إن من السهل جدا على المرء أن يكون حكيما بعد وقوع الحادثة، حادثة ما، أو حصول أمر ما، قضية ما، فسرعان ما ينبري بالتعليق والنصح من ينبري ويتبرع بطرح الرأي جزافا وجهلا من يتبرع في التصريح والتجريح دون تدقيق وتحليل في معرفة الأسباب والدواعي التي تقف وراء ما يحدث ويحصل، ولا نكاد نسمع غير التبرير والوعظ المجاني وإلقاء اللوم على هذا الطرف أو ذاك دون أدنى تفكير علمي ومعرفي، لذا عادة ما تأتي تلك (الحكمة) طارئة، آنية، لا تحتمل غير التخويف والتحذير واللوم أكثر مما تحمل نواحي التدقيق والتحليل والبحث عن الاسباب التي تقف وراء كل ما حدث، و-ربما- ما سيحدث، في ملحقات حياتنا الراهنة، ومدى تعلق سطوع حكمة أن يكون الجميع حكماء ولكن بعد فوات الأوان.
ولأن الأوان لم يفت –تماما- بعد بخصوص ما يحصل ويحدث من عشوائية وارتجال (ذوقي) وفوضى (ذوقية) في تصميم واختيار تغليف واجهات المباني الخارجية بما هب و دب من ألوان وتصاميم لا تمت بصلة لحضارتنا (وهي أقدم حضارة، طبعا في التأريخ الإنساني) عبر استعمال مواد جاهزة مستوردة -حتما- تحمل اسم (الكابوند) وحين توهم سمعي حال سماعي تلك الكلمة قلت باستغراب؛ (كاوبوي أيضا)؟! جاء من صلح ليس الاسم قائلا :(لا يا به لا.. كابوند) التي انتشرت وسرت سريان النار في الهشيم عبر تغليف مباني العاصمة، بغداد الحضارة والأناقة والأبهة بهذا الشكل الصارخ الباذخ بحدة وتضارب الألوان وعدم تناسيقها بالمرة وبما شوه هوية مدننا من الناحية المعمارية والحضارية، ليس -فقط- ببغداد الحبيبة بل في كل مدن ونواحي العراق التي تسنى لي زيارتها في السنوات الأخيرة.
أعاود رمي كرة الحفاظ على تراثنا المعماري في ملعب (لجنة الذوق العام) في أمانة بغداد، الى جانب واجبات وحرص الدائرة الهندسية وكل من له علاقة في الحفاظ على ذلك التراث العمراني الأصيل أن يتبنى موقفا ومقترحا صريحا يحدد رسم خارطة طريق حول نوع التصاميم الواجب توافرها واختيارها لواجهات المباني بما يتناسب وقيمة المدينة التأريخية، وعدم ترك الحبل على الغارب لمن يرغب في تغليف واجهات المحال والمباني والمطاعم وفق ذائقة ومزاج أصحابها في اختيار الألوان بشكل عشوائي، وأخشى أن أقول (همجي) لا يراعي أو يداني الذوق العام والخاص لهذه المدينة التأريخية، التي بدت في بعض شوارعها ومعالمها الرئيسية تستغيث من فرط تفاقم تلك الظاهرة، ولعل الأدهى والأنكى ان تنصاع بعض الدوائر الرسمية والمهمة لفوضى (الكابوند) اللاخلاقة!! حتى في تشييد مبانيها ومنشاءاتها الحديثة، بعد أن كانت مهمة التغليف تنحسر بسد عيوب المباني القديمة، لتسكب العبرات -هنا- أكثر.!