في العراق تعوم كل الأشياء بسبب النخاسة وحب الرئاسة.ومن أسوأ اشكال النخاسة ” الطائفية ” ومن أسوأ انواع الرئاسة إظهار الحماسة بدون كياسة.
وبسبب ذلك التعويم استعملت الفتوى في غير محلها, واستقت من غير مصدرها, وحسنا فعل من قال لمن يحرضوا بافتعال واضح: لا تسيروا الى بغداد , لان مجلبة المفاسد ستكون أكثر من المنافع.
ولكن صاحب هذا الكلام: لم يحسن القول ولم يتبع القاعدة القرآنية التي تقول “وقولوا للناس حسنا” وذلك عندما استغرق في خطبته كلاما تحريضيا لا ينسجم مع كلام الإفتاء ومفاهيمه مثلما لا ينسجم مع حاجة العراقيين الى أجواء التهدئة وإشاعة روح الأخوة والمحبة وحسن الظن .
لقد امتلأ تاريخ العراق بالظلم والاضطهاد والفساد والمجون وتأسيس للكراهية والتسيب وهدر المال العام واستفحال حكم العائلة وان كانت من اوطا المراتب الاجتماعية, حتى قال احدهم لمراتب التصنيع العسكري: نحن خمسون عائلة من تكريت نحكمكم شئتم ام أبيتم. ثم كانت الاعدامات بالجملة, والمحاكمات الصورية بالجملة, ثم حصار المدن وقصفها واستباحتها ومدن ” كربلاء والنجف والحلة والديوانية ” مثالا, ولم نسمع صاحب فتوى أدلى بدلوه, ولا صاحب سماحة او فضيلة انتصر لسماحته وفضيلته ورفض ما يجري في العراق من عام 1968 -2003 ” بل كلهم كانوا يرددون بمديح غير الممدوح وتبجيل غير المبجل وتقديس غير المقدس وتعظيم غير المعظم, باستثناء الشيخ المرحوم عبد العزيز البدري الذي قدم نفسه قربانا على مذبح الحرية والشهادة فكان شريكا ورفيقا لفيلسوف القرن العشرين الذي أصبح أبا لنظرية المعرفة البشرية من خلال نظرية التوالد الذاتي التي ازاحت عن الريادة نظرية التوالد الموضوعي لارسطو ذلك الشهيد محمد باقر الصدر .
فأين كان هؤلاء الذين ينطون اليوم على منابر الخطابة كما تنط القردة, ويتزاحمون حول عدسات الكاميرات كما تتزاحم الإبل على الماء؟
اين كان هؤلاء عن أعراض النساء العراقيات يوم قتلت الشهيدة ” أمنة حيدر الصدر ” بنت الهدى , ويوم كانت تعلق النساء من أرجلهن ومن شعورهن وبعضهن تتساقط اجنتهن من ارحامهن لتتدلى من الحبل السري فلا يرحمها سجان في تلك السجون الرهيبة التي قال عنها الشاعر :-
أبتاه ماذا قد يخط بياني ….. والحبل والسجان ينتظراني
اين كان هؤلاء الذين ملأوا الفضاء صراخا والفضائيات زعيقا مستغلين حرية لم يحلموا بها وحكومة من ضعفها جعلت منهم أبطالا وهم ليسوا كذلك ؟
أين كان هؤلاء عن جرائم تلك المرحلة التي لم تترك رحمة لأحد من أتباع مدرسة اهل البيت عليهم السلام حتى قال الشيخ احمد الكبيسي بعد سقوط الصنم صدام :” شكرا لإخواننا الشيعة على حكمتهم وتعقلهم ” لان البعض كانوا يظنون ان الشيعة سوف ينتقمون من السنة بعد سقوط سلطة المجرم صدام حسين, ولم يعرفوا ان الشيعة لا يكنون لإخوانهم السنة الا الود والمحبة لأنهم ليسوا طائفيين وهذا ما عرفه كل اهل السنة لولا فتنة الوهابية التكفيرية التي أثرت في البعض فجرفته الى أهوائها وغرائزها المنطوية على الشر والانتقام الذي أصبحت أمثلته كثيرة واضحة للعيان من العراق الى سورية ومن افغانستان الى تونس حيث كسروا تمثال بوذا واليوم حطموا رأس تمثال الشاعر ابي العلاء المعري ومثلما قتلوا ” مسعودي ” في افغانستان فهم اليوم قتلوا ” بلعيد ” في تونس .
أين كان هؤلاء عندما كان العراق يزج في حروب عبثية ؟
وأين كان هؤلاء المفتون عندما كان صدام حسين يعتدي على شرف من يريد من النساء ويأخذ البعض منهن عنوة من أزواجهن؟ هل كانت فتاواهم في برادات صدام حسين ومكرماته؟ التي جعلت احد الشعراء يوجز صورة ذلك الرجل الظلامي على الشكل الآتي:-
ما أريدك ما أريدك …… يلي ماعندك مهابة ؟
وما أريدك ما أريدك … يلي خليت البلد مثل الخرابة
وما أريدك لو ملك هارون صاير لك نصابة ….
وما اريدك لو حلفت بحيدرة وكل الصحابة .
هكذا كان احرار العراق يقولون عن صدام حسين، فأين كان هؤلاء؟ واين هي مواقفهم إذا كانوا يغارون على نساء العراق وعلى رجال العراق ؟
فليسكتوا , وليخرسوا , فان لكل واحد منهم صحيفة أعمال لا تغادر صغيرة ولا كبيرة ستواجههم يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم, وسوف لا يكون ذلك الكتاب من اخبار المخبر السري الذي تستعين به كل انظمة الحكم في العالم ولذلك أصبح اغلبها فاسادا لفساد مخبريهم والحكم في العراق عندما يعتمد على المخبر السري دون تمحيص فنحن كلنا ضده, ولكن لا على طريقة التهويل المفتعلة في تظاهرات الانبار ونينوى وصلاح الدين التي دخل فيها من يفسد ويسفك الدماء , وقد حذرنا من ذلك مرارا حتى اصبح الشرفاء الوطنيون من اهلنا في تلك المناطق ينظرون بريبة الى مايجري في التظاهر بعد ان تجاوز الاعتدال ومال الى الافتعال ومصادره معروفة ومراكزه بالغدر موصوفة فتركيا اوردغان من صفر مشاكل الى حزمة مشاكل مع كل جيرانها, وقطر الإمارة المجهرية تكاد تقترب من الانفجار من جراء الانتفاخ الذي لا يناسب حجمها, فهذه امريكا بدأت تسحب نفسها من دعم صار الإرهاب هو المستفيد منه , وهذه السعودية بدأت تعيد حساباتها بعدما عرفت ما يجري من قبل جبهة النصرة من حرق للجثث وتدمير للبنية التحتية مما يعكر على السعودية سمعتها , وهذه تركيا لم تعد قادرة على حماية أعضاء المجلس الوطني داخل أراضيها عندما استهدفتهم جبهة النصرة بسيارة مفخخة.
لقد مل العراقيون كثرة الفتاوى التي تجري وراء احداث مفتعلة كما ملوا الناطقين بأسماء الأحزاب والكتل وكأنهم كباعة الخردة في سوق الهرج.
ونحن لا نريد للفتوى ان تكون كالخردة , فالفتوى ولدت إسلامية ونريدها ان تبقى على نقاوتها وأصالتها , ولا يتم ذلك الا عندما تكون متصلة بنبع السماء , ونبع السماء لا يعرفه الا أهل الاصطفاء وأولئك ذرية بعضها من بعض وهم أمناء التبليغ للناس, وغيرهم تتجاذبه الأهواء فتهوي به الريح في واد سحيق وهذا مايحدث للذين يفتون للتظاهرات المفتعلة ؟