عباس عبد الرزاق الصباغ
يبدو أن تسارع وتائر الأحداث كما تسارعت في عملية كتابة الدستور الذي كتب على عجل وتبرأ الجميع منه فيما بعد واعتبروه ناقصا ومليئا «بالألغام» القانونية ، قد اضطرني للغوص في مظان الفلسفة للبحث عن توصيف ملائم للعجالة التي يتم بها اختيار الطاقم الحكومي الجديد الذي أريد له ان يظهر بجلباب تكنوقراطي ولأول مرة بعد التغيير النيساني وكأن الفرقاء السياسيين كانوا نياما وقد انتبهوا الى أن «تكنرطة» التشكيلة الحكومية هي الحل وصارت التكنوقراطية فجأة لمعة الضوء الوحيدة في نهاية النفق المظلم الذي حشر العراق فيها عصا موسى السحرية.
توصف التشكيلة فلسفيا مجازا بأنها (ليس بالإمكان أن يكون أفضل مما كان)،و لمن يراهن عليها في الوقت الحاضر ويستميت من اجلها ، انها اهدِرت فرص تاريخية كثيرة،و أذهبت مكاسب التغيير النيساني أدراج الرياح وكادت البلاد ترجع الى دون المربع الأول ابتداء من تجربة مجلس الحكم التي أسست لوجود نظام المحاصصة العرق / طائفية وتحت غطاء التوافق التشاركي واستيعاب «تناقضات» الفسيفساء العراقية. ولكن هل خلت الوزارات الأربع الماضية والخامسة الحالية من التكنوقراط؟ اعتقد أنها كانت مطعمة بالكثير من العناصر التكنوقراطية ومن ذوي الشهادات العليا وأصحاب الاختصاص وكان (بعضهم) قادرا على إدارة دفة وزاراتهم بالتي هي أحسن» جاءت اغلبها من ذات الكتل السياسية التي جربت حظها في المحاصصة من قبل وفشلت وقد وقعت بذات المطب الذي وقعت فيه بأنها أرادت الاستحواذ على الكعكة التنفيذية ومميزاتها وريعها ولم تندرج ضمن الآليات الرقابية تحت مسمى حكومة الظل لمراقبة الأداء الحكومي وتقييمه فأرادت الولوج من باب المحاصصة مرة اخرى وبحيلة «شرعية « وكما قال العبادي : (فلطالما سمعنا القوى السياسية وهي تطالب بحصتها ووزنها في حكومة التكنوقراط الجديدة وهذا يتقاطع مع مفهوم الإصلاح الجذري الذي يطالب به العراقيون عبر مغادرة المحاصصة والتوافقية في توزيع المناصب والمكاسب السياسية).وفي الحقيقة إن واقع المحاصصة السياسية يمثل جوهر الاختلالات البنيوية المكشوفة للجميع، وهو المسؤول الأول عن غرق البلاد بالفساد والفشل والانهيار والإرهاب ايضا ، وهو عين الواقع الذي لاتريد مغادرته الأحزاب المستفيدة من السلطة وامتيازاتها، ومن هنا فان التغيير بالإصلاح ينبغي أن ينطلق من مغادرة هذا الواقع الفاسد ، وهناك من يذهب به التفاؤل بعيدا بتشكيل حكومة تكنوقراط وإعطائها مهلة مئة يوم على سبيل التجربة وكأن العراق صار حقل تجارب للتأسيسات الدولتية الفاشلة والتشكيلات الحكوماتية المرتجلة ، شخصيا لا اعتقد ان فترة مئة يوم (او اكثر) ستكون كافية لتقويم أداء حكومة التكنوقراط في حال تشكيلها «بسلامة» لجسامة المهام التي ستلقى على عاتقها وضخامة الأدوار التي ستضطلع بها والتي من أبرزها تصحيح المسار الحكومي الذي انحرف عن الجادة منذ 2003 ولغاية الآن فهل تكون هذه الوزارة قادرة على تصحيح الانحراف ؟.وهو جواب سابق لأوانه بكثير وهذه الحكومة مازال الرأي العام لايعرف عنها شيئا، فالضبابية تلفها وأيضا عن الآليات والضوابط والمعايير التي بموجبها تم تشكيلها . أقول: إن المشكلة لم تكن يوما ما في التشكيلة الوزارية وحدها بل، إن هنالك حلقات اخرى استشرى فيها الفساد الإداري والمالي كانت بحاجة هي الأخرى الى «تكنرطة» يضاف إليها القواعد الجماهيرية الحاضنة له ووجوب تثقيفها واعدادها للاصلاح ، فالاكتفاء بتغيير الوجوه غير كافٍ لإنقاذ العملية السياسية وإطلاق الإصلاحات الجذرية التي تتطلع لها الجماهير . فالمطلوب هو تغيير جذري للقواعد الخاطئة التي قامت عليها « اللعبة « السياسية منذ 2003 والتي اعتمدت على تعيين الوزراء وكبار المسؤولين على أساس حزبي/ مذهبي / عرقي ومن المتحزبين حصرا، ما أتاح الفرصة لتولي الوزارات والمؤسسات الحكومية بما في ذلك الحساسة وذات الطبيعة الستراتيجية شخصيات غير مؤهلة، فهذا الخراب الشمولي لا يمكن أن يزاح في ليلة وضحاها عن طريق تقديم (لَستة)أسماء أريد منهم أن يكونوا حصان طروادة الإصلاح، فهل كان أس المشكلة يكمن في التشكيلة الحكومية فقط ؟ وهم مجرد حلقة في التسلسل الهرمي الوظيفي (التنفيذي) او موظفين بدرجة وزير لا أكثر ولابد من وجود حلقات اخرى اصغر منها او مرادفة لاتقل مسؤوليتها في هذا الخراب عن مسؤولية الوزراء، ولكن هل تنتهي المشكلة باستبدال وزير مكان وزير آخر لأنه صار «اكسباير « سياسيا وهل سيتحقق الإصلاح عن هذا الطريق ، لا اعتقد ذلك، فقد حدث العكس ، فقد فتحت «التكنرطة» أبوابا لأزمات سياسية أخرى لم تكن على البال.
فالحكومة ، وليست التشكيلة الوزارية فقط عبارة عن ماكنة كبيرة تضم الآلاف من المناصب والدرجات الرفيعة وفي شتى السلطات الثلاث كلها مسؤولة عن هذا الخراب.إصرار بعض الكتل على تمرير هذه التشكيلة يثير أكثر من علامة استفهام واستغراب وهي أسماء أثارت هي الاخرى أكثر من جدل إعلامي ونيابي ولم تنجُ من حمى التسقيط، ولمَ هذا الاستعجال ولما يتمَ القضاء على الفساد بعد او التهيئة لإرساء معالم نظام رئاسي ينسجم مع متطلبات التغيير التكنو قراطي المنشود (تغيير نظام الحكم اولا) لان النظام البرلماني لايصلح لذلك ، ولايمكن العبور فوق المحاصصة التي نشبت مخالبها في كل مضارب العملية السياسية بهذه الطريقة دون التهيؤ الى وضع آليات لإعادة التأسيس الدولتي من جديد وباتفاق جميع الشركاء السياسيين وعدم الانفراد بالقرار وتأسيس ديكتاتورية جديدة.