المترجم: جابر طاحون
جون آشبيري شاعر أميركي حاصل على البوليتزر وجائزة الكتاب الوطني. شاعر بعقل مشعوذ، يوظف في شعره خبرته التي اكتسبها من كل شيء مارسه في حياته. عقله أرشيف مملوء بكميات هائلة من المعلومات: الفلسفة، السينما، الكارتون، إعلانات التلفزيون، علم الآثار، وغير الشعر طبعًا. وهو يستغل كل ذلك لصالح ألعابه اللغوية.
الناقد دانيال بريتشارد كتب مرة عن آشبيري “في كل أشعاره ركز على ثلاثة مفاهيم، الزمن والحقيقة والذات. وهو يراقب حدود الظواهر ليصل الى لب التجربة مستخدما الكولاج وتكنيك اللغة”.
كانت إقامته في فرنسا تحولًا في حياته، حيث أصبح أكثر انفتاحًا وتعاطيًا مع المنجزات الشعرية في فرنسا وأوروبا. ومثلما تأثر بإقامته في فرنسا أثّر كذلك. يقول الأميركي هاري ماثيوز بخصوصه: “أظن أن حياتي الكتابية بدأت حين قابلته. كان قد نشر كتابه الأول، لكنه لا يتحدث أبدًا بالكثير عن الشعر. كان منضبطًا جدًا، رغم الحياة التي يعيشها في الليل؛ مخمورًا ومحمولًا. أخبرني عن الشعراء الفرنسيين المعاصرين مثل بيير ريفيردي وهنري ميشو، لم أكن قد قرأت أيًا منهم. بعد أسبوعين، أعطيته قصيدة، قرأها وقال: أرى أنك قرأت كل الشعراء الذين رشحتهم لك. لكني لم أكن قد فعلت. ذِكره لهم، والوصف الوجيز، كانا كافيين لتبديل كتابتي. وهناك أمر آخر مهم فعله؛ عندما سألته هل مقبول أن أفعل هذا أو ذاك في قصيدة؟ أخبرني أنه يمكنني فعل أي شيء أريده. وكان ذلك وداعًا لنماذج نيويورك أو أية نماذج أخرى. في حياتي كان هذا تحولًا جذريًا. كنت دائمًا حريصًا على أن تكون الأمور في نصابها الصحيح”.
أسس آشبيري وماثيوز وكينيث كوش وجيمس شوكيولر، مجلة “لوكس سولز”، التي استمرت لأربعة أعداد فقط.
وقت عودته إلى الولايات المتحدة كانت الحياة قد بدأت في التحول؛ ثورات الطلاب وثقافة المخدرات والروك. ويقول عن ذلك: “كانت حضارة تقليدية بأكملها قيد الانهيار، ولربما كانت اللحظة مواتية بالنسبة إليّ لتقديم شعري”. أخذ آشبيري مكانة مماثلة لإليوت في الشعر الأميركي، وتأثيره ذو باع واسع. لا ترتبط قصيدته بزمان أو مكان محدد. وأصدر آشبيري حوالى 20 مجموعة شعرية أشهرها: “صورة ذاتية في مرآة محدبة” و”خريطة سير العمل” و”ملاحظات من الهواء”.
نماذج من شعره
صدى متأخر
وحدنا مع جنوننا وزهرتنا الأثِيرة
نرى أنه فعلًا لم يتبقّ شيءٌ للكتابة. أو بالأحرى، علينا أن نكتب عن الأشياء القديمة ذاتها
بنفس الطريقة، مكررين نفس الأشياء مرةً تلو أخرى
لكي يستمر الحب وعلى مهلٍ يصبح شيئًا مختلفًا.
خلايا النحل والنمل لا بد من إعادة تفحصها بصورة دائمة
ولون هذا اليوم مدغم
مئات المرات متبادلة بين صيفٍ وشتاءٍ
كي يُخَـفَّـف من جماح سرعته وصولًا الى تلك الوتيرة البطيئة
لرقصة “السربندة” فيبقى هناك، متقدًا وساكنًا.
وقتها فقط يمكن للغفلة المزمنة
لحياتنا أن تلتف حولنا كالكسوة، متصالحةً معنا
وبعينٍ واحدةٍ على تلك الظلال المترفة السمراء والطويلة
التي تتحدث بعمقٍ إلى المعرفة المرتبكة لدينا
حول أنفسنا، التي هي الآلات الناطقة لحاضرنا.