التصنيف: اقتصادي

  • ثقافة التظاهر والحوار.. قراءة معرفية في أحداث الساحة العراقية

    د. علي التميمي

    ((مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون)) – 14- سورة هود

    عندما يختلف المتحاورون على قضية من القضايا سواء كانوا من مذهب فكري واحد أو من مذاهب فكرية مختلفة، فأنهم يقعون في خانة الفرز الطبيعي لظواهر فسلجة الأعضاء، وسيكون المركز هنا هو: “السمع والبصر” والذي تتفرع عنهما حالات التلبس بما يلي:

    1-  السمع: يفرز ظاهرة: “السميع” و “الأصم” الذي لا يسمع.

    2-  البصر: يفرز ظاهرة: “البصير” و “الأعمى” الذي لا يرى.

    والمتحاورون حول قضية من القضايا لا يفقدون سمعهم الفسلجي، ولا بصرهم الفسلجي، وهي عمليات فيزيائية يختلط فيها حيوية الفعل الخليوي النسيجي، وإنما يفقدون جميعا او يفقد احد الأطراف الرؤية بمحتواها المعرفي، كما يفقد القدرة على السمع بمحتواها المعرفي، رغم ان كلا من اعضاء السمع والبصر تعمل فسلجيا وفيزيائيا.

    ومن هنا عرف عند بعض الناس  رؤية لبواطن الأمور غير تلك التي يراها البعض الآخر أو أكثر الناس لظواهر الأمور.

    والذين يرون بواطن الأمور، فيسهلون على الناس حل مشاكلهم هم:-

    1-  الرسل والانبياء عليهم السلام.

    2-  أوصياء الرسل والأنبياء: ومن أمثلتهم: الأئمة الأطهار من آل البيت رضوان الله تعالى عنهم.

    3-  الصالحون من العباد مثل: لقمان الحكيم، والخضر، واصف بن برخيا الذي عنده علم من الكتاب في زمن النبي سليمان.

    واصطلاحات الظاهر والباطن هي اصطلاحات قرآنية قال تعالى: “هو الاول والآخر والظاهر والباطن..”

    والعلم في الحياة له ظاهر وله باطن، ومن هنا فكل شيء له ظاهر وله باطن، والظاهر عام ما تدركه الحواس والجوارح، والباطن خاص طريقه في التأمل والتفكير العميقين قال تعالى: “قل إنما أعظكم بواحدة ان تقوموا لله مثنى وفرادى وتتفكروا ما بصاحبكم من جنة”.

    وقد يقول البعض إن الظاهر دائرته القياس، والباطن دائرته الاستقراء، والأول ليس صحيحا دائما، والثاني هو الصحيح لان الاستقراء يحتاج الى أعمال العقل والنفس، لان القفز من الخاص الى العام فيه مصادرة لايمكن تلافيها بالتعميمات الاستقرائية لوحدها، وإنما بالمزج بين الاحتمال والعلم الإجمالي وهو العلم بشيء غير محدد تحديدا كاملا.

    فالمتحاورون يجب أن يكونوا على درجة من الانتباه واليقظة حتى لا يظلوا ينظرون من سطح الأشياء وإنما من عمقها، لان سطح الأشياء مغرٍ للبصر والسمع قال الشاعر: –

    والأذن تعشق قبل العين أحيانا.

    لان الأذن في هذه الحالة توصل صاحبها إلى أن يكون مستمعا جيدا قبل ان يكون النظر بصيرا حقا. ولذلك قال تعالى: “وإذا قرئ القران فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون”.

    ومن صفات المتحاور الجيد أن يكون منصتا حتى يكون مستمعا جيدا للآخر.

    والإنصات لا يتحقق إلا أن يكون المتحاوران مقبلا احدهما او كلاهما على الآخر. والإقبال: يختزن “الرغبة والثقة” وهما الضمانة لكل نتائج المتحاورين. والرغبة والثقة لا يمكن حصولهما إلا بعد أن يتحقق ما يلي:-

    1-  وضوح الهدف.

    2-  وضوح الخطة.

    3-  معرفة الزمن المتحقق للانجاز.

    4-  معرفة الجهة أو المكان الذي يتحقق فيه الانجاز.

    5-  تعيين الجهة المستفيدة من ذلك.

    6-  معرفة الضمانات الأزمة للعمل الذي يتم الاتفاق عليه.

    ومن هنا يمكن القول: بان الاتفاق الأولي للكتل السياسية العراقية الذي عرف باتفاق اربيل لم يكن مستوفيا لكل تلك النقاط أعلاه مما جعله يترنح، ثم يسقط من جراء الأحداث الأخيرة ولاسيما أحداث التظاهر في ساحة التحرير وملابساتها، والتي سنأتي على دراستها وتحليلها ان شاء الله تعالى.

    علما أن اتفاق اربيل لم يسقط في هذه الأحداث الأخيرة وإنما كان محتضرا، ثم ميتا، ثم أعلن عن موته بالبيان الذي أدلى به رئيس القائمة العراقية ليلة السبت الموافق 10 |11 من حزيران  مما فتح على العملية السياسية التي تديرها أحزاب السلطة برعاية أمريكية وبحضور غير علني لبعض دول الجوار، مما جعل المشتركين في الحكومة تتباين مواقفهم، وتتضارب تصريحاتهم، وتنتهي حواراتهم إلى الفشل في كل مرة.

    ويعود السبب في ذلك لعدم وجود ثقافة الحوار، وذلك لغياب العقول التي تمتلك ثقافة الحوار ووسائله، فانيطت المهمة بمن هم ليسوا أهلا لذلك لأنهم لم يكونوا من الارقام الثقافية التي تشهد لهم المحافل والمنتديات وليسوا من الأرقام السياسية التي يشهد لهم تاريخ العمل السياسي الذي لم يصنع من الفراغ، وإنما عبر جدلية المعارضة والسلطة وهي ثنائية لابد منها في تاريخ العمل السياسي.

    ومثلما لم يكن خطاب الحكومة تجاه الأطراف الأخرى او شركاء العملية السياسية كما يسمونها هم، مع التحفظ على هذي التسمية. خطابا حواريا، كذلك لم يكن خطاب الحكومة تجاه المتظاهرين خطابا حواريا، وهذا مما جعل الامور تسير باتجاه التصعيد غير المرغوب فيه وطنيا، ورغم كل ما قدمناه من وصايا ونصائح لم نكن لنجد اذانا صاغية ” كل حزب بما لديهم فرحين ”

    ونسى الجميع القاعدة القرآنية وهي قاعدة عقلانية “قل كل يعمل على شاكلته” حيث لم يضبط إيقاع الشاكلة وكل فهمها من زاويته الخاصة دون أن يأخذ بالحسبان ما يشكل هوية الوطن أو ما يشكل أبعاد العمل السياسي في إطار الروح التضامنية، فللعمل ضوابط منها:-

    1-  الشعور بالمسؤولية

    2-  التحرر من النزعة الشخصية

    3-  الإخلاص وصفاء النية

    4-  المحبة للآخر، والانفتاح على توجهاته، وإبعاد روح الشك.

    ومثلما لم توفق الحكومة في حوارها مع المتظاهرين ومع الأطراف الأخرى، كذلك أخطأت الأطراف المشاركة في العملية السياسية وفي الحكومة في حوارها مع الحكومة، ويلاحظ عليها ما يلي:-

    1-  عدم توحيد خطابها، فكل يغرد على ليلاه كما يقال.

    2-  ثم عدم توحيد خطاب الكتلة الواحدة، ومثال ذلك القائمة العراقية التي يسود تصريحاتها التباين بل والتناقض احيانا مع كثرة اسماء من يمثل مثل: المتحدث الرسمي، ثم الناطق الرسمي، ثم المستشار حتى بلغ عدد من يتحدثون باسمها: اربعة ثلاثة رجال وسيدة. وهذا مما يضعف موقفها ويربك حوارها، واخيرا جاء بيان القائمة العراقية مخيبا للامال من جهة ثقافة الحوار، حيث كان التهجم واضحا على شخص واحد  وتجريحيا كما سمته القائمة العراقية “مسؤول حزب الدعوة”.

    وهذا ما سينسف كل جسور التفاهم والحوار المتوقعة سابقا. وعليه أصبحنا امام مرحلة جديدة خلاصتها هو نعي المرحلة السابقة -2003- 2011، وأحداث فراغ بعد ان عجزت أحزاب السلطة من إيجاد الحد الأدنى من التفاهم للانتقال إلى العمل المؤسساتي الذي يبشر ببناء الدولة، وتلبية حاجات المواطن.

    والمتظاهرون وقعوا في أخطاء الحوار كذلك واستعجال البعض بشعارات غير مدروسة جعلتهم في موقع التحريض وليس في موقع المحاورين الجادين، فشعار مثل ” بغداد ليست قندهار. تغلب عليه روح التنابز، مع عدم وجود نسخة تشابه حقيقية مابين طالبان في افغانستان، والحكومة في بغداد وأحزابها رغم كل الأخطاء التي مورست.

    وشعار لا لحجاب الفتيات، هو شعار استفزازي، يقفز على حقيقة تقاليد واعتقادات الغالبية من المواطنين العراقيين، ثم هو شعار ينتمي لتجمعات فشلت في أطروحتها ثقافيا وسلطويا ونفضت الناس يدها من تلك الأفكار في مهدها فليس من الحكمة المناداة بها في غير مناخها ومكانها.

    ثم هتاف “كذاب نوري المالكي كذاب” الذي شاع في هتافات المتظاهرين وتلقفته حتى الأطفال بدون وعي، هو تعقيد غير مبرر لثقافة الحوار وقع جسورها.

    وبمقدار ما نلوم بعض الأطراف التي أخطأت في الحوار، فان لومنا للسيد نوري المالكي يظل الأكثر حضورا لان الرجل يحتل مركزا أساسيا في ساحة الحوار لم يحسن التعامل معه، ثم هو يتحمل البداية غير المشجعة للحوار الوطني عندما اتهم المتظاهرين في ساحة التحرير بالإرهابيين. وكنا نتمنى على السيد المالكي ان لايزج نفسه بمثل هذه المتاهات التي تفسد الحجة وتضيع بوصلة الحوار في متاهات التراشق بالتهم وهذا ما حصل للجميع. ومن الأخطاء الفكرية التي وقع بها السيد المالكي اعتباره للتظاهر بغير السياسي وطلب من المتظاهرين عدم تسييس التظاهر. وهو أمر غريب من رجل يقف على رأس حكومة جاءت عبر الانتخابات ودستور البلاد ينص على: الديمقراطية والتعددية والفدرالية. ولقد كتبنا في وقتنا مصوبين عدم صحة هذا الرأي كما إننا تحدثنا عبر الفضائيات وقلنا بان التظاهر هو عمل سياسي بامتياز حتى لو كان على ابسط المطالب وأصغرها شأنا، ومن ارثنا الثقافي الذي نعتز به ويعتز به السيد نوري المالكي ما جاء في الحديث: يا موسى ادعني على شسع نعالك وملح طعامك. وهي اصغر المطالب في الحياة، ولكن ثبت بتجارب الحياة انها اذا منعت عن احد من الخلائق فمن حقه ان يعترض ويحتج، ويطالب من يرجع له هذا الحق، واذا انسدت الأبواب، فالتظاهر أمر لا ينكره احد.

    ومن ارثنا الجميل الذي نفتخر به هو ما كان رسول الله يمارسه مع الأمة من طلب النصح وتوجيه اللوم حيث وقف يوما وقال للحاضرين: من كان له علي ذنب فليقتص مني. وفتح قميصه عن بطنه فقام له احد الحضور وقال انا يا رسول الله. فتقدم من رسول الله “ص” وقبل بطنه “ص”. هكذا كانت تدار امور الرعية، وهكذا كانت تعالج الأمور حتى لا تحصل الاحتقانات كما يحصل عندنا اليوم، والسبب دائما عدم خبرة من هم في الحكم في مواصلة الانفتاح مع الناس بروح المسؤولية المتواضعة المستعدة للخدمة والتواصل والاعتراف بالخطأ عندما يحدث قبل أن يتحول إلى جبل من الشكوى التي لا تجد حلا كما هو اليوم في عراقنا الحافل بتجارب الحكم عبر التاريخ.

    ومن تاريخنا المكتوب نجد ان ثورة المدينة التي أطاحت بالخليفة عثمان بن عفان كان سببها: وأرجو من أخواننا في الحكومة وفي مجلس النواب ان يستمعوا لهذه القصة ويتدبروها جيدا. عندما دخلت ابل عبد الرحمن بن عوف محملة بالأموال ضجت فقراء المدينة. فخرجت السيدة عائشة أم المؤمنين وقالت: سمعت من رسول الله “ص” يقول: يدخل العشرة المبشرة بالجنة سعيا، ويدخل عبد الرحمن بن عوف حبوا. أي انه من أهل الجنة على كل حال فاتركوا شأنه ولا تعترضوا عليه،وهو تبرير على كل حال لا نريد الدخول في تفاصيله وتبيان صحته من عدمها فلذلك موضع آخر، ولكننا نقول إن ذرائعية الحكم لا يجب أن تكون منحازة لطرف على حساب طرف آخر في أمور الحق والحقوق: قال تعالى “بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيرة”.

    والتبريرات عندما تكون غير واقعية ومجحفة فإنها تفسد الحوار وتفتح باب التظاهر كخيار لابد منه للمظلوم والمحروم.

    وهناك حالة نفسية علينا ألا ننساها ونحن نناقش ظاهرة الحوار والتظاهر بروح معرفية، وتلك الحالة النفسية مفادها أن الظالم المتورط في الظلم، والمخطئ المتورط بكثرة الأخطاء يصل إلى حالة لا يشعر بظلمه ولا بأخطائه خصوصا عند انعدام المحاسبة والمساءلة مع انعدام وجود الناصح أو الاستشارة المبرئة للذمة، ومع كثرة مسميات المستشارين وعناوينهم اليوم فإننا لم نحظ ولم يحظ الحكم بما يستحقه من الاستشارة, والأمر يشبه حالة السمكة في الماء عندما يسألونها عن الماء. تقول اين هو الماء.  والمستشارين الذين لا يعرفون الخطأ لا يمكن أن يكونوا أدلاء على التصحيح، مما جعل مواقف وقرارات الحكم تتعرض إلى المزيد من التعرية والتآكل، وبالتالي عدم الإقناع من قبل الشارع. فتحدث الاحتجاجات والاعتراضات، ثم التظاهرات.

  • الجواب في الميزانية الأمريكية لعام 2012 ؟

    تعالوا معي دققوا في أرقام الميزانية الأمريكية لعام 2012 لتعرفوا ما يجري في بلادنا ؟ … ومن هو الصادق ؟ تقول الميزانية الأمريكية لعام 2012 ..انتبهوا ليس لعام 2011 الذي يقولون فيه هو عام رحيل القوات الأمريكية من العراق ؟ والقوم يحترمون أرقامهم مثلما يحترمون شعبهم … فهم وضعوا 119 مليار دولار لتكاليف القوات الأمريكية في العراق لعام 2012، ماذا يعني هذا ؟

    الحكومة في العراق تقول : لن نمدد للقوات الأمريكية , وسيرحلون نهاية عام 2011 . الكتل السياسية هكذا يسمونها , وعندي لها تسمية أخرى ؟ هذه الكتل كالنعامة تضع رأسها في الرمال ؟ أقوالهم متناقضة , وتصريحاتهم …أحاجي وحزازير …وأضغاث أحلام ؟ منهم من يقول : لن نقبل بتمديد البقاء للقوات الأمريكية , والحكومة الأمريكية حددت ميزانية عام 2012 لجيوشها في العراق بـ 119 مليار دولار ، فهل قول هؤلاء مبني على دراية بما يجري ويخطط للعراق ؟ وهل يحق لمن يقول مثل هذا القول أن يبقى في موقع من مواقع المسؤولية في النظام الديمقراطي ؟ ومنهم من يقول : لم يكتمل بعد بناء الجيش وقوى الأمن لدينا , ويسكت ؟ وسكوته أقوى من علنه ؟ والمكتوب معروف من عنوانه. ومنهم من أعتلى متن الصراحة , وأوعز إلى محازبيه بتسريب التصريحات للفضائيات , وللصحف , ووكالات الأنباء مفادها : لا يجوز انسحاب القوات الأمريكية من العراق حفاظا على وحدة العراق ؟ وهؤلاء هم سبب تمزيق وحدة العراق , وهم رافعو عناوين التقسيم التي أقترحها جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي الذي يعرف بكثرة زياراته المفاجئة للعراق ؟ ومنهم من هو متردد .. وغير قادر على حزم أمره …ناسيا أنه في عصر السرعة , والقرارات لمن يمتلك الوقت والمبادرة ؟ ومنهم من يعلن في الظاهر عدم قبوله تمديد البقاء للقوات الأمريكية في العراق , وفي الخفاء وخلف الكواليس هو من المتحمسين لبقاء القوات الأمريكية في العراق ؟ ومنهم من ينتظر مناقشة البرلمان العراقي , وكيف سيكون تصويته على البقاء أو الرحيل للقوات الأمريكية , ناسيا أن البرلمان الذي لم يحسم قضية الرواتب الخرافية للرئاسات , كيف يمكنه استجماع الرأي والنصاب لقضية قوات الاحتلال الأمريكية والخوف مزروع تحت مقاعد الذين جلسوا ببركة تلك القوات لينتظروا فتات الكعكة العراقية المغمسة بالبترول ؟ ومنهم من يتوعد باستعادة العناوين الحربية للمنازلة مع قوات الاحتلال , ناسيا أنه وافق على ما وافقت عليه الكتل وأكل من سحتها وحرامها , ولا يمكنه بعد الذي جرى من تأييد ومشاركة أن يكون اللاعب الوحيد , لأن ذلك سيكلفه ما لا يستطيع الإيفاء به ليس لجمهوره فقط وإنما لعموم الشعب الذي أنهكته بهلوانية اللعبة السياسية التي فقدت شعبيتها حتى عند الذين استفادوا منها وما شبعوا ؟ وهؤلاء كذلك عليهم أن يعرفوا رهانات الساحة ومتغيرات المنطقة التي دخلت في دهليز المتغيرات بأجندة من كانوا يخططون وما زالوا من الذين سارعت سفاراتهم إلى بنغازي ولما تحسم المسألة الليبية في الظاهر , ولكنها محسومة عند الذين يعرفون بواطن الأمور ؟ وليس الذين مازالوا يشتبكون في التصريحات المفرطة في عدم استحضار أدوات اللعبة أو التعرف الواقعي على مجريات الأمور من باب علم السياسة الذي أفلست فيه أحزاب المنطقة , وأول المفلسين هم أحزاب العراق من الذين تلوثوا بالسلطة والاحتلال , أو الذين تلوثوا بمواقعة الخرافة عن أحزاب الخلافة ؟ ومرة أخرى نجد أنفسنا مضطرين لآستحضار بعض الأمثال الشعبية العراقية , ونحن نذكر أرقام الميزانية الأمريكية لعام 2012 وما جاء فيها من تكاليف قواتهم في العراق وهي تساوي 119 مليار دولار ؟ في حين مازال البرلمان العراقي يمني نفسه بالتصويت على تمديد أو رفض بقاء القوات الأمريكية بعد عام 2011 ؟

    والأمثال الشعبية العراقية تقول : –

    1- قتلوا ربعه وهو بعده يتحزم ؟

    2- منين أجيب أزرار للزيكه هدل ؟

    3- لاحظت برجيلها ولا خذت سيد علي ؟

    4- أحدث وزانها وتاه الحساب ؟

    5- يا أم أحمد العريف شنهو العرفتيه ؟

    والأمثال الشعبية العراقية تختزن حكمة كبيرة نتيجة المعاناة , ونحن اليوم نختزن ألما لما حل ببلادنا , وأختم ببيت شعري فصيح:-

    إذا كان الغراب دليل قوم

    يعلمهم على دار الخراب ؟

  • خطاب أوباما تدليك عاطفي للعراقيين وتأكيد قيادي أمريكي

    عندما يكون الخطاب الأمريكي موجها الى الشرق الأوسط والعالم الإسلامي تحديدا : هذا يعني أن هذه المنطقة ما زالت في دور الحضانة الأمريكية التي تجعل من إسرائيل شريكا إستراتيجيا.

    وعندما تقف كلنتون الى جانب أوباما في خطابه المعد بعناية, وكلنتون كانت المنافسة العنيدة في الانتخابات لأوباما على الرئاسة الأمريكية , فهذا درس يجب أن يتعلم منه الساسة العراقيون في حكومة الشراكة التي لم يستطيعوا ترجمة معانيها الى اليوم الذي أصبحت فيه ترشيحات وزارة الداخلية والدفاع معضلة تفوق معضلة تشكيل الحكومة التي استغرقت عشرة أشهر ثم ولدت ولادة خديجية مما جعلها في حاضنة الاحتضار؟

    خطاب أوباما الذي جعل قناة العراقية تنقله مباشرة, وتجعل من بعض فقراته خبرا عاجلا مثل: إن العراق له دور كبير في المنطقة كما قال أوباما, وهذا هو التدليك العاطفي للمسؤولين العراقيين, لأنه لا يمتلك أي مصداقية, ولا توجد بارقة أمل توحي بذلك, ولو كان الأمر صحيحا لكنا في غاية الفرح والسعادة, ولكن على طريقة أهل مكة أدرى بشعابها, فإن واقع التجربة العراقية تحت الرعاية الأمريكية لا يوحي بالاطمئنان, وما يتحدث به الأمريكيون وشركاؤهم في السر والعلن, لا يتطابق مع ما جاء في خطاب أوباما عن العراق وطريقة الحديث عنه بالمثالية التي تجعل منه مثار الإشادة؟

    وهناك تبرز أمامنا ظاهرتان لا تجعلان من التجربة العراقية موضع انجذاب الآخرين اليها وهما:

    1- الأخطاء الأمريكية في التجربة العراقية : ومما يزيد التعقيد في الرؤية أن تلك الأخطاء متعمدة, ومقصودة, ومنها:-

    أ‌- صناعة الإرهاب بمؤازرة أمريكية , وباعتراف الرئيس بوش أولا, وبمعرفة ميدانية عراقية لا تحتاج الى دليل إضافي على طريقة المناطقة : الوقوع أدل دليل على الإمكان ”

    ب‌- العبث بمقدرات الدولة العراقية : من حل الجيش العراقي , وتدمير المكائن والالات , والأجهزة التابعة للجيش العراقي، وهو عمل عدواني حاقد لا يوحي بالاطمئنان وحسن النية.

    ت‌- العبث بالآثار العراقية, والتي سيظل ملفها حاضرا لعشرات السنين, وسيشكل عقدة ذنب للأمريكيين عند صحوة الضمير لدى بعضهم؟

    ث‌- إدخالهم للمفسدين من العراقيين, واعتمادهم على العناصر الهامشية مما شوه التجربة العراقية.

    ج‌- تدخلهم في كل مفاصل الدولة العراقية ومؤسساتها, مما جعل الرعب سباقا للزيارات التي يقوم بها المسؤولون الأمريكيون, وهذا الوضع خلق مناخا نفسيا غير منتج في عموم دوائر الدولة العراقية ومؤسساتها.

    ح‌- عدم الجدية في تدريب الجيش وقوات الأمن العراقية.

    خ‌- تأكيدهم على ما يسمى بالمناطق المتنازع عليها أسس لمشكلة عنصرية أفسدت مناخات الفدرالية في العراق.

    د‌- سكوتهم عن أخطاء الانتخابات الكبيرة, أضعف التجربة الديمقراطية في العراق.

    ذ‌- تأثيراتهم في كتابة الدستور خلق ثغرات دستورية غاية في التعقيد.

    ر‌- المماطلة التي يبدونها في الاتفاقية الأمنية, تؤدي الى التباس الوضع السياسي, وتعثر العملية الديمقراطية في العراق.

    أما بالنسبة لأخطاء الجانب العراقي , فيمكن إيجازها بما يأتي :-

    1- تغليب الجانب العاطفي على الاتجاه العقلي الرزين.

    2- تغليب الحالة الحزبية على المصلحة الوطنية.

    3- عدم إشاعة الثقة بين الأطراف التي شاركت في الحكومة بغطاء أمريكي.

    4- وجود أجندات حزبية تنتمي الى الحاضنات الأجنبية, وتأخذ توجيهاتها منها, وهي أصبحت مشاركة في الحكومة والدولة.

    5- عدم اعتماد الكفاءة في بناء الدولة.

    6- عدم الجدية في وضع الخطط والدراسات, والمشاريع المستقبلية للبناء.

    7- شيوع ظاهرة التزوير والرشاوى, والسرقات, مما أفقد ثقة المواطنين بالمسؤولين.

    8- لم تسع الحكومة بشكل جاد لتشريع قانون للأحزاب.

    9- القبول بالرواتب الخيالية والامتيازات الشخصية مع إهمال واضح للطبقات الفقيرة.

    10- الفشل التام في تقديم الخدمات للمواطنين.

    هذه الأخطاء التي أشترك فيها الطرفان من الأمريكيين والعراقيين هي التي أفسدت التجربة العراقية وجعلتها غير قابلة للتأثير الإيجابي في محيطها, بل جعلتها مضربا للمثل المحمل بالفشل.

    ولكن هذا لا يعني الوصول إلى طريق مسدود, فالعناوين العامة للتغيير, هي موضع اعتزاز العراقيين, وهذا أمر مطمئن على عدم التشظي والخراب المطلق, ومن هنا يمكن التواصل لمعالجة الأخطاء التي حدثت, ومن تلك الأخطاء : –

    1- وضع الإنسان غير المناسب في المكان غير المناسب , وهذا العمل يمكن تغييره بعد حصول قناعة عامة بعدم صلاحية مثل هذا الاتجاه , وخميرة هذا الأمر موجود في التوافق الاجتماعي .

    2- رفض التزوير , ومحاربة الرشاوى والسرقات , وهذا مطلب من مطالب القاعدة الشعبية , وتنفيذه , من خلال أصلاح وتغيير القيادات الإدارية , فالتزوير والرشاوى والسرقات هي من الأخطاء القاتلة لكل تجربة حكم.

    3- إطلاق العنان لهوس الأحزاب, وفوضى العمل, الذي أربك الدولة, وجعل إرادة الموظفين الحكوميين مرهونة لمزاج الحزبيين.

    4- عدم المعرفة بفن المصالحة الوطنية, وإنابة من هم غير مؤهلين للقيام بدور المصالحة, مما أفسد أجواء المصالحة وضيع بوصلتها الحقيقية ؟

    5- الانتهازية والعنصرية والطائفية في بناء الجيش والقوى الأمنية وهو خطأ قاتل للدولة ؟

    6- انتهاج أسلوب المحسوبية والمنسوبية في الوظائف, مما أضعف الثقة بين الدولة والمجتمع.

    وهذه الأخطاء يمكن معالجتها, من خلال تغيير المواقع للمسؤولين, وتغيير خريطة السلطة, من خلال إعادة كتابة قانون الانتخاب, وإلغاء طريقة القائمة, وجعل الانتخاب يقوم على : القائمة الفردية التي أصبحت مطلبا شعبيا, ثم تغيير بعض فقرات الدستور التي أصبحت عقبات حقيقية في طريق الحكومة والدولة.

    عندما نجتهد في إحداث مثل هذا التغيير في تجربتنا الديمقراطية, فإن العراق يصبح مهيئا للعب الدور الحضاري, وهو أمل كل المخلصين الوطنيين من أبناء العراق.

  • ملكية بأسماء رئاسية ؟

    في العراق الموغل في القدم , والسباق الى الرئاسة في تكوينها ألاسري , والعشائري , ثم الحكومي , والتي أصبحت جزءا من تاريخه وثقافته حيث قال شاعرهم القديم :-

    ووددت تقبيل السيوف لآنها

    لمعت كبارق ثغرك المتبسم ؟

    وقال شاعر العصر العباسي المتخم بالعناوين الرئاسية :-

    ولو أن مشتاقا تكلف فوق ما في

    وسعه لسعى اليك المنبر ؟

    وكان أبو تمام متقدما بأستحضار وسائل الرئاسة حيث قال :-

    السيف أصدق أنباءا من الكتب

    في حده الحد بين الجد واللعب ؟

    ولكن المتنبي الطموح ملك القافية الشعرية كان طموحا الى الملوكية حيث قال :-

    وليس عابا أن يزورك راجل

    فيرجع ملكا للعراقين واليا ؟

    ومن اليوم الذي أختار ألابرش وجماعته ألارتحال الى العراق بتوجيه العرافة العربية ألاولى “ طريفة الخير “ عندما وصفت العراق في ذلك الزمن الغابر , بعد خراب سد مأرب , وفناء جنة سبأ ومملكتها , وكان الوصف مغريا لعمر بن الحارث ومن معه من حملة النزوح العربي بحثا عن فضاءات جديدة , فكانت العرافة العربية تقول من يريد :-

    الثياب الرقاق

    وكثرة ألارزاق

    والخيل العتاق

    والدم المراق ؟

    فعليه بالعراق ؟

    ولاندري من أين أستوحت تلك العرافة العربية مواصفات العراق بهذه الدقة الوصفية التي أثبتتها وقائع ألايام منذ ذلك التاريخ والى اليوم ؟ ولماذا أختار ألابرش وجماعته التوجه للعراق بعنوان تلك المواصفات ؟ وهل كان حب الرئاسة منعقدا نفسيا يترجم حالة من يقترب من فضاءات العراق , وهل أن نهاية ألابرش مع زنوبية ملكة تدمر هو عشق رئاسي متغلغل في الوجدان ؟ مثلما هو عليه اليوم وبعد 2003 وما نشاهده من حب رئاسي جامح لدى البعض يتجاوز الحاضنة الديمقراطية وشعاراتها , مثلما يتجاوز الحكمة ألاسلامية وعقلانيتها :” طالب الولاية لايولى “ ؟ أن فولكلور الرئاسة العراقية المجمد في علبة المواد الدستورية “ يخرج لنا ما يجعلنا لغزا في ديمقراطيات العالم , وعارا في وقار الشورى وهيبتها , وأضحوكة في نصاب ألانتخابات وأرقامها ؟ فالذين لم ينتخبهم الناس يقفزوا , ومن خلف سلم ألانتخابات الى المواقع ألامامية مثل رئاسات اللجان ؟ والبعض ألاخر لم يكتف بقفزة واحدة , فأرادها أن تكون قفزة بقفزات , مادام الحفل البرلمان يمكن تلهيته بكثرة المسميات , ويمكن أستغفاله بمزيد من المكرمات والدعوات التي تستحضر فيها ألاجواء الملكية المصونة غير المسؤولة , حتى وأن كان البعض مصابا بضمور وتليف الدماغ ولم يعد يستطع البلاغ , أو كان ألاخر مطلوبا بدعاوى الفساد وموصوفا بكره العباد ؟

    الرئاسة في العراق ملوكية بلا حسد وحساد , ولهذا بلادنا منسية في كل البلاد , والتراجع نصيبنا بلا حياد , والمحاصصة قدرنا بكل عناد من أحزاب السلطة وأرباب الفساد , والتظاهرات مستمرة بأضطراد , والرئاساءات لايهمها ما للشعب من مراد ؟ ما دام أوباما هو من يحدد للعراق من أمتداد , والعاملون في ألاتفاقيات لازالوا ينتظرون التوقيع عليها بكل أستعداد , وليزعل الشعب قليلا وبعدها يمنونه بوفرة ألاقتصاد , وزيادة الرواتب قليلا فوق المعتاد؟

    وألاحتلال باق بخمس أو تسع من الفرق ألامريكية مع العتاد ؟

    والفصل السابع دغدغة مستمرة , وجس نبض من ألاسياد ؟

    وموانئ العراق محاصرة , وهذا شأن للقوانين الدولية فيه رأي لايعاد ؟

    ولهذا فالرئاسة العراقية شرطها أن تكون بلا منطاد ؟ وقد حصل هذا …. فماذا تقولون للاحفاد ؟

  • العواصف السياسية والعواصف الترابية

    يتشاءم الناس كثيرا من العواصف الترابية, ويتذمرون من العواصف السياسية, وفرق بين التشاؤم والتذمر, فالأول نفسي وكل ما هو نفسي متصل بعالم الغيب ومداخله كثيرة, ومخارجه مجهولة, والتشاؤم هنا مبني على عدم معرفة بسياقات لغة الطبيعة والعواصف الترابية هي جزء من لغة الطبيعة وهي على أنواع:-

    1- الزلازل

    2- البراكين

    3- الرعد

    4- البرق

    5- الفيضانات

    6- الخسف

    وبرغم السلبيات التي يعاني منها مرضى الربو جراء العواصف الترابية, مع ظاهرة تراكم الغبار على الطرقات والمنازل, وما يسببه لربات البيوت من مضاعفة العمل في التنظيف المنزلي ,فأن للعواصف الترابية فوائد جمة منها:-

    1- يعمل على انخفاض درجات الحرارة, وفي العراق تعد هذه فائدة كبيرة خصوصا مع وضع الكهرباء الذي أصبح من عقد الحكم في العراق.

    2- تعمل العواصف الترابية على عدم تعرية التربة, وهذه فائدة دونها كل معدات أمانة العاصمة والبلديات, والأشغال والإسكان , وشركات المقاولات العامة والخاصة, فأنها لا تستطيع أنجاز واحد من المليون مما تنجزه العواصف الترابية في أكساء التربة.

    3- تعمل العواصف الترابية على قتل الحشرات ومنها البعوض, وهذه الفائدة توفر علينا ملايين الدنانير أو الدولارات من كلف أسعار المبيدات وأدوية قتل ومكافحة الحشرات.

    4- تعمل العواصف الترابية على تقليل تسرب ألأشعة فوق البنفسجية من ثقب ألأوزون، وهذه الفائدة لا تستطيع تقديمها كل تقنيات العالم الفضائية.

    أما العواصف السياسية التي يكتفي منها الناس بالتذمر, فهي ألأخطر , والأكثر ضررا على الفرد والمجتمع وعلى الدولة, وعلى البيئة, وعلى الصحة, وعلى ألاقتصاد, وعلى الطبيعة.

    أما ضررها على الفرد:-

    1- تزيد من البطالة.

    2- تؤخر درجات التوظيف.

    3- تصيب علاقات جوار البلد بالفتور مما ينعكس على مصالح ألإفراد من حيث السفر, والتجارة, والدراسة.

    4- تؤخر أنجاز المعاملات مما يؤثر ذلك على نفسية ألإفراد.

    أما على المجتمع:-

    1- تأخير الخدمات.

    2- إشاعة جو من ألإشاعات مما يؤثر على الحالة ألاجتماعية.

    3- إشاعة نوع من الفوضى مما يؤثر على نفسية المجتمع.

    4- أيجاد نوع من التفرقة.

    5- ربما تكون سببا في ظهور الطائفية والعنصرية.

    وأما على الدولة فتؤثر العواصف السياسية كما يلي:-

    1- التقليل من هيبة الحكومة.

    2- شل قدرة الحكومة على متابعة برامجها.

    3- أضعاف الدولة بشكل عام, وتشجيع ألإرهاب والعناصر المنحرفة على استغلال ضعف الدولة والحكومة.

    أما على البيئة والصحة فيكون تأثيرها كما يلي:-

    1- تراجع أداء ألأجهزة الخدمية, مما يؤثر على البيئة سلبيا بتراكم النفايات والقمامة.

    2- نتيجة العواصف السياسية, تنشغل مؤسسات الدولة بتلك المناخات , فيضعف ألأداء العام مما ينعكس على زيادة التجاوزات, وضعف المراقبة, وهذا ما ينعكس على تدهور البيئة, وكل تدهور للبيئة يؤدي إلى زيادة ألإمراض المعدية , والإسهالات, وهذا مما يجعل الوضع الصحي يعاني من إرباكات كثيرة.

    أما على ألاقتصاد فيكون تأثير العواصف السياسية كما يلي:-

    1- قلنا أن العواصف السياسية تضعف الحكومة والدولة, ومن مظاهر ذلك الضعف هو تناقص نمو الزراعة, وتباطؤ ألإنتاج الصناعي, وهذا مما يؤدي إلى تأثر ألاقتصاد بشكل كبير فضلا عن أن حركة التصدير والاستيراد هي ألأخرى تتعرض إلى مشاكل كثيرة.

    أما تأثير العواصف السياسية على الطبيعة فيكون على نحو:-

    1- بما أن العواصف السياسية هي ناتجة عن اختلاف ألأفكار والرؤى , وبما أن ألأفكار فيها الصحيح وغير الصحيح , بمعنى أخر أي فيها: “الحق” وفيها “الباطل” وبما أن السماء هي مع الحق , وبما أن الطبيعة صناعة ربانية فهناك تأثير متبادل بين ألأداء البشري, وبين الطبيعة وهيجانها أو توازنها, فكلما يكون ألأداء البشري منصبا صوب ألإنسانية ولصالح التنمية البشرية, كلما لاقى ذلك مباركة من السماء, والعكس صحيح, فعندما تكون العواصف السياسية لا تحمل خيرا لصالح المواطن وهو ألإنسان, كلما يكون مزاج الطبيعة متعكرا, وتبدو لغتها غاضبة ومن أمثلة ذلك: تسونامي جنوب شرق أسيا وتسونامي اليابان, وبركان فنلندا وألامثلة كثيرة منها المعاصر ومنها التاريخي قديما وحديثا.

    2- فالعواصف السياسية هي أشد خطرا من العواصف الترابية, لآن ألأولى هي لغة السياسة والسلطة, والثانية هي لغة الطبيعة ودلالاتها واضحة.

  • كواتم السلاح وكواتم المال ؟

    مثلما تتألم بغداد اليوم من كواتم السلاح التي أصبحت لعبة الإرهاب المفضلة، نتيجة ضعف الخطط الأمنية، بدءا من الحدود مرورا بمصطلحات الاحتلال، في ما يسمى بالمناطق المتنازع عليها, وهي تسمية تختزن صناعة التفرقة والعنصرية, وانتهاء بشوارع بغداد وتقاطعاتها وجسورها التي يتخذ منها قراصنة العقد النفسية والخواء الروحي وسطحية العقول صولات لجبهات قيل لهم إنها موصولة بجنة عرضها السماوات والأرض , وما دروا أنهم كالتي في جيدها حبل من مسد؟

    وكواتم السلاح هذه، سوف لن تكون آخر ابتكارات الإرهاب، ومن تدنو نفسه من تحقيق مآربها عبر إزهاق الأرواح الآدمية تنفيذا لوعد قطعه إبليس على نفسه وسخر جنوده من أجل ذلك.

    والذين قبلوا المنازلة لا عذر لهم في التسويفات, فالمنازلة تحتاج المزيد من فن الأداء, والأداء يحتاج المزيد من أعمال العقل, والعقل هو قائد الحكم ورائد المعرفة, فهل وظفنا في مسرح المواجهة عقولا تمتاز بمصداقية :” اتقوا فراسة المؤمن فأنه ينظر بنور الله “ ؟ أم اكتفينا بنعومة السروج, وسعة المعالف, قبل إحضار، والعاديات ضبحا, فالموريات قدحا, فالمغيرات صبحا, فأثرن به نقعا, فوسطن به جمعا، مع الاحترام والتقديس لسورة العاديات المباركة .

    أما كواتم المال : فهي بدعة جديدة من بدع أهل السلطة وسدنة المال.

    فهي الأخطر على قوت الناس ومعاشهم, وهي تدمير لاقتصاد البلد وإفلاس للخزينة, وضياع للثروة التي هي ملك العراقيين جميعا.

    كواتم المال : هي تدمير للأخلاق , وانتشار للجشع والطمع, وفتح لأبواب السرقات, وصناعة للأنانيات, واستدامة للعوز, وتأسيس للفقر, والفقر صناعة للغربة في الأوطان, ومن هنا يبدأ تفكيك المواطنة، وإضعاف روح الانتماء.

    وكواتم المال، ربما لا يعرفها غالبية المواطنين اليوم, وهي تنظيم سري يتعهده رؤساء بعض الكتل وبعض الأحزاب التي فتحت شهيتها على شراهة المال, فيعمدون إلى استغلال علاقاتهم مع المسؤولين ومواقع القرار في الحكومة, فيعينون لهم من يشاؤون من المقربين والمحازبين والمحسوبين عليهم , فيختارون من هؤلاء من هو قريب الاختصاص بالمال والعقود المالية, والأقسام القانونية , ودوائر التموين والتمويل، والصرف المالي، والعمل الحسابي , فيختارون من بين هؤلاء من هو موضع ثقتهم فيسمونه “ كاتما “ أي كاتم لأسرارهم وطريقة تصرفهم بالمال، والانتفاع به لمصالحهم الخاصة والشخصية حتى لاتنكشف سرقاتهم وتلاعبهم بالمال العام؟

    هذا هو لغز “ كاتم المال “ وهو من مبتكرات بعض أحزاب السلطة ولاسيما تلك التي تنتظم أمورها ومكاتبها مع أجندات أجنبية, أو تلك التي تعاني من فقدان روح المواطنة الحقيقية ؟

    والعراق اليوم محاصر بين نارين وخطرين، نار “ كواتم السلاح “ وخطر “ كواتم المال “ فالأول يشيع الذعر والهلع, وفقدان الأمن ؟

    والثاني يشيع الفساد المالي والأخلاقي, ويؤدي إلى هروب الاستثمار والمستثمرين, مثلما يزرع الفقر الدائم, والعوز الدائم والإفلاس الدائم الذي يؤخر مشاريع الدولة, ويجعلها رهينة بيد الصندوق الدولي, مثلما يجعل الدولة محتاجة إلى فتات المساعدات الأجنبية التي لا تأتي إلا بعد امتصاص القدرة المالية للدولة على طريقة شايلوك وأصحاب المضاربات المصرفية التي تبتلع فرص النمو الاقتصادي, وتصادر فرص النمو الاجتماعي, وتتحكم بمفاتيح الاقتصاد والمشاريع إلى أمد لا يعرفه ويعرف أضراره إلا أصحاب الاختصاص والخبرة.

  • أطروحات حضارية ..المجتمع العراقي وثقافة السكن

    الدكتور علي التميمي

    لقد كان لسبأ في مساكنهم أية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم وأشكروا له بلدة طيبة ورب غفور -15- سبأ قال ألامام الصادق “ع” : ما للبيوت يحرم على المساجد ؟ السكن هنا نقصد به ” الدار ” وهو ” البيت ” و” المنزل ” و ” المسكن ” و ” الحوش ” وهو قليل ألاستعمال وكثر أستعماله في اللغة الشعبية , وأستعمل لفظ ” الدار ” في الشعر العربي , وأرتبط بمشاعر الحب والغزل مثل : ” دار عبلة ” : يادار عبلة , و ” خولة ” قال شاعرهم : لخولة أطلال ببرقة ثهمد

    تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد ؟

    وليلى من ألاسماء التي كثر ذكرها وذكر منازلها في الشعر العربي قال شاعرهم :-

    يقولون ليلى في العراق مريضة

    أيا ليتني كنت الطبيب المداويا ؟

    ومن الحنين للدار قال شاعرهم :-

    هلا عرفت الدار بعد توهم ؟

    وأستعمل ” البيت ” للدلالة على البيت المصنوع من الشعر والوبر قال ألامام علي عليه السلام واصفا حال العرب قبل ألاسلام :-

    ولقد حازتكم ألامم من القياصرة وألاكاسرة عن بحر العراق وخضرة ألافاق , فعشتم في أرض ليس فيها ألا نبات الشيح ومهب الريح , في بيوت مهزوزة ” ويقصد بها بيوت الشعر المتنقلة ؟

    وأما المنزل , فيدل على ألاثنين من بناء أو من شعر قال دعبل الخزاعي يصف بيوتات أهل البيت قائلا :-

    منازل أيات خلت من تلاوة ….؟

    وأما لفظ ” البيوت ” فقد أستخدم قرأنيا لاسيما للامم الماضية قال تعالى :” فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا أن في ذلك أية لقوم يعلمون -52- النمل .

    وقال تعالى ويخص المسلمين : فأذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم ألايات لعلكم تعقلون – 6- النور , وهذه ألاية المباركة هي من ألايات التي تسهم في بناء ثقافة السكن وسنبين ذلك لاحقا .

    وكذلك ” المسكن ” هو أصطلاح قرأني قال تعالى :” حتى أذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل أدخلوا مساكنكم لايحطمنكم سليمان وجنوده وهم لايشعرون – 18- النمل

    بعد هذه المقدمة المختصرة عن دلالات السكن ومعانيه , نعود لدراسة ثقافة السكن في المجتمع العراقي على ضوء أزمة السكن اليوم التي أصبحت هما للافراد ولاسيما الشباب , ولاصحاب الدخل المحدود , وأرباب ألاسر الكبيرة , وهي من هموم المجتمع ومن هموم الدولة والحكومة , وهناك مقترحات ومشاريع للسكن لم تأخذ بعين ألاعتبار طبيعة المجتمع العراقي وعاداته وتقاليده , كما أنها لم تأخذ بعين ألاعتبار ثقافة السكن عند المجتمع العراقي , وهذا ألامر سيضاعف التكاليف , وسيهدر الجهود , ويضيع الوقت وهذه ألامور من العوامل التي أخذت الشعوب والدول العازمة على البناء والتطور ألاهتمام بها والتأكيد عليها ؟

    وأمام الظرف الضاغط على الجميع من :-

    1- حكومة تواجه أزمة سكن ضاغطة وتحتاج الى بناء ملايين من البيوت ؟

    2- أسر تعاني من الكثافة العددية التي تجعل من سكنها غير ملائم لا من حيث الوضع الصحي ولا من حيث الوضع النفسي ؟

    3- شباب مقبلون على الزواج ولايجدون القدرة على دفع بدلات ألايجار المرتفعة ؟

    4- مجتمع تختنق فيه ألاحياء الشعبية بملوثات البيئة نتيجة ألازدحام , فتنعدم فيه وسائل الراحة والنظافة ؟

    5- بنية تحتية مخربة تحتاج الى المزيد من الجهد والمال لاعادة بنائها ؟

    6- عدم وجود دراسات وبحوث تهتم بالمرحلة ألانتقالية للمجتمع العراقي من حيث :-

    أ‌- التكيف للتحول : أقتصاديا , ونفسيا , وثقافيا ؟

    ب‌- القدرة على خلق ثقافة جديدة متواصلة مع الثقافة التي تشكل خلفية المفاهيم عند عامة أفراد المجتمع ؟

    وهذه الدراسة هي أسهام في فتح باب الدراسات المنهجية التي تأخذ بالحسبان خلفية المجتمع العراقي وثوابته التي يعتز بها , وهي منطلقة من فهم علمي يقول : أن الحياة في الشارع العراقي تبدأ بسنة أسلامية , وتنتهي بسنة أسلامية ” وأنا هنا أقصد ألاسلام المنفتح الذي يحترم ألاخر ويرفض التكفير والعنف والتطرف ” وأرى أن ألاسلام الحضاري يطمئن له بقية العراقيين من غير المسلمين , وبهذه الصيغة نحافظ على عدم زعزعة قناعات الناس والمحافظة على وحدة الوطن عندما يصار الى التأكيد على هوية الوطن وأحترام المواطنة من خلال العمل وألاداء لا من خلال ألانتماءات الطائفية قال ألامام علي عليه السلام : ألانسان أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق ” ؟ وقال عليه السلام : ” ما خلقك الله لبلد دون بلد خير البلاد من حملك ” ؟

    وبهذا المستوى من الوعي فأننا نحافظ على أنسيابية ألاديان مثلما نحافظ على وحدة ألاوطان ؟

    والمجتمع العراقي تعرض الى الكثير من التصحر ألاجتماعي , وأقصد بالتصحر ألاجتماعي :-

    1- بروز مظاهر ألانا وتمحور الذات , فطغت المصالح الشخصية والفردية على مصالح المجتمع مثل : السطو على شبكة الكهرباء ,, والتجاوز على شبكة الماء , والحرص للاستحواذ على مساحات من الشوارع والطرقات الفرعية أو ألاستيلاء على ألاراضي المجاورة , مم خلق متاعبا للحكومة مثلما خلق حالة من تعكر صفو ألاجتماع , وهذه جميعها ترتبط بضعف ثقافة السكن أجتماعيا ؟

    2- ظهور حالات النفاق والحسد والغيرة وهي كلها تؤدي الى ظاهرة التصحر ألاجتماعي

    3- ظهور حالات العقوق من قبل ألابناء للآباء , مما أدى الى زيادة بروز ظاهرة التصحر ألاجتماعي ؟

    4- كثرة حالات الطلاق , والبعض منها مرتبط بثقافة السكن ومشاكلها مما أثر في ظاهرة التصحر ألاجتماعي ؟

    5- بروز ظاهرة الطائفية وما نتج عنها من أعمال العنف مما أدى الى زيادة ظاهرة التصحر ألاجتماعي ؟

    6- التقصير الحكومي في الخدمات المقدمة للمجتمع العراقي ساهم في زيادة ظاهرة التصحر ألاجتماعي ؟

    7- زيادة نسبة الفقر أدى الى زيادة ظاهرة التصحر ألاجتماعي؟

    8- وجود التلفاز وأجهزة الكومبيوتر وألانترنيت ساهمت في العزلة ألاجتماعية وهذه بدورها ساهمت في زيادة ظهور التصحر ألاجتماعي ؟

    9- ضعف ألاقبال على المساجد ودور العبادة يؤدي الى زيادة ظاهرة التصحر ألاجتماعي ؟

    10- عدم وجود منتزهات وأماكن عامة للترفيه البريئ يؤدي الى أنكماش العلاقات ألاجتماعية وبالتالي بروز ظاهرة التصحر ألاجتماعي ؟

    والمجتمع العراقي الذي يحرص على حضور المناسبات الدينية مما جعل ذلك من العوامل التي ساعدت على منع توسع رقعة التصحر ألاجتماعي , ويمكن أجمال عوامل منع التصحر ألاجتماعي في العراق كألاتي :-

    1- المناسبات الدينية , كالحج والعمرة , وزيارة العتبات المقدسة , والختان للذكور من المواليد الحديثة .

    2- المناسبات ألاجتماعية : كالزواج والخطبة وأفراحهما .

    3- زيارات المرضى , وتبادل التعازي عند الوفيات ولاسيما مجالس الفاتحة المعروفة عند العراقيين .

    4- تبادل المواساة عند حدوث حالات طارئة مثل : حوادث السيارات , وحالات السرقة والسطو , والحوادث المتفرقة .

    5- صيام شهر رمضان وليالي القدر , وموائد ألافطار الجماعية تؤدي الى منع التصحر ألاجتماعي , وكذلك صلاة العيدين .

    6- القداديس والمناسبات الدينية في الكنائس العراقية تمنع زيادة التصحر ألاجتماعي .

    وثقافة السكن في المجتمع العراقي قديما هي التي حافظت على بقاء الروابط ألاجتماعية , وعندما بدأت بعض مظاهر السكن بالتغير , بدأ ألاجتماع العراقي بالتغير , فهناك علاقة بين طبيعة السكن وبين طبيعة العلاقات ألاجتماعية .

    ومن مسؤوليات الدولة , وهي تبحث عن علاج لمشكلة السكن , أن تستعين بالباحثين والمفكرين وأهل ألاختصاص بعلوم ألاجتماع والسكان , وعلوم الفقه وعلوم النفس , قبل أن تستدعي شركات ألاستثمار التي لاتعرف شيئا عن سايكولوجية ألاجتماع العراقي ويجب أن تكون هيئات ألاعمار والمشاريع المرتبطة بها تضم بين أعضائها من تلك ألاختصاصات , وأن لاتقتصر فقط على رجال ألاقتصاد والمهندسين .

    وبعد هذا ألايجاز الذي سبقته المقدمة , ندخل الى صلب أطروحة ثقافة السكن , ونستعين هنا ببعض ما ألمحت اليه ألايات القرأنية مستفيدين منها عن دلالات السكن وأهميته وعلاقته بخطاب السماء تارة , وتارة علاقته بساكنيه من البشر تارة أخرى , والسكن هو حاجة بشرية , والسكن الخاص حاجة أنسانية , والسكن المريح حاجة حضارية ؟ فنحن في السكن نواجه ثلاث حاجات هي :-

    1- حاجة بشرية , فالبشر يحتاج السكن ويأوي اليه كما تأوي بقية الحيوانات الى بيوتها , وأوكارها , ومغاراتها وأعشاشها وجحورها وزرائبها , وبيت البشر هو :-

    أ‌-مسكن

    ب‌-منزل

    ت‌-وقد يكون قصرا ؟

    ث‌-وقد يكون كوخا ؟

    ومن هنا تظهر الفوارق ألاجتماعية التي يكون السكن دالا عليها ومترجما لها ؟ قال تعالى : ” فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد – الحج – 45-

    وقال تعالى : تبارك الذي أن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها ألانهار ويجعل لك قصورا – 10- الفرقان

    والقرأن الكريم يذكر القصر والقصور وهو نوع من السكن الفاخر لتعلق رغبات الناس بذلك ونظرتهم للقصور نظرة هيبة وأحترام .فالكوخ وبيت الشعر سكن بشري لكفاية الضرورة , والدار التي تسع كل أهلها دون مضايقة وحرمان : هي سكن أنساني , والسكن المريح الذي يشبع رغبات وحاجات أهله ويجعلهم قادرين على التواصل مع ألاخرين من أطعام وضيافة مؤقته هو سكن حضاري والقصور هو قمة ما يوفره ذلك السكن , زار ألامام علي عليه السلام أحد المقربين اليه فوجده قد أشاد قصرا كبيرا , فسأله مستفهما ماذا تفعل بذلك ؟ ثم فتح له بابا من أبواب ثقافة السكن قائلا له : نعم : أذا أستقبلت الضيف , ووصلت الرحم , وأخرجت الحقوق الشرعية , يصبح سكنك أي قصرك لا أشكال عليه ؟ وهذه من ألاطروحات الحضارية التي يقدمها ألامام علي بن أبي طالب عليه السلام وهو خير من تتلمذ على يدي رسول الله “ص” حتى قال فيه النبي ” ص” : أنا مدينة العلم وعلي بابها ” وهذه ألاطروحة هي أطروحة السكن الحضاري وألانساني والبشري في أن معا ؟