الحسين الزاوي
وصل العالم في العقد الأخير إلى وضعيات سياسية وجيواستراتيجية غير مسبوقة نتيجة للتعارض الواضح ما بين أهداف الغرب وتصوراته التي توجه حروبه وتحركاته العسكرية عبر كافة أرجاء المعمورة من جهة، وأجندات الشعوب المستندة على المعطيات الثقافية والحضارية التي فشلت العولمة حتى الآن في احتوائها أو تحويل توجهاتها نحو مشاريع أخرى تتعارض مع الخيارات الهوياتية للمجتمعات.
ويمكن القول إن حروب الغرب استطاعت أن تُخضع الكثير من الدول الوطنية لنفوذها المباشر، نتيجة للفروق العالية في مستوى القوة العسكرية والمادية بين القوى العسكرية الكبرى وبين قدرات الدول الوطنية المتواضعة، لكن صلابة الشعوب ورباطة جأشها حول انتصارات الغرب العسكرية الخاطفة إلى هزائم استراتيجية متعاقبة، بعد فشل تلك الحروب في تجسيد أهدافها على أرض الواقع. وبالتالي فإنه وعوض الحديث عن انتصار الأفضل عسكرياً ومادياً، فإن بعض المراقبين لمسار الأحداث في العالم، باتوا يتحدثون عن هزيمة هذا «الأفضل»، خلافاً للمثل الدارج الذي يقول إن الانتصار والغلبة يكونان دائماً ل«الأفضل».
لقد استطاعت الشعوب المتمسكة بقيمها وانتماءاتها الثقافية والحضارية أن تقلب نظام المفاهيم وتثبت للغرب أن هناك تفاصيل وجزئيات مفصلية يراها هو غير مهمة ولكنها شديدة الأهمية على مستوى معادلة الصراع الوجودي ما بين الأمم والشعوب، وهذا التحدي الحضاري هو الذي يفسر في اعتقادنا هزيمة جيوش نظامية ودول وطنية عديدة في معاركها العسكرية مع الغرب، في مقابل انتصار شعوبها من خلال إفشالها لمشاريع وخطط الغرب الهادفة إلى الهيمنة والسيطرة. ويؤشر هذا التحول المتعلق بالحراك الدولي إلى حدوث انقلاب كبير على مستوى مفاهيم الحروب الكلاسيكية التي كانت تقوم بها القوى الاستعمارية في القرون الماضية، والتي كانت تؤدي بشكل تلقائي إلى إخضاع مزدوج لكل من الدول والشعوب، وبخاصة في تلك المراحل التاريخية التي كانت الشعوب تنظر فيها إلى نفسها على أنها رعايا لإمبراطوريات وكيانات سياسية هجينة لا تؤمن بقيم الوطن والمواطنة.
ونستطيع أن نلاحظ في هذا السياق، أن الغرب يجد نفسه في هذه المرحلة التاريخية الفارقة، في حيرة من أمره وعاجزاً عن قراءة وتفسير المشهد السياسي العالمي بالحكمة والحصافة الضروريتين من أجل مواجهة مثل هذه التحديات، نتيجة لفشله في تحويل انتصاراته العسكرية الخاطفة إلى انتصارات استراتيجية قادرة على تجسيد أهداف حروبه على أرض الواقع، فقد انهزمت أمريكا المتفوقة تقنياً وعسكرياً في حربها ضد الفيتنام، وعادت القوات الأمريكية إلى قواعدها بخف حنين بعد أن فقدت الكثير من جنودها وعتادها، وصرفت قسماً كبيراً من احتياطاتها المالية في حرب عبثية خيبت آمالها وآمال حلفائها في المنطقة. كما انهزمت القوات السوفيتية في أفغانستان رغم قوتها العسكرية الضاربة، وأسهم تورطها في تربة غامضة لا تعرف خباياها وأسرارها، في التعجيل بتفكك وسقوط المعسكر الشرقي برمته. ويمكن القول عطفاً على ما سبق إن غزو الولايات المتحدة الأمريكية للعراق، أسهم في فقدانها لموقعها كقطب عالمي أوحد بعد عجزها عن تجسيد أهدافها، وأدى إلى إشاعة الفوضى في منطقة الشرق الأوسط وفي انتشار التنظيمات الإرهابية التي تدعي محاربتها الآن.