التحليل السياسي /غانم عريبي
كان متوقعا ان يصدر شيء من الرئيس العبادي يتعلق بالاعلام ورسالته والاعلاميين ومسؤوليتهم التاريخية في ظل حالة الحرب التي نعيشها وفي اطار المعركة المفتوحة على الارهاب.
لكن الرئيس ربما يكون تاخرا قليلا عن هذا الاعلان اذ كان من المفترض ان يصدر موقفه من الاعلام على خلفية تسهيل مهمة الاعلاميين العراقيين بعد اعلانه اسقاط الدعاوى الخاصة على الصحفيين العراقيين والمسجلة من قبل مجلس الوزراء مباشرة لكي تاتي «المهمة واحدة» ولاتاتي بالتدرج ورغم ذلك نقول ان الرئيس حل لنا مشكلة كبيرة وربما سيحل بقية العقد المستعصية في العلاقة بين الحكومة والاجهزة الامنية والاعلام الى الابد في عهده.
انا مع العبادي حين يتحدث عن شروط الاعلام الوطني الملتزم.. استمعت قبل يومين او ثلاثة لجبوري المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء كلاما لطيفا في الاعلام والمسالة الاعلامية يقول فيه ان الحكومة العراقية والرئيس العبادي لايريد من الاعلام مدحا انما يريد عملا صحفيا يتحرى الدقة والموضوعية ويتابع المسائل السياسية والمجتمعية والعسكرية والامنية في البلد على اساس مهني.
هذا الكلام ينتمي في الحقيقة الى حقبة العبادي بامتياز وهي مسالة مشهودة له ومابين كلامه في هذا الاطار والحقبة السابقة التي شابها الكثير من الشد والدعوى والملاحقات ومذكرات التوقيف نعتقد ان الاعلام الوطني العراقي خرج من مرحلة الشد والاختلاف مع السلطة العراقية الى دائرة العمل الى جانب الحقيقة التي تمثلها في الكثير من اوجهها حكومة الرئيس العبادي ليجد نفسه وجها لوجه مع المهمة الاولى.. مهمة الدفاع عن الوطن واماطة اللثام عن الوجه الطائفي التكفيري لداعش.
بيني وبينكم وجدت نفسي في «المستقبل العراقي» مطلق اليد بعد موقف العبادي من الاعلام الوطني المقروء والمسموع والمشاهد وادركت ان ثمن الحرية في الحقيقة يعني الالتزام بالحرية والحرية في تفسير العبادي ولائحة برنامجه الحكومي كما اعتقد تعني الالتزام بقضايا الناس ونقل الحقيقة كما هي والتماهي مع تطلعات المجتمع والتعبير عن الهوية والمواطنة والكيان على خلفية ان العراق لكل العراقيين وان بغداد هي العاصمة التي تستعصي على سلاح الغزاة وان هذا الوطن هو القاعدة الاساسية التي يتحرك فيها الفعل السياسي والعسكري والمجاهد في اطار المعركة الكونية التي تجري هنا وليس في فرنسا وبلجيكا والولايات المتحدة الامريكية.
الملاحظة الاهم في هذا المجال ان اعلامنا العراقي يفتقد الى العمق واعلام مجامل ولاعلاقة له بالمعركة الجارية مع داعش.. وباستثناء التغطيات التلفزيونية المصورة واللامباشرة لعمليات القوات المسلحة ضد المجموعات المسلحة فان من يقرا او يستمع لاذاعاتنا الوطنية الرئيسية او المحلية المملوكة للقطاع الحزبي او الخاص يدرك ان الاعلام لازال بعيدا عن لغة الرصاص خلاف كل السياقات والقوانين الوطنية التي تقول ان الدولة التي تعيش حالة حرب يبقى اعلامها يعيش الحرب الى نهاية اخر ساعة حرب فيها واتذكر هنا ان الحكومة الاسرائيلية اخرجت عشية حرب ال1967 مع مصر كل عناصر الكادر الاعلامي المدني من مذيعين وكتاب ومراسلين واستقدمت مكانهم كادرا عسكريا وخبراء في متابعة اعلام الحرب حتى اذا وضعت الحرب اوزارها بقصف المطارات المصرية وخسارة عبد الناصر الحرب عاد المدنيون الى الاذاعة كما عاد الاعلاميون العسكريون الى مواقعهم العسكرية السابقة.
اود ان الفت النظر هنا اننا نفتقد الى الاعلام الذي يستطيع تعبئة الناس في حرب فاصلة كالتي نخوضها اليوم على جبهات الحرب وهذه رسالة موجهة الى رئيس شبكة الاعلام العراقي وكل رؤساء تحرير الصحف العراقية والمؤسسات الاعلامية العراقية ضرورة العمل على انتاج رؤية تقود الى تشكيل اعلام عسكري قادر على تعبئة الناس بنفس القوة التي استطاع فيها السيد السيستاني تعبئة الناس بالفتوى.
ان دعوة العبادي باعطاء الاعلاميين الحرية المطلوبة وتسهيل مهماتهم الاعلامية هي دعوة مماثلة في تاسيس اعلام يتناسب وحجم المهمة السياسية والعسكرية ومهمة التحدي الوطني في التنمية والاقتصاد وفي المساهمة في التخفيف من احتقان الناس ازاء الموازنة والتقشف و»عصر» النفقات ومن واجب الاعلام الوطني الوقوف الى جانب الحكومة العراقية في تلك التحديات المفروضة او الخارجة عن ارادتها وتعرية كل الخطط المشبوهة التي تحاول النيل منها في الداخل والخارج.الاعلام مهم والاعلامي مقاتل من طراز فريد حين يحقق نسبة الالتحام الموضوعي مع قضايا الامة والشعب والمجتمع والتاريخ ولن يسمى الاعلام اعلاما والاعلامي اعلامي وطني او مسؤول اذا اشتغل بفلسفة بيزنطية تعمل على تاويل القضايا الى «تحديات غير مسؤولة» وهو جزء من «الثرم» اللامنطقي الذي تعمل فيه صحف عراقية وعربية للاساءة الى صورة الدولة العراقية والاهم «صورة الاسلام» الذي يتحرك في اطار نخبة من رجال الدولة!.