د. علي التميمي
((مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون)) – 14- سورة هود
عندما يختلف المتحاورون على قضية من القضايا سواء كانوا من مذهب فكري واحد أو من مذاهب فكرية مختلفة، فأنهم يقعون في خانة الفرز الطبيعي لظواهر فسلجة الأعضاء، وسيكون المركز هنا هو: “السمع والبصر” والذي تتفرع عنهما حالات التلبس بما يلي:
1- السمع: يفرز ظاهرة: “السميع” و “الأصم” الذي لا يسمع.
2- البصر: يفرز ظاهرة: “البصير” و “الأعمى” الذي لا يرى.
والمتحاورون حول قضية من القضايا لا يفقدون سمعهم الفسلجي، ولا بصرهم الفسلجي، وهي عمليات فيزيائية يختلط فيها حيوية الفعل الخليوي النسيجي، وإنما يفقدون جميعا او يفقد احد الأطراف الرؤية بمحتواها المعرفي، كما يفقد القدرة على السمع بمحتواها المعرفي، رغم ان كلا من اعضاء السمع والبصر تعمل فسلجيا وفيزيائيا.
ومن هنا عرف عند بعض الناس رؤية لبواطن الأمور غير تلك التي يراها البعض الآخر أو أكثر الناس لظواهر الأمور.
والذين يرون بواطن الأمور، فيسهلون على الناس حل مشاكلهم هم:-
1- الرسل والانبياء عليهم السلام.
2- أوصياء الرسل والأنبياء: ومن أمثلتهم: الأئمة الأطهار من آل البيت رضوان الله تعالى عنهم.
3- الصالحون من العباد مثل: لقمان الحكيم، والخضر، واصف بن برخيا الذي عنده علم من الكتاب في زمن النبي سليمان.
واصطلاحات الظاهر والباطن هي اصطلاحات قرآنية قال تعالى: “هو الاول والآخر والظاهر والباطن..”
والعلم في الحياة له ظاهر وله باطن، ومن هنا فكل شيء له ظاهر وله باطن، والظاهر عام ما تدركه الحواس والجوارح، والباطن خاص طريقه في التأمل والتفكير العميقين قال تعالى: “قل إنما أعظكم بواحدة ان تقوموا لله مثنى وفرادى وتتفكروا ما بصاحبكم من جنة”.
وقد يقول البعض إن الظاهر دائرته القياس، والباطن دائرته الاستقراء، والأول ليس صحيحا دائما، والثاني هو الصحيح لان الاستقراء يحتاج الى أعمال العقل والنفس، لان القفز من الخاص الى العام فيه مصادرة لايمكن تلافيها بالتعميمات الاستقرائية لوحدها، وإنما بالمزج بين الاحتمال والعلم الإجمالي وهو العلم بشيء غير محدد تحديدا كاملا.
فالمتحاورون يجب أن يكونوا على درجة من الانتباه واليقظة حتى لا يظلوا ينظرون من سطح الأشياء وإنما من عمقها، لان سطح الأشياء مغرٍ للبصر والسمع قال الشاعر: –
والأذن تعشق قبل العين أحيانا.
لان الأذن في هذه الحالة توصل صاحبها إلى أن يكون مستمعا جيدا قبل ان يكون النظر بصيرا حقا. ولذلك قال تعالى: “وإذا قرئ القران فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون”.
ومن صفات المتحاور الجيد أن يكون منصتا حتى يكون مستمعا جيدا للآخر.
والإنصات لا يتحقق إلا أن يكون المتحاوران مقبلا احدهما او كلاهما على الآخر. والإقبال: يختزن “الرغبة والثقة” وهما الضمانة لكل نتائج المتحاورين. والرغبة والثقة لا يمكن حصولهما إلا بعد أن يتحقق ما يلي:-
1- وضوح الهدف.
2- وضوح الخطة.
3- معرفة الزمن المتحقق للانجاز.
4- معرفة الجهة أو المكان الذي يتحقق فيه الانجاز.
5- تعيين الجهة المستفيدة من ذلك.
6- معرفة الضمانات الأزمة للعمل الذي يتم الاتفاق عليه.
ومن هنا يمكن القول: بان الاتفاق الأولي للكتل السياسية العراقية الذي عرف باتفاق اربيل لم يكن مستوفيا لكل تلك النقاط أعلاه مما جعله يترنح، ثم يسقط من جراء الأحداث الأخيرة ولاسيما أحداث التظاهر في ساحة التحرير وملابساتها، والتي سنأتي على دراستها وتحليلها ان شاء الله تعالى.
علما أن اتفاق اربيل لم يسقط في هذه الأحداث الأخيرة وإنما كان محتضرا، ثم ميتا، ثم أعلن عن موته بالبيان الذي أدلى به رئيس القائمة العراقية ليلة السبت الموافق 10 |11 من حزيران مما فتح على العملية السياسية التي تديرها أحزاب السلطة برعاية أمريكية وبحضور غير علني لبعض دول الجوار، مما جعل المشتركين في الحكومة تتباين مواقفهم، وتتضارب تصريحاتهم، وتنتهي حواراتهم إلى الفشل في كل مرة.
ويعود السبب في ذلك لعدم وجود ثقافة الحوار، وذلك لغياب العقول التي تمتلك ثقافة الحوار ووسائله، فانيطت المهمة بمن هم ليسوا أهلا لذلك لأنهم لم يكونوا من الارقام الثقافية التي تشهد لهم المحافل والمنتديات وليسوا من الأرقام السياسية التي يشهد لهم تاريخ العمل السياسي الذي لم يصنع من الفراغ، وإنما عبر جدلية المعارضة والسلطة وهي ثنائية لابد منها في تاريخ العمل السياسي.
ومثلما لم يكن خطاب الحكومة تجاه الأطراف الأخرى او شركاء العملية السياسية كما يسمونها هم، مع التحفظ على هذي التسمية. خطابا حواريا، كذلك لم يكن خطاب الحكومة تجاه المتظاهرين خطابا حواريا، وهذا مما جعل الامور تسير باتجاه التصعيد غير المرغوب فيه وطنيا، ورغم كل ما قدمناه من وصايا ونصائح لم نكن لنجد اذانا صاغية ” كل حزب بما لديهم فرحين ”
ونسى الجميع القاعدة القرآنية وهي قاعدة عقلانية “قل كل يعمل على شاكلته” حيث لم يضبط إيقاع الشاكلة وكل فهمها من زاويته الخاصة دون أن يأخذ بالحسبان ما يشكل هوية الوطن أو ما يشكل أبعاد العمل السياسي في إطار الروح التضامنية، فللعمل ضوابط منها:-
1- الشعور بالمسؤولية
2- التحرر من النزعة الشخصية
3- الإخلاص وصفاء النية
4- المحبة للآخر، والانفتاح على توجهاته، وإبعاد روح الشك.
ومثلما لم توفق الحكومة في حوارها مع المتظاهرين ومع الأطراف الأخرى، كذلك أخطأت الأطراف المشاركة في العملية السياسية وفي الحكومة في حوارها مع الحكومة، ويلاحظ عليها ما يلي:-
1- عدم توحيد خطابها، فكل يغرد على ليلاه كما يقال.
2- ثم عدم توحيد خطاب الكتلة الواحدة، ومثال ذلك القائمة العراقية التي يسود تصريحاتها التباين بل والتناقض احيانا مع كثرة اسماء من يمثل مثل: المتحدث الرسمي، ثم الناطق الرسمي، ثم المستشار حتى بلغ عدد من يتحدثون باسمها: اربعة ثلاثة رجال وسيدة. وهذا مما يضعف موقفها ويربك حوارها، واخيرا جاء بيان القائمة العراقية مخيبا للامال من جهة ثقافة الحوار، حيث كان التهجم واضحا على شخص واحد وتجريحيا كما سمته القائمة العراقية “مسؤول حزب الدعوة”.
وهذا ما سينسف كل جسور التفاهم والحوار المتوقعة سابقا. وعليه أصبحنا امام مرحلة جديدة خلاصتها هو نعي المرحلة السابقة -2003- 2011، وأحداث فراغ بعد ان عجزت أحزاب السلطة من إيجاد الحد الأدنى من التفاهم للانتقال إلى العمل المؤسساتي الذي يبشر ببناء الدولة، وتلبية حاجات المواطن.
والمتظاهرون وقعوا في أخطاء الحوار كذلك واستعجال البعض بشعارات غير مدروسة جعلتهم في موقع التحريض وليس في موقع المحاورين الجادين، فشعار مثل ” بغداد ليست قندهار. تغلب عليه روح التنابز، مع عدم وجود نسخة تشابه حقيقية مابين طالبان في افغانستان، والحكومة في بغداد وأحزابها رغم كل الأخطاء التي مورست.
وشعار لا لحجاب الفتيات، هو شعار استفزازي، يقفز على حقيقة تقاليد واعتقادات الغالبية من المواطنين العراقيين، ثم هو شعار ينتمي لتجمعات فشلت في أطروحتها ثقافيا وسلطويا ونفضت الناس يدها من تلك الأفكار في مهدها فليس من الحكمة المناداة بها في غير مناخها ومكانها.
ثم هتاف “كذاب نوري المالكي كذاب” الذي شاع في هتافات المتظاهرين وتلقفته حتى الأطفال بدون وعي، هو تعقيد غير مبرر لثقافة الحوار وقع جسورها.
وبمقدار ما نلوم بعض الأطراف التي أخطأت في الحوار، فان لومنا للسيد نوري المالكي يظل الأكثر حضورا لان الرجل يحتل مركزا أساسيا في ساحة الحوار لم يحسن التعامل معه، ثم هو يتحمل البداية غير المشجعة للحوار الوطني عندما اتهم المتظاهرين في ساحة التحرير بالإرهابيين. وكنا نتمنى على السيد المالكي ان لايزج نفسه بمثل هذه المتاهات التي تفسد الحجة وتضيع بوصلة الحوار في متاهات التراشق بالتهم وهذا ما حصل للجميع. ومن الأخطاء الفكرية التي وقع بها السيد المالكي اعتباره للتظاهر بغير السياسي وطلب من المتظاهرين عدم تسييس التظاهر. وهو أمر غريب من رجل يقف على رأس حكومة جاءت عبر الانتخابات ودستور البلاد ينص على: الديمقراطية والتعددية والفدرالية. ولقد كتبنا في وقتنا مصوبين عدم صحة هذا الرأي كما إننا تحدثنا عبر الفضائيات وقلنا بان التظاهر هو عمل سياسي بامتياز حتى لو كان على ابسط المطالب وأصغرها شأنا، ومن ارثنا الثقافي الذي نعتز به ويعتز به السيد نوري المالكي ما جاء في الحديث: يا موسى ادعني على شسع نعالك وملح طعامك. وهي اصغر المطالب في الحياة، ولكن ثبت بتجارب الحياة انها اذا منعت عن احد من الخلائق فمن حقه ان يعترض ويحتج، ويطالب من يرجع له هذا الحق، واذا انسدت الأبواب، فالتظاهر أمر لا ينكره احد.
ومن ارثنا الجميل الذي نفتخر به هو ما كان رسول الله يمارسه مع الأمة من طلب النصح وتوجيه اللوم حيث وقف يوما وقال للحاضرين: من كان له علي ذنب فليقتص مني. وفتح قميصه عن بطنه فقام له احد الحضور وقال انا يا رسول الله. فتقدم من رسول الله “ص” وقبل بطنه “ص”. هكذا كانت تدار امور الرعية، وهكذا كانت تعالج الأمور حتى لا تحصل الاحتقانات كما يحصل عندنا اليوم، والسبب دائما عدم خبرة من هم في الحكم في مواصلة الانفتاح مع الناس بروح المسؤولية المتواضعة المستعدة للخدمة والتواصل والاعتراف بالخطأ عندما يحدث قبل أن يتحول إلى جبل من الشكوى التي لا تجد حلا كما هو اليوم في عراقنا الحافل بتجارب الحكم عبر التاريخ.
ومن تاريخنا المكتوب نجد ان ثورة المدينة التي أطاحت بالخليفة عثمان بن عفان كان سببها: وأرجو من أخواننا في الحكومة وفي مجلس النواب ان يستمعوا لهذه القصة ويتدبروها جيدا. عندما دخلت ابل عبد الرحمن بن عوف محملة بالأموال ضجت فقراء المدينة. فخرجت السيدة عائشة أم المؤمنين وقالت: سمعت من رسول الله “ص” يقول: يدخل العشرة المبشرة بالجنة سعيا، ويدخل عبد الرحمن بن عوف حبوا. أي انه من أهل الجنة على كل حال فاتركوا شأنه ولا تعترضوا عليه،وهو تبرير على كل حال لا نريد الدخول في تفاصيله وتبيان صحته من عدمها فلذلك موضع آخر، ولكننا نقول إن ذرائعية الحكم لا يجب أن تكون منحازة لطرف على حساب طرف آخر في أمور الحق والحقوق: قال تعالى “بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيرة”.
والتبريرات عندما تكون غير واقعية ومجحفة فإنها تفسد الحوار وتفتح باب التظاهر كخيار لابد منه للمظلوم والمحروم.
وهناك حالة نفسية علينا ألا ننساها ونحن نناقش ظاهرة الحوار والتظاهر بروح معرفية، وتلك الحالة النفسية مفادها أن الظالم المتورط في الظلم، والمخطئ المتورط بكثرة الأخطاء يصل إلى حالة لا يشعر بظلمه ولا بأخطائه خصوصا عند انعدام المحاسبة والمساءلة مع انعدام وجود الناصح أو الاستشارة المبرئة للذمة، ومع كثرة مسميات المستشارين وعناوينهم اليوم فإننا لم نحظ ولم يحظ الحكم بما يستحقه من الاستشارة, والأمر يشبه حالة السمكة في الماء عندما يسألونها عن الماء. تقول اين هو الماء. والمستشارين الذين لا يعرفون الخطأ لا يمكن أن يكونوا أدلاء على التصحيح، مما جعل مواقف وقرارات الحكم تتعرض إلى المزيد من التعرية والتآكل، وبالتالي عدم الإقناع من قبل الشارع. فتحدث الاحتجاجات والاعتراضات، ثم التظاهرات.