÇäÚÏÇã ÇáËÞÉ ÈÇáããËáíä ÇáÓíÇÓííä¡ ÝÝí ÇáÏíãÞÑÇØíÇÊ ÇááíÈÑÇáíÉ äÕæÊ ÚÇÏÉ ááÑÌÇá æÇáäÓÇÁ¡ ÍíË äÊæÞÚ ãäåã Ãä íÏÑ æíÞÑÑæÇ ãÇ íÊÚáÞ ÈÇáÞÖÇíÇ ÇáÊí áíÓ áÏì ãÚÙã ÇáäÇÓ ÇáæÞÊ Ãæ ÇáãÚÑÝÉ ááÊÚÇãá ãÚåÇ ÈÃäÝÓåã.
    áÇ íØáÈ ÚÇÏÉ ãä ÇáäÇÎÈíä Ãä íåÊãæÇ ÈãæÖæÚ ÇáÇÊÝÇÞíÇÊ ÇáÊÌÇÑíÉ ÈÔßá ãÈÇÔÑ¡ ÝÇáÇÓÊÝÊÇÁ ÚÇÏÉ áíÓ ØÑíÞÉ ÏÞíÞÉ áãÚÑÝÉ ÇáÞÏÑÇÊ ÇáÚÞáÇäíÉ ááäÇÓ Ãæ áÇÎÊÈÇÑ ÎÈÑÇÊåã¡ áßäå ÚÇÏÉ ãÇ íÊÚáÞ ÈÇáãÔÇÚÑ ÇáÊáÞÇÆíÉ ÇáÊí íãßä Ãä íÊáÇÚÈ ÇáÏíãÇÛæÌíæä ÈåÇ ÈÓåæáÉ¡ æáåÐÇ ÇáÓÈÈ íÍÈæä ÇáÇÓÊÝÊÇÁÇÊ.
    ÇáÌÏá Ýí ÈÑíØÇäíÇ ÝíãÇ íÊÚáÞ ÈÎÑæÌåÇ ãä ÇáÇÊÍÇÏ ÇáÃæÑæÈí ÍÊì ÇáÂä åæ ÌÏá ÚÇØÝí Åáì ÍÏ ßÈíÑ¡ ÍíË íÑßÒ Úáì ÇáÚÙãÉ ÇáÊÇÑíÎíÉ áÈÑíØÇäíÇ æÃåæÇá ÇáÍßæãÇÊ ÇáÇÓÊÈÏÇÏíÉ ÇáÃÌäÈíÉ¡ Ãæ Úáì ÇáÚßÓ ãä Ðáß íËíÑ ÇáãÎÇæÝ ÈãÇ ÞÏ íÍÕá áæ Êã ÇáÊÎáí Úä ÇáæÖÚ ÇáÞÇÆã¡ æÅä ÃÚÏÇÏÇð ÞáíáÉ ãä ÇáäÇÎÈíä ÇáÈÑíØÇäííä áÏíåã ãÚÑÝÉ ÈßíÝÉ Úãá ÇáãÝæÖíÉ ÇáÃæÑæÈíÉ Ãæ 쾄 ÇáãÌáÓ ÇáÃæÑæÈí¡ æáßä ãÚÙã ÇáäÇÎÈíä áÏíåã ÈÚÖ ÇáãÔÇÚÑ Úä ßíÝíÉ æÞæÝ ÈÑíØÇäíÇ áæÍÏåÇ ÖÏ åÊáÑ Ãæ ÅãßÇäíÉ Ãä ÊÛÑÞ ÇáÈáÇÏ ÈÓíá ãä ÇáãåÇÌÑíä.
    ÚÇÏÉ Ýí ÇáÇÓÊÝÊÇÁ íÍÏÏ ÇáäÇÓ ãæÞÝåã áÃÓÈÇÈ áÇ ÊÊÚáÞ ßËíÑÇ ÈÇáÓÄÇá ÇáÐí íØÑÍ Úáíåã¡ ÝÈÚÖ ÇáäÇÓ Ýí ÈÑíØÇäíÇ íãßä Ãä íÎÊÇÑæÇ ÇáÎÑæÌ ãä ÇáÇÊÍÇÏ ÇáÃæÑæÈí ÝÞØ áÃäåã áÇ íÍÈæä ÑÆíÓ ÇáæÒÑÇÁ ÏíÝíÏ ßÇãíÑæä ÇáÐí íÓÇäÏ ÇáÈÞÇÁ Ýí ÇáÇÊÍÇÏ ÇáÃæÑæÈí¡ æÞÏ ÕæøÊ ÇáäÇÎÈæä Ýí åæáäÏÇ æÝÑäÓÇ ÖÏ ÏÓ澄 ÇáÇÊÍÇÏ ÇáÃæÑæÈí ÇáãÞÊÑÍ ÓäÉ 2005 æÑÈãÇ ÃÚÏÇÏ ÞáíáÉ ÌÏÇ ÊãßäÊ ãä ÞÑÇÁÉ ÇáÏÓÊæÑ¡ æÝí æÇÞÚ ÇáÃãÑ ßÇä Ðáß ÇáÏÓ澄 ÚÈÇÑÉ Úä æËíÞÉ ÛíÑ ÞÇÈáÉ ááÞÑÇÁÉ¡ ÚáãÇ Ãä ÇáÊÕæíÊ ÈÜ”áÇ” ßÇä äÇÈÚÇ ãä ÚÏã ÇáÑÖÇ ÇáÚÇã Úä ÇáäÎÈ ÇáÓíÇÓíÉ ÇáãÑÊÈØÉ ÈÈÑæßÓá.
    áÞÏ ßÇä Ðáß ãÝåæãÇ Åáì ÍÏ ãÇ æãÈÑÑÇ¡ ÝãÝÇæÖÇÊ ÇáÇÊÍÇÏ ÇáÃæÑæÈí ãÚÞÏÉ æÛÇãÖÉ ÈÇáäÓÈÉ Åáì ãÚÙã ÇáäÇÓ æãÄÓÓÇÊ ÇáÇÊÍÇÏ ÇáÃæÑæÈí ÈÚíÏÉ Úä ÇáäÇÓ¡ æÚáíå áã íßä ãä ÇáãÝÇÌÆ Ãä íÔÚÑ ÇáÚÏíÏ ãä ÇáãæÇØäíä Ãäåã ÝÞ쾂 ÇáÓíØÑÉ Úáì ÔÄæäåã ÇáÓíÇÓíÉ¡ ÝÇáÍßæãÇÊ ÇáæØäíÉ ÇáÏíãÞÑÇØíÉ ÊÈÏæ ÃßËÑ ÚÌÒÇ ÈÔßá ãÊÒÇíÏ¡ æÇáÇÊÍÇÏ ÇáÃæÑæÈí áíÓ ÈÏíãÞÑÇØíÉ¡ ÝÇáÑÛÈÉ Ýí ÇáÇÓÊÝÊÇÁÇÊ áíÓÊ ÅÔÇÑÉ Åáì ÇáÎáÇÝÇÊ ÇáæØäíÉ ÇáÏÇÎáíÉ ÝÞØ Èá åí ÚÇÑÖ ÂÎÑ Úáì ÇáãØÇáÈÇÊ ÇáÔÚÈíÉ ÇáÚÇáãíÉ “ÈÇÓÊÚÇÏÉ ÈáÇÏäÇ”.
    ÞÏ íßæä Ðáß Ýí ãÚÙãå ãä ÖÑæÈ Çáæåã (ÓæÝ ÊÞá ÞÏÑÉ ÈÑíØÇäíÇ Úáì ÇáÊÍßã Ýí ãÕíÑåÇ ÎÇÑÌ ÇáÇÊÍÇÏ ÇáÃæÑæÈí ãÞÇÑäÉ ÈÈÞÇÆåÇ Öãä Ðáß ÇáÇÊÍÇÏ)¡ æáßä åäÇß ÍÇÌÉ ááÊÚÇãá ÈÔßá ÌÏí ãÚ ÃÒãÉ ÇáËÞÉ¡ ÝÚÇÏÉ ãÇ Êßæä ÇáÇÓÊÝÊÇÁÇÊ ãä ÇáÃÚãÇá ÇáÚÈËíÉ¡ áßä äÊÇÆÌåÇ áíÓÊ ßÐáß¡ ÝÇáÐí ÍÕá Ýí ÃæßÑÇäíÇ ãåã æÎÑæÌ ÈÑíØÇäíÇ ãä ÇáÇÊÍÇÏ ÇáÃæÑæÈí ÞÏ íßæä áå äÊÇÆÌ ãÏãÑÉ¡ áíÓ Úáì ÈÑíØÇäíÇ ÝÞØ æáßä Úáì ÈÞíÉ ÃæÑæÈÇ ßÐáß¡ æÅä äÌÇÍ ÇáãËÇá ÇáåäÛÇÑí Ýí ÑÝÖ ÇáÊÚÇæä ãä ÃÌá Íá ÃÒãÉ ÇááÇÌÆíä íãßä Ãä íÓÊÝÒ ÈáÏÇäÇð ÃÎÑì Úáì Ãä ÊÍÐæ ÍÐæåÇ.
    ÇáãÔßáÉ ÇáÃÓÇÓíÉ åí Ãä ÃÚÏÇÏÇ ßÈíÑÉ ãä ÇáäÇÓ íÔÚÑæä Ãäåã ÛíÑ ããËáíä¡ ÝÇáÓíÇÓÉ ÇáÍÒÈíÉ ÇáÞÏíãÉ ÇáÊí ÊÊÍßã ÝíåÇ ÇáäÎÈ ÇáÞÏíãÉ æÇáÊí ÊÓÊÎÏã ÔÈßÇÊ ÇáäÝæÐ ÇáÊÞáíÏíÉ áã ÊÚÏ ÊÚØí ÇáãæÇØäíä ÇáÔÚæÑ ÈÇáãÔÇÑßÉ Ýí ÇáÏíãÞÑÇØíÉ. Åä ÇáäÝæÐ ÇáÇÓÊËäÇÆí áãÌãæÚÉ ÕÛíÑÉ ãä ÃÕÍÇÈ ÇáãáíÇÑÇÊ Ýí ÇáæáÇíÇÊ ÇáãÊÍÏÉ ÇáÃãíÑßíÉ æÇäÚÏÇã ÇáÔÝÇÝíÉ Ýí ÓíÇÓÉ ÇáÇÊÍÇÏ ÇáÃæÑæÈí ÊÖÇÚÝ åÐå ÇáãÔßáÉ. ÝÇáÏíãÞÑÇØíÉ ÇáãÈÇÔÑÉ áä ÊÚíÏ ËÞÉ ÇáäÇÓ ÈããËáíåã ÇáÓíÇÓííä¡ æáßä áæ áã íÊã ÇÓÊÚÇÏÉ ÏÑÌÉ ÃßÈÑ ãä ÇáËÞÉ ÝÅä ÇáÓáØÉ ÓÊÐåÈ áÞÇÏÉ íÏøÚæä Ãäåã íãËáæä ÕæÊ ÇáÌãÇåíÑ æÚÇÏÉ åÐå ÅÔÇÑÉ áÇ ÊÈÔÑ ÈÇáÎíÑ.
  • إيرلندا الشمالية وتداعيات «بريكسيت»!

    تيد سميت 
    حدد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون يوم 23 يونيو المقبل موعداً لاستفتاء يتم على ضوئه اتخاذ القرار النهائي فيما إذا كانت المملكة المتحدة ستبقى ضمن منظومة الاتحاد الأوروبي أم لا، وإذا اختارت بريطانيا الانسحاب من الاتحاد، وهو الخيار الذي بات يُعرف اختصاراً باسم «بريكسيت» Brexit، فإن تداعياته ستستشعرها دول أوروبا كلها، ولكنَّها ستكون أكثر قوة في إيرلندا الشمالية بشكل خاص.
    وعلى مدى أكثر من 40 عاماً، مثل الاتحاد الأوروبي الإطار السياسي الطبيعي والناجح الذي ساعد على تكريس وتثبيت السلام بين دعاة الاتحاد البروتستانت والقوميين الكاثوليك في إيرلندا الشمالية. أما الآن، فقد ظهرت جماعة «القوميين الإنجليز» ذات المواقف المتصلبة والمنبثقة عن «حزب المحافظين» الذي يترأسه كاميرون، فضلاً عن الجناح اليميني في «حزب استقلال المملكة المتحدة» الذي يهدد بتقويض هذا التطور، وتستند حركة هؤلاء إلى مواقف مشابهة لتلك التي أطلقها مؤيدو «مارين لوبن» في فرنسا و«دونالد ترامب» في الولايات المتحدة، وهم الذين شعروا بالملل من سياسات التقشف والاستياء من انخفاض الأجور وصعوبة تحصيل فرص العمل والخوف من فقد مناصب عملهم لصالح المهاجرين والنازحين عبر الحدود الأوروبية المفتوحة.
    ويمكن للتصويت لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوروبي أن يؤدي إلى انهيار المنظومة الاتحادية للمملكة المتحدة نفسها، لأن سكوتلندا ستعيد من جديد النظر في فكرة انفصالها عن المملكة، ثم، ما الذي سيصبح عليه حال إيرلندا الشمالية؟
    في إيرلندا الشمالية، أعاد الجدل الدائر الآن المتعلق بالانسحاب البريطاني المحتمل من الاتحاد الأوروبي إحياء النزعات الطائفية المتضاربة، وقد عبرت الأحزاب القومية الإيرلندية عن رغبتها في البقاء ضمن إطار الاتحاد الأوروبي، فيما عبر دعاة القومية البريطانية عن رغبتهم في الانسحاب، وهم الذين كثيراً ما عبروا عن استيائهم من أن الانتماء للاتحاد يؤدي إلى تضاؤل مشاعر الانتماء الوطني لبريطانيا، ويفرض عليهم بعض البدع الاجتماعية والأخلاقية الدخيلة والمرفوضة مثل ما يسمى «الزواج المثلي».وفي مقابل ذلك، من المتوقع أن يصوّت المزارعون ورجال الأعمال وأصحاب الشركات الإيرلنديون لصالح البقاء في الاتحاد لأنهم ينعمون بتدفق الاستثمارات والأموال. وعلى رغم كل ذلك، فإن اقتصاد إيرلندا الشمالية لا زال يعاني من عدم الاستقرار. وانسحابها من الاتحاد الأوروبي لن يؤدي بها إلى فقد الفرص الاستثمارية وإغلاق فروع الشركات الأوروبية العاملة فيها فحسب، بل أيضاً إلى فقد جاذبيتها بالنسبة للشركات العالمية التي تقصدها باعتبارها المنطقة الأوروبية ذات معدلات الضرائب الأقل من بين دول الاتحاد كلها. ويرى السياسي الإيرلندي الشمالي «جون هيوم» المشارك في الفوز بجائزة نوبل للسلام عام 1998 عن دوره في هندسة «اتفاقية الجمعة العظيمة» لوضع حدّ للاضطرابات في إيرلندا الشمالية، أن المشاركة في الهوية الوطنية الأوروبية من شأنها أن تخفّض من مشاعر العداء بين «القوميين الكاثوليك» و«الاتحاديين البروتستانت»، وبدلاً من التنازع والتقاتل على الغنائم المحلية في إيرلندا الشمالية، يمكن للطرفين السعي جنباً إلى جنب لزيادة الاستثمارات الأوروبية التي تتدفق على وطنهم المشترك.
    وقد ساهمت عضوية إيرلندا الشمالية في الاتحاد الأوروبي في تحسين علاقاتها مع بريطانيا، وأدى الاحتكاك المنتظم بين المسؤولين الحكوميين خلال الاجتماع الأسبوعي لمفوضية الاتحاد الأوروبي إلى تمتين الروابط بين الطرفين الإيرلندي والبريطاني، ووضع حد للشعور الذي يتداوله الإنجليز بأن إيرلندا ليست أكثر من «جارة صغيرة»، أو «جزيرة تقع خلف جزيرتهم»، وقد أعلنت الحكومة الإيرلندية بكل وضوح عن رغبتها في بقاء بريطانيا ضمن الاتحاد الأوروبي، إلا أن المقترعين في المملكة المتحدة هم وحدهم من سيحددون موقفهم النهائي.
    ويكمن الخطر الأكبر بالطبع في أن يزعزع انسحاب بريطانيا حالة التوازن الهشَّة في إيرلندا الشمالية، لأن من شأن ذلك أن يدفع «القوميين الإيرلنديين» الذين سيشعرون بخيبة الأمل، إلى السعي للاتفاق على تأسيس إيرلندا موحدة، إلا أن هذا المسعى سيؤدي إلى ردود أفعال سلبية في أوساط «الاتحاديين»، ومهما كانت الزاوية التي ينظر من خلالها المرء إلى الموضوع، فإن من الواضح أن الانسحاب سيهيئ الفرصة للمتطرفين لإثارة الاضطرابات من جديد.
    ومن الأفضل الآن الدفع باتجاه إقامة «الولايات المتحدة الأوروبية» التي سبق السعي إلى تأسيسها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية من أجل تجنب المزيد من الحروب المدمرة التي شهدتها القارة الأوربية، ومجرد الانتماء إلى هذه المنظومة الجديدة سيرضي نوازع القوميين ويحقق الأمن الاجتماعي للجميع.
  • معالجات دولية للفساد

    علي شايع 
    قبل سنوات أتحفني صديق بحكمة دينية عميقة، وأنا أعزيه بوفاة والدته، حيث قال: «الحمد لله على نعمة الموت!». وليبدّد استغرابي أردف قائلاً: «تخيل أن تلك النعمة العادلة لم تكن موجودة، وأن المفسدين من أغنياء الأزمنة الغابرة استطاعوا أن يفتدوا أنفسهم ببعض المال، ليشتروا الأبدية، فكم ذا سنرى ونعايش من حثالات الدهور، بل كم سنكون عبيداً لهم، يتاجرون بالمزيد من أرواحنا طمعاً بما بعد الأبدية؟!».. قلت بكل أسى اللحظة: بالفعل يا لها من أبدية موحشة، بل ستصبح كما يصفها الشاعر زاهر الجيزاني في نص قديم «كومة أخطاء هذه الأبدية».
    تلك الكلمات قالها الصديق وهو يواجه محنة مالية بسبب مفسدين، ومطففين اعتبرهم وباء وكارثة، وبرغم رحيل والدته، وفاجعته بها، لكن مقدار حزنه خفّ لمجرد أن وجد في حتمية الفناء حلاً ما، يفرضه تقادم الأزمنة، وهو يضع الدلالة بوضوح لمن يعتبر ويسترشد بالحكمة.
    استذكرت كلمات الصديق بأمنية الخلاص من المفسدين كما لو أنهم الوباء، وأنا أطالع دراسة أكاديمية بريطانية تحذر من وباء عالمي خطير، إذ ترى ان انتشار ظواهر الفساد المالي وسلوكياته «المعدية» عالمياً، لا يحدّ بمكان حدوثه، فبحسب الباحثين المعنيين أن سلوك السائحين أو القادمين من بلدان تعاني من آفة الفساد، ستكون له تأثيرات كبيرة بينّة حال اتصالهم أو تواصلهم من خلال السياحة أو علاقات العمل أو الهجرة، على صدق ونزاهة مواطني بلدان تخلو من الفساد. الدراسة التي نشرتها مجلة (nature) البريطانية بينت في عددها الأخير أن الشعوب في البلدان الديمقراطية تصبح وفقاً لما تمنحه الحكومات من ثقة، أكثر رغبة بتطبيق القوانين، وأكدت أن صلاح المجتمعات نتاج صلاح الأنظمة المالية والأنظمة السياسية التي حكمتها وتحكمها، ومدى نفوذ الطبقات الغنية فيها، حيث أظهرت أن مواطني الدولة المحكومة والمبتلاة بالفاسد، هم الأكثر ميلاً للخديعة والغش وخرق القوانين، ومثل هذه الظواهر تترك آثاراً مستقبلية خارج محيطها.
    بالتأكيد لا يمكن اعتبار تلك الدراسات الأكاديمية التي تعدّها كبريات المؤسسات الثقافية في أوروبا ترفاً أو موضوعاً عابراً قصد الإثارة الوقتية، فمن يتأمل مشهد الخراب والفساد الخفي، وتفشي الرشوة في بعض المجتمعات سيدرك ما اشارت اليه تلك الدراسات، وهي تبحث في تفاصيل مستقبلية ومخاوف من وصول هذه العدوى وعبورها بشكل أو آخر الى بلدانهم الآمنة في بحبوحة الشفافية، ورسوخ الدولة في قوانين تلزم الحكومات بأن تكون مصدر قوة للإنسان لا مصدراً لخراب حياته.
    لعلّ ظاهرة الفساد أو السعي الحثيث الباطل لجمع الأموال سلوكاً إنسانياً تحدّده المصلحة الذاتية، ويمكن أن يرتبط بعوامل كثيرة، وهو نتاج تراكم طويل، ولا يمكن ابتكار حلول آنية له، لكن جرس الإنذار الذي أطلقته تلك الدراسة، ربما يكون مؤشراً على وجود اهتمام عالمي سيشكّل ضغطاً دولياً في زمن ما على بعض البلدان، يوجب مساعدتها وتمكينها بشكل فاعل من أجل فرض سلطتها بالضد من الفساد.