التصنيف: اقتصادي

  • ونحن على أعتاب شهر الله .. رمضان محطة الهداية واسترجاع هوية الروح

    “شهر رمضان الذي انزل فيه القران هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا او على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون” – البقرة -185.

    الهدى: هو الميل نحو الشيء، ولا يكون هذا الميل ايجابيا ومنتجا وحيويا ما لم يكن صادرا عن:-

    1- حب أولا

    2- إرادة ثانيا

    3- هدف ثالثا

    ونعرف طبيعة ومعنى ذلك الهدى عندما يقترن مع “المتقين” قال تعالى: “ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين” – البقرة – 2- وسنعرف معنى المتقين من الآيات القرآنية الأخرى وهذا هو معنى تفسير القرآن بالقرآن في مدرسة أهل البيت وهي مدرسة رسول الله “ص” فهم أي (المتقين):-

    1- يؤمنون بالغيب ” تأصل الاعتقاد وتجذره في نفوسهم”.

    2- يقيمون الصلاة “الممارسة العملية للعبادة”.

    3- وينفقون مما رزقهم الله “توزيع الثروة للقضاء على الفقر”.

    4- يؤمنون بما انزل على النبي محمد “وهو البيعة القائمة على خيار الإرادة والتشخيص للقائد الروحي”.

    5- ويؤمنون بما انزل لبقية الأنبياء “وهو التطبيق العملي للوحدة والتوحد بين الناس”.

    6- ويؤمنون بالآخرة “وهو الاعتقاد بالميعاد”.

    فبعد تحقق هذه المواصفات الستة، يتحقق معنى “الهدى” ويتأكد “الفلاح” أي النجاح في العمل والاختبار، هذه هي مدرسة القرآن مدرسة القصد والحكمة، وبهذا المعنى أصبح رمضان “محطة الهدى”، وهذه المحطة هي للناس جميعا ولذلك قالت الآية: “هدى للناس” والناس هم:-

    1- الاسود.

    2- والاصفر.

    3- والابيض.

    ولذلك قالت آية كريمة أخرى: “وتلك الأيام نداولها بين الناس”، وهذه هي بعض ملامح عالمية الدين الإسلامي، فهو لكل الناس ليس وقوفا عند أعمال التدين فقط وإنما جعل “الأيام” مداولة بين الناس، أي فرص الحياة من عمل وبناء وتنظيم وانتاج “وتلك هي عدالة السماء التي اختصرتها المقولة النبوية” الخلق عيال الله.

    وتركت الميل لهذه المحطة مفتوحا على عوامل عدة منها:-

    1- مقدار وعي الإنسان، والوعي يعتمد على أعمال العقل، والعقل له فروع منها:-

    ا‌- الحلم، ب‌- الرشد، ت‌- البصيرة، ث‌- التوازن، ج‌- المرونة، ح‌- الطاعة.

    وبهذا المعنى تكون محطة الهداية محطة معرفية، ولذلك قال رسول الله “ص” الدين معرفة ” ولذلك لا يكون الإنسان متدينا حقا ما لم يكن على درجة من المعرفة بربه، وهذه المعرفة لا يظن احد أنها عبارة عن التحصيل الجامعي او كثرة الشهادات. لا: وإنما على ضرورة وأهمية التدرج في العلم والتحايل العلمي، إلا ان المعرفة هي عبارة عن التماع ذهني وفراسة بالنظر الى ما حولنا من مظاهر وحوادث وأشياء: اي انها استحضار قلبي، والاستحضار القلبي هو نور متألق له مشتركات كونية وقواسم روحية يتحرك فيها الجوهر كما تتحرك نسمات الهواء العليل، وكما تتهادى أطياف الضوء عبر أثير الفضاء فتكشف لنا نجمة هنا وكوكب هناك رغم السديم الممتد من درب التبانة ومنزلنا الأرضي الازرق الواقع على الجانب الغربي الأيمن على بعد “4000” آلاف سنة ضوئية “وان يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون”، وقال تعالى تقريبا للمعنى: “تعرج الملائكة والروح اليه في يوم كان مقداره “خمسين الف سنة” – المعارج -4- ويبقى النور الإلهي هو المعنى الجاذب للهداية “شبيه الشي منجذب إليه”، قال تعالى:”الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم” – النور – 35.

    ومرة أخرى هنا رأينا الله يضرب الأمثال “للناس” وليس فقط للمتدينين ولا للمسلمين ولا للمؤمنين فقط. لماذا لان المشروع الإيماني هو مشروع عالمي كوني، أما كونه عالميا: فلأنه لكل الناس والناس يشكلون عالم الاجتماع البشري الذي أصبح مقره الكرة الأرضية: قال تعالى:” والأرض وضعها للأنام” – الرحمن -10- وقال تعالى:”… ولكم في الارض مستقر ومستودع الى حين” البقرة – 37.

    وأما كونه كونياً فلأنه لجميع الكائنات والموجودات من حيوان ونبات وجبال وحجر “أي جماد” وما هو بجماد في الفهم الكوني قال تعالى: “ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو اشد قسوة وان من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وان منها لما يشقق فيخرج منه الماء وان منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون – البقرة – 74- وقال تعالى: “ثم استوى الى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا او كرها قالتا أتينا طائعين” – فصلت – 11.

    فالحجارة هنا مشمولة بمحطة الإيمان والهداية، وحتى نصل الى استقراء حال بقية المخلوقات وموقفها من الهداية والإيمان نستعرض ما جاء في الآيات القرآنية التي جعلها الله مدرسة الهداية والبيان، قال تعالى: “فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون – البقرة – 73- وقال تعالى: “وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم ان الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون” – النمل – 82- وقال تعالى: “حتى إذا آتوا على واد النمل قالت نملة يا ايها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون”، النمل – 18.

    وحتى يكتمل مشهد الصور الكونية المشاركة بمحطة الهداية والإيمان نستمع الى الآية الكريمة وهي تتحدث عن النبات هذه المرة بصيغة ” العصا ” لانها بالاصل من الشجر والشجر نبات قال تعالى:” والق عصاك فلما راها تهتز كانها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف اني لا يخاف لدي المرسلون” – النمل – 10- وقال تعالى: “فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين” الشعراء – 32- وقال تعالى: “ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون – النحل – 49. ومن الأشياء التي تسجد لله في الأرض هو الشجر، وقد ذكرها القرآن في مكان آخر عندما تحدث عن تسمية الأشياء التي تسجد لله ومن الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس.

    وهنا تكتمل الصورة وهي:-

    1- العبادة العملية عند كثير من الناس كالصلاة والصوم والحج والزكاة، ثم العبادة الروحية الكونية على مستوى الخلية “يسبح لله ما في السماوات والأرض”، فالذين لا يؤدون العبادة العملية تقوم خلاياهم بالتسبيح لله تعالى.

    2- هداية الحجر وقد ذكرنا الآية التي تتحدث عن ذلك.

    3- هداية النبات، وقد ضربنا مثلا بعصا موسى والشجر.

    4- هداية الحيوان: وقد ذكرنا النملة كمثال وهناك الهدهد، والبقرة والفيل والغراب.

    فبهذا يكتمل مشهد الهداية الكونية، وعندها تكون محطة رمضان في الهداية مفتوحة لكل الناس، ومن هنا نستذكر مع جميع الإنسانية المفكرة كيفية التعامل مع محطة رمضان لا على أساس تفرقة دينية وطائفية وإنما على أساس حاجة كونية هي الهداية الشاملة لجميع مكونات المشهد الطبيعي وقد ذكرنا مفرداتها ومسمياتها، وعلى أساس حاجة إنسانية حضارية تستحضر المعرفة والعلم بحركة الأشياء من حولنا مستعينة بمفردات العقل التي ذكرنا مواصفاتها، وعلى هذا نصل الى نتائج حاسمة تقوم على:

    1- ان البشرية عموما مجمعة على اعتماد العقل أساساً للتأمل والتفكر والحوار.

    2- ان البشرية عموما مجمعة على حاجتها الى الأمن وإنهاء الصراعات، وقد ظهر معنا ان المؤمنين بمحطة رمضان لا يفرقون بين الأنبياء ويؤمنون بهم جميعا وبالتالي فهم لا يفرقون بين الأديان قال تعالى: “شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا اليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى ان اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه”.

    3- ان البشرية جميعا مجمعة على ضرورة توزيع الثروة وإشاعة روح العدالة والمساواة، وقد بينا ان المؤمنين بمحطة رمضان ينفقون مما رزقهم الله اي انهم يدفعون الزكاة والخمس والصدقات، وقد سميت الاصناف البشرية المستحقة لهذه الأموال وهم:-

    ا‌- الفقراء والمساكين

    ب‌- العاملون وهم عمال الصدقات

    ت‌- المؤلفة قلوبهم

    ث‌- وفي الرقاب وهم: المكاتبون، والعبد يشترى ويعتق ان وجد

    ج‌- الغارمون: وهم الذين علتهم الديون في غير معصية

    ح‌- وفي سبيل الله: وهو الجهاد، والمصالح مثل بناء الجسور والقناطر، والمساعدات الإنسانية، وبناء المساجد.

    خ‌- ابن السبيل: وهو المنقطع في السفر

    والخمس يقسم الى ستة أقسام هي:-

    1- ثلاثة للنبي “ص” وهي سهم الله، وسهم رسوله، وسهم ذي القربى وهو الإمام.

    2- وثلاثة أخرى هي: للأيتام والمساكين وابن السبيل.

    وبهذه الطريقة يتم توزيع الثروة وتعم العدالة والمساواة، ومحطة رمضان لا تتحقق إلا بتحقق هذه الشروط، هذا عن محطة الهداية الرمضانية، وأما عن مشروع استرجاع الهوية فأرجوا من القارئ والمتابع ان يأخذ بنظر الاعتبار الحقائق التالية:-

    1- لكل واحد من الناس هوية مدنية على أساسها يتم التعامل معه في المجتمع والدولة.

    2- ولكل واحد من مواطني الدول عندما يريد ان يسافر جواز سفر يتنقل به عبر الدول، وبدون لا يتمكن من ذلك.

    3- ولكل موظف هوية تثبت انتسابه لتلك الدائرة أو الوزارة.

    4- ولكل مهنة من المهن هوية، المهندسون والاطباء والمحامون، والتجار لهم هوياتهم التي تمنحهم اياها نقاباتهم الخاصة بهم ضمن تشريع تقره الدولة.

    وبعيدا عن التنظيم الاجتماعي وتنظيم الدول في حياة الناس، فان الله سبحانه وتعالى جعل هوية الإنسان الحقيقية هي ” العبادة ” قال تعالى:” ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”، واخذ على ذلك بيعة الخلايا المكونة لفسلجة الإنسان في عالم الذر فقال تعالى: “وإذ اخذ ربك من بني ادم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على انفسهم الست بربكم قالوا بلى شهدنا ان تقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين”.

    والغفلة هي بسبب ما يواجه الإنسان من حوادث وأحداث في الدنيا فيلهو عن ذكر ربه قال تعالى: “إنما الحياة الدنيا لعب ولهو”، ومثلما لا يسامح الإنسان في مرحلة طلب العلم والدراسة ان يلهو عن المذاكرة وتحضير الدروس، كذلك من باب اولى انه لا يسامح على ترك العبادة ومعرفة الله وما اوجب عليه من واجبات.

    والغفلة لا تعني عدم ذكر الرب والخالق مطلقا، وانما قد يقع الانسان رجلا كان او امراة تحت وطاة العادة والتقاليد، فيردد اسم الله دون عناية والتفات كما يحدث كثيرا للكثير من الناس، فكلمات مثل: الحمد لله، وشكرا لله، والتسهيل من الله، والرزق على الله، واستغفر الله، وفي سبيل الله، قد يرددها الناس كثيرا ولكن مجرد عادة بدون استحضار معانيها الحقيقية والعمل طبقا لها، فالورع: ان تتوقف عند الشبهات، والتقوى: ان تعبد الله كأنك تراه وذلك هو حق اليقين قال تعالى:” فاعبد ربك حتى يأتيك اليقين. واليقين هنا الموت وهو من حقائق الحياة الكبرى ” خلق الموت والحياة ليبلوكم ايكم احسن عملا “، واليقين المطلق هو الايمان بالله، ثم الحقائق التي تترتب على ذلك، ونسبية اليقين كما يذهب اليها بعض الفلاسفة هي ما يتعلق بغير الخالق وحقائق الكون والذين ينفون وجود اليقين المطلق انما ينفون الحقائق الكونية ويدعون الى فوضى لا تستقر على قرار، وبسبب ذلك تتكاثر الأمراض النفسية والامراض الاجتماعية، ويطغى القلق على حياة الناس، بينما محطة الهداية في رمضان هي خير امان من الهوس والهلع والوسواس والقلق، لانها تجعل الناس يقتربون من حقائق الاشياء، ومن اليقين المطلق الذي يشيع في النفس الطمأنينة والهدوء ” يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي” فاذا كان الموت هو اليقين والحقيقة لما بعد هذه الحياة، وكانت الحياة الاخرى جزءا من مواصفات اصحاب الهدى التي ذكرناها في مقدمة هذه الدراسة، فان الجنة تصبح هدفا يصح السعي اليه، وبذلك تصبح الرغبة في ذلك مستجمعة لشروط المعرفة بخصوص كيمياء الدم والهرمونات وفسلجة الخلية التي تسبح لله وتعرف خالقها بالتسخير، وعند ذاك تصبح “اللذة والمتعة”، “وفاكهة مما يتخيرون * ولحم طير مما يشتهون” وتصبح الجنة “طابت مستقرا ومقاما”، ويصبح الخلود في الجنة حقا للمهتدين، وتلك نتائج علمية معرفية لا يرقى إليها الا اصحاب العقول والمعرفة بدون تعقيد وادعاء مر الاسكندر بجيشه على رجل يصلي في الصحراء فلم تؤثر فيه حركة الجند، فقال له الاسكندر الم تثير انتباهك كثرة الجند واسلحتهم. فقال الرجل: ان انتباهي هو مع من هو اكثر منك جندا وسلاح. قال مع من تقصد. قال: مع الله. فأعجب الاسكندر بكلامه، فعرض عليه ان يصحبه في جيشه وجنده. فقال الرجل: على شرط، قال الاسكندر وما ذاك الشرط. قال الرجل: ان تمنع عني المرض والموت. قال الاسكندر: وانا لا استطيع ان امنع هذا عن نفسي. فقال الرجل: إذا دعني وشأني.

    ان استرجاع الهوية يتم عبر التغلب على الغفلة، والتغلب على الغفلة يتطلب التغلب على الشهوات الا ما حلل الله قال تعالى:” فخلف من بعدهم خلف اضاعوا الصلوات واتبعوا الشهوات ”

    والذين يطلبون من الناس ان ينتظروهم في رمضان عبر المسلسلات والافلام والمسرحيات اغلبهم يتعاملون مع رمضان العادة والتقليد وليس مع رمضان محطة الهداية بشروطها، ولا محطة استرجاع الهوية بمواصفاتها التكوينية، فهم مثل جماعة اساف ونائلة في العهد الجاهلي عندما لم يحترموا حرمة البيت الحرام، وطغت عليهم شهواتهم فقلبهم الله الى صخرتين للعبرة، وبعد اجيال تحولت تلك الصخرتان الى اصنام تعبد. ومثل الفتيات الاتي يقدمن برامج رمضان وهن في بهرجة الموضة واغراءاتها مثل تلك المراة العربية التي ارادت ان تطوف حول البيت الحرام ولما لم تجد ماتلبسه طافت وهي عارية واضعة كفيها على عورتها وهي تقول:-

     اليوم يبدو كله او بعضه.

     وما بدا منه لا احله.

    هذه هي حالة اختلاط العمل بالعادة والتقليد بعيدا عن استحضار المعرفة نفسيا وعقليا بشروط العمل وصاحب العمل، مما يجعلنا في منخفض ثقافي ومسطح تاريخي لانعرف فيه الجهات الاربعة فيزداد تيهنا، وتعم البلوى من حولنا، ونحن نتصور اننا نحسن لانفسنا ولمجتمعنا ولأوطاننا، ولكن العكس هو الذي يحدث، ان استرجاع هويتنا المعرفية بشروط الكون والطبيعة، هو الذي يجعلنا قادرين على قيادة المجتمع واستخلاف الارض، وهو الذي يجعل المكونات التي ذكرناها من: نبات وحيوان، وجماد، تطمئن لقيادتنا وتنسجم مع تلك القيادة الممنوحة من خالق السماوات والارض، وتلك شهادة دونها تتهاوى كل الشهادات التي تقبل التزوير، والالغاء والرفض وعدم التوثيق والاعتراف.

    والذين سيتجاهرون بالإفطار العلني في رمضان بدون سبب،هم الذين يسقطون عنهم هوية الانتساب الكوني بشروطه المعرفية والانتساب المجتمعي بشروطه الحضارية، وتلك هي الخسارة التي لا تعوض، ويبقى دعاؤنا لهم بطلب المغفرة ينطلق من حبنا لهم ورأفتنا بهم حين لم يرأفوا بأنفسهم ولم يحترموا مجتمعهم.

  • ميناء مبارك وحق الجوار

    كثر الحديث عن مشروع ميناء مبارك الكويتي المجاور جدا للعراق والذي أن تحقق فأنه يضيق الخناق على المجرى المائي العراقي الذي يعد من المياه الضحلة, وبغض الطرف عن كل الحجج التي قيلت من قبل الجانب الكويتي والتي سمعنا بعضهم يتحدث بلغة السيادة تارة, وبلغة أنتفاع العراق من هذا المشروع تارة أخرى وهناك لغة ثالثة تستبطن عدم المصارحة بالحقيقة وتهرب الى الذرائعية التي لا تمتلك مستوى حديث البرهان الذي ينتج فكرا, ولا مستوى الخطابة التي تمر على مسامع المتلقين بشيء من المقبولية ولو الى حين, ولا حتى بمستوى الجدل الذي يتعب المتحاورين ,بل وجدنا أغلب ما قيل يذهب الى حصة المشاغبة التي تحرص على ألإثارة وتتهرب من مواجهة الواقع مما ينطبق عليها قوله تعالى “ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون” – البقرة – 42- والآية الكريمة وأن كانت تتحدث عن بني إسرائيل ألا أن معناها ينصرف الى كل سلوك يقع في خانة كتمان الحق ولبوس الباطل.

    وكتمان الحق كان واضحا في حديث من تحدث عن ألأسباب والمبررات التي يتذرع بها الكويتيون لبناء ميناء مبارك الخلفي والذي يعرف جغرافية المنطقة جيدا وموقع الكويت على الواجهة البحرية الطويلة التي تتمتع بها الكويت على الخليج تأخذه الدهشة والاستغراب من إصرار الكويتيين على هذا المشروع “الفتنة” وفي هذا الظرف وفي هذا المكان بالذات.

    أما من يتحدث عن السيادة فقد نسي حق الجوار, فالجوار حق في الشريعة ألإسلامية, وكان رسول الله “ص” يكثر من الوصية بالجار حتى ظن المسلمون أنه سيورثه وهناك مفهوم الشراكة في ألأرض, والمزارع, والسكن وقد جعلت الشريعة ألإسلامية حق الشريك بالشفعة عندما يريد الشريك ألآخر أن يبيع حصته, ثم أن حق الجوار مقدس في الشريعة ألإسلامية للأسباب ألآتية:-

    1-  لتواصل المحبة والألفة بين الجيران والتي يراد لها أن تعم بين الناس.

    2-  لتنظيم ألاجتماع ألإنساني ابتداء من ألأسرة, ثم ألأقرباء , ثم الجيران, ثم ألأصحاب, ثم العشيرة, ثم المجتمع.

    3-  تفادي نشوب الخلافات من خلال حزمة تشريعات ملزمة.

    وهكذا وجدنا مصطلحات مثل “الصاحب بالجنب” و “الجار ذي الجنب, والجار الجنب”.

    وللجوار في الاسلام حقوق هي:-

    1-  أن لا تضيق عليه بمنع ضوء الشمس أو الهواء من خلال بنائك الموازلة والمشرف عليه.

    2-  أن لا تزعجه بصوت أو ضجيج أو صياح يؤثر على النائمين أو المرضى.

    3-  أن تستأذنه في المبيع والشراء.

    وفي القوانين الوضعية ولاسيما قوانين العقار وتنظيمه في كثير من الدول ومنها بعض الدول العربية مثل لبنان, فأنهم يوجبون على الجار أن يترك مسافة ثلاثة أمتار من كل جهة عن جاره كما يوجبون ذلك على الجار ألآخر حتى يتركوا فسحة للشمس والهواء بحيث يكون بين الجارين مسافة ستة أمتار من كل جانب بحيث لا يؤثر أحدهما على ألآخر, هذا طبعا في بناء الفلل التي مساحتها خمسمائة متر مربع ويشترطون على صاحب البناء أن يترك 60|0 من مساحة العقار فضاء وهو مما ينعكس فائدة على الجيران, هذا في بناء بيوت صغيرة فكيف بنا والحالة في الموانئ المتجاورة والضيقة, فأنه من المنطق مراعاة حق ألإبحار لكل جار بما يساعده على ممارسة حق الملاحة بحرية, وهنا من المناسب التذكير بمفهوم الحرية، تبدأ حرية الفرد عندما تنتهي حرية ألآخرين, ويبدو من طبيعة المنطقة الجغرافية وضيق المسالك البحرية فيها وحصة العراق في ألإطلالة على الخليج هي ألأخرى محدودة لا تتجاوز “70” كيلومترا , ومع مراعاة الظروف والمشاكل التي يعاني منها العراق لاسيما تلك التي تركها له من كان سببا في احتلال الكويت وإلحاق ألأذى بالشعبين العراقي والكويتي, وحاجة العراق لتنمية موارده البحرية بما يتناسب ونسبته السكانية وحاجات خطة التنمية والنهوض وهي أمور ليست كمالية وإنما تدخل في باب الضرورة القصوى, وعلى أخوة في الكويت أن يقدروا ذلك, ولا يتذرعوا بمقولات التنمية عندهم أو حق السيادة, فأن تنميتهم ليست متوقفة على مشروع ميناء مبارك الذي لا يعرف مدى جدواه ألاقتصادية, مثلما تعرف أضراره الحقيقية للملاحة في الجانب العراق بعد دخول السفن العملاقة والكبيرة في مجرى مائي ضيق وضحل مما سيكون مثارا لمشكلات نحن في غنى عنها.

    ونحن هنا نذكر المسؤولين العراقيين بضرورة التنسيق فيما بينهم والحرص على أن يكون موقفهم واحدا موحدا في القضايا الداخلية والخارجية حتى لا يكشفوا عورات الدولة العراقية أمام ألآخرين وما ترتب على ذلك من تقصير وطني قد يصل الى حد الخيانة التي لا نريدها لأحد من المسؤولين أو المواطنين على حد سواء،

    كما نوصي وسائل ألإعلام أن يتوخوا الدقة وحسن ألاختيار في استضافة المتحدثين عن الشؤون السياسية والاقتصادية وألاجتماعية وألامنية والثقافية, أن يكونوا من أهل الخبرة والكفاءة المشهود لها لأننا بذلك نكون قد وفرنا على بلدنا مزيدا من ألافتخار والظهور بمظهر متحضر يتواصل مع العالم الخارجي بعقلية واعية متفهمة لما يجري حولها وما يجري داخلها, مما يجعل ألآخرين يحترموا العقل العراقي وهذا ينعكس على احترام الدولة العراقية وحكومتها وتلك نتيجة تحرص عليها الدول الديمقراطية التي وصلت الى فضاءات التحضر وسحر الحياة.

  • مطابخ الكلام ومطابخ الطعام

     تكاثرت عندنا هذه الأيام مطابخ الطعام ، وقلت عندنا بل ندرت مطابخ الكلام ، ففي أغلب الفضائيات هناك زاوية للمطبخ ، ومطبخ ” تمر ولبن ” في الفضائية العراقية ربما أكثر موضوعية من كثير من برامج المناسبات والبرامج الثقافية . 

    وفضائية ” فتافيت ” الخاصة بالطبخ مثالا على ذلك حتى أنها تزعم بتقديم ” 365″ نوعا من أصناف الطبخ وأنواعه ، وتحظى بالمشاهدة والمتابعة طيلة ساعات النهار ، فماذا يعني ذلك ؟ 

    هل يعني أننا نهتم بمطابخ الطعام أكثر من مطابخ الكلام ، وهل مازال عندنا من يعتقد بوجود مطابخ للكلام وقد تركنا العربية الفصحى الى الحد الذي سمعنا بعضهم من ينادي بالكتابة بالعامية ؟ ولهذا نرى اليوم حتى إعلاناتنا أصبحت تكتب بالعامية كموضة من موضات العصر المصاب بالمنخفض الثقافي . 

    دخل أعرابي على مجلس أحد أمراء العرب ، وكان يتحدث الى قومه ، فلما انتهى من كلامه ألتفت الى الإعرابي وقال له : ما تعدون الفهاهة عندكم يا أخا العرب ؟ فرد عليه قائلا : ما كنت فيه أيها الأمير . 

    والفهاهة اليوم تجتاح كلامنا ، حتى أصبحت مجالسنا وندواتنا ومؤتمراتنا مستباحة بالفهاهة . 

    والفهاهة : تعني العجز عن التعبير المناسب ، وعدم القدرة على إيصال الفكرة الى المتلقي والسامع ، مع ضياع جمالية اللغة . 

     ومطابخ الكلام كانت في مجالس العرب ، مثلما كانت في أشعارهم التي احتفظت بالمعلقات ، ثم تعززت وأخذت صورة الثبات والديمومة بالعطاء من خلال القرآن الكريم قال تعالى :” أنا أنزلناه قرأنا عربيا لعلكم تعقلون ” – يوسف – 2- وقال تعالى :” ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله أن الله عزيز حكيم ” لقمان – 27- 

    وكان رسول الله “ص” أبلغ من تحدث بلغة الضاد ، وقد عبر عن ذلك الإمام علي بن أبي طالب عندما قال :” نحن أفصح ، وأنصح ، وأصبح ” وقال : ” تكلموا تعرفوا والمرء مخبوء تحت لسانه ” 

    يقول علامة اللغة الأصمعي : دخل علي بدويا فقلت له : أتعرف الشعر ؟ فقال : كيف لا وأنا أمه وأبوه . يقول الأصمعي : فسألته أن يأتي ببيت من الشعر ينتهي بحرف علة ؟ فأنشدني ، فطلبت منه أن يأتي ببيت من الشعر ينتهي بالا سماء الخمسة : فأنشدني . يقول الأصمعي قلت لزوجتي تطبخ لنا دجاجة ، فلما حان الغداء ، قلت له يا أخا العرب : أقسم ، فقال تريد قسمة الشفع أم الوتر ؟ يقول الأصمعي قلت له أريد قسمة الشفع ، فقال كم عندك من العيال ؟ فقلت : ولدان وبنتان وزوجي ؟ فقال : الولدان والجناحان ، والبنتان والرجلان والرأس للرأس ، والذنب للمرأة ؟ يقول الأصمعي : قلت له أريد قسمة الوتر ، فقال : الولدان وجناح ، والبنتان ورجل ، الزوج وزوجه والرأس . فيقول الأصمعي فغلبني الرجل مرتين : مرة في الشعر ، ومرة في الأكل . 

    وكانت العرب تعيب الإكثار من الأكل وتعده نهما قال الشاعر : 

    قوم أذا سمعوا ببكة أكلة 

                  حجوا لها قبل الحجيج بعام  

    وقد مدح الإمام علي بن أبي طالب صديقا له فقال : ” كان لي صديق يعظمه في عيني صغر الدنيا في عينه وكان خارج من سلطان بطنه ” لآن من يخرج من سلطان البطن : يكون كريما وشجاعا ووفيا ، ومن لا يخرج من سلطان البطن : يكون بخيلا وجبانا ولئيما جافيا . 

    وكانت العرب تحترم الكلام وتعتز وتفتخر بمن يجيده ، ولذلك أحترم كلام القرآن حتى الذين لم يؤمنوا به ، فالوليد بن المغيرة الذي كان من دهاة العرب ومتكلميهم والعارفين بفنون الشعر والأدب عندما طلب من رسول الله أن يسمعه القرآن : أقشعر جلده ووقف شعر رأسه وصمت وذهب الى بيته حتى قال عنه المشركون أنه صبا لدين محمد . 

    وكان عبد الله بن عباس عندما يمشي في طرقات المدينة يضع قطنا على أذنيه حتى لا يسمع ما يجري من أحاديث بين الناس في بيوتهم، وكان يسترجع القصيدة التي يسمعها من أخر بيت الى أول بيت من الشعر ، ولذلك قيل عنه : أنه حبر الأمة ، وهو من قال : ما أسفت على كلام أنقطع كما أسفت على انقطاع خطبة الشقشقية للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام . 

    وذات يوم كان الخليفة عمر بن الخطاب “رض” يمشي في أزقة المدينة ليلا ، فسمع امرأة تردد البيت الشعري :- 

    تطاول هذا الليل وأمتد جانبه 

                  وأرقني إلا خليل أداعبه 

    فوالله لولا الله أني أراقبه 

               لحرك من هذا السرير جوانبه 

    فسأل عن حال المرأة فقيل له أن زوجها مع الجند الإسلامي في الفتوحات ، فأرسل على أبنته حفصة ، وسألها كم تصبر المرأة على فراق زوجها ، فقالت أربعة أشهر ، فأصدر أمرا أن لا يتخلف الجند عن زوجاتهم أكثر من أربعة أشهر . 

    وكانت زوجة أحد المسلمين تتردد على زيارة أحدى زوجات رسول الله “ص” وكانت ثيابها رثة ، فطلب رسول الله من زوجه أن تسألها عن سبب رثة ثيابها ، فأخبرتها بأن زوجها قد هجرها ، فبعث عليه رسول الله وطلب منه مراجعة زوجه ، وفي المرة التالية قدمت تلك المرأة وهي نظيفة حسنة الثياب ، فسألتها زوج رسول الله عن سبب تغير حالها ؟ فقالت : ” أصابنا ما أصاب الناس ”  هذه هي بلاغة الكلام التي كان عليها العرب والمسلمون والتي جعلتهم يعبروا عن أدق وأخص الحالات بمرونة واقتدار لغوي دون الوقوع في الإسفاف اللغوي الذي يقع في فاحشة الكلام كما يحدث عندنا اليوم نتيجة الفقر اللغوي والمنخفض الثقافي الذي نعاني منه ، وهو مما يجعل تعبير الناس عن مشاعرهم لا يمتلك ثراءً لغويا يمكنهم من تفادي الكلمات والألفاظ التي تخدش المخاطب فتؤدي الى الشجار وإثارة البغضاء وسوء الظن بين المواطنين ، وهذا مما يؤدي الى التفكك ألاجتماعي ، والاحتكاكات التي تجري في اجتماعات مجلس النواب واجتماعات الحكومة ومؤسسات الدولة ناتجة عن محدودية الأساليب اللغوية المستعملة في المخاطبة والحديث أو التعبير عن المشاعر في المواقف المحرجة ، ولذلك قال تعالى :” وأقصد في مشيك وأغضض من صوتك أن أنكر الأصوات لصوت الحمير – لقمان – 19- من هنا علينا ألاهتمام بمطابخ الكلام فهي التي تنمي شخصية الفرد والجماعة ، وتجعل من التواصل يجري بمستويات حضارية تختصر الجهد والوقت في بناء العلاقات مثلما تجعل المتلقي أكثر أستجابة حتى في المواقف التي تمتلك خصوصية العلاقة بين الرجل والمرأة ، قالت أحدى النساء العربيات العاقلات المتمكنات من اللغة شعرا :- 

    لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه 

                وأنت لأخرى صاحب وخليل 

    وقالت الأخرى :- 

     فغض الطرف أنك من نمير 

                  فلا كعبا بلغت ولا نمير 

    هذه هي اللغة في زادها ، وهذا هو الكلام المنظم الذي يستفاد منه في التعبير عن المشاعر والخصوصيات حتى في أحرج المواقف أن هندسة الكلمات يقف وراؤها ثراء لغوي ومائدة ثقافية لا نجدها ألا في لغة فصحى تتوازن فيها الألفاظ وتتماثل فيها الدلالات مع نسق العقل وتهذيب النفس ، وذلك هو مطبخ الكلام . 

  • سورية والعراق .. الأستهداف واحد

    لم تنته مراحل أستهداف العراق بعد ومايجري من دعوات للآقاليم هو قفز سطحي ويتيم على معاناة المواطن العراقي الحقيقية بأتجاه خلق مناخات تكثر فيها المشاكسات وتزدحم فيها المشاحنات حد العداوة وألاقتتال وهذا مايريده الذين يخططون من وراء الكواليس لتدمير هذه المنطقة وشعوبها وأعاقة رسالتها التي يعلمون أنها وأن تباطأت ألا أنها مكتوب لها أن تحسم الموقف ” ونريد أن نمن على الذين أستضعفوا في ألارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ”  ؟ 

    والذين خططوا لآنهاك العراق لما فيه من زخم جهادي وروح رسالي وثروة يستكمل معها وبها تحقيق ألارادات الستراتيجية هم اليوم يخططوا لآنهاك سورية , وسوف لن أتحدث عن سورية كما تحدث من هو صادق لكن غلبه النص المحرف تاريخيا ” أولي ألامر ” الذي سيرجع لآصحابه من أهل البيت عليهم السلام , أهل العلم وأهل الذكر , وأهل المودة , والمطهرين بنص الكتاب , الذين تتغير المعادلات , وتتبدل السلطات , وتدلهم الخطوب , حتى يكون المخلص منهم وفيهم , وتسترجع البشرية المعذبة عزها وكرامتها يوم تمتلك أرادتها بالقائم المخلص وذلك وعد وعهد من السماء وعهد السماء لايرد لآنه وجد لكي يتحقق ” وأن عدتم عدنا ”  ؟ 

    في سورية اليوم وعبر أحداث جسر الشغور , ومعرة النعمان , وبانياس , وما جرى في درعا , وتلكلخ , والرستن , وما يجري في أحياء حمص من باب السباع وحي العرب والمسيحيين وقرى حمص ذات الهوية التاريخية التي كانت تسمى يوما بالكوفة الصغرى , وما جرى في حماة وزيارة السفيرين الآمريكي والفرنسي للجماعات التي شربت زاد ألانحراف وقبلت هدايا الموبايل المتطور وألاسلحة المعدة للقتل ونشر الجريمة وسرقة أمن الناس وحريتهم وأستباحة كرامتهم ,حتى تكللت جرائمهم المسعورة بالدم والهوس الطائفي صاحب شعار التخريب الذي طال كل مقدسات المسلمين حتى وصل في يوم ما الى قبة رسول الله فتراجع أصحاب السلطة خوفا من هبة المسلمين على مثل هذا العمل المشين الذي يستكثر على خاتم ألانبياء والمرسلين أن يكون له مقاما كما لآبراهيم مقام صار مصلى بأذن الله وهديه , بينما لايستكثرون تعظيم أمرائهم وأميراتهم العوانس الذين ضاقت بهم قصور بنيت من مال المسلمين وفي القطيف خزان نفط الجزيرة من لاعهد له بالسكن المناسب ؟ أن جريمة تخريب سكة قطار حلب – دمشق – بالقرب من حمص والتي أدت الى أنزلاق القطار عن سكته ولولا عناية الله لراح ضحية هذا العمل ألارهابي “485” مواطنا بريئا من السوريين ؟ لم نسمع من الدول التي تدعي الديمقراطية وتنادي بحقوق ألانسان وأدانة ألارهاب أستنكارا لهذا العمل ؟ 

    ولم نسمع من ألامم المتحدة التي تطالب النظام السوري بألاصلاح أدانة لهذا العمل , ومثلما لم يدينوا القتل البشع في جسر الشغور ومعرة النعمان كذلك لم ولن يدينوا جريمة قطار حمص وضحاياه ؟ 

    أننا في العراق فهمنا اللعبة وأن لازال البعض مخدرا بفعل غموض المخططات وتبادل ألادوار من وراء الكواليس , ومن فهمنا لخط التوصيف الرسالي ومتابعتنا لمجريات السياسة الدولية بقيادة من جعل بتراوس مسؤولا للسي أي أي ” الذي سارع للالتقاء ببعض أطراف المعارضة السورية في تركيا تلك المعارضة التي تسكت عن العمل ألارهابي المتعطش للدم في سورية , وترفض الحوار مع النظام السوري الذي ألغى قانون الطوارئ , والمادة “8” من الدستور التي لاتجعل من حزب البعث هو الحزب الوحيد في البلاد ودعت الى التعددية الحزبية والنقابية والى ألانتخابات , وخفضت من الضرائب والرسوم ورفعت من سقف الرواتب , وعقدت اللقاء الوطني التشاوري , وشكلت لجنة للحوار , وأطلقت سراح المعتقلين السياسيين , ودعت جميع المعارضين الى العمل بحرية ؟ 

    ونحن من خبرتنا السياسية ومن متابعتنا لمجريات ألامور على صعيد المعارضة سابقا وعلى صعيد العمل السياسي في الدولة لاحقا لم نر ولم نسمع بنظام يقدم مثل هذه الحزمة من عروض التغيير وبواقعية بعيدا عن أشراف السلطة وأجهزتها ألامنية ؟ 

    كما لم نسمع ونرى معارضة تحترم نفسها وشعبها تستعين بالجماعات ألارهابية كوسيلة لتغيير النظام أي أنها تريد التغيير بالدم والقتل على الهوية وأستثارة نعرات الطائفية والعنصرية ولم نسمع ونرى معارضة تقوم بتخريب المنشأت وحرق ممتلكات الدولة والناس لالشيئ ألا رغبة في التدمير والتخريب ناهيك عن وضوح أرتباطها بألاجندة الصهيونية والمتعاملين معها في خط الجوار القريب من الذين يشنون حربا على المقاومة اللبنانية التي يقودها حزب الله بكل توازن وشرف أعاد للامة توازن الرعب الذي عملت عليه أسرائيل على مدى ستين عاما من ألاحتلال وأذلال ألانظمة وجيوشها والناس وتطلعاتهم في العيش بكرامة ؟ 

    أن العبث ألارهابي الذي مورس في العراق وسكتت عنه مراكز الدعوة وألارشاد كما يسمونها ولازالت فلوله المترنحة والمرعوبة تستغل بعض نقاط الضعف هنا أو هناك ولكنها في كل ألاحوال أصبحت في الفصول ألاخيرة التي نؤكد لو أن الكتل السياسية أنهت خلافاتها لآنطوت صفحة ألارهاب في العراق والى ألابد ؟ والخلايا ألارهابية في سورية أستفادت من خطأ تاريخي مارسه النظام السوري بحسن نية ولكن بغفلة من سوء التخطيط وحساب المستقبل عندما سمح لتلك الخلايا أن تتخذ من سورية منطلقا للعراق , فكان ذلك فرصة ذهبية لمن يغذي تلك الخلايا من سدنة الوهابية وشيوخها المخدرين بالبدعة وأحكامها الوهمية والتكفير ومادته المفترضة بلا دليل , أن يمدوا تلك الخلايا بالمال والسلاح والتقنيات المعاصرة من وسائل ألاتصالات لزعزعة النظام في سورية لا لآنجاز وطني أو مهمة رسالية جهادية التي لايكون مكانها وهدفها ألا في أسرائيل , ولكن هؤلاء لآنهم لم يستبينوا الخيط ألابيض من الخيط ألاسود من الفجر فقد عمدوا الى محاربة مذهب أهل البيت عليهم السلام مثلما عمدوا الى تصفية كل دعوة مخلصة لتطبيق كتاب الله وسنة رسول الله , وصبوا كل جهودهم لآستدامة وأستمرار حكم اللقطاء وألادعياد والمنحرفين من المتعطشين للسلطة ” فحرفوا مفهوم أولي ألامر ” ليجعلوه مناسبا لكل من سولت له نفسه أغتصاب السلطة وتلك كانت أمنية معاوية بن أبي سفيان صاحب أول بدعة في ألاسلام ومن جعل الخلافة وراثة للال أمية فكان يزيد بن معاوية المعروف بالفسق شارب الخمر قاتل النفس الزكية خليفة للمسلمين , وهكذا أستمر مسلسل الحكام الظلمة من العباسيين والعثمانيين وصنائعهم الذي أذلوا ألامة وجعلوها مستباحة للاحتلال كما فعل صدام حسين في العراق ؟ 

    أن أحتضان تركيا لمايسمى بالمعارضة السورية وسكوتها عن أدانة أعمال ألارهاب , وتغاضيها عن الجموع المليونية من الشعب السوري المؤيدة لبشار ألاسد , وأعراضها عن فتاوى علماء سورية المعروفين من قبل الشعب السوري بأخلاصهم وأستقامتهم،وأعتراف المجاميع ألارهابية بتلقي الدعم من داخل السعودية ومن أطراف في لبنان مرتبطة بالسعودية , والطلب المستمر من الولايات المتحدة ألامريكية أن يتخلى النظام السوري عن تعاونه مع أيران ودعمه لحزب الله في لبنان وتوقيع معاهدة سلام مع أسرائيل لتفك عنه الحصار ويصير مقبولا لديها ولدى الغرب أجمع هذه المطالب تختصر حجم التأمر في المنطقة الذي يسكت عن ظلامات الشعب البحريني المطالب بالحرية ويسمح لما يسمى بقوات درع الجزيرة أن تقمع تظاهرات الشعب البحريني السلمية هذا المشروع يستهدف روح ألامة وفي العراق منها شيئ كبير فأستهداف سورية اليوم هو أستهداف للعراق , وعلى معدي النشرات الخبرية في شبكة ألاعلام العراقي أن ينتبهوا ويعيدوا حساباتهم ولا يكرروا ماينقله ألاعلام المغرض والمعادي لتطلعات الشعوب وخطها الرسالي ؟ 

    Dr_tamimi5@yahoo.com

  • المواطن والمنافذ الحدودية

    أصبح المواطن العراقي مضطرا للسفر في الصيف نتيجة استمرار انقطاع التيار الكهربائي مع تصاعد موجات الحر الشديد ، ولكن بهجة السفر تختفي وتتلاشى عند وصوله الى المنافذ الحدودية العراقية حيث يجد ما يلي :- 

    1-  غياب التنظيم ، فكل شيء يدعو للفوضى. 

    2-  غياب التأهيل للمرافق الحدودية بما يجعل المواطن العراقي يشعر بالراحة ولو لوقت قصير. 

    3-  غياب روح الاحترام المتبادل بين المواطن والموظف. 

    4-  عدم اكتراث المسؤولين بالازدحام الشديد للمواطنين الذين بينهم قسم من المرضى. 

    5-  وقوف طوابير المواطنين ساعات طويلة لا مبرر لها بالانتظار. 

    6-  عدم التفات المسؤولين لما يقدم من خدمات وتنظيم على الجانب المجاور من دول الجوار. 

    7-  يلاحظ ظاهرة احترام الأجانب أو رعايا البلد المجاور بشكل ملحوظ في مقابل انعدام ذلك بالنسبة للمواطن العراقي. 

    8-  يحدث كل ما ذكرناه أعلاه بشكل ملفت للنظر في منفذ زرباطية الحدودي. 

    9-  لا يتقيد الموظفون بالدوام المناسب للمنافذ الحدودية والذي يجب أن تستمر الحركة فيه على مدار ساعات النهار والليل ، فبعضهم يتوقف عن العمل تاركا المواطن المسافر يعاني قساوة الانتظار في ظروف غير مناسبة. 

    10- نتيجة كل ذلك يتعرض بعض المرضى للإغماء والانهيارات الصحية من دون وجود ما يسعف حالتهم من منظور طبي. 

    بعد كل هذا الذي ذكرناه وهو مما نقله لنا المسافرون بمرارة موثقة بالكثير من المصاديق والأرقام التي تبلغ حد التواتر، والسؤال هنا لماذا يستمر الحال هكذا في المنافذ الحدودية العراقية والدولة أصبحت ملكا للمواطن بعد عهد التغيير والانتخابات والديمقراطية. 

    ثم أنه مع وجود الإنفاق الحكومي غير المحدود ، ومع أرقام العائدات الحدودية من المال والتي تعلن عنها وزارة المالية بين فترة وأخرى ، لماذا يبقى حال المنافذ الحدودية على ما هو عليه من هذا التأخر وهذه الفوضى واللاأبالية التي تخدش سمعة الوطن وكرامة المواطن العراقي ؟! 

    وإذا تركنا مظاهر الفوضى وعدم النظام والتخلف في كل مرافق المنافذ الحدودية قياسا لما هو موجود لدى دول الجوار ، وهو مما لا يجوز السكوت عنه ، وإن سكت عنه من حصل على الجواز الدبلوماسي الذي يخفف على حامله مظاهر المعاناة ، ولكنه لا يغير من واقع الخدمات المتلاشية والمعدومة. 

    والسؤال هنا : لماذا يظل المواطن العراقي عرضة للتلاعب والاضطهاد من قبل دول الجوار في ظل غياب الرعاية العراقية لحركة المواطن العراقي في السفر ، فمثلا إحدى دول الجوار تفرض على المواطن العراقي المسافر لبلدها أول مرة إيداع مبلغ ” 2000″ دولار في مصرف مجاور لسفارتها ، ثم يستلم هذا المبلغ بعد إعطائه التأشيرة ولكن بعد حسم “50” دولارا  أي أن فيزا ذلك البلد هو ” 50 ” دولارا بالكمال والتمام ولكنه يعلن أنه لا يأخذ فيزا على المواطن العراقي ؟ فلماذا يستغل المواطن العراقي في وضح النهار نتيجة غياب من هو مسؤول من دولته عن طريقة التعامل هذه، وهناك الكثير من صور الالتفاف على المواطن العراقي ماديا عندما يقرر السفر مضطرا لتلك الدولة وهي تركيا، وتركيا اليوم تعتمد على السوق العراقية في كل شيء وشركاتها التجارية تجد في السوق العراقي مستهلكا من الطراز الأول ، وشركاتها في الإعمار والبناء تجد لها فرصا مثالية في العراق فلماذا لا يتحرك المسؤولون العراقيون للاستفادة من هذه الظروف بما ينعكس لصالح المواطن العراقي ولو عند السفر ليحصل على شيء من الاحترام واللياقة والتعامل بالمثل ؟ 

    وما يقال عن تركيا يقال عن الأردن التي تستفيد من العراق نفطيا واقتصاديا وتجاريا ويكاد يكون العراق هو المفتاح الوحيد لها في هذا الصدد ولكن لا يجد المواطن العراقي من الاحترام ما يتناسب مع تلك الفائدة التي تحققها الأردن من العراق ، علما بأن ظاهرة وقواعد الاحترام المتبادل لا يجب أن تتوقف فقط على الجانب المادي وإنما هناك معايير يجب أن تجتهد بها الوزارات المسؤولة مثل الخارجية والداخلية والنقل والسياحة. 

    إن استمرار ظاهرة معاناة المواطن العراقي في المنافذ الحدودية تختصر مقدار الشوط الذي قطعته الحكومة في خدمة المواطن الذي حرم من حزمة الخدمات الداخلية ، وذلك أمر بين المواطن والدولة ، ولكن التقصير الحاصل في المنافذ الحدودية لا يمكن اقتصاره على العلاقة بين المواطن والدولة ، وإنما هو ملف مفتوح للخارج الذي يسجل ولا يهمل جهود الدول لاسيما في الإطار الذي أصبح معروفا عالميا بحقوق الإنسان. 

    إن المنافذ الحدودية هي الوجه الحضاري لكل بلد ، والعراق نتيجة لما تعرض له من تراجع في الماضي يحتاج أن يعوض ذلك والمكان المفضل والسريع هو المنافذ الحدودية. 

  • الترشيـــــق والتنسيـــــق

    الترشيق مصطلح طبي له مبرراته الصحية والجمالية ، والترشيق ظاهرة جمالية وحاجة نفسية لأصحابها ، ولم يكن الترشيق عملا سياسيا ، وإنما من باب المجاز ، والمجاز في اللغة باب واسع .

    وإذا كان الترشيق في المجال الطبي أكتسب خبرة ، وأصبح علم التجميل جراحة رائدة ، إلا إن الترشيق سياسيا لم يكتسب خبرة بعد وليس له تاريخ يعتمد عليه ، وإنما هناك : التعديل الوزاري أو التغيير الحكومي ، وكلاهما له مبرراته التشريعية والدستورية وتظل الاستقالة هي الأخرى لها مبرراتها الدستورية رغم ما تسببه أحيانا من فراغ وإن كانت حكومات تصريف الاعتمال هي الأخرى تعبر عن غطاء دستوري لكنه غير فاعل وغير حيوي .

    والترشيق الوزاري الذي تنشغل به الأوساط السياسية والبرلمانية في العراق اليوم لا يبدو أن المعنيين به مؤهلون لإخراجه إخراجا ينسجم وتطلعات المواطنين وحاجة الدولة ، يتضح ذلك من خلال مناقشات أعضاء مجلس النواب ، مثلما يتضح من انعكاساته على الكتل السياسية المعنية بحصص الترشيق والاستعمال مجازي مرة أخرى .

    ومن خلال ما انعكس من تجاذبات ، ومن طريقة تفكير كشفت إرتهان البعض لسايكولوجية المحاصصة ، بينما كشفت من جهة أخرى تعلق البعض برصيد الامتيازات أكثر من تعلقه برصيد الدولة وتقدمها .

    لقد ظهر أن المال والمنافع والحصص والمواقع عند البعض هي الهاجس الأول ، وتلك ظاهرة مخيفة لأنها تكشف بوضوح ضآلة المنسوب الوطني في مقابل مناسيب الفردية ، والأمنيات الشخصية والمصالح الحزبية التي كانت غلتها في السنوات السابقة من عمر التغيير الجديد هي الأوفر حظا ؟

    أن الجسم الوزاري الذي ظهر مترهلا ، وأصبح مصدر شكوى من هم داخل الحكومة قبل غيرهم ، مع العلم أن التشخيص الفني الاداري كان حاضرا عند من يعلم بلا مقدمات أو مبررات أن هذا العدد من الوزراء يرفضه الذوق المهني ، والفني ، والسياسي ، فلماذا لم يتم الانتباه الى عدم معقوليته إلا بعد أكثر من سنة ؟ ماذا يكشف ذلك ؟ إن ذلك يكشف خللا في ما يلي :-

    1-  التخطيط. 

    2- التنظيم.

    3-  في المفهوم. 

    4-  في التجربة.

    5-  في الإنتاج.

    6-  في الحاجة والضرورة.

    7-  في التقويم والجودة.

    وهذا الخلل يطال الجميع ومنهم :-

    1-  رئيس الحكومة .

    2-  رؤساء الكتل السياسية والحزبية .

    3-  الوزراء أنفسهم .

    4-  أعضاء مجلس النواب .

    5-  أجهزة الإعلام والصحافة بوصفها السلطة الرابعة.

    6-  النخب السياسية والنخب الثقافية ، ويستثنى من ذلك الذين وضحوا مواقفهم وأشاروا الى عدم صلاحية ذلك الحجم والعدد من الوزراء والعناوين.

    ولقد ظهرت أمام الترشيق عقبات منها :-

    1-  قضايا الدمج بين الوزارات التي لم تكن بحاجة أن تنفرد بملاك وزارة.

    2-  ومن هي الوزارات التي تحتاج الى الدمج دون غيرها.

    3-  وإن هذا الأمر يحتاج الى تشريع.

    وعلى ضوء ذلك ، سيظهر أن هناك هيئات ومؤسسات بدرجة وزارة ، هي الأخرى سببت ترهلا وهدرا للمال وانتفاخا في الملاكات والعناوين مثل :-

    1-  مؤسسة الشهداء : ومع حق الشهداء وعوائلهم الكريمة ألا أن غياب التخطيط ، جعل هذه المؤسسة وغيرها مما سنذكر تعيش حالة من الإرباك الوظيفي والإداري والسياسي ، وكان بالإمكان جعل هذه المؤسسة تابعة لوزارة حقوق الإنسان ، لآنتا مادمنا عندنا وزارة لحقوق الإنسان وهو أمر جيد وهذه المؤسسة هي تعبير عن أداء الحقوق الإنسانية فلماذا لم نجعلها تابعة لوزارة حقوق الإنسان ؟

    2-  مؤسسة السجناء السياسيين : وما يقال عن مؤسسة الشهداء يقال عن مؤسسة السجناء السياسيين ، وتابعيتها لوزارة حقوق الإنسان يخفف كثير من أعباء الإدارة وتداخل الصلاحيات ؟ فهذه المؤسسة يديرها بالوكالة السيد وزير الرياضة والشباب بالإضافة الى مسؤولياته الكثيرة ؟

    إن التنسيق مشروع عمل سياسي بالدرجة الأولى بين الكتل والأحزاب الداخلة في السلطة ، وهو مشروع عمل إداري على درجة عالية من فهم موضوع التقويم والجودة الذي قطعت به الدول المتقدمة شوطا كبيرا ، ومازلنا نحن في العراق نعتمد على منظمات أجنبية لا يعرف عن تركيبتها شيء وهي تعرف عنا كل شيء وتتدخل في كل شؤوننا الإدارية بطريقة فوقية ، ولم تناقش هذه الطريقة لا في الحكومة ولا في مجلس النواب!ولذلك سيظل أمر التنسيق غامضا ، مثلما سيظل الترشيق غير منجز بشكل يحقق حيوية الحكومة ، مثلما يحقق الوئام والانسجام بين الأطراف المشتركة في الحكومة ، ونرجو أن لا تخلق لنا تمحلا جديدا كما خلقه مقترح مجلس السياسات الوطنية الذي مازال الجميع يراوح في مكانه.

  • تصريحـــــــات سابقــــة لأوانهــــا

    صرح الدكتور حسين الشهرستاني في مؤتمر الاستثمار الذي عقد مع الجانب الصيني قائلا : بأن العراق سيكون هو من يتحكم بالسوق النفطية للعالم ، ومعلوم أن هذا التصريح ينطوي على أبعاد : أمنية ، وسياسية ، واقتصادية ، وأن شبكات التجسس والرصد في العالم ستضع هذا التصريح تحت المجهر ، وستقوم بدراسته بعناية ، في الوقت الذي ما يزال العراق يعاني من خلل وضعف في الأبعاد الثلاثة مجتمعة ، وهي :-

    1-الأمن أولا .

    2-والسياسة ثانيا .

    3-والاقتصاد ثالثا .

    والجوار العراقي منهم من يتعامل بكيدية ، مستصحبا صور الحرب ومآسيها التي خلقت عند البعض منهم عقدة ما يزالون يتعاملون مع العراق من خلالها .

    والبعض الآخر ، يقف موقفا حاسدا ولهذه الظاهرة أسباب كثيرة على المسؤولين العراقيين أن يتأملوا فيها بعناية لصالح علاقات العراق الضرورية مع دول الجوار .

    وبعضهم يقف موقفا طائفيا لم يصرح به ولكنه يبدو عليه من التلميح ما يزيد على التصريح ، مع وجود وقائع ميدانية وأرقام واقعية تثبت تجذر الموقف الطائفي لدى ذلك الطرف .

    وجميع هؤلاء ينطبق عليهم قوله تعالى :” أن تمسسكم حسنة تسؤهم وأن تصبكم سيئة يفرحوا بها ، وأن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا أن الله بما تعملون محيط ” – آل عمران – 30- ومن العقل والحكمة أن نقول مثلما تنطبق مصاديق هذه الآية على حساد العراق اليوم ، ألا أننا في العراق لسنا جميعا مؤهلين لدرجات الصبر والتقوى ، وعليه فالحمل كبير والمسؤولية خطيرة ، ولكننا نجد من نوافذ الأمل في مفهوم العبادة ما يجعل صلاة البعض منا رحمة للبعض الآخر ، وصيام البعض هو جنة للآخرين ، وما يقال عن الحج ، والزكاة كذلك ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أذا مارسه البعض منا فأنه ينعكس على عموم المجتمع ، وتقف وراء ذلك فلسفة ربانية فيها من الحكمة وفصل الخطاب الشيء الكثير الذي يغيب عنا معناه العميق .

    كان بإمكان الدكتور حسين الشهرستاني أن يتحدث في مؤتمر ألاستثمار مع الصينيين عن عموميات خريطة ألاستثمار في المجال النفطي ، وكان بإمكانه أن يتحدث عن المشاريع الواعدة ، دون الاقتراب من التصريحات التي تثير حسد الحساد الذين أشرنا إليهم ، ودون أن تقترب من التصريح بكل شيء عن كمية الإنتاج المتوقعة مثلا بعد سنوات ، وكان بإمكانه التلميح الى ذلك ، واللبيب يفهم من الإشارة لاسيما وأن الحضور هم أهل اختصاص ، ويدركون أبعاد الأرقام والنتائج قبل التصريح بها . فمثلا كان بإمكاننا الحديث عن حقولنا النفطية وتوزعها في الجنوب والوسط والشمال والغرب والشرق ، وأنها عندما يحسن استثمارها فستكون متقدمة في أنتاجها دون أعطاء رقم محدد يثير حسد الحساد مثلما يستفز الذين يتعاملون مع العراق بكيدية مبطنة تارة وتارة مكشوفة ، ومنها على سبيل المثال:-

    1-  سعي البعض مع دول الجوار للتأثير على منسوب المياه في دجلة من شمال العراق كما يحدث مع تمويل الشركات الكويتية لمشروع سوري في منطقة جبلية.

    2-  ومثل قيام الكويت ببناء ميناء مبارك غير المجدي بالنسبة لها سوى عرقلة الملاحة في الجانب العراقي الضيق .

    3-   ومثل قيام الكويت وبتشجيع من دول أوربية ببناء مفاعل نووي في جزيرة وربة الذي يعتبر أقرب للنكتة والخيال العلمي لمن يعرف الكويت ويعرف المشاريع النووية.

    4-   ومثل تهديد البعض بغلق مضيق هرمز الذي أذا تحقق فالعراق هو المتضرر الأكثر .

    5-  ومثل قيام البعض بقطع مباشر للأنهار المشتركة التي تصب في الأراضي العراقية .

    6-  ومثل حوادث توجيه مياه البزول المالحة باتجاه المياه العراقية في شط العرب والاهوار ، ومغازي هذه الأعمال غير خافية على أهل الفكر والتدبر .

    7-  ومثل قيام بعض دول الجوار مثل تركيا بالإكثار من السدود على نهري دجلة والفرات داخل الأراضي التركية مما جعل الكميات الواصلة للعراق غير كافية بالاضافة الى زيادة الملوحة والشوائب .

    8-  وأخيرا أرجو أن لا ننسى تماهل الأمريكيين في عدم الجدية بتدريب الجيش العراقي وعدم تسليحه بما يحتاجه العراق كدولة تريد الحفاظ على أمنها وسيادتها ووراء كل ذلك يقف البترول وتفاعلاته وتأثيراته المستقبلية .

    ومع وجود الضعف السياسي في العراق من خلال ضعف الكتل السياسية الذي أصبح ظاهرة معروفة وتسلط عليها الأضواء في أكثر من مكان في العالم ، ومع وجود الضعف ألامني الذي ورائه خلل هو الأخر لا يمكن التستر عليه ، ومع وجود معاناة حقيقية للاقتصاد العراقي الذي مازال ينتظر الكثير من العمل المخلص والمتفاني في سبيل الوطن ، مع كل هذه الأبعاد وهذا الواقع الذي لا يحتاج الى مزيد من الشرح الذي لا نريده أن يقترب من كشف أسرار البلاد كما حدث في بعض مناقشات مجلس الوزراء في تقويم مدة ” المئة يوم ” متناسين المقولة القائلة : ” استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان ” ولنتذكر دائما أن الكلمة أذا بقيت لديك فأنت تملكها وإذا خرجت من فيك فهي تملكك ؟

    لنترك للعراق فرصة للمعافاة والشفاء مما يعاني ولا نكثر عدد الحساد من حوله ، ولا ننسى كثرة التصريحات التي يطلقها عدد من أعضاء مجلس النواب ، وهي مما تحتاج الى الكثير من المراجعة والغربلة مما يتطلب منا جميعا نتيجة ظروف بلدنا أن نعمد الى تنظيم التصريحات ووضع الضوابط لها ، وربما يقول البعض هذا مصادرة لحق النائب الذي يمثل الشعب ، وهذا يدعونا بالضرورة الى التذكير بإشكالية التمثيل ، وإشكالية استحقاق الألقاب التي أصبحت معروفة للمواطنين ، وشعاراتهم في شوارع المدن العراقية تعبر عن ذلك ، وعلينا أن نتذكر أن الحرص على الوطن أوجب من الحرص على إفرازات هشة لا تحمل المصداقية ، فكل الأدوار تمضي الى الزوال ويطويها النسيان إلا الوطن باق على مر الزمان وتلك سنة الله ، فلنحترم السنن يكبر بنا الوطن .

  • 14 تموز إشكالية الثورة وإشكالية القيادة

     مازال الحديث عن التغيير الذي حدث في العراق عام 1958 يجري بلغة العواطف، فمازلنا نجد من يكتفي برفع شعار “المجد لثورة 14 تموز” ناسيا أن ذلك الحدث أصبح من ذكريات الماضي التي انطوت دون أن يدري أحد من العراقيين كيف انطوت؟ ومن كان وراء توقف حركتها، مثلما لا يعرف أصحاب هذا الشعار أنهم امتداد لمن كان سببا في انطفاء وهجها بسرعة مما ساعد أعداءها على أن  يضعوا أيديهم بسرعة وخفاء مع اليد التي تحتل العراق اليوم، فيضربوا وزارة الدفاع العراقية بطائرة قادمة من الأردن ثم يقوموا بقتل الرجل الوطني المخلص عبد الكريم قاسم، بتوجيه جاسوس للاحتلال كان موجودا في مقر الإذاعة العراقية، لم يكن أنجاز 14 تموز عام 1958 قد أخذ وقتا كافيا ليمارس تشريعات الثورة وأطروحتها في بناء المجتمع والدولة على أسس حضارية كان ينتظرها العراق طويلا؟ فبالرغم من خطوات عبد الكريم قاسم الشخصية في محاورة شركات النفط لاستصدار قانون رقم “80” ، وقانون الإصلاح الزراعي، ومشاريع الإسكان في المحافظات ألا أن من كان حول ومع عبد الكريم قاسم لم يكن يحمل ذهنية الثورة في معانيها ألاجتماعية والسياسية، بدليل أنهم انقسموا إلى مجاميع، منهم من تعامل مع الحدث بروح مراهقة ضيعت الفرصة على الجميع لأنها كشفت عن هوية غير وطنية بتعلقها بإيحاءات الخارج ، وتظاهرات ” ماكو مهر وباجر نرمي القاضي بالنهر ” كانت تعبيرا عن تلك المراهقة التي سارعت بوئد وهج الحدث ، وهتافات ” عاش زعيمي عبد الكريم الحزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمي ” أظهرت مدى سطحية من يردد هذا الهتاف مثلما فتحت عيون الآخرين على العمل بعكس هذا ألاتجاه ، والمجموعة الأخرى لم تكن أقل سطحية من المجموعة الأولى فراحت تغني لجمال عبد الناصر وهو لما يزل يعاني من أثار حرب السويس عام 1956 ، ورفعت شعارات القومية العربية التي أدخلت الشارع العربي والعراقي في فراغ فكري كانت نتائجه أن يصبح البلطجية ورواد النوادي الليلية أبطالا لتصنع منهم المخابرات الأجنبية عملاء لتصريف بضاعتها في زراعة الكراهية بين أبناء الأمة الواحدة ، ولم ينتبه أحد الى أن القومية وجود والوجود يحتاج الى رسالة ، ولا يصلح أن يكون الوجود رسالة ، لآن فاقد الشيء لا يعطيه، وأن رسالة الوجود هي رسالة السماء لمن يدرك الأمور بشكل علمي أو فلسفي يعرف كيف يتحرك البرهان في دائرة الأذهان، ومن أدل الأمور على ذلك والتي جاءت متأخرة أن كل الذين مضوا في طرق الضياع الفكري، شيوعية، أو بعثية، أو قومية غامضة، أو عنصرية، قد وصلوا إلى نهايات الفشل والإفلاس الجماهيري فرجعوا يتسولون رداء ألإيمان المخادع والسطحي، ففي العراق بعد أن تمرد صدام حسين على كل القيم ومنع قراءة القرآن من على سطوح المساجد بعنوان منعا للضوضاء عام 1974 رجع في التسعينيات بعد ألانتفاضة الشعبانية ليطلق ما يسمى بالحملة الإيمانية، وحاولت بقية الأنظمة أن تقلد نفس الشيء ولكن بخطوات ظل المسجد أكبر منها، وفي التحركات للشباب اليوم في البلدان العربية كان شعار “الله ، الوطن ، الحرية” هو الشعار الأكثر ظهورا والأكثر شعبية، وفي العراق أصبحت الحاضنات الحقيقية للتحرك الشعبي هي مسيرات الزيارات الدينية ، العاشورائية والشعبانية، والكاظمية، وحملات الحج والعمرة هي الأكثر على مدار السنة.

    حدث كل هذا مع 14 تموز ومع غيرها وما يحدث اليوم للحكومات والأنظمة لأنها لم تكتشف روح الثورة بإطارها الفكري، ولم تحقق ملاك القيادة بشخص الأفراد ، كان عبد الكريم قاسم يخطب ارتجالا لمدة أربع ساعات في الجمعيات الفلاحية أو في نقابات العمال أو في مهرجان الفيلسوف الكندي ، كان ذلك يحدث للفراغ القيادي الموجود، فعبد الكريم قاسم كما قلنا كان مخلصا ووطنيا وهذا وحده لا يكفي للقيادة على مستوى الدولة الخارجة من حلف السنتو والمحاطة بمحاور الشيوعية ونهمها في ذلك الوقت، والقومية وشعاراتها العاطفية التي لا تصنع فكرا ، والرتل الرجعي المرتبط بحلف بغداد وجيبوبه الموزعة في المنطقة ، ولم ينتبه أحد للاختمار الإسلامي تاريخيا والذي يمتلك جاذبية لا تقاوم تختلط فيها الفطرة مع العاطفة ، مثلما يختلط الموروث بمستجدات الحياة ليصنع منها موقفا هزم حزبا شيوعيا بفتوى واحدة ، ولم يسترع انتباه السياسيين ظهور مجلة “الأضواء” في النجف الاشرف التي كان يكتب افتتاحيتها فيلسوف القرن العشرين محمد باقر الصدر وذلك عام 1958 وكان يعاون السيد محمد باقر الصدر اثنان من ألمع طلبة الحوزة في تلك المرحلة وهما المرحوم أية الله الشيخ محمد مهدي شمس الدين الذي أصبح لاحقا رئيسا للمجلس الإسلامي الشيعي في لبنان والمرحوم أية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله المرجع اللبناني الكبير، وكانت المجلة بإشراف منتدى النشر الذي يشرف عليه مرتضى أل ياسين، وكانت تلك المجلة تنشر بشكل مبكر فكر حزب الدعوة الذي تأسس في 17 ربيع الأول سنة 1377 هجرية الموافق للشهر العاشر من سنة 1957 ميلادية .

    لقد اجتمعت إشكالية الثورة بمعناها المعرفي مع إشكالية القيادة بمعناها القيادي، فأختنق الحدث بدخان ألازمات أحداث الشواف عام 1959 في الموصل وأحداث كركوك، ثم محاولات عبد السلام التي لم تكن تتضمن نضجا سياسيا، ثم أحداث شارع الرشيد عام 1961 والتي انتهت بحادثة انقلاب عام 1963 ذات المردود الكارثي والذي تم بصناعة أجنبية بامتياز، ومن الغريب أن أحدا لم يعتذر للشعب العراقي ممن ساهموا بتلك الأحداث الملوثة بكل معاني التلوث على الصعيد الوطني والأخلاقي والسياسي.

  • الشرقية ونجوم الظهر !

    أن توزع مالا على طريقة ” وزنك فلوس ” أو على طريقة ” ألام المثالية ” أو توزع ” قلائد ألإبداع ” فتلك مسائل يمكن أن تجد لها تبريرا ، علما بأن باب المنافسة لا يخلو من إشكالية يقف ورائها المال السياسي .

    أن تكثر من ألانتقادات السياسية للدولة والحكومة ، فتلك ظاهرة يشترك فيها أكثر من طرف ، وربما تكون تظاهرات ساحة التحرير ، وساحات المدن العراقية من السليمانية الى الموصل فالبصرة يجمعها قاسم مشترك هو المطالبة بالخدمات ، والكرامة .

    وربما يتخذ البعض من التمثيل بابا للترويح واستجلاب المتعة ولو بشكل مؤقت من أجل شعب ضغطت عليه ألأحداث حتى لم تترك له فرصة للابتسامة ، حتى قيل عنهم أن الحزن فيهم طغى على حنجرتهم وحبال صوتهم فأصبحت قراءة القرآن لديهم حزينة وأصبح صوت ألآذان عند العراقيين مميزا بالنبرة الحزينة .

    لكن أن يتحول التمثيل الى خليط من الهرج ، فيصطنع أدوارا ليس لها وجود ، ولا تنتمي إلى حاضنة اجتماعية ، ألا في مخيلة من أراد ذلك ، فجاءت رغبته فجة ، ولباسه غريب ، وصوته متكلف خارج أطار المقامات ، والأطوار ، على طريقة : ” باتو باتو ” المستهجنة! التي يصدق عليها قوله تعالى ” أن أنكر ألأصوات لصوت الحمير ”

    والذين ارتدوا القمصان البراقة غير المتناسقة في ألوانها وراحوا يزعقون بأصوات مبحوحة تبعث على الضجر ، وهؤلاء نسوا أن ريش الطاووس الجميل لم يشفع له بشاعة صوته الذي يبدو لمن يسمعه كأنه يستغيث مقهورا من مصيبة .

    ولو فرضنا أن صاحب الفكرة والمخرج اقترحا هذا الأسلوب التعبيري على ما فيه من ثغرات فنية تجعله مرفوضا كوسيلة للترفيه أو الترويح، وسمه ما شئت ؟ ألا أنه كان المفروض منه ألانتباه الى بدائية الأدوار وسطحيتها التي لا تعبر عن حنكة في التأليف أو قوة في الإخراج .

    ولو أخذنا هذا العمل على مجازية التعبير متوسلا أسلوبا لإدخال البهجة والفرح على المشاهد ، فيظل لنا وللكثيرين من المشاهدين الملاحظات التالية :-

    1-  لماذا استعمال اللهجات التي لا تنتسب للهجة عراقية معروفة ، والعمل موجه الى المشاهد العراقي بالذات ؟

    2-  لماذا استعمال خليط من اللباس الذي لا ينتمي إلى الألبسة الشعبية العراقية ؟

    3-  لماذا يصر الممثلون في مشاهد معينة على المخاطبة باللهجة المصرية ، وهم في مناخ عراقي ، وفي عمل موجه للمشاهد العراقي ؟

    4-  لماذا الإصرار على إدخال ما هو ليس بالغناء غناء ؟ مثل العبارات والكلمات المهرجة : ” أذا ما عدكم غدا عشونه ” ؟ وأذا ماعدكم عشا ريكونه ” الخالية من كل صياغة فنية أدبية سوى ضجيج الموسيقى ونشاز الأصوات ؟ ألا يعبر ذلك عن إفلاس فني وثقافي معا ؟

    5- وما دمنا في عصر الفضائيات الذي جعل العالم قرية صغيرة ، لماذا يصار الى التساهل والبدائية في مثل هذه الإعمال التي تصبح مشاهدة في أكثر من مكان في العالم والتي تعطي انطباعا عن ضحالة ومحدودية التمثيل والغناء العراقي ؟

    6-  و أذا كانت كل تلك الملاحظات على ما فيها من مؤاخذات لايمكن قبولها ، ألا أن ماهو مؤذي ومخدش للشخصية العراقية ، ومشوه لهوية الفن الوطني العراقي ، ما يقدم في “نجوم الظهر ” من رقص جماعي غجري وكأنه هو العمود الفقري لما يسمى بنجوم الظهر ، مما يعني أن القائمين على هذا البرنامج الملتبس يريدون القول : أنهم يريدون أن يجعلوا المشاهد العراقي يشاهد :” نجوم الظهر ” وهو مثل شعبي عراقي يقال في حالة الغضب والتبرم من الحياة ، أي أنه مثل يضرب للعقاب ؟

    وهل يريد معدو هذا البرنامج الملتبس فكرة وإخراجا أن يقولوا للشعب أو للحكومة نريد أن نراويكم نجوم الظهر ؟

    و أذا كان هذا قصدهم ، وهو محتمل ؟ لكن ألم يجدر بهم استعمال الأساليب والوسائل الفنية التعبيرية وهي كثيرة أهتدت أليها التمثيليات العراقية في الخمسينيات والستينيات دون هذا الإسفاف المعيب والمخل بهوية الشعب العراقي الثقافية والفنية وذلك من خلال الإصرار على جمع فتيات غجريات لا يعرفن سوى هز الإرداف والخصور والشعور بطريقة بدائية تستحضر الحركات الجنسية مع لباس فاضح وتعري مقصود ؟

    أن عملا من هذا النوع ومن هذا المستوى لا ينتمي لشعب يحتضن المشاعر الدينية على مدار السنة ، يمشي الملايين منه الى العتبات المقدسة صيفا وشتاءً ، ورحلات الحجاج والمعتمرين العراقيين الى بيت الله الحرام تشكل ظاهرة لا يمكن تجاهلها .

    فمن يريد أن يشتغل بالدراما عليه أن يعرف لمن يقدم هذه الدراما ، ومن يعمل في المسلسلات بمختلف مواضيعها عليه أن يعرف لمن يقدم هذه المسلسلات ، ومن يبشر المواطنين باللقاء بهم في رمضان عليه أن يعرف من هو رمضان ؟

     وماذا يعني وشعار :” انتظرونا في رمضان ” لا يجب أن يتحول الى انتهازية عبر التمثيل ولا قرصنة عبر الفن الذي هو عند أهل العلم :” فكر + تجربة ” .

    هل تريدون اللقاء بالمواطن في أقدس مناسبة عبادية روحية على طريقة ” نجوم الظهر ” وخلاعية راقصاتهم الغجريات بلباس الميني جوب ؟ أم على طريقة فيلمكم المنزوع الهوية المبتذل الأداء ” فيلم هندي ” ؟ أم على طريقة برنامجكم ” فري”الحر” الذي يغامر بالشباب العراقي في جنوب شرقي أسيا في محاولة مشبوهة لخروجها على المألوف ، ولعدم وضوح حداثة الخطوة ، سوى خلق مناخ مغري للشباب بما يفتح عليهم شهية العمل الجنسي ويدعهم أسرى تلك الرغبة كمن يقول : ” ألقاه في اليم مكتوفا وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء” !؟

    أن برنامج ” نجوم الظهر ” و ” فلم هندي ” و ” فري ” “الحر ” لا تنتمي لروح وثقافة الشعب العراقي ، ولا يرقى الى مستوى الفن الذي يهدف الى بناء الإنسان وفهم الحياة ، بمقدار ما يعبر عن استثارة النزوات ، وتضييع الوقت فيما لا فائدة من ورائه ؟ أنه عمل يقترب الى مستوى الإرهاب الجنسي بكل بدائيته وحيوانيته الغرائزية ، مما يجعله من أعمال التخريب الفني والثقافي بكل معنى الكلمة ، لأنه ينفرد بنزعات ومزاج العاملين فيه ، ولا ينتمي إلى المشاهد العراقي بكل أرثه وتراثه ومعتقداته التي يحرص عليها ؟ أن اختصار دور المرأة بالغنج والإثارة الجنسية كما تفعل الشرقية في إصرارها المستمر على تقديم تلك الصورة عن المرأة في مقدمة كل نشراتها الإخبارية ، وفترات الفواصل بين برامجها يدل دلالة لا تقبل الشك على أن هناك من يعمل في الخفاء لنشر ثقافة الدعارة ، وهوس الجنس الذي تبرع فيه جماعات يهودية متخصصة في هذا المجال ،وقد وصلت الى أغلب فضائيات الخليج والكثير من الدول العربية من خلال برنامج ” ستار أكاديمي ” الذي تحدثنا عنه في عمود إضاءات تنبيها وتحذيرا مما يخطط في الخفاء لتدمير ثقافة وهوية الأمة .

  • العقل والاجتماع … والعقل والوطن

    الاجتماع ظاهرة اجتماعية ، وعندما يعطي ثمارا يكون ظاهرة حضارية ، وعندما ينتج عصبيات وأزمات يبتعد عن الفعل الحضاري ويدخل في حاضنة التخلف والجهل. 

    السماء انتدبت العقل ، ورشحته للقيادة ، فقالت: “العلم رائد والعقل قائد” والدول التي عرفت سر النجاح والتقدم ، هي التي اكتشفت مكانة العقل وأهميته وأعطته الفرصة للعمل وللتأمل وللإنتاج ، فانتظم أمرها ، وحسن اجتماعها ، وازدهر اقتصادها، واستقر أمنها. 

    ونحن في العراق نحتاج الى :- 

    1-  الأمن أولا. 

    2-  الاستقرار الاجتماعي ثانيا ” أي المصالحة ” 

    3-  السلامة الاجتماعية والثقة ” أي النزاهة ومحاربة الفساد. 

    4-  التنظيم الإداري ، والتنظيم القانوني. 

    5-  الاستقرار الاقتصادي.

    6-  النضج الثقافي والفهم السياسي.

    وهذه المحاور جميعها تحتاج ” العقل ” بمعناه الذي تتحقق فيه الريادة والقيادة ، والقيادة : ترد إلى ما يلي :- 

    1-  تدبير الشؤون الفردية. 

    2-  تدبير شؤون الأسرة. 

    3-  تدبير شؤون القبيلة ، في المجتمع القبلي ، وتدبير شؤون المجتمع المدني ، في المجتمعات المدنية . 

    4-  تدبير شؤون الدولة والحكومة. 

    وهذه الميزة التي أمتاز بها العقل لأنه يتفرع عنه مايلي :- 

    1-  الحلم ، فيقال فلان حليم للمدح والافتخار أي حكيم ” ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ، وقال تعالى :” وأتيناه الحكمة وفصل الخطاب ” . 

    2-  العلم : وقد أعطيت الريادة في الحياة للعلم ، والدولة من المؤسسات التي لاتنهض إلا بالعلم ، وقد كان الاسكندر المقدوني يستشير ” أرسطو ” الذي كان المعلم الأول للمعرفة البشرية من خلال ” نظرية التوالد الموضوعي ” الى أن جاء محمد باقر الصدر واكتشف ” نظرية التوالد الذاتي ” في تفسير المعرفة البشرية ، فأصبح هو المعلم الأول لنظرية المعرفة البشرية ، وذلك بالعلم لابشيء آخر ، وبالعلم حمل عرش بلقيس ملكة سبأ الى أرض فلسطين حيث مملكة النبي سليمان بلحظة ( قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد اليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده ، قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم) – النمل – 40- 

    3-  الرشد : وهو درجة عالية من الكياسة والتوازن في اتخاذ القرارات  . 

    4-  العفاف : وهو درجة عالية من التربية النفسية التي تجعل صاحبها رجلا كان أو امرأة يترفع عن جميع الشهوات والشبهات ، قال تعالى 🙁 يا أخت هارون ما كان أبوك امرئ سوء وما كانت أمك بغيا ) – مريم – 28- 

    5-  الصيانة : وهي قدرة نفسية وعقلية تجعل صاحبها يتفادى المطبات والهفوات ، فيصون عرضه وعرض الناس ومن يتمتع بهذه الصفة يكون أمينا على أملاك الدولة ، وهذا ما نفتقده اليوم في الدولة والحكومة مع وجود الاستثناء وهو نادر وقليل. 

    6-  الحياء : وهو الرداء الحقيقي للروح والعقل والنفس ” ولباس التقوى ذلك خير ” وحياء المرأة دليل عقلها وعلمها وحلمها وعفافها وصيانتها ” جاءت إحداهن تمشي على استحياء ” 

    7-  الرزانة : وهي قوة الشخصية بكل أبعادها. 

    8-  المداومة : وهي الاستمرار على العمل الجيد المنتج قال الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام : وعلمت أن عملي لايقوم به أحد غيري فاجتهدت ” وهذا ما تحتاجه حكومتنا ، وما يحتاجه مجتمعنا ، فقوانين الدولة مازالت تحتاج المزيد من التشريع والتنظيم والتطبيق ، والعمل يحتاج منا المزيد من الجدية والاستمرارية ، وعدم جدية بعض عمالنا هو الذي جعل بعض الشركات تجلب العمالة من الخارج وهذا خطأ فادح. 

    9-  كراهية الشر : قال رسول الله “ص” : حب لآخيك ماتحب لنفسك ” وكراهية الشر هي تربية مستمرة على حب الخير . 

    10-     طاعة الناصح : ولا ناصح إلا الله ثم رسول الله “ص” ثم الأئمة الأطهار من آل البيت عليهم السلام ، قال علي بن أبي طالب عليه السلام : ” نحن أنصح وأفصح وأصبح ” والنصيحة هي من مواصفات القيادة التي تبسط العدل ، وكان رسول الله ” ص” يوصي بالنصيحة : قالوا لمن يارسول الله ؟ قال : لله ورسوله ولعامة المسلمين. 

    والإنسان اليوم ينتمي الى مجتمع ، والمجتمع كما رأينا لا يصلح إلا بالعقل وما ينتج عن العقل من عشرة مراتب وخصائص هي للنفس والروح والعقل ، فالمجتمع يحتاج التعاون ، والألفة والمحبة ، والتنظيم ، والعمل ، والثقافة ، والسياسة ، والأمن ، وهذه جميعها لا تتحقق بدون العقل بمعناه المعرفي. 

    والإنسان يحتاج الوطن : كحاضنة استقرار وهوية تمنحه : الجنسية وشهادة الجنسية ووثيقة السفر ( والأرض وضعها للآنام) والوطن بقعة جغرافية من الأرض التي نسميها اليوم بالكوكب الأزرق ، فهي بيتنا الكبير والوطن هو بيتنا الصغير  ،والمنزل هو بيتنا الأصغر. 

    والوطن يحتاج العقول مثلما يحتاجها الاجتماع ، فالوطن يبنى بالعلم والعلم فرع من العقل ، والوطن يحتاج أهل الحلم والحكمة لاسيما عندما يمر بالأزمات ، ووطننا العراقي اليوم يمر بأزمة بل أزمات ، فيجب أن تنتدب العقول لذلك ، والعقول لا يشترط وجودها في الأقارب والأحزاب ، ولا في العشيرة والحزب ، ولكنها موجودة على كل حال ، فيجب البحث عنها ومنحها الفرص لتقول كلمتها التي سوف لن تكون فئوية ولا عنصرية ولا طائفية ، ولا حزبية ، لأن العقل وعلومه تتحرك بأفق السماء ومعطياته ، وبأفق الحقائق وسماتها ، وبأفق المنطق وهندسته العقلية وتنظيمه الفكري ، فعندما نكون مع العقل يسهل علينا حل مشكلاتنا ، وعندما نكون مع العقل نختصر الوقت والجهد ، وتكون اجتماعاتنا عندئذ مثمرة ومباركة ، وكل مبارك نافع ، وكل نافع هو إنساني وحضاري. 

    فلنعرف كيف نجتمع ومع من نجتمع ، قبل أن نفكر أين نجتمع ؟ ومتى نأكل؟ وكيف نجلس؟ وكيف نستقبل؟ فمع العقل يتم تجاوز كل ذلك بفهم يريح الجميع. 

      Dr_tamimi5@yahoo.com