التصنيف: الرأي

  • الفلوجة والموصل وأسبقية التحرير

    صادق كاظم

    باستثناء عملية تحرير هيت التي حصلت مؤخرا  فان أية عملية كبيرة لاقتلاع جذور داعش من معاقله الأخيرة في الفلوجة والرمادي لم تحدث, بل لا تزال متوقفة وشبه معطلة، والسبب في ذلك يعود الى الخلافات وتقاطع وجهات النظر والستراتيجيات بشأن تحديد الأولوية والاسبقيات بين اختيار الفلوجة اولا في عملية التحرير أم الذهاب نحو الموصل وكلا الفريقين له مبرراته وادعاءاته. 
    الذهاب الى الفلوجة وإكمال عملية تحريرها يعني بحسب المطالبين بذلك اغلاق خاصرة بغداد الغربية ودفع وازاحة الخطر عنها بشكل نهائي والقضاء على وجود تنظيم داعش في محافظة الانبار بشكل كبير، اذ ان ترك هذا الجيب من دون معالجة نهائية سيسمح ببقاء التهديد للعاصمة قائما واحتمال اختراق دفاعاتها في اية لحظة, اضافة الى اشغال عدد كبير من القطعات الامنية والحشد الشعبي بمهة القتال على اطرافها مما يعني تخفيف الضغط على باقي المناطق الاخرى التي يتواجد فيها التنظيم الارهابي في جنوب كركوك والموصل، وهذا الرأي يتبناه الحشد الشعبي، فيما يرى الجانب الاميركي المتحمس لعملية الموصل بأن عملية تحريرها تعد ضرورية ومهمة في مثل هذا الوقت باعتبار ان عملية اسقاط الموصل واستعادتها من التنظيم الارهابي سيشكل نكسة معنوية ورمزية مهمة له ولأفراده، وبالتالي القضاء على التنظيم بشكل عملي ونهائي في العراق, اذ ان واشنطن تخطط لعملية مماثلة في شرق سوريا من خلال قوات سوريا الديمقراطية المتحالفة معها للسيطرة على الرقة التي تعتبر عاصمة تنظيم داعش مما يعني القضاء شبه التام على التنظيم في العراق وسوريا.خطة تحرير الفلوجة والموصل وحالة التقاطع والتشتت في اعطاء الاولوية في عملية التحرير لاي منهما سيعرقل كثيرا من مساعي الحرب ضد داعش ويشتت القوة المركزية المخصصة لعملية الحرب ضد الارهاب, اذ ان بالامكان التوصل الى اتفاق بين الحشد الشعبي وواشنطن لادارة عملية مشتركة  تسمح بتحرير المدينتين من فلول داعش واستثمار القوة الرئيسية المتوفرة في عملية التحرير وعدم اتاحة الفرصة للتنظيم الارهابي بالتقاط انفاسه 
    من الممكن شن عملية سريعة وحاسمة لتحرير الفلوجة في الوقت القريب بالاستفادة من الغطاء الجوي لقوات التحالف الدولي داخل المدينة وتدمير مقرات قيادات داعش ومستودعات اسلحته ومفخخاته, اضافة الى خطوط الصد التي يقيمها الارهابيون حول المدينة مع استخدام قوات مكافحة الارهاب والجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي والعشائري في عملية تطويق المدينة واقتحامها ومن عدة اتجاهات, خصوصا وان التنظيم الارهابي يشهد حالات انهيار واضحة بين صفوفه وعناصره وهو وقت مناسب لاستثمار هذا الانهيار والشروع بعملية التحرير كصفحة اولى على ان تلحقها، عند اكتمال المهمة، عملية تحرير الموصل كهدف نهائي وحاسم. من الواضح ان تصاعد الخلافات وتعدد الجهات التي تمسك بمفاتيح القرار يؤثر في عملية تحريك ملف التحرير واصابته بالجمود، اذ انه من الواضح ان هناك غيابا لا يمكن تجاهله لعملية الاجماع الوطني والاتفاق حول آلية التحرير, حيث ان البعض يصر على عقد  شروط واتفاقات قبل الشروع بهذا العمل وهو موقف غير صحيح ولا يقدر خطورة إطالة عملية تحرير المدن المحتلة من قبل عصابات داعش على الموقف السوقي والتعبوي للعراق كدولة. 
    هذه الاطراف المعارضة لاشتراك الحشد الشعبي في عمليتي الفلوجة والموصل انما تبني مواقفها تلك انطلاقا من حسابات طائفية ترتبط بصلة مع دول تدعم داعش سرا من اجل تحقيق أهدافها في جعل العراق دولة ضعيفة ومنقسمة يتناحر قادته باستمرار. عدم الاتفاق على خطة ستراتيجية وموحدة تسمح بانطلاق هذه العمليات صيف هذا العام وتستمر حتى نهاية العام الحالي سيعني منح التنظيم الإرهابي فرصة كبيرة لاستئناف عملياته وتهديد المدن والمناطق المحررة, فضلا عن مشاغلة عدد كبير من القطعات الامنية التي تتولى حمايتها وعدم تفرغها لمقاتلته في المدن والمناطق المحتلة وهو ما يريده التنظيم ويسعى اليه.
    قد تكون مهمة تحرير المدينتين مهمة صعبة وشاقة للقوات التي ستهاجمها, خصوصا وان داعش الارهابي استغل فترة وجوده فيهما ليعزز دفاعاته, فضلا عن تفخيخ الطرقات والشوارع والساحات والمؤسسات فيها, لكنها ليست مستحيلة وأثبتتها عمليات تحرير الرمادي وتكريت وبيجي ان تم وضع الخطط بشكل كفوء بعد الاعتماد على جمع المعلومات الاستخبارية الدقيقة وشن غارات جوية مستمرة لتدمير القدرات الدفاعية والاحتياطية للتنظيم مع دعم وتشجيع الخلايا السرية المناهضة للتنظيم في داخل المدن المحتلة لتنفيذ عمليات قتل وتدمير لمواقعه ومقراته وعناصره الرئيسية من اجل إضعاف التنظيم الإرهابي وأفراده وفتح الطريق امام القوات الزاحفة لاكمال المهمة. إن قضية وطنية مهمة واساسية كعملية تحرير الفلوجة والموصل ينبغي ان لا تخضع للصفقات والمساومات والأمزجة, بل يجب ان تتحول الى قضية وطنية يجمع عليها العراقيون ويتوحدون خلفها من اجل دحر الإرهاب واستعادة البلاد لأمنها واستقرارها.
  • الدفاع عن المسيحيين.. وازدواجية المعايير!

    جيمس زغبي

    يواجه المسيحيون في الشام، ولاسيما الموجودين في سوريا وفلسطين، وكذلك العراق، تحديات مأساوية أسيء فهمها أو تم تجاهلها في الغرب. وخلال السنوات الأخيرة، لم تكن حمايتهم أو حتى الإقرار بوجودهم مبعث اهتمام سوى لصناع السياسات أو المجموعات المناصرة لهم، عندما تلائم روايتهم المقبولة أو أجندتهم السياسية في المنطقة.
    وعلى سبيل المثال، تعرض المسيحيون في فلسطين للتجاهل في معظم الأحيان، فهم عبء غير مريح بالنسبة للإنجيليين من جناح اليمين المتشدد، الذين لا يسمحون لأنفسهم بمشاهدة إسرائيل سوى من وراء غمامة أيديولوجية. ومن ثم يعتبرون أن تجمع اليهود في إسرائيل يعد مطلباً ضرورياً من أجل «الأيام الأخيرة» ومعركة «هرمجدون» وتحول اليهود إلى المسيحية، وعودة المسيح، وكل ما يتبع ذلك!
    وهؤلاء الإنجيليون يأتون إلى الأراضي المقدسة كحجاج للأماكن التي سرى فيها المسيح، ويزورون الأماكن المقدسة، وفي الوقت ذاته يتجاهلون وجود مجتمع مسيحي في فلسطين منذ نحو ألفي عام. ولأن الإنجيليين من جناح اليمين أصبحوا مدافعين شرسين عن السياسات الإسرائيلية، فهم لا يرفضون فحسب الإقرار بوجود ظلم بيِّن يعاني منه أبناء ديانتهم، ولكنهم أيضاً يتجاهلون وجودهم من الأساس.
    ولسوء الحظ، يؤثر هذا التعامي أيضاً على السياسيين من اليمين واليسار، لأن انتقاد السلوكيات الإسرائيلية يعتبر من المحظورات، ومعظم السياسيين أصابهم جهل مطبق بشأن الضحايا الفلسطينيين، سواء أكانوا مسيحيين أو مسلمين. ونتيجة لذلك بقوا صامتين بينما تعرضت الأماكن الدينية الفلسطينية للمصادرة أو التدمير، وفرضت إسرائيل نظاماً سياسياً يخول جماعة وحيدة هي اليهود كافة الحقوق، بينما يخضع المسلمون والمسيحيون لمجموعة من الممارسات التمييزية القاسية.
    ولقي المسيحيون في العراق وسوريا أيضاً مصيراً مختلفاً، وإن لم يكن أقل صعوبة، على أيدي الغرب. وخلال الفترة المؤدية إلى الغزو الأميركي للعراق، لم يدرس أحد في واشنطن التأثير الذي قد تسببه الحرب على المجتمع المسيحي المستضعف في ذلك البلد. وخلال السنوات التي تلت، بينما تمزق العراق أشلاء بسبب الصراع الطائفي، تجاهل الزعماء السياسيون والدينيون في الولايات المتحدة بشكل كبير مصير الأقليات في العراق. وعلى سبيل المثال، خيم الصمت على إدارة بوش بينما كانت ممتلكات المسيحيين تتعرض للنهب، وتصادر منازلهم وتجبر أسرهم على النزوح، وهو ما أسفر عن تراجع أعداد المسيحيين في العراق من 1,4 مليون إلى 400 ألف فقط. وقد يكون السبب في ذلك التجاهل أن إنقاذ هذا المجتمع المسيحي القديم لم يلائم الأجندة السياسية الأميركية، وكذلك لم تسمع صرخاته لنيل الاعتراف والحماية.
    ولم يبدأ الغرب في إلقاء بال لمن تبقى من مسيحيي العراق إلا بعد السلوكيات الوحشية لتنظيم «داعش». ويبدو الآن فقط أن مصيرهم يلائم الأجندة السياسية، بشن هجوم حزبي ضد الرئيس، وإفساح الطريق للجماعات اليمينية المناهضة للمسلمين كي تذرف بعض الدموع.
    وبطريقة مماثلة، تم تجاهل أصوات المسيحيين في سوريا أيضاً في بداية الصراع الدامي. وكثير من المسيحيين، على رغم عدم تأييدهم للنظام في دمشق، أعربوا عن قلق عميق، ومخاوف من «المعارضة». ولأن حكومة نظام الأسد تبنت طريقة علمانية قدمت بعض الحماية للمسيحيين، فقد نُعتوا في بعض الأحيان بأنهم متآمرون، وتعرضوا للإقصاء من المناقشات السياسية بشأن مستقبل بلدهم، وخصوصاً في الغرب.
    والآن فقط، بعد تفاقم خطر «داعش»، بدأ الزعماء الدينيون والسياسيون في الغرب يلقون بالاً للمسيحيين السوريين، ولكن كما كانت الحال في العراق، جاء ذلك متأخراً وضئيلاً جداً.
    والقول الفصل أن هؤلاء المسيحيين العرب ينبغي الاهتمام بهم وأن تسمع أصواتهم، وليس فقط عندما يلائم ما يقولونه أجندتنا حصراً. فهم أكثر من مجرد لاجئين أو ضحايا تطرف ديني يوفر أداة نافعة للمصابين بالرهاب من الإسلام كي يحذروا من المخاطر التي يروجون لها.
    والمسيحيون العرب هم مجتمعات تمثل جزءاً لا يتجزأ من تطور الثقافة والنسيج الاجتماعي لبلاد الشام والعراق. وبقاؤهم مهم للمنطقة. والاعتراف بحقوقهم، والإنصات لمخاوفهم، وتلبية احتياجاتهم يمكن أن يقدم دروساً لصناع السياسات. بيد أن استضعاف المسحيين العرب جعلهم ورقة اختبار للسياسات الغربية.
    وصمت الغرب في وجه خنق إسرائيل المستمر للمجتمع المسيحي الفلسطيني يقدح في سياساتنا الغربية بشأن حقوق الإنسان، ويظهر أنها معيبة ومصابة بازدواجية معايير قاتلة.
    وكان ينبغي أن يمثل مصير الفلسطينيين في العراق تحذيراً مبكراً للأميركيين بأن النظام الذي يعتمد على الطائفية في الحكم الذي تم فرضه في العراق محفوف بالمخاطر. وبالمثل، كان ينبغي أن تجعل حقيقة عدم وجود أي قيادة مسيحية في المعارضة السورية (على رغم وجود بعض المسيحيين «المختارين» الحاضرين في جماعات المعارضة) صناع السياسات على علم بأن بعض أطياف المعارضة ليست ممثلة بشكل جيد، وأنه لابد من بذل مزيد من الجهود من أجل تشكيل حركة معارضة شاملة وغير طائفية. وإذا كان الهدف هو إنشاء نظام تمثيلي ديمقراطي حقيقي للحكم في كل من العراق وسوريا، فلابد من أن تؤخذ أصوات قيادة المسيحيين والأقليات الأخرى في الحسبان.
  • عصفورة «كوبيتش»

    نوزاد حسن

    لا اعرف الى اي حد سيكون خطاب الممثل الخاص للامم المتحدة في العراق مزعجا للحكومة ولأعضاء البرلمان على حد سواء؟
    والى اية درجة سينظر قادة الكتل والزعامات العالية المقام الى ذلك الرجل نظرة فيها تحد واضح لأنه لم يقل الحقيقة الموجودة على الارض كما هي, وفضل ان يتحدث عن انطباعه بعد جلسة هادئة في شرفة مسكنه في المنطقة الخضراء وهو يشرب فنجانا من القهوة.
    لا اشك في ان اغلب القادة ومن يمشي خلفهم سيعجبون من كلام يان كوبيتش حين اشار الى ان «الاغلبية من الكتل العراقية ترفض اصلاحا جذريا للعملية السياسية, وتعد هذه المحاولات عبارة عن جهود ترمي الى نزع الشرعية ليس عن الحكومة ومجلس النواب فحسب بل عن النظام السياسي برمته. ومما تجدر ملاحظته ان تلك الكتل تعد عمل الصدر محاولة لتولي السلطة ارتكازا على الخلفية الشيعية».
    هذه الجملة بشعة جدا, وقبيحة لأنها التفت كأفعى «الاناكوندا» على نوايا الكتل السياسية, وتصريحاتها بأنها مع الاصلاح. لذا فإن ما قاله السيد يان كوبيتش قد يكون مما نقلته اليه العصفورة كما يقال. ولا يمكن ان يتطابق مع واقع حال الكتل السياسية التي تبحث عن حل لمشكلة البلد. لكنها ومع كل حرصها على سير العملية الاصلاحية لا تفضل ان تكون التغييرات الوزارية مثلا من خارج الكتل، فماء نبع الاحزاب ما زال جاريا ولم ينقطع، ولا يجوز ان يأتي وزير مستقل الى وزارة جلس على كرسيها وزير من كتلة او حزب كسب اصواتا في الانتخابات. المهم كان خطاب السيد كوبيتش مخيبا للآمال, وغير ملم, ومتشائم في بعض فقراته. هكذا ربما سيقرأ المشتركون في العملية السياسية كلمات رجل يتابع عن قرب وضع العملية السياسية. اما عبارة العرافين التي اعلن فيها ان الحالة قد هدأت, ولا يزال من غير الممكن التنبؤ بها. ويمكن ان تتبدى مظاهرها في اتجاهات عديدة مختلفة فستكون خروجا عن عمل محدد لممثل للامين العام. ان التشاؤم الى هذا الحد السوداوي هو مرض غربي ينتهي عادة بالانتحار. لذا لا يمكن ان تكون هناك اتجاهات عديدة لأن الوضع كما عبر عنه السيد رئيس الوزراء تحت السيطرة. وهنا ايضا سيقول بعض المنزعجين من الزعامات العالية المقام ان العصفورة نقلت معلومات غير واقعية عن وضع يتمتع بمرونة جيدة، وسينتهي الى الافضل بإرادة الجميع.
    عصفورة كوبيتش اخطأت, ولم تنقل اليه إلا ما هو ضد الوضع القائم، فالكتل السياسية في غالبيتها تريد الاصلاح, ولا تؤمن بالتشاؤم السياسي, وتفضل ان يكون الوزير خارجا من معطفها.
  • همجية «داعش» في بنجلاديش

    د.ذِكْرُ الرحمن

    لطالما عُرفت بنجلاديش، وهي دولة ذات غالبية مسلمة، بأنها ديمقراطية ليبرالية، وهو تقليد يفتخر به زعماء البلاد وشعبها كثيراً. لكن في الآونة الأخيرة، ثارت مخاوف في هذا البلد الواقع في جنوب آسيا من الانتشار المتزايد للأيديولوجية الإسلامية المتشددة التي تنعكس في موجة من عمليات القتل لأساتذة الجامعة والكتاب والدعاة الدينيين المعتدلين. وفي الأسابيع الثلاثة الماضية فحسب، قتل رئيس تحرير مجلة يدعى عبد المنان، وأستاذ جامعي للغة الإنجليزية يدعى رضا الكريم، وداعية صوفي معتدل، طعناً بالمديات من مهاجمين في ثلاث حوادث منفصلة. وخطأ المجني عليهم الوحيد في نظر المتشددين الإسلاميين هو أنهم إما كانوا يكتبون أو يتحدثون عن ضرورة مواصلة الدعم للمجتمع الليبرالي والعلماني في بنجلادش لجني ثمار التقدم والرخاء عبر التعايش السلمي.
    وعلى الرغم من أن «داعش» سارعت بإعلان مسؤوليتها على الهجمات، اشتبهت الحكومة في أن جماعات إسلامية متشددة محلية هي الضالعة في عمليات القتل. وفي سبتمبر الماضي أيضاً قُتل عامل مساعدات إيطالي وعامل زراعة ياباني بإطلاق النار عليهما في حادثين منفصلين. وفي ذاك الوقت، أعلنت «داعش» أيضاً مسؤوليتها عن قتل هذين الأجنبيين لكن الحكومة اتهمت إرهابيين محليين وسياسيين يدعمون جماعات يمينية متطرفة بأنهم الضالعون في قتل هذين الأجنبيين.
    وفي السنوات الثلاث الماضية، يشهد هذا البلد الذي يقطنه 160 مليون مسلم والمشهور بقيمه الليبرالية تصاعداً في تيارات التطرف الديني. ووقعت الهجمات في وقت بدأت فيه الحكومة البنجلادشية التي تتزعمها رئيسة الوزراء الشيخة حسنة حملة أمنية مشددة ضد أعضاء من «الجماعة الإسلامية». وأعدمت الحكومة بالفعل أعضاء قياديين في «الجماعة الإسلامية» أدينوا بالقتل الجماعي أثناء نضال التحرير في عام 1971. وإعدامهم أثار غضب «الجماعة الإسلامية» والمتعاطفين معها الذين يتهمون الحكومة بأنها شنت حملة ذات دوافع سياسية. ويعتقد كثيرون من المتشددين أنه يجب ترجمة غضبهم ضد الحكومة في صورة قتل ينفذه عادة متشددون يستخدمون المديات. وتواجه الحكومة أيضاً انتقادات بأنها لا تبذل ما يكفي من جهد لاعتقال المجرمين الضالعين في هذه الحوادث. وثار الغضب أكثر بعد أن طلبت الحكومة من المدونيين على مواقع التواصل الاجتماعي توخي الحذر بشأن ما يكتبونه.
    وعلى الرغم من أن جماعات مثل «داعش» و«القاعدة» في شبه القارة الهندية ليس لها موطئ قدم مباشرة في بنجلادش، هناك ما يدل على أن أيدولوجيتهم تؤثر على الجماعات الإرهابية المحلية. والعمال البنجلاديشيون الذين يعيشون في الخارج، خاصة في جنوب شرق آسيا والدول الأوروبية، يتأثرون بهم من خلال مواقع التواصل الاجتماعي. والعام الماضي رحّلت سنغافورة من أراضيها 26 بنجلاديشياً لدعمهم أيديولوجية إرهابية وأرسلتهم إلى بنجلادش، حيث اعتقلت الشرطة أكثر من نصفهم لوجود علاقات لهم بجماعة إرهابية محلية يطلق عليها «فرقة أنصار الله». وكان الرجال الذين ينتمون لأنحاء متفرقة من بنجلادش قد ذهبوا إلى سنغافورة في المقام الأول ليكسبوا المال كي يرسلوه إلى أسرهم في بنجلاديش. وهذه كانت أول حالة يتم فيه تبني الأفكار المتشددة من عدد كبير من العمال الذين تدفعهم عادة رغبتهم في دعم أسرهم إلى كسب المال بالسفر إلى الخارج.
    والأسبوع الماضي، احتجزت حكومة سنغافورة مرة أخرى ثمانية رجال بنجلاديشيين يعملون في سنغافورة للاشتباه في تخطيطهم لهجوم إرهابي في بنجلاديش. واحتجزتهم سنغافورة بموجب قانون الأمن الداخلي. وأعلن المحتجزون أنهم ينتمون لجماعة يطلق عليها «الدولة الإسلامية في بنجلاديش»، وأنهم كانوا يعتزمون الانضمام إلى «داعش» كمقاتلين أجانب في سوريا بحسب ما قالت السلطات الأمنية في سنغافورة. لكنهم لم يتمكنوا من السفر إلى أي بلد ثالث ليتسللوا إلى الشرق الأوسط، وكانوا يخططون للعودة إلى بنجلاديش لقلب نظام حكومتهم عبر وسائل عنيفة وإقامة دولة إسلامية هناك.
    وبينما تثير هذه التطورات من دون شك القلق في جنوب آسيا بصفة عامة وفي بنجلادش بصفة خاصة لكن الجيد في الأمر هو النفوذ الواسع الذي يتمتع به الكتاب والمفكرون وعلماء الدين الليبراليون والمعتدلون في المجتمع البنجلادشي. والبلاد تبلى بلاء حسناً في كل المؤشرات الاجتماعية. فقد تقلص الفقر من 40 في المئة عام 2010 إلى أقل من 24 في المئة حالياً. وحققت بنجلاديش ما يزيد على ستة في المئة من النمو في السنوات الست الماضية. وعائدات التصدير وتحويلات المغتربين من الخارج زادت ثلاثة أمثال، والاحتياط الأجنبي أيضاً ارتفع 6.5 في المئة في الفترة نفسها في هذا البلد المسلم الفقير.
    لكن التشدد المتصاعد مازال يمثل مجالاً يثير من القلق الكثير من دون شك. وهدف المتعصبين الدينيين، والمتشددين الضالعين في أحدث عمليات القتل، هو بوضوح نشر حالة من الذعر. والجماعات الإرهابية المحلية قادرة فيما يبدو على خلق حالة من الاضطراب في البلاد لكن الشعب واعٍ بشكل واضح فيما يبدو بالمخاطر على مجتمعهم إذا نجحت العناصر المتشددة في مسعاها لانتزاع السلطة من أيدي الحكومة. لكن عمليات القتل ما زالت سبباً قوياً لإثارة القلق في وقت تحاول فيه «داعش» و«القاعدة» الحصول على موطئ قدم في شبه القارة الهندية.
  • أوهام النفط

    علي حسن الفواز

    ما بين السياسة والاقتصاد علاقة ملتبسة رغم واقعيتها ولزوميتها،  وخطورة هذه العلاقة تكمن في طبيعة ما تثيره من صراعات وأزمات، والتي تنعكس سلبا على معطيات الاقتصاد والسياسة معا. أهم مظهر من مظاهر هذه الخطورة يرتبط بفعالية التوظيف، ووضع الخطاب السياسي في سياق مفتعل للاشكاليات الاقتصادية، مثلما تتبدى ذات الأزمة حين يكون الخطاب الاقتصادي المشوه وسط صراعات سياسية تُفقده أهميته، وربما تجعله مصدرا لانتاج المزيد من الأزمات العميقة. 
    النفط بوصفه مجالا مركزيا للاقتصاد تحول الى مصدر مرعب للأزمة حين جرّته الإرادت السياسية الى صراعاتها وحساباتها، فانخفاض أسعار النفط غير الواقعية مسألة سياسية بامتياز، وجزء من لعبة تتحكم بها صراعات دولية، ومن معطيات علاقات مضطربة بين المصالح.. واليوم حين أدركت ذات الارادات فشل هذا التوظيف حاولت العمل على تشكيل ترتيبات سياسية جديدة تُعطي للاقتصاد النفطي هامشا من المناورة، وتسعى لإعادة ترتيب ملفاته على مستوى التحكم بالإنتاج والأسعار.
    في الاسبوع الماضي قرأت تصريحا للخبير النفطي العراقي حمزة الجواهري، يقول فيه: (إن اسعار النفط في الايام المقبلة سترتفع نتيجة تراجع انتاج النفط الصخري وفقدان دول الخليج للقدرة على اغراق السوق النفطية بعد موت آباره) هذا التصريح يؤكد طبيعة التوظيف السياسي وخطورته للأزمة، والتي حاولت من خلالها الولايات المتحدة وبعض دول الأوبك وعلى رأسها دول الخليج إغراق السوق بالمعروض النفطي لتخفيض الأسعار، وللإضرار المُتعمَد باقتصادات دول لها سياسات أخرى مثل روسيا وايران والعراق، ورغم أنها واجهت مأزقا خطيرا جرّاء هذا التخفيض، إلّا أنها تعمدت الإصرار عليه خدمة لحسابات سياسات محورية لها أهداف ومصالح. 
    وبعد أن فشلت هذه السياسات من تحقيق مآربها عاد الحديث عن واقع جديد، وعن رؤية لسوق نفطية يمكن أن تتوازن فيها الأسعار والمصالح… فالكل يعرف أن حديث النفط الصخري غير واقعي بالكامل، وأن تحوّله الى مجال استثماري ستراتيجي سيكون بعيد المنال بسبب صعوبات كبيرة انتاجية وتسويقية، كما أن إغراق السوق بطريقة مجانية للمعروض النفطي سيرتد على أصحابه، وسيكون سببا في أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية.
    أزمات وأوهام
    التوهم بفرض حسابات سياسية من خلال الاقتصاد كثيرا ما تُفضي الى أزمات جانبية، والى معطيات من الصعب التحقق من وجودها، فما حدث قبل أيام من حرائق كبيرة في الغابات الكندية والقريبة من الحقول الصخرية أفشل الى حدٍ كبير من عمليات الاستثمار في هذا المجال، ووضع الشركات التي كانت تراهن على ذلك خارج الحسابات، وداخل مجال العودة الى الاستثمارات النفطية الطبيعية، وبالتالي أفقد هذا الأمر رهانا سياسيا كانت الغاية منه البحث عن البدائل، والعمل على الإضرار بمصالح دول معينة.
    ولعل ما يحدث الآن داخل منظمة الأوبك من تجاذبات حول تخفيض سقف الانتاج يعكس مدى خطورة المأزق السياسي التي تعيشه الكثير من دولها، والذي تبدت بعض مظاهره داخل أروقة الدولة الأكثر إنتاجا في منظمة الأوبك وهي السعودية، إذ وجدت الحكومة السعودية نفسها أمام اعادة النظر بالسياسة النفطية والعمل على دمج ثلاث وزارات في وزارة واحدة باسم وزارة الطاقة وإقالة وزير النفط، وهذا بطبيعة الحال يعكس واقعا جديدا، ورؤية أخرى لطبيعة الأخطار التي حدثت جرّاء السياسات غير المتوازنة في مجال الاقتصادات النفطية.. كما أن المعطيات الاقتصادية التي انعكست أزماتها عبر مظاهر العجز في الموازنات الوطنية ترتبط بتلك الأوهام السياسية، وبما كانت تُعول عليه دول معينة من منطلق سياسة فرض الأمر الواقع، لا سيما في المجال النفطي الذي يشكّل في بعض الدول الريع الأول لاقتصاداتها، وهو ما تجلت بعض مظاهره على الواقع الاجتماعي وعلى الخضوع لسياسات تقشف واستدانات من البنوك الدولية أو فرض التعامل بسياسات السندات المالية. أوهام النفط في منطقتنا العربية هي أوهام سياسية.
    وأن رهانات البعض على تضخيمها والتهويل منها سيضع المنطقة التي تعاني أساسا من أزمات عميقة أمام مشكلات خطيرة أبرزها تفاقم الصراعات الأهلية في المنطقة، وإعطاء الضوء الأخضر لتدخلات دولية في شؤونها، وهذا المعطى لم يجد عند الكثير من حكومات دول المنطقة نظرة واقعية، لأن عقدها السياسية وأوهامها لم تزل تفرض مهيمناتها وسياقاتها، وبما يجعل أفقها السياسي أكثر عتمة ومحدودية، حتى وأن راهنت على حسابات وخطط لا تجد لها في الواقع سياقا قابلا للتنفيذ، لأن طبيعة مرجعياتها السياسية والاقتصادية وحتى الفكرية محكومة بإرادات تصر على تسويق الكثير من الفشل، ومنها أوهام بوصفها خرائط سحرية لطرق النفط وحروب النفط.   
  • عثرات أمام التجارة الأوكرانية الأوروبية

    ليونيد برشيدسكي

    أثارت الاتفاقية الأوكرانية للتجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي جدلاً كبيراً، للدرجة التي أدت إلى تجميد علاقات الجمهورية السابقة في الاتحاد السوفييتي مع روسيا، التي تجهر علناً بمعارضتها لتوطيد علاقة كييف بأوروبا. والآن، وبعد بضعة أشهر من دخولها حيّز التنفيذ، يبدو أن الاتفاقية تصب في مصلحة الاتحاد الأوروبي بأكثر مما تستفيد منها أوكرانيا. وهذا لا يعني أيضاً أنها مبادرة لا تنطوي على الفوائد، لأنها تؤشر إلى أن على كييف أن تتبنّى بعض الإصلاحات الاقتصادية المحلية الضرورية، إذا أرادت أن تجني ثمار العوائد طويلة الأمد للتجارة الحرة مع أوروبا.
    وكانت المحادثات الهادفة إلى عقد اتفاقية تعاون بين أوروبا وأوكرانيا، قد انطلقت عام 2008 ولم تكتمل في صيغتها النهائية إلا عام 2012. وبعد ذلك بعام، رفض الرئيس الأوكراني «فيكتور يانوكوفيتش» التوقيع عليها بضغط من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي كان يرغب بضم أوكرانيا إلى مشروع «الاتحاد الاقتصادي الأوراسي» الذي يضم دول أوروبا الآسيوية. وأدى رفض يانوكوفيتش التوقيع عليها إلى اندلاع موجة من المظاهرات في كييف، بلغت من القوة الحد الذي دفع به إلى الفرار من أوكرانيا.
    وسارعت الحكومة الجديدة المؤيدة لأوروبا إلى توقيع الاتفاقية، وتعهدت بالعمل على تأهيل قوانينها، بحيث تنسجم مع المسار الذي تنتهجه أوروبا في مجال التجارة الحرة، والتي تهدف أيضاً إلى إلغاء أو تخفيض التعرفات الجمركية بين الطرفين. ودخل الجزء المتعلق بالتبادل التجاري بين الطرفين حيز التنفيذ منذ بداية شهر يناير الماضي (2016)، لكن البيانات الأولية المتعلقة بتطبيقها لم تكن مشجعة لأوكرانيا. واستناداً إلى بيانات رسمية صادرة عن «الوكالية الحكومية الأوكرانية للإحصاء» المتعلقة بأول شهرين من العام الجاري (يناير وفبراير)، سجل الحجم الإجمالي للسلع والبضائع التي تم تبادلها بين الطرفين انخفاضاً طفيفاً. وسجلت الصادرات الأوكرانية إلى أوروبا انخفاضاً يفوق انخفاض وارداتها منها.وبمعنى آخر، وبغض النظر عن الغضب الذي تشعر به روسيا إزاء هذا التقارب، والتي عمدت إلى زيادة العراقيل أمام التبادل التجاري مع أوكرانيا، رداً على الاتفاقية الأوروبية، انخفض حجم الصادرات والواردات المتبادلة بين أوكرانيا وأوروبا. وبأخذ كل هذه التداعيات بعين الاعتبار، يمكن القول إن الاتفاقية الأوكرانية- الأوروبية كان لها تأثيرها السلبي على الميزان التجاري لأوكرانيا بشكل عام. وليست هذه النتيجة من الأخبار التي يمكنها أن تلقى الترحيب في بلد انخفض فيه الاحتياطي النقدي من العملات الصعبة إلى أقل من 13.2 مليار دولار، أو ما يكفي لتغطية وارداته الضرورية لمدة لا تزيد على ثلاثة أشهر. ولو نظرنا إلى الأمر بأسلوب الخاسر والرابح،
     فسوف نستنتج بأن البنود المعلقة بالتعريفات في الاتفاقية الأوكرانية- الأوروبية كانت تصبّ في مصلحة الشركات الأوروبية. ويعود ذلك لأن الاتحاد الأوروبي عمد إلى فرض قيود صارمة على الحصص المسموح باستيرادها من السلع الأوكرانية الأكثر رواجاً. وفي اليوم الأول من شهر أبريل الماضي، كانت حصص الاستيراد الأوروبية من بعض السلع الأوكرانية المفضلة عن عام 2016 قد اكتملت، وبحيث لا يجوز مواصلة استيرادها إلى أوروبا بعد هذا التاريخ ومها: العسل والسكر والذرة والعنب وعصير التفاح وأنواع مختلفة من الحبوب. كما أن حصة الواردات من الكحول الإيثيلي (الإيثانول) كانت قد انتهت أيضاً. وفي اليوم الأول من شهر مايو الجاري، اكتملت حصة استيراد الشوفان إلى جانب القمح والشعير. واقتربت الحصص من البضائع التي تستوردها أوكرانيا من الاتحاد الأوروبي من الاكتمال عما تبقى من العام الجاري، على الرغم من أننا لم نبلغ منتصفه حتى الآن!.
    وبعيداً عن المنتجات الزراعية، تصدّر أوكرانيا المعادن، لكن الاتفاقية لم تغير شيئاً من قواعد التجارة بها التي بقيت حرّة منذ انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية عام 2008. وارتفعت أسعار الفولاذ بشكل كبير، منذ بداية العام الجاري، وسارعت أوكرانيا للاستفادة من هذا التطور، وخاصة بسبب ارتفاع سعر العملة الرئيسية للتداول التجاري في العالم وهي الدولار. وكان لهذا التطور أن يخفف من الضغوط على الميزان التجاري لأوكرانيا، على الرغم من أن الأرقام والبيانات الرسمية المتعلقة به لم تُنشر بعد. ولكن، ومنذ نهاية شهر أبريل الماضي، عادت أسعار الفولاذ إلى المستوى الذي كانت عليه في شهر مارس.
    ويشير أحدث التوقعات إلى أن من المرجح أن يرتفع العجز في الميزان التجاري لأوكرانيا مع أوروبا في النصف الثاني من العام الجاري، لأن حصصها من الصادرات الزراعية إلى أوروبا انتهى العمل بها بموجب الاتفاقية، ولن يكون هناك من سبب آخر يمكنه تخفيض هذا العجز.
  • مقاربة انتخابية

    ÓÚÏ ÇáÚÈíÏí

    ÇäÊÎÈÊ áäÏä ÞÈá ÃíÇã ÚãÏÉ áåÇ. Ýí ÏæÑÉ áÃÑÈÚ ÓäæÇÊ ÝÇÒ ÝíåÇ ãÑÔÍ ÍÒÈ ÇáÚãÇá ÇáÓíÏ ÕÇÏÞ ÎÇä¡ ÇÈä ÓÇÆÞ ÇáÈÇÕ ÇáÑÞã (٤٤)¡ æßÇä ÝæÒå ÈÝÇÑÞ ÃÕæÇÊ ßÈíÑ Úáì ãäÇÝÓå ÇáíåæÏí ÅÈä ÇáãáíÇÑÏíÑ. ÇäÊÎÇÈ ÌáÈ ÇáßËíÑ ãä ÇáÊÚáíÞÇÊ¡ Ýí ÛÇáÈåÇ Úä åÐÇ ÇáÊÍæá æÇáÇÞÊäÇÚ ÈÇäÊÎÇÈ ÇáÛÇáÈíÉ ÇáãÓíÍíÉ Ýí ãÏíäÉ ãÓíÍíÉ áãÓáã ÍÇßãÇð áåÇ Ýí ÙÑæÝ ÇÖØÑÇÈ Ïæáí íãËá Ýíå ÇáÊØÑÝ ÇáÇÓáÇãí ÌÇäÈÇð ãä ÍÑÈ ÇÑåÇÈ ßæäíÉ. æåæ ÇäÊÎÇÈ íÓÊÍÞ ÇáÎæÖ Ýí ÈÚÖ ÊÝÇÕíáå æÇáãÞÇÑäÉ Ýí äÊÇÆÌå ãÚ ãÌÊãÚäÇ ÇáÚÑÇÞí ÈÔßá ÚÇã æÇáÈÛÏÇÏí Úáì æÌå ÇáÎÕæÕ¡ ÝáäÏä ÇáßÈÑì íÒíÏ ÊÚÏÇÏ äÝæÓåÇ Úáì ÇáÎãÓÉ ÚÔÑ ãáíæä äÓãÉ ãäåã ãÇ íÞÇÑÈ ÇáËãÇäí æÃÑÈÚíä  ÈÇáãÆÉ ãÓíÍíæä¡ æÚÔÑæä  ÈÇáãÆÉ áÇ íÄãäæä æáã íäÊãæÇ Çáì Ïíä¡ æËãÇäíÉ ÈÇáãÆÉ ãÓáãíä æÃÞá ãä ÅËäíä ÈÇáãÆÉ íåæÏ. æÃÞá ãäåã ÓíÎ æÈæÐíæä æÛíÑåã¡ ÇÊÝÞæÇ Ýí ÃÕæÇÊåã Úáì ÇäÊÎÇÈ ÕÇÏÞ ÎÇä Ïæä Ãä íÝÊツ Ýí ÏÝÇÊÑåã ÇáÞÏíãÉ Úä Ïíäå¡ ÊÇÈÚæÇ æÇÊÈÚæÇ ÈÑäÇãÌå ÇáÇäÊÎÇÈí æÈÑÇãÌ ÍÒÈå¡ æÚäÏãÇ ÏÝÚÊ Íãì ÇáÇäÊÎÇÈ ÈÊäÇæá ãæÖæÚ ÇáÇÓáÇã ÚÇãáÇð ááÊÝÖíá¡ áã íÚÑå ÇáÛÇáÈíÉ ÇåÊãÇãÇð¡ æÇÊÌåæÇ ÕæÈ ÇäÊÎÇÈå ÊÈÚÇð áÞäÇÚÇÊåã.
    ÇäåÇ ÊÌÑÈÉ æØä ÍÖÇÑí ÊÌÇæÒ Ýíå ÇáãæÇØä ÎÕæÕíÊå ÇáÏíäíÉ æÇáÞæãíÉ¡ æÊÌÑÈÉ ÊÌÇäÓ ÇÌÊãÇÚí ÝÖá Ýí ãÌÇáåÇ ÇáãæÇØä¡ ÚíÔÇð ãÔÊÑßÇð Úáì ÍÓÇÈ ÇáÐÇÊíÉ… ÊÌÑÈÉ áæ ÞÇÑäÇ äÊÇÆÌåÇ ÈÊáß ÇáÇäÊÎÇÈÇÊ ÇáÊí ÌÑÊ Ýí ÈÛÏÇÏ áãäÕÈ Ããíä ÇáÚÇÕãÉ¡ æÊáß ÇáÊí ÓÊÌÑì ãÓÊÞÈáÇð æÇÝÊÑÖäÇ ÞÏ ÑÔÍ ßÑÏí Çáì åÐÇ ÇáãäÕÈ Ýåá ÓíÍÕá Úáì ÃÕæÇÊ ãä ÎÇÑÌ Çáãßæä ÇáßÑÏí¡ æáæ ÊÌÇæÒäÇ åÐÇ ÇáÇÝÊÑÇÖ ÇáÐí íÑÝÚ ÃÕæÇÊÇð ÓÊÞæá: Çäå æãßæäå íÓÚæä ááÇäÝÕÇá æÇÝÊÑÖäÇ ãÓíÍíÇð Ãæ ÕÇÈÆíÇð Ýåá ÓíßÓÈÇä ÃÕæÇÊ ÇáãÓáãíä ÇáÔíÚÉ Ãæ ÇáÓäÉ¿¡ æåá ÓíÓãÍ áåã Ýí ÇáÊÑÔíÍ ÃÕáÇð æÇä ÇÌÊÇÒÇ ÇÎÊÈÇÑ ÇáÇÌÊËÇË æÍÓä ÇáÓíÑ æÇáÓáæß¿. 
    áÇ¡ Çäåã áÇ íßÓÈÇä ÞØÚÇð ÇáÇ ÈÚÖ ÇáÃÕæÇÊ ÇáäÔÇÒ¡ Èá æÇä ÇáãÊæÞÚ æÝíãÇ ÇÐÇ äÌÍ ÃÍÏåã ææÕá ÍÇÝÇÊ ÇáÏÚÇíÉ ÇáÇäÊÎÇÈíÉ¡  ÓíÌÏ Ýí Çáíæã ÇáÊÇáí Ãä ãÛáÝÇð ÞÏ ÊÑß Ýí ÈÇÈå íÍæí ÑÕÇÕÉ æÞÕÇÕÉ æÑÞ ãßÊæÈ ÚáíåÇ “ÇäÓÍÈ æÇáÇ”. 
    Çäå ãÔåÏ ÇÝÊÑÇÖí¡ æÞæÚå ãÍÊãá ÌÏÇð¡ æÓØå äÌÏ ÃäÝÓäÇ æäÍä ÇáÓÇÚíä Çáì ÊÝÖíá ÇÈä ãáÊäÇ ÇáÌÇåá Úáì ÇÈä ÇáÛíÑ ÇáãÊÚáã¡ äÊÈÇßì Úáì ÚÑÇÞ¡ äÎÔì áå ÇáÊÞÓíã Ýí ãÑÍáÊäÇ ÇáÒãäíÉ ÇáÊí äÚíÔåÇ ÇáÂä¡ Ïæä Ãä äÓÃá ÃäÝÓäÇ ßíÝ áÇ íÞÓã æãÇ ÒáäÇ ääÊÎÈ æäÊÙÇåÑ æäÍÊÌ ØÇÆÝíÇð¿. ßíÝ áÇ íÞÓã ÍÊì æÞÊäÇ åÐÇ æåäÇß ãä íÊãÊÚ ÈãÞÊá ÛíÑå ØÇÆÝíÇð¿. æßíÝ áÇ íÞÓã æÇáãÓÄæá ãäÇ íÝÖá åÐÇ Úáì ÐÇß ÊÈÚÇð áãÞæáÉ «Çäå ãä ÚÏäÇ æÈíäÇ»¿.
    Çä åÐå ÇáÃÝßÇÑ æÃäæÇÚ ÇáÓáæß ÇáÊí ääÊåÌåÇ Ýí åÐÇ ÇáæØä ÇáÚáíá¡ åí ÇáÃÏæÇÊ ÇáÝÚáíÉ ááÊÞÓíã¡ æÇÐÇ áã äÊÎáÕ ãäåÇ¡ ÝÇáÊÞÓã ÂÊ áÇ ãÍÇáÉ¡ æÓíÞÑà ãä íÃÊí ÈÚÏäÇ ÚÈÇÑÇÊ ÃÞáåÇ ÞÓæÉ: Ãä ÌíáÇ ÚÇÔ æÍßã Ýí ÇáÑÈÚ ÇáÃæá ãä ÇáÃáÝíÉ ÇáËÇäíÉ åæ ãä ÞÓã ÇáÚÑÇÞ.
  • الخروج البريطاني المكلف

    امين قمورية

    مع اقتراب موعد الاستفتاء البريطاني على البقاء في الاتحاد الاوروبي، يستعد الاوروبيون لصيف حار وقد يجد زعماء أوروبا أنفسهم في هذا الصيف يحاولون منع قلاعهم الرملية من الانهيار بدلاً من الذهاب إلى الشواطئ.  فمنذ نشوء الاتحاد الاوروبي اضطلعت لندن بدور المتمرّد على أصول الاتحاد وقوانينه، حيث ضرب السياسيون المعارضون لوجود بريطانيا في الاتحاد على أوتار حساسة في الشارع البريطاني، لا سيما وترَي السيادة والهجرة. فالبريطانيون الذين لا يزال ماثلاً في ذاكرتهم الجماعية تاريخ إمبراطوريتهم التي كانت لا تغيب عنها الشمس، لايحبّذون الانصهار في بوتقة اوروبية تهدّد بمحو كيانهم وتراثهم. 
    انطلاقا من هذه المفاهيم يحشد المناهضون لبقاء بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي قواهم من أجل إقناع الشارع البريطاني بالانسحاب الفوري من هذا الاتحاد كي ترجع بريطانيا حرة طليقة، كما كانت بلا قيود أوروبية ومن دون قوانين وأنظمة تفرضها أوروبا عليها، وتعيق حركة تجارتها ومسيرة سياساتها الخارجية. وفي المقابل يحذّر أندادهم المؤيدون لبقاء بلادهم في الاتحاد الأوروبي، من المخاطر التي ستحيق ببريطانيا إن لم تكن عضوا في الاتحاد الأوروبي، وأهمها العزلة الاقتصادية التي ستصيبها، إن صارت تهرول وحدها في الساحة وتغادر الركب الأوروبي السائر.
    وسواء كان الامر الكابوس الذي يحذّر منه مؤيدو اوروبا، او التحرر الذي يدعو اليه معارضوها، فمن المؤكد ان سيناريو خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي، في حال تحقّق، سيكون خطوة في المجهول، اذ ستكون هذه المرة الاولى التي ينفصل فيها بلد عن الاتحاد.
    ويخشى انصار الوحدة الاوروبية من أن يأتي خروج المملكة المتحدة بكلفة اقتصادية كبرى بالنسبة إلى البلاد، نظرًا إلى ارتباطها الشديد بالاتحاد الأوروبي. ذلك ان أوجه النشاط التجاري مع باقي دول أعضاء الاتحاد، الذين يقدر عددهم بـ 26 دولة، يشكل نسبة قدرها 16 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة المتحدة. كما ان خروج بريطانيا سوف يضطرها إلى التفاوض على الوصول إلى السوق الأوروبية المشتركة لتسويق صناعات الخدمات لديها، في حين سوف تتمتع الشركات المصنعة في الاتحاد الأوروبي تلقائيا بحقوق تكاد تكون غير محدودة لبيع ما ترغب في بيعه أيا كان في بريطانيا بموجب القواعد العالمية التي وضعتها منظمة التجارة العالمية.وتاليا فإن بريطانيا سوف تكون بحاجة إلى اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي على غرار الاتفاقات التي تم التفاوض عليها مع سويسرا أو النروج، الكيانين الاقتصاديين الكبيرين الوحيدين خارج الاتحاد الأوروبي. ومن منظور الاتحاد الأوروبي، فإن شروط أي اتفاق مع بريطانيا لا بد أن لا تقل صرامة عن تلك الواردة في اتفاقات الشراكة القائمة. 
    ذلك أن منح بريطانيا شروطًا أسهل من شأنه أن يفرض على الفور تنازلات مماثلة لسويسرا والنرويج. والأمر الأكثر سوءًا هو أن أي امتياز خاص تحصل عليه بريطانيا، من شأنه أن يشكل سابقة، ويغري أعضاء آخرين تعوزهم الحماسة إلى التهديد بالخروج من الاتحاد الأوروبي والمطالبة بإعادة التفاوض. 
    ومن شأن اي قرار يتخذه الشعب البريطاني لمغادرة الاتحاد الأوروبي أن يضع مسألة استقلال اسكوتلندا مرة أخرى على جدول الأعمال. والواقع أن كثيرين في اسكوتلندا ممن يدافعون عن الاستقلال سيجادلون من أجل أن تبقى عضوا في الاتحاد الأوروبي، وهو امتناع شعبي من المتوقع أن يؤدّي إلى التصويت لصالح الانفصال عن المملكة المتحدة.
    وهكذا لن تكون إنكلترا فقط هي الخاسرة، لأن اسكوتلندا ربما تترك المملكة المتحدة وتعود إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، آخذة معها العديد من وظائف الخدمات في لندن إلى أدنبرة.
    ومن غير المرجح أن يتوقف التقسيم عند هذا الحد. ما يمكن اي يحدث في اسكوتلندا يمكن أن تكون له تداعيات عبر ما تبقى من المملكة المتحدة المجزأة. على وجه الخصوص، فإن مغادرة بريطانيا العظمى الاتحاد الأوروبي وخروج اسكوتلندا من المملكة المتحدة سيؤججان التوترات في إيرلندا الشمالية بين مؤيدي بريطانيا الاتحاديين والجمهوريين الذين يسعون للانضمام إلى إيرلندا.
    كما ان خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي سيعزز النفوذ الألماني أكثر مما عليه الحال الآن. ولن تكون هذه الهيمنة الألمانية صحّية على المدى الطويل، لأنها ستؤجج الاستياء من ألمانيا. ومن المرجح أن يصير الاتحاد الأوروبي أقل استعدادا وقدرة على العمل ككيان على الساحة العالمية، وستكون النتيجة إضعاف أوروبا في وقت تحتاج الولايات المتحدة إلى اتحاد أوروبي أقوى.
    اتحاد اوروبي من غير بريطانيا يضمر نفوذه وازدهاره. ومن شأنه ان يحول هذه الدولة التي لا تزال في عداد الدول الخمس الكبرى الى مجرد شريك تجاري ثانوي لأميـركا. لا شك في ان الاستفتاء مغامرة بالغة الخطورة.
  • نموذج الاندماج الأميركي

    جيمس زغبي 

    في بعض كتاباتي، سلّطت الضوء على الطريقة التي استوعبت عبرها الولايات المتحدة ودمجت، على مدار قرون، موجات لا حصر لها من المهاجرين من كل حدب وصوب، وحوّلتهم، في فترة قصيرة، إلى أميركيين. وقارنت ذلك بموقف الأوروبيين الذي لا يوفر في كثير من الأحيان الفرص ذاتها للاندماج. وأشرت أيضاً إلى أن المواطنين الأميركيين الجدد لا يحصلون على هوية جديدة فحسب، بل إن الهوية الأميركية نفسها تغيّرت أيضاً مع استيعاب المجموعات المتنوّعة الكثيرة التي جاءت إلينا. وهذا، بدوره، لا ينطبق على أوروبا أيضاً.
    هذه القدرة الاستيعابية والتحويلية للمهاجرين الجدد هي من بين السمات المحدّدة لهوية الولايات المتحدة الأميركية. وهي عملية أتاحت فرصاً كبيرة لمجموعات قادمة من الخارج للحصول على مكان في المنظومة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
    ولعل هذه بالتحديد هي الميزة التي جعلت تجربة المهاجرين العرب والمسلمين إلى أميركا مختلفة عما واجهه مواطنوهم الذين هاجروا إلى أوروبا. فخلال القرن الماضي، هاجر واستقرّ ما يزيد عن مليون عربي، من المسلمين والمسيحيين، وزهاء ثلاثة أرباع مليون مسلم غير عربي، في الولايات المتحدة. وعلى عكس نظرائهم في أوروبا، لم يتم حصارهم في أحياء فقيرة، ولم يصبحوا مواطنين من الطبقة الدنيا. وفي غضون جيل، عاش الباعة المتجوّلون اللبنانيون وعمال الحديد السوريون والحمّالون والعمال اليمنيون وصغار التجار الفلسطينيين والمصريين والعمال المغاربة تجربة صعود اجتماعي واقتصادي استثنائية، كانت ممكنة في أميركا. وهم لم يبقوا في وضع اقتصادي متدنٍ، لأنهم استغلوا الفرص التي أتاحتها لهم الدولة التي تبنتهم.
    برغم ما ذُكر، ثمة بعض التشابه بين الأحياء الفقيرة التي يقطنها لاتينيون أو أفارقة أميركيون مكافحون في كثير من المدن الأميركية، وتلك التي يسكنها ضحايا دول شمال أفريقيا أو جنوب آسيا التي تعرّضت للقمع الاستعماري، ممن ذهبوا إلى فرنسا أو المملكة المتحدة بحثاً عن فرصة، وأصبحوا حانقين بعدما وجدوا بطالة وتمييزاً منهجياً. فعلى المنوال نفسه، وجد كثير من مواطني الجنوب الأميركي أو الأحياء اللاتينية الذين فرّوا من الفقر في أميركا الوسطى أحلامهم تتبدّد في الولايات المتحدة. وهم اليوم يمثلون رسالة تذكير مزعجة للمجتمع الأميركي بالفصول المنحطة في تاريخنا التي نفضل أن نتجاهلها أو ننساها. إذ مثلما أخفق البريطانيون والفرنسيون في الاعتراف والتكفير عن تبعات سلوكياتهم المخزية في جنوب آسيا والعالم العربي، لم يتعامل الأميركيون تماماً بفاعلية مع التأثير المدمّر والصدمة الدائمة التي نزلت بالشعوب الأصلية في هذه الدولة، كذلك مع ضحايا العبودية وغزواتنا الاستعمارية للأراضي جنوب أميركا.
  • المحاكم الأميركية وحقوق الإنسان

    نوح فيلدمان

    يمكن مقاضاة أي شركة تؤثر انتهاكاتها لحقوق الإنسان في الخارج بشدة على الولايات المتحدة في أي محكمة اتحادية في البلاد فيما عدا نيويورك والدائرة الثانية من كونيتيكت. وصدور قرار في الآونة الأخيرة يعني أنها ستظل ناشزة عن بقية المحاكم الأميركية. وانقسمت محكمة الاستئناف الأميركية عن الدائرة الثانية بشدة بين أربعة أصوات مقابل ثلاثة أصوات في رفضها الانضواء تحت لواء المحاكم الأخرى. وذكر غالبية القضاة أن الأمر لا يستحق العناء بعد أن قلصت المحكمة العليا بشدة المسؤولية القانونية في القانون الدولي عام 2013. واعتقد المعارضون أن محكمة الاستئناف يجب أن تصلح ما اعتبرته خطأ حين أقرت أن الشركات لا يمكن تحميلها مسؤولية انتهاكات حقوق الإنسان في بلدان أخرى.
    وعلى الرغم من أن المحكمة العليا قلصت بشدة نطاق التقاضي في حقوق الإنسان في قرارها لعام 2013، لكن الممارسة لم تمت بعد. ومسؤولية الشركات وفر واحدة من الوسائل الرئيسة للضغط داخل الولايات المتحدة من أجل احترام أكبر لحقوق الإنسان في الخارج. والدائرة الثانية هي المكان الذي ولد فيه لأول مرة تشريع حقوق الإنسان الدولي في المحاكم الاتحادية في قضية ظهرت عام 1980 تدعى (فيلارتيجا ضد بينا-ايرالا)، حيث استخدمت محكمة الاستئناف بطريقة مبتكرة للغاية «تشريع المسؤولية التقصيرية للأجانب» الذي تم سنه عام 1789. وفي عبارة واحدة فحسب ينص القانون على أن المحاكم الاتحادية يجب أن يكون لها سلطة قضائية على «أي عمل مدني من أجنبي يمثل تقصيراً في المسؤولية يُرتكب ويشكل انتهاكاً للقانون». واحتدم الجدل والنقاش بين الباحثين بشأن معنى النص القانوني. ما يعنينا هنا هو أنه في عام 1980 أقرت الدائرة الثانية أن القانون يمكن أن يستخدمه أجنبي لمقاضاة أجنبي آخر في المحاكم الأميركية في انتهاكات للقانون الدولي تقع خارج الولايات المتحدة. وهكذا ظهرت أداة أساسية لنشطاء حقوق الإنسان ليلفتوا الانتباه المحلي والدولي لانتهاكات حقوق الإنسان حول العالم.
    وظلت عملية إمكانية التقاضي هذه صامدة حتى عام 2013. وما زعزعها هي النتيجة غير المتوقعة من المحكمة العليا في قضية (كيوبيل ضد رويال داتش بتروليوم) التي انطوت على قضية ضد شركة النفط الأوروبية «شل» للزعم بأنها انتهكت حقوق الإنسان في نيجيريا. وبدأت هذه القضية في محكمة جزئية اتحادية في نيويورك. والانقسام حمل القضية إلى المحكمة العليا التي من المفترض أن تقرر إذا ما كان يمكن مقاضاة الشركات بمقتضى «تشريع المسؤولية التقصيرية للأجانب». لكن بعد جدل شفهي، طلبت المحكمة إفادات جديدة بشأن سؤال منفصل وهو إذا ما كان القانون يستطيع التغلب على الافتراض القانوني ضد القوانين الأميركية المطبقة في الخارج. وفي قرار مهم كتبه القاضي انطوني كيندي، أكدت المحكمة أن تشريع المسؤولية التقصيرية لا ينطبق على التصرفات خارج الولايات المتحدة التي «لا تمس ولا تعني» الولايات المتحدة. وتركت المحكمة العليا شعاع أمل صغير أمام المدافعين الدوليين عن الحقوق الذين يريدون استخدام المحاكم الأميركية وهي النقطة المتعلقة باستثناء «تمس أو تعني الولايات المتحدة». لكن المحكمة العليا لم تكلف نفسها عناء حسم المسألة التي جاءت بها قضية «كيوبيل» في المقام الأول وتحديداً إذا ما كان يمكن جعل الشركات مدعى عليها في قضايا تتعلق بحقوق الإنسان.