Pdf copy 1

في الحلقة الأولى، تساءلنا عن المشكلة في العلاقة، بين العرب والأكراد بشكل خاص وعموم المكونات التي يتكون منها الشعب العراقي.. لاسيما العلاقة بين الشيعة والسنة…. وبين المسلمين والمسيحيين والأديان الأخرى، وفي هذا الجزء نحاول أن نجيب على قدر المتيسر لنا من معلومات واجتهادات وتحليلات، في اطار من الموضوعية والعلمية والنزاهة، ولا غاية لنا غير ان نسهم في ما ينبغي على مستوى ترصين الانتماء الوطني وتأكيد أهمية وفعالية الهوية الوطنية بعيدا عن الولاءات الطائفية او القومية او الاثنية او المناطقية او العشائرية. 

يبدو ان هناك عاملين او سببين أساسيين يحكمان مجمل العلاقة العربية الكردية في العراق:

الأولى: انعدام الثقة واستفحال ظاهرة الشك.

الثانية : الجهل بما سيأتي، اي انعدام وجود النظرة المستقبلية والحكم على الظواهر والمظاهر والحوادث بمنظار أني يعتمد على ما متيسر من افتراضات وتوقعات وتفسيرات قاصرة او باستخدام وسائل وأساليب بدائية في التحليل والاستنتاج وإسقاط قدرات وطاقات غير مرئية.. في لحظة اعتماد الموقف من الطرف الآخر.

المؤكد، ان هناك خشية متقابلة تحكم العلاقة بين الأكراد والعرب في العراق فالاكراد يخشون الدكتاتورية وما يترتب عليها من تهميش وتغييب وترتيب في سلم الموطنة التي تبدأ وفق منطق الدكتاتوريين من الدرجة الممتازة التي هي حكر على من ينتمون الى الدكتاتور عشائريا ومناطقيا وحزبيا وقوميا ومذهبيا ودينيا، ثم الدرجة الثانية لاصحاب المصالح والمتنفذين والانتهازيين وماسحي الاكتاف ودافعي الرشا واصحاب الليالي الحمراء، ثم تأتي الدرجات تباعا ولايجد الاكراد انفسهم الا وهم في اخر سلم الترقيم!! 

تقابل هذه الخشية خشية عربية من جنوح الأكراد الى التقسيم والتفكيك والانفصال وهنا، حل الشك والريبة محل الثقة، والظن محل الاطمئنان، ولا يمكن ان تكون الامور على غير ما الت اليه اخيرا، لو ما يكن هناك من سمح لأولئك الذين حاولوا ويحاولون بشتى الوسائل والاساليب تعكير اجواء العلاقة وتسميم المناخ العام وتلغيم أو تفخيخ القضايا بأحاجي وتلميحات وتصريحات وتصرفات وكتابات هنا او هناك بشكل مباشر او غير مباشر بأشعة الأكاذيب والتلفيقات واطلاق الاشاعات وفبركة المعلومات الكاذبة، وكل ذك من اجل زرع العبوات الناسفة في طريق التفاهم والحوار وتبادل الرؤى والنقاش وتعقيد القضايا وتصعيب الحلول، وكل ذلك صادر من اعداد الاخوة الكردية العربية في اطار العراق الواحد، حيث كانوا ولازالوا هؤلاء الاعداء وباستمرار لايستهدفون من وراء هذا العداء تكريس توجهاتهم المنحرفة وحسب، بل وايضا ابقاء العراق بقرة حلوبا لهم مستفيدين من غياب الاجماع على مقاومة الهيمنة والسيطرة الدكتاتورية، ونجد مصداقية ذلك في أن فرصة تاريخية واحدة أتيحت للعراق من خلال تعاون وتعاضد وتآزر العرب والأكراد وكل المكونات الأخرى، انجبت نظاما تعدديا اتحاديا ديمقراطيا فتح الأبواب على مصاريعها باتجاه التقدم النمو والتحول الكبير على كافة الأصعدة والمستويات غير أن ذلك لم يسلم من كيد الكائدين اللذين دبروا أمورهم بليل، وجمعوا قدراتهم وهيأوا وسائلهم واساليبهم لاستئناف جهودهم التخريبية. 

البعض يصب جام غضبه على ما يصفه بـ (نظرية المؤامرة) معتبرين ان الذين يتحدثون عن مؤامرة أو ما دبر بليل غير علميين وغير موضوعيين وهم ضحايا وهذا غير موجود إلا في مخيلاتهم اسمه المؤامرة، اقول ان هذا البعض الذي ينبغي وجود المؤامرة هم من المستفيدين من هذا النفي، والفائدة تتجسد في استغفال الشعوب، وتنويمها على اساس  ان لا احد يتآمر عليها وان كل ما يقع لها من شر وخير هو من صنعها ومن فعلها! 

هكذا و بسهولة، يريد القاتل اقناع القتيل بأنه هو الذي قتل نفسه، وعليه ان لا يسأل عما تفعله قطر وما سبب تدفق الاموال السعودية على العراق وبارقام فلكية ولماذا وكيف تواصل من إسرائيل عمليات شراء الأراضي في العراق، وما سر تواجدها الكثيف في السفارة الأمريكية بالمنطقة الخضراء وفي مناطق مختلفة من العراق وما سر التحركات المشبوهة لساسة عرب خليجيين وغيرهم وما يجري في الخفاء من محادثات وحوارات، الشيء الوحيد الذي ربما نتوقع ان يتوافق مع ناكري وجود المؤامرة، هو استخدام تعبير، الخطط او البرامج او السيناريوهات المعدة، وليس بين الاثنين اختلاف الا في التعبير.

العراق الان مستهدف لاينكر ذلك الا الضالع في المخطط المؤامرة ووسيلة الوصول الى اهداف الاستهداف هو ما يجري الان على مسرح الاحداث في العملية السياسية فكلما يتضح ان المتآمرين على امن وسلامة العراق ومستقبل وجوده الواعد وجدوا التربة الصالحة لنمو طفيلياتهم وبكترياتهم.. وجدوا السماعين لما يقال لهم دون ترو وادراك وفهم جميع وهكذا بتنا على كف عفريت.. ومن مهازل القدر، ان من يتآمر علينا ويبذر بذور الفتن والاضطراب بيننا هم سقط المتاع. 

التجارب تقول وتؤكد ذلك.. الحكمة والمنطق والعقلاني ان البناء صعب والتخريب او التدمير سهل جدا من حيث متطلبات وتكاليف التنفيذ ومن حيث الحاجة المطلوبة للابقاء على زخم عملية التدمير والتخريب بشكل متصاعد ومتواتر، بينما نجد ان البناء والتشييد والفعل البناء باتجاه خلق الحالة الأفضل والأحسن يحتاج إلى قدر يتناسب طرديا مع طبيعة ونوع الهدف المراد الوصول اليه، بل ان الأمر قد يتطلب أحيانا ثمنا باهظا جدا لا يتوقف عند التضحيات المادية بل يتجاوز ذلك إلى التضحيات البشرية والمعوية والاعتيادية.

الذي اريد الوصول اليه هو ان الانتباه لما يجري بعين الحذر واليقظة وبعين فاحصة مدققة هو الذي ينبغي ان يكون المعيار والذي توزن به الافعال والاقوال والخدمات والنصائح المقدمة، فليس كل شيء معسل وكبراق وناعم الملمس مطلوب ومقبول ومفيد فثمة من يخوض السلم الزعاف بين تجاويف خيوط الحرير او في العسل وكل المتآمرين هم في الواقع من أولئك الذي يملكون جيوشا من عسل .

الحقيقة التي ينبغي ان تكون هي الاساس في التميز بين الطالح والصالح بين الاسود والابيض، هو العلاقة العربية الكردية والاقليات القومية الاخرى فاي اتجاه او مسعى يتعارض او يتقاطع الان او في المستقبل مع هذه الحقيقة الثابتة هو مؤامرة. ذلك.. أن هذه العلاقة لم تحصل نتيجة وجود مفتعل يعكس مصلحة وهي بذلك وجود تراكمات فيه جهود تاريخية هي حصيلة تضحيات وافعال ومواقف بالغة الصعوبة وعالية التكاليف حصلت نتيجة بناء وتشييد وتعمير وترميم استلزم ايجادها مساحة زمنية كبيرة ووعيا عقائديا وثقافة تسامحية بناءة تستند على اصرار نابع من قناعة على تحمل المصاعب واتعاب الاثقال والاجهاد مع قدرة الدفع باتجاه الافضل وتحمل الاذى والضرر.. ولم يكن ما حصل، حصل في فراغ بل هو حصل في اطار التحديات والجهود المستخدمة والتآمر المباشر وغير المباشر، غير ان احكام البناء وصلابته والاصرار على الدفاع كان من بين أهم الاسس التي انطلق بها ومنها الأكراد والعرب للدفاع عن اخوتهم الثابتة والقائمة على معايير وثوابت لا يمكن ان تتغير او تتبدل، ليس لانعدام البديل بل لانعدام السبب الدافع الى ذلك فهذه العلاقة التي وجدت من اجل ان تبقى، تمثل ومثلت على الدوام احدى اهم الحاجات الاساسية لبناء عراق مقتدر صلب متماسك هو نتاج جهد الجميع دون تمييز وتفريق.

اذكر ان مجلسا ضمني مع عدد كبير من الشخصيات العراقية في دار المرحوم الدكتور عبد الله سلوم السامرائي في أيام عام 1975 وكان احد الحاضرين المرحوم طاهر يحيى والمرحوم يوسف الخرسان والاستاذ المحامي عاد تكليف الفرعون والأستاذ المحامي عباس الجابري والدكتور عبد الستار الجميلي وغيرهم كثيرون، ذكرت منهم من تذكرت من باب الاستشهاد وليس الحصر وكانت الأنباء الساخنة تتحدث عن انهيار الثورة الكردية بعد اتفاقية الجزائر عام 1975 وفي لحظة قطع المرحوم طاهر يحيى سكون الجالسين معلقا على مناظر الأكراد وهم يسلمون أسلحتهم للجانبين العراقي والإيراني ويرسلون بقوافل لا احد يعرف إلى أين هي ذاهبة فقال بانزعاج وغضب : كان بودي ان يكون التعامل مختلفا عما أراه، كان ينبغي ان يكون التعامل بعيدا عن التشفي والتعالي فنحن لم ننتصر، المنتصر الوحيد هي إيران، وبهذه الأعمال الصبيانية نؤسس لما سيأتي وما سيأتي سيكون أشد وبالا فإيران لم تكتف بما اخذته وستعود ثانية  لاستغلال ما فعلناه الان.. فرد احدهم، ولكنه انتصار حقيقي على “تمرد”، فرد بسخرية: الحكومات لا تنتصر على شعوبها، ومن يفكر على هذا النحو يفتقر للانتماء الوطني، لأنه غريب عن شعبه.

تلك هي الحقيقة، انك عندما تختلف مع أخيك ينبغي أن لا تذهب باتجاه قطع كل ما يربطك به ويوصلك بكيانه ووجوده، فذلك أمر يقع خارج إطار إمكانية تحققه هذا هو بالضبط جوهر العلاقة بين الأكراد والعرب في العراق، فهم إخوة في كل شيء، وهم وجدوا لكل شيء,  إذن فلا ينبغي تحميل الأمور أكثر مما تتحمل.. ولا ينبغي ان نكون سماعين لما يقال من قبل البعض فهذا البعض يتواجد في كلا الطرفين مدفوع له الاجر سلفا من اولئك الذين يزرعون الفتن من اجل تدمير العراق، فيتبرقع ببرقع الغيرة على الاكراد او على العرب، فيعلن ان القيامة قامت وان الاكراد يستحقون الذبح وان العرب ينبغي أن يبادوا ويقتلوا من خلاف وان الاكراد غرباء ويجب تطهير الشمال الحبيب منهم. وعلى هذا المنوال بدأت وتستمر الفضائيات والصحف الصفراء ومنابر الغش والوقيعة وبالاعتماد على البسطاء والاميين والمغفلين من الأكراد والعرب، في حملة منظمة ومرتبة تقول إحدى قصص الف ليلة وليلة، ان ثلاثة إخوة ترك لهم والدهم ثروة طائلة.. وكانوا على قدر كبير من الترف والعيش الرغيد كان بينهم أخ طماع فأراد ان يستأثر بما ترك والده من ارث فذهب إلى شخص يستشيره لعله يعطيه الفرصة السانحة فقال له، هل تريد ان تخلص نهائيا من اخويك؟ قال.. بلا فقال له فرق بينهما واكثر من القيل والقال وسأمدك بعدد من النمامين والوشاش والقوالين وبالفعل حصل ما اراد الناصح فانقلبت الإخوة الى عداء واخوهما يرمي المزيد من الحطب كلما مالت النار الى الهدوء وفي ذات يوم اسود ارتفعت حدة العداوة وتفجر الموقف وصار السلاح هو الفيصل والحكم، وبدا الناصح ينصح أخاهما ان يدخل بينهما للمحاجزة، وماهي اللحظات حتى انجلى الموقف وإذا بالإخوة مضرجون بدمائهم على الأرض تاركين الناصح يستأثر بكل شيء وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح!! 

 

التعليقات معطلة