صادق كاظم
باستثناء عملية تحرير هيت التي حصلت مؤخرا فان أية عملية كبيرة لاقتلاع جذور داعش من معاقله الأخيرة في الفلوجة والرمادي لم تحدث, بل لا تزال متوقفة وشبه معطلة، والسبب في ذلك يعود الى الخلافات وتقاطع وجهات النظر والستراتيجيات بشأن تحديد الأولوية والاسبقيات بين اختيار الفلوجة اولا في عملية التحرير أم الذهاب نحو الموصل وكلا الفريقين له مبرراته وادعاءاته.
الذهاب الى الفلوجة وإكمال عملية تحريرها يعني بحسب المطالبين بذلك اغلاق خاصرة بغداد الغربية ودفع وازاحة الخطر عنها بشكل نهائي والقضاء على وجود تنظيم داعش في محافظة الانبار بشكل كبير، اذ ان ترك هذا الجيب من دون معالجة نهائية سيسمح ببقاء التهديد للعاصمة قائما واحتمال اختراق دفاعاتها في اية لحظة, اضافة الى اشغال عدد كبير من القطعات الامنية والحشد الشعبي بمهة القتال على اطرافها مما يعني تخفيف الضغط على باقي المناطق الاخرى التي يتواجد فيها التنظيم الارهابي في جنوب كركوك والموصل، وهذا الرأي يتبناه الحشد الشعبي، فيما يرى الجانب الاميركي المتحمس لعملية الموصل بأن عملية تحريرها تعد ضرورية ومهمة في مثل هذا الوقت باعتبار ان عملية اسقاط الموصل واستعادتها من التنظيم الارهابي سيشكل نكسة معنوية ورمزية مهمة له ولأفراده، وبالتالي القضاء على التنظيم بشكل عملي ونهائي في العراق, اذ ان واشنطن تخطط لعملية مماثلة في شرق سوريا من خلال قوات سوريا الديمقراطية المتحالفة معها للسيطرة على الرقة التي تعتبر عاصمة تنظيم داعش مما يعني القضاء شبه التام على التنظيم في العراق وسوريا.خطة تحرير الفلوجة والموصل وحالة التقاطع والتشتت في اعطاء الاولوية في عملية التحرير لاي منهما سيعرقل كثيرا من مساعي الحرب ضد داعش ويشتت القوة المركزية المخصصة لعملية الحرب ضد الارهاب, اذ ان بالامكان التوصل الى اتفاق بين الحشد الشعبي وواشنطن لادارة عملية مشتركة تسمح بتحرير المدينتين من فلول داعش واستثمار القوة الرئيسية المتوفرة في عملية التحرير وعدم اتاحة الفرصة للتنظيم الارهابي بالتقاط انفاسه
من الممكن شن عملية سريعة وحاسمة لتحرير الفلوجة في الوقت القريب بالاستفادة من الغطاء الجوي لقوات التحالف الدولي داخل المدينة وتدمير مقرات قيادات داعش ومستودعات اسلحته ومفخخاته, اضافة الى خطوط الصد التي يقيمها الارهابيون حول المدينة مع استخدام قوات مكافحة الارهاب والجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي والعشائري في عملية تطويق المدينة واقتحامها ومن عدة اتجاهات, خصوصا وان التنظيم الارهابي يشهد حالات انهيار واضحة بين صفوفه وعناصره وهو وقت مناسب لاستثمار هذا الانهيار والشروع بعملية التحرير كصفحة اولى على ان تلحقها، عند اكتمال المهمة، عملية تحرير الموصل كهدف نهائي وحاسم. من الواضح ان تصاعد الخلافات وتعدد الجهات التي تمسك بمفاتيح القرار يؤثر في عملية تحريك ملف التحرير واصابته بالجمود، اذ انه من الواضح ان هناك غيابا لا يمكن تجاهله لعملية الاجماع الوطني والاتفاق حول آلية التحرير, حيث ان البعض يصر على عقد شروط واتفاقات قبل الشروع بهذا العمل وهو موقف غير صحيح ولا يقدر خطورة إطالة عملية تحرير المدن المحتلة من قبل عصابات داعش على الموقف السوقي والتعبوي للعراق كدولة.
هذه الاطراف المعارضة لاشتراك الحشد الشعبي في عمليتي الفلوجة والموصل انما تبني مواقفها تلك انطلاقا من حسابات طائفية ترتبط بصلة مع دول تدعم داعش سرا من اجل تحقيق أهدافها في جعل العراق دولة ضعيفة ومنقسمة يتناحر قادته باستمرار. عدم الاتفاق على خطة ستراتيجية وموحدة تسمح بانطلاق هذه العمليات صيف هذا العام وتستمر حتى نهاية العام الحالي سيعني منح التنظيم الإرهابي فرصة كبيرة لاستئناف عملياته وتهديد المدن والمناطق المحررة, فضلا عن مشاغلة عدد كبير من القطعات الامنية التي تتولى حمايتها وعدم تفرغها لمقاتلته في المدن والمناطق المحتلة وهو ما يريده التنظيم ويسعى اليه.
قد تكون مهمة تحرير المدينتين مهمة صعبة وشاقة للقوات التي ستهاجمها, خصوصا وان داعش الارهابي استغل فترة وجوده فيهما ليعزز دفاعاته, فضلا عن تفخيخ الطرقات والشوارع والساحات والمؤسسات فيها, لكنها ليست مستحيلة وأثبتتها عمليات تحرير الرمادي وتكريت وبيجي ان تم وضع الخطط بشكل كفوء بعد الاعتماد على جمع المعلومات الاستخبارية الدقيقة وشن غارات جوية مستمرة لتدمير القدرات الدفاعية والاحتياطية للتنظيم مع دعم وتشجيع الخلايا السرية المناهضة للتنظيم في داخل المدن المحتلة لتنفيذ عمليات قتل وتدمير لمواقعه ومقراته وعناصره الرئيسية من اجل إضعاف التنظيم الإرهابي وأفراده وفتح الطريق امام القوات الزاحفة لاكمال المهمة. إن قضية وطنية مهمة واساسية كعملية تحرير الفلوجة والموصل ينبغي ان لا تخضع للصفقات والمساومات والأمزجة, بل يجب ان تتحول الى قضية وطنية يجمع عليها العراقيون ويتوحدون خلفها من اجل دحر الإرهاب واستعادة البلاد لأمنها واستقرارها.