عاطف محمد عبد المجيد
” وبنيْنا فلم نَخْلُ لبانٍ / وعلونا فلم يجزنا علاءُ / قُل لبانٍ بنى فشادَ فغالَى / لم يجز مصر في الزمان بناءُ “.البيتان السابقان هما لأمير الشعراء أحمد شوقي، يختتم بهما د.وسيم السيسي مقدمته لكتابه ” مصر علَّمت العالم “ الصادر عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة.هنا يكتب وسيم السيسي عن الحكومة الأولى في التاريخ، عن الرقص في مصر القديمة، عن بناة الأهرام، عن عمرو بن العاص ومكتبة الإسكندرية، عن دراما الخير والشر، عن اللغة المصرية الحديثة، عن أكاذيب اليهود، وعن استرداد الكنوز المنهوبة.في مقدمته يقول وسيم السيسي إن الإنسان كائن حي ذو تاريخ، لأن التاريخ هو الصفة الوحيدة التي يتمتع بها عن سائر الكائنات الحية الأخرى، ويذكر موقفًا سُئل فيه فرانسيس بيكون عن كيفية تقدّم أوروبا، فأجاب بأن يكون لها تاريخ، ويؤكد أنه لم تتعرض حضارة للظلم بسبب الجهل مثل الحضارة المصرية القديمة، إذ هناك من يقولون عن القدماء إنهم لا يؤمنون بالله، مع أن إدريس عليه السلام كان مصريًّا، وكان أول الرسل، كما كان لقمان والخضر مصرييْن، بل إن كلمات: دين، آخرة، صوم، حساب، إمام، حج، ماعون وغيرها، هي كلمات مصرية قديمة. المؤلف يدحض رأي من يدَّعون أن الحضارة المصرية القديمة قامت بها مخلوقات فضائية من كوكب آخر، ذلك لأنها تصيب الناس بالذهول، ولذا نسمع عن الولع بالمصريات.في مقاله الحكومة الأولى في التاريخ يُجري الكاتب حوارًا بينه وبين بعض القدماء، منهم حور محب الذي يذكر أن أول حكومة في تاريخ العالم كله كانت لدى المصريين القدماء عام 4241 قبل الميلاد، وكان ذلك في عصر ما قبل الأسرات، حيثما تجمع القدماء حول نهر النيل حتى لا يهلكوا في الصحراء، وفي السياق نفسه يذكر الكاتب ما قاله ألفريد لوكاس من أن صناعة مصر انبثاقة من زراعتها، وكذلك يذكر ما قالته د.نعمات أحمد فؤاد من أن مصر حتى في عصور ضعفها، صاغت من دموعها في محارتها أو عزلتها لؤلؤة، فنًّا وعلْمًا وحضارة. كذلك يورد الكاتب كلمات عالم المصريات فلاندرز بتري التي تقول بأن مصر لم تكن مقبرة الغزاة بالمعنى السياسي فقط، بل والمعنى العِرْقي أيضًا، فغزوات الفرس، اليونان، الرومان، العرب، الأكراد، الشراكسة،الأتراك، كانت تذوب في جسم مصر الكبير، والفتح العربي لم يكن تغييرًا في مصريّة مصر، بقدر ما كان تغييرًا في الحكام فقط.وفي مقاله الرقص في مصر القديمة يُعدّد الكاتب أنواع الرقص في مصر الفرعونية على لسان المؤرخ الكبير مانيتون ومنها: الرقص المسرحي، الجماعي، الرياضي، الزوجي، الديني، التعبيري، وهناك رقص المحاكاة، الأوكروبات وغيرها.وهنا يستنكر الكاتب من يعارضون الرقص ويحاربون الفنون، مضيفًا أن الموسيقى والرقص هما من أجمل أنواع الفنون، ومن يريد أن يضرب بلدًا في حاضره ومستقبله فعليه أن يضربه في فنّه.ثم يذكر أن دائرة المعارف الأمريكية تعتبر الرقص منبعًا مهمًّا من منابع الفرح عند الإنسان وهو ابتهاج بالحياة، أما التزمّت وما يعقبه من عنف فهو ترسيخ للموت.أما في مقاله تصحيح التاريخ فينفي الكاتب على لسان المؤرخ المصري القديم مانيتون ما هو شائع لدى الكثيرين من أن إخناتون هو أول من نادى بالتوحيد، وهذا غير صحيح، إذ إن أول من نادى بالتوحيد هو أوزوريس، يليه مينا موحد القطرين بتوحيد العقائد، ثم جاء أخيرًا إخناتون ينادي بتوحيد المذاهب لا الآلهة.كذلك ينفي تسمية مصر على اسم ” مصرايم “ كما ادّعى اليهود، لأن مصر كلمة فرعونية معناها الحصن.