درج المسؤولون في هيئة الحج والعمرة على توزيع حصص الحج على بعض المسؤولين من تابعية أحزاب السلطة حتى بلغت حصة احدهم وهو من المزورين خمسة وعشرين مقعدا !.
أصبح مشهد الحج يعج في كل موسم بموظفي الدولة من مدير عام ومحافظ ووكيل وزير إلى الوزير, ووصل عدد النواب ذات مرة إلى ستة وسبعين نائبا مما جعل موسم الحج يتحول من عبادة وفريضة مناسك إلى سياحة واستجمام في زمن أحزاب السلطة وحكوماتهم, واليوم إذ يبادر الأستاذ نوري المالكي رئيس الحكومة إلى توجيه هيئة الحج والعمرة بعدم إعطاء حصة المواطنين من الحج إلى أي مسؤول حكومي , نقول أن هذه المبادرة جيدة ولو جاءت متأخرة جدا بلحاظ عمر التغيير , ويتذكر السيد رئيس الحكومة عندما كان عازما على السفر للحج عام 2004 وعندما وصله عتاب منا على ذلك , استجاب لذلك العتاب ورجع بعد أن كان متجهاً إلى صفوان لغرض السفر للحج عن طريق الكويت وهذه نقطة تحسب للسيد نوري المالكي قبل أن يصبح رئيسا للحكومة, واليوم تحسب له نقطة أخرى في منعه المسؤولين من السفر للحج على حساب حصة المواطنين من الحج , ولكن تبقى في ذمة السيد نوري المالكي حصة السنوات الماضية التي توزعها المسؤولون على هواهم ومزاجهم بموافقة هيئة الحج والعمرة التي يتحمل فيها الشيخ محمد تقي المولى المسؤولية الأولى في ضياع حصص المواطنين لفريضة عبادية ما كان المفروض بمن يعرف مناسك الحج ومعنى العبادة فيها أن يأخذ حصة ليست له ويترك المواطن الذي انتظر كثيرا ودفع مالا في سبيل الحصول على فرصة الذهاب للحج العبادة المشروطة بالاستطاعة وبحج الضرورة وهو لمرة واحدة حيث حج رسول الله “ص” مرة واحدة في حياته , بينما أصبح المسؤولون العراقيون يحجون على هواهم كلما أرادوا غير ناظرين إلى محنة المواطنين العراقيين وكيف أصبح الحج بالنسبة لهم حلماً صعب المنال.
إن استغلال حصص الحج هو من مظاهر الفساد وعدم الأمانة التي لا يمكن تبرريها, والذين مارسوا سوء التصرف بهذه الأمانة هم ممن يدعون الحرص على الدين والتدين, ولكنهم بعدم حرصهم على أداء هذه الشعيرة بأمانة تتناسب مع عظم خطرها وتتناسب مع ما يدعو له البعض وما يتظاهر به من تدين ثبتت قشريته وبطلان مدعاه.
إن الشارع العراقي اليوم يعتبر ما جرى من تعامل مفرط بحصص الحج هو من الأدلة التي يحتج بها على عدم أهلية هؤلاء على إدارة الدولة وهو في ذلك له بعض الحق وفي مسائل أخرى له كل الحق.
إن المسؤولية أيا كانت تعني خدمة المواطن والوطن والحرص على النظام العام ومن هنا قال الرسول “ص” :
“ كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته “
وقال الإمام علي “عليه السلام” :
“ اتركوني كأحدكم أكون أطوعكم وأسمعكم “
وقبل ذلك قال الله تعالى:
“ يا أيها الذين امنوا لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون “ .
إن ما جرى ويجري في حصص الحج من تلاعب طيلة سنوات ما بعد 2003 بحيث لم تعد جهة شرعية أو حكومية لم تعرف بذلك والسكوت كان ديدن الجميع, والمنع الذي وجهه رئيس الحكومة هذه الأيام لا نعتقد انه سيحظى بقدر كبير من الاهتمام والتطبيق لما عرفناه سابقا عن مصير التوجيهات التي تصدر عن رئيس الحكومة , وبهذه المناسبة اذكر ما رواه لي موظف في مجلس الوزراء قبل سنوات حيث صدر له أمر بتوقيع السيد رئيس الوزراء فقال له موظف طردي يعمل في أمانة مجلس الوزراء : “ليعينك المالكي في بيته”.
ومثل هذه المفارقات وهذه التجاوزات كثيرة والتي رسخت عدم هيبة الدولة حتى أصبحت عادة متبعة وعرفا سائدا لا احد يسعى للحد منه .
وما الذهاب المستعجل لبعض الأحزاب والشخصيات لحضور مؤتمر حزب العدالة والتنمية في تركيا الذي اعتذر عن حضوره رئيس الحكومة والذي لم يؤخذ بنظر الاعتبار من قبل كل من ذهب لحضور ذلك المؤتمر الذي مورست فيه تجاوزات على السيادة العراقية في سابقة خطيرة تطعن بوطنية كل من حضر في موقع سيادي أو في غير ذلك .
والتلاعب بحصص حج المواطنين لم يكن هو الخلل الوحيد المسجل ضد الجهات المسؤولة عن تلك المؤسسة, وإنما هناك في أروقة دوائر الرقابة والنزاهة الأشياء الكثيرة التي يمكن أن يكثر الحديث عنها .
فهل نشهد نهاية لفصول التلاعب بحصص الحج للمواطنين الذين ينتظرون القرعة أو الذين ظهرت أسماؤهم بالقرعة وينتظرون بفارغ الصبر تلك اللحظة السعيدة التي تتكحل عيونهم برؤية الكعبة المشرفة التي فيها عمارة إبراهيم وإسماعيل ودعوة إبراهيم الخليل أن يكون بلدا آمنا , مثلما فيها عبق النبوة الخاتمة وفتحها المبين الذي كان نداؤه :
“ ادخلوها بسلام آمنين “، ثم كان إعلانه للمشركين :
“اذهبوا فأنتم الطلقاء”، “ومن دخل بيت أبي سفيان فهو امن”.
ذلك هو نبي الرحمة محمد بن عبد الله “ص” الذي دخل مكة يوم الفتح مطأطأ رأسه وهو راكب على جمله .
وبهذه المناسبة نذكر المسؤولين الذين يذهبون لأداء الحج أن يتذكروا الهيئة التي دخل فيها رسول الله إلى مكة يوم الفتح حتى يتخلوا عن حواشيهم وبعض التصرفات التي لا تتناسب ومن يريد أن يكون عبدا لله
مبرا لذمته في كل ما يقوم به وما يجعل له امتيازات ليست من سنن هوية المؤمنين .
وما يحمل من هدايا بعد رجوعه أصبحت مدعاة للتباهي تتطلع لها عيون المرافقين والحواشي الذين بدأوا يقلدون رؤساءهم على طريقة :
“قومي رؤوس كلهم أرأيت مزرعة البصل” ، وكل حج والذمم مبراة إن شاء الله.