عندما كتبنا عن دكتاتورية الاحتلال واثاره كنا نريد الانتباه والحذر الى ما بعد الانسحاب ، والاحداث المتسارعة التي وقعت في الايام القليلة المنصرمة ستليها احداث اخرى لاتقل عنها تطرفا وغرابة.
والسبب في ذلك يعود للبناء الهش والتجميع العشوائي لمكونات العملية السياسية ومشروع الحكم لما بعد 2003 وهيمنة الاحتلال على مفردات الاخراج الكيدي المتعمد لسيناريو الحكم، حيث اصبح مجلس الحكم سيئ الصيت هو الحاضنة التي فقست وانتشر ماخرج منها في مؤسسات الدولة التي ظلت تعاني كساحا ازداد تشوها عندما التحقت بها عناصر واضيفت لها اجنحة لم يكتمل زغبها ، والجناح لايرفرف إلا بالريش، والطائر لايطير إلا بجناحين ، وطائر الحكومة عندنا ظل بجناح واحد يعاني ريشه من التساقط ، وجناحه الاخر ظل زغبا لم يكتمل.
هذه صورة حقيقية وليست افتراضية ولا هي من مخيلات شاعرية.
ولهذه الصورة الحزينة المؤلمة حكاية: تقف وراءها جميع الاحزاب ، والكتل ، والعشائر، والمنظمات، واغلب الشخصيات التي تتعاطى العمل السياسي بعقلية نفعية ، جسدتها كل من:-
1- تكاثر الفضائيات الفاشلة
2- تكاثر الاحزاب الوهمية
3- تكاثر المنظمات الطفيلية
4- تكاثر الشعارات المغرية
5- تكاثر الصحف التي لايقرأها العاملون بها
6- تكاثر المؤتمرات التي ينتظر روادها الطعام ولا الكلام
ولهذه المشهد العراقي الحافل بالمفاجآت غير السارة بذور لم يحسن جمعها واختيارها ، ثم لم تحسن زراعتها وهي:-
1- دستور اعتمدت فيه الثغرات المعطلة بنوايا الاحتلال بعيدة الامد .
2- انتخابات مشحونة بالاخطاء والتزوير الذي حشدت له قداسة هي بريئة منه براءة الذئب من دم يوسف.
3- قوائم انتخابية حشرت فيها اكداس الاسماء كما تكدس البضاعة المهربة على عجل.
هذه المحاور هي بعض الاسباب الكبرى لمرض العملية السياسية ومشروعها في العراق، فثغرات الدستور، والقداسة المفتعلة، ودكتاتورية القوائم هي العلل الكبرى التي زرعت واسست كساح العملية السياسية التي انجبت ولادات خديجية، ومشوهة لا تقوى على الرضاعة الطبيعية دون بقائها في حاضنة الاوكسجين، فكانت الحاضنة ما قبل الانسحاب هو الاحتلال وما بعد الانسحاب تمثل اثار الحاضنة بحضور السفير الامريكي في بغداد اجتماعات القائمة العراقية التي لم يحسن من فيها الادارة منذ انتخابات عام 2010 والى الان.
والسبب الآخر المخفي لكساح الحكم والعملية السياسية هو ما ينطوي عليه البناء النفسي والعقلي والروحي للفرد العراقي ومنظومته الاجتماعية وما تعرض له ذلك البناء من اهتزاز القيم وتدمير قنوات التواصل عبر تاسيس الدولة العراقية الحديثة منذ العام 1921 والتي اختصرتها مرحلة عام 1968-2003 فكانت المرحلة الممثلة لتدمير القيم والاجهاز على الموروث التاريخي بحماقة فاقت جميع المراحل.
وواقع الفرد والمنظومة الاجتماعية العراقية اليوم يتصف بما يلي:-
1- فقدان القدرة على التفكير كعملية معرفية، والاستثناء موجود ولكنه قليل ونادر.
2- طغيان المنفعة الشخصية على المنفعة العامة.
وهذه الظاهرة تشمل كل الطبقات وكل المهن والحرف والاختصاصات، وهي من اكبر معوقات البناء والاصلاح لانها تشكل اوسع ابواب الفساد.
3- اختزان الخوف والرعب من الاقوى، ولذلك اصبحت السلطة الزمنية ومن حولها جاذبة للطمع في تفادي الخوف والرعب الذي ينعكس في سلوك من طمع في مجاورة السلطة ليتحول الى الة قمع ومصدر رعب لمن هم ليسوا في السلطة من الرعية . وميكانيكية هذا التجميع العشوائي المتناقض هو الرصيد المتعطش للمظهر والتسلط للحالة الحزبية عموما واحزاب السلطة خصوصا ، بحيث اصبحت مقولة ” ينقلب السحر على الساحر متحققة ” ولكن لا احد من تلك الاحزاب يعترف بالحقيقة المرة . ومحاولات البعض منهم لعلاج هذه الظاهرة لم تكن على مستوى ” وداوني بالتي كنت هي الداء” وانما كانت على طريقة من قال :-
وقصيدة قد قلتها ليقال من ذا قالها
تاتي الملوك غريبة ليقال من ذا قالها
4- اختزان النفاق ومفردات الانانية والحسد وهي من مظاهر النفس المريضة ، وهذا الاختزان يطفح على حركات الافراد مواقفا وكلاما وايمائة وصمتا . وهذه الظاهرة منتشرة في كل الحواضن التي يمكن تقسيمها على الشكل الاتي:-
ا-الحواضن الاجتماعية وهي :-
الاسرة
القبيلة
ب- الحواضن السياسية وهي:-
الحزب
الكتلة
المنظمة
الحكومة
البرلمان
وهذا الانتشار المرضي لهذه الظاهرة المرضية الاجتماعية والسياسية تقتضي مواجهتها من قبل اهل الحكمة والرأي لا ان تترك في تناول وتداول من هم ليسوا اهلا للطبابة الروحية الاجتماعية والسياسية لان ذلك سيعرضنا للمزيد من العواصف السياسة التي لاتجلب لنا سوى توقف عجلة الانتاج والبناء والتقدم للحاق ركب الامم والشعوب التي عرفت كيف تعوض ما فاتها من خبرة ومن وقت ضائع.
على الجميع ان يعترفوا بسوء التخطيط وفساد البناء مع اختلاف النسب والمقادير، فالاعتراف بالخطا فضيلة ، ورحم الله من اهدى الي عيوبي، والبداية الصحيحة هي المباركة فلنبحث عنها وما عداها هو الضياع فلا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه.