بغداد / المستقبل العراقي
يبدو أن أكراد العراق سيكونون الأكثر استفادة من الحرب ضد تنظيم «داعش» إذ يستعد قادتهم لإجراء استفتاءٍ على الاستقلال بعد الهزيمة المُتوقَّعة لتنظيم (داعش).
وقال مسؤولون أكراد بارزون لصحيفة التايمز البريطانية أنَّهم سيُعلنون قريباً موعداً للاستفتاء من أجل متابعة قضيتهم بالاستقلال عن بغداد، وفي حوزتهم مساحة كبيرة من الأراضي التي يسيطرون عليها بعد استعادتها من داعش.
وقال هوشيار زيباري، وزير الخارجية والمالية السابق، والذي عُزِل من الحكومة العام الماضي 2016 للصحيفة البريطانية :»فقدنا الأمل في العراق الجديد».
وأضاف زيباري إنَّ الاستفتاء سيكون على الأرجح في الخريف، حيث يُتوقَّع أن تكون عمليات استعادة الموصل، التي تلعب فيها قوات البيشمركة الكردية دوراً رئيسياً، قد اكتملت.
وقال هيمن هورامي، المستشار البارز لرئيس إقليم كردستان المنتهية ولايته مسعود بارزاني، إنَّ الاستفتاء سيمتد إلى مناطق خارج منطقة الحكم الذاتي الكردية المُعتَرَف بها لكنَّها تخضع في الوقت نفسه للسيطرة الكردية، بما في ذلك المحافظة الغنية بالنفط كركوك.
ووفقاً للدستور العراقي الصادر 2005، كان يجب أن يجري الاستفتاء حول بقاء كركوك جزءاً من العراق أو أن تصبح جزءاً من منطقة الحكم الذاتي الكردية قبل عقدٍ من الزمن. لكنَّه لم يُجر قط. وأشارت نتائج استفتاءٍ غير رسمي في العام نفسه إلى رغبة نسبة 98.8% في الاستقلال عن العراق.
والآن، يمكن أن تصبح كركوك، وإيراداتها النفطية المهمة، أساساً منطقياً لمحاولةٍ اقتصادية قابلة للتطبيق من أجل تحقيق الاستقلال.
والشهر الماضي، نيسان 2017، رُفِع العلم الكردي للمرة الأولى فوق كركوك، فيما يبدو أنَّه بالون اختبار. وأثار هذا رد فعلٍ غاضِب من الحكومة في بغداد، فضلاً عن تركيا وإيران، وطالبت بإنزاله. إلّا أنَّ الأكراد رفضوا، وظلَّ العلم مرفوعاً.وحذَّر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أكراد العراق من أنَّ علاقاتهما الدافئة سابقاً ستكون في خطر حال استمروا في مطالباتهم بالمدينة. وقال: «لا تبدأوا في الزعم بأنَّ كركوك تعود لكم، وإلّا سيكون الثمن باهظاً».
ومع ذلك، يُصر المسؤولون الأكراد على أنَّ دورهم الحاسِم في المعركة ضد داعش قد أكسب قضيتهم تعاطفاً خارجياً. فقال زيباري: «إنَّنا جادون، ويأخذنا الجميع على محمل الجد هذه المرة. وقد طلبنا: إذا كنتم لا تدعموننا، فمن فضلكم لا تُعارضونا».
وقال هورامي إنَّ القضية «نُوقِشت بجدية» حينما التقى بارزاني نائب الرئيس الأميركي، مايك بينس، في مدينة ميونخ الألمانية هذه السنة، 2017. وأُجريت مناقشاتٌ مع وزارة الخارجية البريطانية كذلك.
وقال زيباري إنَّ التصويت لن يتبعه أي إعلانٍ فوري للاستقلال، بل مفاوضاتٌ مع بغداد بشأن مستقبل علاقاتهما، مُثيراً بذلك إمكانية التوصُّل إلى تسوية.
وأشار مسؤولون أكراد إلى أنَّ ذلك قد يتضمَّن التخلّي سلمياً لبغداد عن أراضٍ ذات غالبية عربية تخضع حالياً لسيطرة الأكراد، مقابل الاعتراف بنتائج الاستفتاء.ومع ذلك، فإنَّ أي استفتاءٍ سيعتريه التعقيد بسبب بأنَّ القوات الكردية طهَّرت، وبصورةٍ مُمَنهَجة، القُرى التي سيطرت عليها من سُكَّانها العرب، في محاولةٍ لقلب التركيبة الديموغرافية لصالحهم. واتهمت منظمة هيومان رايتس ووتش القوات الكردية باستغلال المعارك ضد داعش للاستيلاء على الأراضي في المناطق المُختلطة عِرقياً، قائلةً إنَّ التدمير المُتعمَّد للقُرى العربية قد يرقى إلى جريمة حرب.
ولا تزال إمسره، التي فرَّت من مدينة زمار، بالقرب من سنجار، حينما تقدَّم داعش في 2014، تُقيم مع عائلتها في مُخيِّمٍ للنازحين، بعدما دمَّرت القوات الكردية منزلهم، الأمر الذي يمنعهم من العودة.
وقالت: «داعش إرهابيون، ولا نحبهم. لكنَّ البيشمركة دمَّروا منازلنا، إنَّهم لا يرغبون في عودتنا. إنَّهم هُم من دمَّروا حياتنا».
غير أنَّ البعض الآخر أكثر تشكيكاً، ويرون الحديث عن الاستقلال إلهاءً عن المشكلات الأخرى التي يواجهها إقليم كردستان، بما في ذلك الخلل السياسي، والأزمة المالية، والصراع الطائفي.ويمثل الأكراد حوالي 15 أو 20 في المئة من السكان العراقيين. وتاريخياً، كان للأكراد العراقيين امتيازات مدنية مقارنة بالأكراد المقيمين في الدول المجاورة.
وثار الأكراد في شمال العراق ضد الحكم البريطاني في فترة الانتداب، لكنهم قمعوا. وفي عام 1946، أسس الملا مصطفى بارزاني الحزب الديمقراطي الكردستاني كوسيلة سياسية للنضال من أجل الاستقلال في إقليم كردستان العراق.
وبعد ثورة عام 1958، اعترف الدستور الجديد بالقومية الكردية، لكن الحكومة المركزية رفضت خطة بارزاني للحكم الذاتي، فأعلن حزبه القتال المسلح عام 1961.
وفي عام 1970، عرضت الحكومة اتفاقاً على الأكراد بإنهاء القتال ومنحهم منطقة حكم ذاتي. لكن الاتفاق انهار واستئونف القتال عام 1974.وبعد هزيمة العراق في حرب الخليج عام 1991، اشتعلت انتفاضة واسعة في مناطق العراق ومنها كردستان ولشدة قمع الدولة لهذه الانتفاضة، فرضت الولايات المتحدة وحلفاؤها منطقة حظر جوي على شمال العراق، مما سمح للأكراد بالتمتع بحكم ذاتي. واتفق الحزبان الكرديان على تقاسم السلطة، لكن الصراعات احتدمت، واشتعل صراع داخلي عام 1994، دام لأربع سنوات.
وتعاون الحزبان مع قوات الغزو الأميركي للعراق عام 2003، التي أطاحت بصدام حسين، وشاركا في كل الحكومات التي شكلت منذ ذلك التاريخ. كما شاركا في التحالف الحاكم في الحكومة الإقليمية الكردستانية، التي شكلت عام 2005 لإدارة مناطق دهوك وأربيل والسليمانية.