التصنيف: الرأي

  • تكنو قراط.. ولكن!

    عباس عبد الرزاق الصباغ 

    يبدو أن تسارع  وتائر الأحداث  كما تسارعت في عملية كتابة الدستور الذي كتب على عجل وتبرأ الجميع منه فيما بعد واعتبروه ناقصا ومليئا «بالألغام» القانونية ، قد اضطرني للغوص في مظان الفلسفة للبحث عن توصيف ملائم للعجالة  التي يتم  بها اختيار الطاقم الحكومي الجديد الذي أريد له ان يظهر بجلباب تكنوقراطي ولأول مرة بعد التغيير النيساني وكأن الفرقاء  السياسيين كانوا نياما وقد انتبهوا الى أن «تكنرطة» التشكيلة الحكومية هي الحل  وصارت التكنوقراطية فجأة  لمعة الضوء الوحيدة في نهاية النفق المظلم الذي حشر العراق فيها عصا موسى السحرية.
    توصف  التشكيلة  فلسفيا مجازا  بأنها   (ليس بالإمكان أن  يكون أفضل مما كان)،و لمن يراهن عليها في الوقت الحاضر ويستميت من اجلها ، انها اهدِرت فرص تاريخية كثيرة،و أذهبت مكاسب التغيير النيساني أدراج الرياح وكادت البلاد ترجع الى دون المربع الأول ابتداء من تجربة مجلس الحكم التي أسست لوجود نظام المحاصصة العرق / طائفية وتحت غطاء التوافق التشاركي واستيعاب «تناقضات» الفسيفساء العراقية. ولكن  هل خلت الوزارات الأربع  الماضية والخامسة الحالية  من التكنوقراط؟  اعتقد أنها كانت مطعمة بالكثير من العناصر التكنوقراطية ومن ذوي الشهادات العليا وأصحاب الاختصاص وكان (بعضهم) قادرا  على إدارة دفة وزاراتهم بالتي هي أحسن»   جاءت اغلبها من ذات الكتل السياسية التي جربت حظها  في المحاصصة من قبل وفشلت وقد وقعت بذات المطب الذي وقعت فيه بأنها أرادت الاستحواذ على الكعكة التنفيذية ومميزاتها وريعها ولم تندرج ضمن الآليات الرقابية تحت مسمى حكومة الظل لمراقبة الأداء الحكومي وتقييمه فأرادت الولوج  من باب المحاصصة مرة اخرى وبحيلة «شرعية «  وكما قال العبادي : (فلطالما سمعنا القوى السياسية وهي تطالب بحصتها ووزنها في حكومة التكنوقراط الجديدة وهذا يتقاطع مع مفهوم الإصلاح الجذري الذي يطالب به العراقيون عبر مغادرة المحاصصة والتوافقية في توزيع المناصب والمكاسب السياسية).وفي الحقيقة إن واقع المحاصصة السياسية يمثل جوهر الاختلالات البنيوية المكشوفة للجميع،  وهو المسؤول الأول عن غرق البلاد بالفساد والفشل والانهيار والإرهاب ايضا ،  وهو عين الواقع الذي لاتريد مغادرته الأحزاب المستفيدة من السلطة وامتيازاتها، ومن هنا فان التغيير بالإصلاح ينبغي أن ينطلق من مغادرة هذا الواقع الفاسد ، وهناك من يذهب به التفاؤل بعيدا بتشكيل حكومة تكنوقراط وإعطائها مهلة مئة يوم على سبيل التجربة وكأن العراق صار حقل تجارب للتأسيسات الدولتية  الفاشلة والتشكيلات الحكوماتية المرتجلة  ،  شخصيا لا اعتقد ان فترة مئة يوم (او اكثر) ستكون كافية لتقويم أداء حكومة التكنوقراط  في حال تشكيلها «بسلامة» لجسامة المهام التي ستلقى على عاتقها وضخامة الأدوار التي ستضطلع بها والتي من أبرزها تصحيح المسار الحكومي الذي انحرف عن الجادة منذ 2003 ولغاية الآن فهل تكون هذه الوزارة قادرة على تصحيح الانحراف ؟.وهو جواب سابق لأوانه بكثير وهذه الحكومة مازال الرأي العام لايعرف عنها شيئا،  فالضبابية تلفها وأيضا عن الآليات والضوابط والمعايير التي بموجبها تم تشكيلها . أقول: إن المشكلة لم تكن  يوما ما  في التشكيلة الوزارية وحدها بل،  إن هنالك حلقات اخرى استشرى فيها الفساد الإداري والمالي كانت بحاجة هي الأخرى  الى «تكنرطة» يضاف إليها القواعد الجماهيرية الحاضنة له ووجوب تثقيفها واعدادها للاصلاح ، فالاكتفاء بتغيير الوجوه غير كافٍ لإنقاذ العملية السياسية وإطلاق الإصلاحات الجذرية التي تتطلع لها الجماهير . فالمطلوب هو تغيير جذري للقواعد الخاطئة التي قامت عليها « اللعبة « السياسية منذ 2003  والتي اعتمدت على  تعيين الوزراء وكبار المسؤولين على أساس حزبي/ مذهبي / عرقي ومن المتحزبين حصرا، ما أتاح الفرصة  لتولي الوزارات والمؤسسات الحكومية بما في ذلك الحساسة وذات الطبيعة الستراتيجية شخصيات غير مؤهلة،  فهذا الخراب  الشمولي لا يمكن أن يزاح  في ليلة وضحاها عن طريق تقديم (لَستة)أسماء أريد منهم أن يكونوا حصان طروادة الإصلاح، فهل كان أس المشكلة يكمن في التشكيلة الحكومية فقط ؟ وهم مجرد حلقة في التسلسل الهرمي الوظيفي (التنفيذي) او موظفين بدرجة وزير لا أكثر ولابد من وجود حلقات اخرى اصغر منها او مرادفة لاتقل مسؤوليتها في هذا الخراب عن مسؤولية الوزراء، ولكن هل تنتهي المشكلة باستبدال وزير مكان وزير آخر لأنه صار «اكسباير « سياسيا وهل سيتحقق الإصلاح عن هذا الطريق ، لا اعتقد ذلك،  فقد حدث العكس ، فقد فتحت «التكنرطة» أبوابا لأزمات سياسية  أخرى لم تكن على البال.
     فالحكومة ، وليست التشكيلة الوزارية فقط عبارة عن  ماكنة كبيرة تضم الآلاف من المناصب والدرجات الرفيعة وفي شتى السلطات الثلاث كلها مسؤولة عن هذا الخراب.إصرار بعض الكتل على تمرير هذه التشكيلة يثير أكثر من علامة استفهام واستغراب وهي أسماء أثارت هي الاخرى أكثر من جدل إعلامي ونيابي ولم تنجُ من حمى التسقيط، ولمَ هذا الاستعجال ولما يتمَ القضاء على الفساد بعد  او التهيئة لإرساء معالم نظام رئاسي ينسجم مع متطلبات التغيير التكنو قراطي المنشود (تغيير نظام الحكم اولا) لان النظام البرلماني لايصلح لذلك ، ولايمكن العبور فوق المحاصصة  التي نشبت مخالبها في كل مضارب العملية السياسية بهذه الطريقة دون التهيؤ الى وضع آليات لإعادة التأسيس الدولتي من جديد وباتفاق جميع الشركاء السياسيين وعدم الانفراد بالقرار وتأسيس ديكتاتورية جديدة.
  • أفكار فرنسية مجردة

    مفتاح شعيب

    أطلقت وزارة الخارجية الفرنسية حملة دبلوماسية واسعة لشرح مبادرة جديدة لإحياء «محادثات السلام» بين الفلسطينيين وكيان الاحتلال، وقد مهد الرئيس فرانسوا هولاند ووزير الخارجية جان مارك أيغولوت لهذه الحملة بجولة مؤخراً شملت لبنان والأردن ومصر تم خلالها مناقشة أبعاد المبادرة والفرضيات التي تواجهها، مع تسليم أيغولوت مسبقاً بأن احتمالات الفشل أكبر من فرص النجاح بسبب تعقيدات القضية.
    من حيث المبدأ، لا ضير في أن تطلق فرنسا مجموعة أفكار تحاول نظرياً إيجاد تسوية، ولا تختلف عن المبادرات السابقة وعن مرجعية اتفاقية أوسلو من جهة تأكيدها على حل الدولتين، تقوم بمقتضاه الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على خطوط الرابع من يونيو/حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، بيد أن التخطيط شيء والواقع شيء آخر، ففرنسا أعلنت أن تفاصيل مبادرتها ستعلن في مؤتمر دولي يعقد على أراضيها أواخر الشهر المقبل، وسيدعو إلى عقد قمة دولية حول السلام في فلسطين قبل نهاية هذا العام. وبالمقابل، رفض كيان الاحتلال هذه المبادرة وأعلن، في أكثر من مرة، أنه غير معني بها، وبدورها لا تبدي السلطة الفلسطينية حماسة كبيرة، وأعلنت فصائل أخرى أنها مضيعة للوقت. ولا عجب في ذلك، لأن المبادرة تبدو عملاً استعراضياً أكثر منها بلورة لميثاق ملزم يمثل مرجعية وسلطة قانونية تسري على الجلاد والضحية. فالأطراف ذات الصلة بالقضية الفلسطينية ما زالت تعتقد أن 99 في المئة من أوراق اللعبة بأيدي الولايات المتحدة، وهذه الدولة أهملت هذا الملف وأصحابه. وحتى إذا دعمت المبادرة الفرنسية، فستكون مجاملة لدولة حليفة، وليس إيماناً بروح الأفكار المطروحة أو انتصاراً لقضية الشعب الفلسطيني.
    أغلب الظن أن المبادرة الفرنسية ستطلق في موعدها، وستسجل في أرشيف القضية الفلسطينية، ولن يقبلها كيان الاحتلال، وهو المحصن من الملاحقة والمساءلة. فلو كانت هناك إرادة دولية فعلية لبدأت العمل وفق القانون الدولي الإنساني باتخاذ قرارات وعقوبات لوقف مشاريع الاستيطان ووقف خطط التهويد وفك الحصار عن قطاع غزة وإنهاء عمليات الإعدام بحق النشطاء الفلسطينيين، وهي استحقاقات، لم تستطع الإرادة الدولية المطالبة بها، بينما تجد بالمقابل في مطالبة الشعب الفلسطيني بسلطته وقياداته وفصائله بتقديم التنازل تلو الآخر من دون تحقيق أي مكسب يحسب لفائدته ويعزز حقوقه.
    لن تكون المبادرة الفرنسية أكثر من أفكار مجردة، مثل قصة رومانسية تحلم بواقع بعيد المنال، فهي لن تجلب أي إنجاز عملي للفلسطينيين، ولن تتضمن أي ردع لكيان الاحتلال. وهذا الحكم سيسقط حين تثبت المبادرة العكس وتأتي بجديد لا يعرفه أحد.
  • أوباما في الرياض.. أي جديد؟

    حازم مبيضين

    لم يُجانب الصواب رئيس الاستخبارات السعودي السابق، حين أكد أن الأيام الخوالي بين بلاده والولايات المتحدة انتهت إلى غير رجعة، وأنه يجب إعادة تقييم العلاقة بينهما، ورؤيته أن هناك جانباً إيجابياً في تصريحات أوباما، وهو أنها أيقظت الجميع على أن هناك تغييراً في أميركا، يستوجب التعامل معه، ولعله كان يشير إلى تصريحات لأوباما قال فيها: إن المنافسة بين السعودية وإيران اسهمت في الفوضى في سوريا والعراق واليمن، وكان واضحاً حجم الاستياء الخليجي من سياسات واشنطن، من طبيعة الاستقبال الفاترة لأوباما في المطار، لكن ذلك لم يمنع أحد مرافقيه من التخفيف من أهمية ذلك، حيث لم يعتبر غياب العاهل السعودي إهانة للرئيس الأميركي، فيما أشار البعض إلى أنه رغم كل الاختلافات، فإن البلدين لن ينفصلا، لحاجة كل منهما للآخر.
    واشنطن فاخرت بتسريع وتيرة تعاونها العسكري مؤخراً مع دول الخليج، وكأن الأسلحة المستوردة وثمنها أكثر من 33 مليار دولار وصلت بالمجان أو لوجه الله، وكأنها ليست رصيداً للجيش الأميركي فيما لو احتاجها رغم أن صانعها قبض ثمنها، ويبدو من خلال النتائج أن الهدف الرئيس من زيارة أوباما، كان إصدار بيان، يتضمن أساساً حضّ الدول الخليجية على القيام بدور أكبر في محاربة داعش، وإقناعها بالعمل مع إيران، لأنه لا مصلحة لأي دولة في النزاع معها، غير أن ذلك لم يمنع ساكن البيت الأبيض من بذل محاولة لطيّ صفحة الخلافات مع الرياض، بتأكيده أن واشنطن لم تكن لتنجح في إبرام الاتفاق النووي مع إيران، لولا تعاون دول الخليج.
    كان التباين واضحاً بين واشنطن والدول الخليجية في ملفات عدة، خصوصاً الانفتاح على إيران وملفي اليمن وسوريا، حيث أكد الجانبان العزم على ترسيخ وقف الأعمال القتالية في سوريا، والحاجة للانتقال السياسي من دون الأسد، وفي حين أكد أوباما التزام العمل لوقف تمويل طهران، فإن القادة الخليجيين رحبوا بوقف الأعمال القتالية هناك، وكان العراق المادة الدسمة في مباحثات أوباما مع الخليجيين، ربما لأن الرئيس الأميركي يسعى لإنجاز مهم قبل نهاية عهده في مجال محاربة «داعش» سيكون العراق مسرحه، بعدما تقلصت كثيراً فرص الوصول إلى تسوية قريبة في سوريا، وهنا حذّر أوباما من أن أي إطالة لأمد الصراع في سوريا ستكون مكلفة، وأن الغالب سيرث بلداً منهاراً يتطلب سنوات عدة لإعادة بنائه، والواضح هنا أن واشنطن تتعاطى مع أزمات المنطقة من منظورها، المُختلف مرحلياً مع دول الخليج، رغم التشديد على أن اللقاءات في الرياض ساعدت على تنقية الأجواء، بمحاولتها إيجاد قاسم مشترك بين الأهداف والأساليب التي يتفق عليها الطرفان.
    أوباما اغتنم الفرصة فدعا إلى دعم الإصلاحات في الدول الخليجية، وتحدث عن الحاجة إلى اقتصاد يخدم كل المواطنين ويحترم حقوق الإنسان، وهنا نتبين أن ما كان قائماً بين واشنطن والرياض لم يعد على حاله الآن، رغم اللهجة الودودة التي خاطب بها أوباما مضيفيه، وكان واضحاً أن لهجته مفتعلة وبعيدة عن اللهجة اللاذعة التي استخدمها في مقابلة مجلة «أتلانتيك» الشهيرة، وإن كانت تحمل ذات المضمون، وفيها من النصائح ما يكفي لاستثارة غضب المضيفين الذين فقدوا نعمة النفط الذي تنافسه اليوم بدائله، لكنهم مضطرون «لمسايرة» حليفهم التاريخي، ويحاولون ترسيخ صداقتهم معه، من خلال صفقات التسلح المليارية للعبور إلى المستقبل وسط نيران إقليمية مشتعلة، رغم أنها لم تسمع منه غير التوبيخ، وضرورة الالتفات للمخاطر الداخلية، الناجمة عن سياسات قاصرة، حول ضرورات الإصلاح وحقوق الإنسان والاهتمام بمشاكل جيل الشباب وتوجيه اقتصادها لخدمتهم ومواجهة مخاطر الإرهاب المتنامي.
    هل كانت زيارة وداع أم هي استعراض لمواقف السعودية وأميركا من أزمات المنطقة؟ سؤال مطروح بجدية وجوابه أنه ليس هناك خلافات جذرية، بقدر ما أن المواقف ليست متطابقة، ولأن الرياض تظن أنها مركز القرار في محيطها العربي، فإنها تطلب من واشنطن المزيد من تقدير مركزيتها، والتشاور في أي مبادرة أميركية معلنة أو مستترة تجاه المنطقة، وإذ يعتقد البعض أن الولايات المتحدة ليست أكثر من دولة ترعى الفوضى، ولا تريد الوصول إلى نقطة استقرار يلتقي فيها المتصارعون برضاهم أو رغمهم، ويتهمونها بتحويل المنطقة إلى ساحات حروب عبثية، فإن قمة الرياض أكدت مجددًا جوهرية العلاقة بين الطرفين، رغم أن إدارة أوباما، أثارت الكثير من الشكوك الخليجية، بدعمها فوضى الربيع العربي، وخصوصاً جماعة الإخوان المسلمين، في حين خذلت معارضي الأسد، ووضعت كل بيضها في سلة الاتفاق النووي مع إيران.
     وبعد فإن إدارة أوباما بدت خلال قمة الرياض وكأنها غير قادرة على الالتزام بمواقف محددة، تُغيّر شكل سياستها الحالية تجاه أزمات المنطقة، ما يعني أن المنظومة الخليجية ستظل على تشاؤمها من إمكانية الوصول إلى اتفاقات جوهرية مع واشنطن حيال الأوضاع البائسة في اليمن وسوريا والعراق وليبيا، وأن عليها انتظار إدارة جديدة، تُحدد شكل ومضمون العلاقة بين الطرفين، وسيكون على الدول الخليجية أثناء فترة الانتظار التنبه إلى كل ما يصدر من واشنطن، والعمل على تغيير ظروفها الداخلية لمواجهة التطورات المحتملة.
  • الإعلام الأميركي يهمش ساندرز

    روبرت رايش

    راسلني صديق عبر البريد الإلكتروني،، وكتب لي، في ما يبدو أنها المرة الألف: «بيرني ساندرز يبلي بلاء حسناً، إلا أن ليس بوسعه، مهما حدث، الفوز بترشيح الحزب لخوض الانتخابات الأميركية».
    وكان قد أرفق مقالاً من إحدى صحف البلاد الرائدة، يظهر وجود المرشح الديمقراطي في الانتخابات التمهيدية، بيرني ساندرز، في مراحل متأخرة بالنسبة إلى المندوبين، لكن المقال أخفق في التمييز بين المندوبين المتميزين، وغالبيتهم العظمى ممن يلمون بدخائل الأمور في الحزب الديمقراطي ويدعمون هيلاري كلينتون، وبين المندوبين الملتزمين.
    لدى المرشحة الرئاسية الديمقراطية هيلاري كلينتون، اعتباراً من الآن، نسبة تقدر بنحو 24% من المندوبين الملتزمين، زيادة على ما لدى بيرني ساندرز.
    ويظل ذلك فجوة هائلة، إلا أنه لا يجعل من ترشيح ساندرز أمراً مستحيلاً، إذ من المحتمل أن تتلاشى أسبقية هيلاري كلينتون في المندوبين المتميزين في حال كسب ساندرز غالبية المندوبين الملتزمين.
    وقد حدث ذلك عام 2008، حينما عمد العديد من المندوبين المتميزين، الذين دعموها بشكل أولي، للانقلاب عليها في وقت لاحق، ليؤيدوا السيناتور باراك أوباما، وقتها.
    كان ساندرز، منذ منتصف شهر مارس الماضي، في خضم سلسلة من النجاحات، حيث حقق فوزاً هائلاً في ست من المنافسات التمهيدية للحزب الديمقراطي من أصل سبع، وذلك بفوزه على هيلاري كلينتون بنسبة 40 نقطة مئوية أو أكثر في ولايات أيداهو، و يوتاه، وألاسكا، وهاواي، وواشنطن.
    وقد حقق أخيراً الفوز في الانتخابات التمهيدية في ولاية ويسكونسن.
    إن الحماس لبيرني ساندرز لا يتضاءل، بل يزداد، ففي ولايتي أيداهو وألاسكا حقق نسبة إقبال أولية للناخبين حطمت رقماً قياسياً، ليستقطب آلاف الناخبين الجدد، كما فعل الشيء ذاته في ولايات؛ كولورادو، كانساس، مين، وميشيغان. لقد جمعت حملة مرشح الحزب الديمقراطي بيرني ساندرز خلال شهر مارس الماضي نحو 44 مليون دولار، وهو معدل شهري جديد مرتفع في سباقه، للوصول إلى البيت الأبيض.
    ولقد تم تحطيم الرقم القياسي السابق لحملة التبرعات في شهر فبراير الماضي، حينما تم جمع نحو 43.5 مليون دولار بالمقارنة مع تبرعات حملة هيلاري كلينتون، التي قدرت بنحو 30 مليون دولار. وجاءت معظم أموال حملة ساندرز في صورة تبرعات صغيرة، وحتى اللحظة، تم جمع أكثر من 6.5 ملايين دولار كونها مساهمات من مليوني مانح فردي.
    لا يزال بيرني ساندرز يجتذب حشوداً كبيرة، فقد تجمع نحو 18,500 شخص لسماعه، وهو يتحدث في ساوث برونكس، كما أن الشباب يستمرون في التدفق على حملته.
    يقابل كل نجاح يحققه المرشح بيرني ساندرز بقصة أو عمود أو حديث يقدم رسالة مفادها: «لكن ليس بمقدوره الفوز بترشيح الحزب». السبب الحقيقي وراء عدم قدرة وسائل الإعلام الأميركية الكبرى على رؤية ما يحدث يكمن في وجودها داخل فقاعة الآراء السياسية للمؤسسة الديمقراطية، التي تتمركز في واشنطن، وفقاعة قوة المؤسسة، المتمركزة في نيويورك. لذلك فإن وسائل الإعلام تلك مهتمة بشكل أكبر بشخصيات المرشحين، والشعب، والوسائل الداعمة لهم.
    وفي ذلك الإطار التوجيهي، يبدو من غير المنطقي فوز بيرني ساندرز بترشيح الحزب، فذلك الشخص الذي يصف نفسه بأنه اشتراكي ديمقراطي، يهودي يبلغ من العمر 74 عاماً، ومن ولاية فيرمونت، وأصله من بروكلين، حتى إنه لم يكن عضواً في الحزب الديمقراطي حتى وقت قريب، كما أنه لم يكن، على الإطلاق، لاعباً أساسياً في دوائر السلطة والنفوذ في واشنطن أو مانهاتن، كما ليس بحوزته داعمون رئيسون بين نخب أميركا السياسية أو في الاتحادات، أو وول ستريت.
    وبسبب اعتياد وسائل الإعلام الرئيسة على الشخصيات والسلطة، فإنها لم تصغِ لرسالة المرشح الديمقراطي بيرني ساندرز، أو لتأثيرها على الناخبين الديمقراطيين والمستقلين (شأن العديد من الجمهوريين).
    إن وسائل الإعلام تجهل كيفية تقديم تقرير يتعلق بالحركات السياسية، ومع ذلك فإن جزءاً كبيراً من ترشيح بيرني ساندرز يتناول بشكل أقل شخصيته، وذلك بالمقارنة مع «الثورة السياسية» التي يريد أتباعه تحقيقها، ناهيك عن أن وسائل الإعلام تلك لم تلحظ مدى عزم الأميركيين على عكس اتجاه زيادة نمو الثروة والسلطة السياسية، التي باتت تقوض الاقتصاد والديمقراطية الأميركيين.
    لذلك يمكننا فهم استمرار وسائل الإعلام في تهميش بيرني ساندرز، وكل ما يمثله، ولكن من المبكر للغاية اعتباره خارج الانتخابات الرئاسية الأميركية.
    وحتى في حال خسارته ترشيح الحزب، فإن الحركة التي أسهم في إحداثها لن تمر مرور الكرام، لأنها إحدى أكبر قصص عصرنا الحالي.
  • النهضة والمدرسة.. الآمال والمآلات

    عبدالإله بلقزيز

    ما إن استفاق العرب على حقائق العصر والمدنية (الأوروبية) الحديثة، وهَالَهُم ما عاينوه من وجوه الفوارق بينهم، و(بين) العالم الجديد، وكان ذلك قبل قرنين، حتى طَفِقت نخبتُهم الثقافية والمتنوّرة تبحث في أسباب كبوةٍ مدنيةٍ وانحطاطها، هي المدنية العربية الإسلامية، وفي أسباب صعودِ أخرى وظهورِها على العالم كلِّه. وكان أن أسفرت تلك الجولة المديدة من البحث، وقد امتدت على مدى ثلاثة أرباع القرن التاسع عشر، عن جملةٍ متداخلة من الأجوبة والدروس، يمكننا جمْعُها، على وفرتها، في جوابيْن رئيسَييْن العدْل والعلم، فالمبدآن هذان يفسّران لماذا يَعْمُر عمرانُ مجتمعٍ أو أمّة، فيكون لهما في التاريخ شأن، ولماذا يخْرب ذلك العمران، ويدبّ فيه الوهن والاضمحلال، فالأفول، ليخرُج والأمّة بذلك الأفول من التاريخ.
    تاريخ العرب والمسلمين نظيرُ تاريخ الأوروبيين في الشهادة على ذلك، والعِلّةُ هي عينُها في الحاليْن. وهذا عبدالرحمن بن خلدون، الذي تجاهلته حضارتُه لخمسمئة عام، يدرك، مبكِّرًا، هذا القانون ويعبر عنه أفصح تعبير ممكن في عصره: يُؤْذِن الاستبداد بخراب العمران، وحين يَحُلّ بمِصْر من الأمصار تَنْحَطّ فيها الصنائع، وتَكْسد التجارات أو يرتفع الاحتكار، ويَعُمّ الغلاء والفساد وتزداد المُكوس، ويتوقّف الإنتاج، وتحصل الندرة في السلع، وتَقِلُّ المداخيل، وتعجز الدولة عن دفع رواتب الحامية (العسكر)، وتَضْعُف قدرتُها على دفْع أعدائها فتسقط، وفي الموازاة، يكمِّم الاستبدادُ الأفواهَ، وتَنْحَطُّ العلوم والمعارف وتسقُط في الاجترار والتكرار، وتنتشر الشروح والمختصرات، ويتوقف الاجتهاد والإبداع، ويتكاثر الدجاجلة وأهلُ ثقافة السحر والبَخْت، وتتقحَّل العلوم العقلية، وتتحجّر العلوم الشرعية، فتؤول الثقافة والفكر إلى ظلامٍ مديد…
    ماذا حصل في تاريخنا، منذ القرن الرابع عشر الميلادي، غير ما توقَّعه ابن خلدون ونبَّه إليه؟ في المقابل، ماذا حصل في أوروبا، منذ القرن الخامس عشر، غير الذهاب في الاتجاه النقيض: في اتجاه العدل السياسي، وتقييد السلطة بالقانون، وتسريع وتائر الإنتاج، ونشر العلوم والمعارف ورعايتها، وحماية الحرية الفكرية والعقل والإبداع، وتأسيس المدارس والجامعات، وتسخير نتائج العلم في الإنتاج…إلخ؟ وما إنْ حصل الصّدام بين مدنيةٍ آفلة ومدنية صاعدة، منذ الهزيع الأخير من القرن الثامن عشر، حتى تبيّنَت نتائج كل من القانونيْن، في هذه المدنية وتلك، قانون السقوط وقانون الصعود، واتصال مسألتيْ العدْل والعلم، حضوراً وغياباً، بهما.
    أدرك نهضويو القرن التاسع عشر، العرب والمسلمون، هذه الحقيقة. أقام لهم دليلاً عليها النموذجُ المدني في أوروبا، قبل أن يعيدوا اكتشاف الدرس الخلدوني والإصغاء إليه. ولكن، أيضًا، قام لهم من تاريخهم الحاضر البئيس ألفُ دليل عليه.
    ما أكثر ما كتبه النهضويون العرب، في القرن التاسع عشر، في مسائل التربية والتعليم، منذ رفاعة رافع الطهطاوي في مصر، إلى محمد بلحسن الحجوي، في المغرب، والطاهر الحدّاد في تونس، مرورًا بخير الدين التونسي، وجمال الدين الأفغاني، وأحمد فارس الشدياق، وبطرس البستاني، ومحمد عبده، وفرح أنطون… إلخ. وفي جميع ما كتبوه، كان الاتفاق ينعقد في ما بينهم على جملةِ يقينيات حول مكانة التعليم والتربية، في مشروع النهضة والتقدم، في مقدِّمها الأفكار التالية:
    الأولى هي أنه لا نهضة لأَيّ مجتمعٍ أو أمّة، من دون العلم والسعي في تحصيله. المعرفة للنهضة كالطاقة للآلة المتحركة. ولا يكفي المجتمع أن تتوافر له الموارد الطبيعية الغنية كي ينهض ويتقدم، بل لا يكفيه أن يقيم النظام السياسي العصري، الذي لا مندوحة عنه، كي يتقدم، إن لم يقترن ذلك بإقامة أركان الإنتاج العلمي، وتوفير وسائل تحصيله وتعميمه. والعلم، عند النهضويين، ليس العلم الطبيعي والرياضي فحسب، وإنما أيضاً علوم المجتمع والإنسان، ثم المعارف العامّة، التي تُوسِّع المدارك، وتفتح الوعي على حقائق العالم الجديدة، وتحرِّر الإنسان من قيود الجهل والخرافة والتواكل. وبِقدر ما إن العلم، عندهم، يدخل في نسيج الإنتاج والصناعات، فيرفع من نِسَبها ومن نوعها، يدخل في تكوين المجتمع الحديث والدولة الحديثة والثقافة الحديثة، فيصنع الإنسان الجديد: الواعي والحرّ.
    والثانية أن تحرير المجتمع، وخاصة نصف ذلك المجتمع (المرأة)، من التهميش، والجهل، والتواكلية، ورفع مستوى التربية الأسرية والوطنية، وتهيئة المواطن المشارِك مشاركة إيجابية في البناء الاجتماعي والسياسي والثقافي، والمدافِع عن الحقوق الفردية والاجتماعية، والممارِس للواجبات التي يفرضها الانتماء إلى الوطن والدولة، يمتنع من دون نشر المعارف، وتمكين الناس كافة منها.
    أما الثالثة فهي أن المدرسة الوطنية أصبحت، في منظور النهضويين، المصنع الرئيسي لإنتاج المواطنين وتصنيع المجتمع الجديد.
    بعد ما يقارب القرنين على ميلاد هذا الطموح النهضوي في كسب معركة المعرفة والعلم، من طريق التَمَدرس والمدرسة الوطنية، أين وصلنا؟ وما الذي أنجزته أجيال ستة من نخب المجتمع والدولة في هذا المضمار؟ مازال نصفُ «المواطنين» العرب أميّاً، بحيث ما وَلَج أبناؤهُ مدارس، ومَن ولجَها لم يَزِدْ تكوينُه فيها عن سنوات معدودات! ومازال ثلاثة أرباع خريجي الجامعات والمعاهد العليا عاطلاً عن العمل! ومازال الإنتاج محرومًا من الاستفادة من الكفاءات المتكوّنة حرمانَ الدولةِ ومؤسساتها منها! ومازالت أعداد هائلة من الخريجين المتميزين تتدفق على بلدان الغرب، التي تقدّم لها الحوافز وتوفِّر لها الفرص! والأنكى والأمرُّ أنّ مستوى التكوين والتعليم المدرسي والجامعي، يتدهور وينحَطّ نتيجة السياسات التعليمية، الارتجالية والخرقاء، المنتَهَجَة! فأين واقع معارفنا ومدارسنا وجامعاتنا ممّا تطلّع إليه الجيل النهضوي الأوّل؟!
  • خطاب العزلة

    حسن الكعبي 

    لا يمكن للسلطة السياسية في مسعاها لحكم مجتمع ما، ان تكون فاعلة وقادرة على التاثير في محيطها الاجتماعي، اذا كانت خطابتها المصدرة لهذا المحيط تصدر عن سياق متعال، يكشف عن عدم فهم المشكلات التي يعانيها المجتمع والمتطلبات التي يحتاجها، فالسلطة يفترض بها انها تعي المشكلات والمتطلبات الاجتماعية مسبقا وتمتلك ستراتيجيات ازاءهما لان السياسة عموما وارادة السلطة تعنيان في الفهم الفلسفي والثقافي انهما ممارسات اجتماعية وان خطاباتهما اجتماعية اشارة الى تحرر الخطاب السياسي او خطاب السلطة السياسية عن العقد النخبوية التي تهيمن على مجالات اخرى، كالادب والفن مثلا، فالنخبوية وخطاباتها في هذين المجالين يتحولان في كثير من الاحيان الى فضيلة لهما فالانزياح والتوريات والكناية والاستعارة والمجازات التي تستخدم في هذين المجالين تجعل من العلاقة بين الدال والمدلول علاقة معقدة تحتاج الى وعي استثنائي وكون الادب والفن يفترضان لانتزاع دلالات خطاباتهما الابداعية وعيا ابداعيا فان فضيلتهما تكمن ضمن هذا الافتراض الذي يطور الوعي ويمنحه صفته الابداعية على عكس الخطاب السياسي الذي يكون فيه الدال عين المدلول، اي ان الخطاب يصدر عن طابع المشاكلة او المطابقة لانه في طبيعته متجرد عن مشترطات اللغة الفنية والادبية في احتكامهما الى الانزياحات وما شابه من تحميلات جمالية تسيطر على طابع الانتاج الفني والادبي هذا على صعيد اللغة التي من خلالها تتكشف الافعال والممارسات وفاعلتيهما التاثيرية في السياق الاجتماعي.
    ان المقارنة بين الادب او الفن والسياسة هي مقارنة على المستوى اللغة التي هي نتاج فهم بالمشكلات الاجتماعية وتمثيلها لغويا فاللغة ضمن هذه الحقول هي نتاج ممارسات اجتماعية والخطاب السياسي او الادبي لا يمكن ان يتشكل الا من خلال تمثل المشكل الاجتماعي والاتجاه الى سياقاته، واذا كان الامر كذلك فان الفن والادب يمتلكان فضيلة اخرى تتجلى في انه ومهما بالغ احدهما في نخبويته فانه لا يفرض خطابه على المجتمع لان رهانات الادب والفن هي رهانات مستقبلية تفترض ان هذا الخطاب موكول للمستقبل الذي سيتكفل في طرحه جماهيريا وبذلك فان الادب يمتلك صفته الديمقراطية وقدرته العجيبة على عدم الانعزال عن المجتمع في حين ان الخطاب السياسي هو خطاب آني فاذا كان نخبويا فانه يحكم على نفسه بالعزلة عن المجتمع والتضاد معه واذا حاول ان يفرض هذا الخطاب على المجتمع فانه يجنح الى استعمال سياسة القهر والاستبداد على المجتمع وفي كلا الحالتين فانه يعيش عزلة تامة عن المجتمع على مستوى الخطاب وعزلة عن فهم المجتمع، لكن في الآن ذاته فان هذه العزلة تفرض البطش والاستبداد على مستوى الممارسة اي ممارسة السلطة تجاه المجتمع 
    الذي تحكمه، فالعزلة في القاموس السياسي لا تعني الابتعاد عن المجتمع وتركه لحاله انما تعني الانعزال عن فهم مشكلاته والتضاد معه واعلان الحرب عليه.
    ان الاسباب الكامنة وراء النخبوية السياسية هي عدم التماس مع الشارع وفهم مشكلاته الاقتصادية والاجتماعية والذي ياتي اي هذا التماس عبر خبراء في الشؤون الاقتصادية والتخطيط العمراني بوصفهما وسائط فاعلة في فهم حاجيات المجتمع وافهامها الى السلطة التي تعتمد اعتمادا كليا في انتاج خطابها على الايضاحات المضمنة في تقارير هذه الوسائط، فالوسيطة الاقتصادية تكشف عن حاجات السوق الفعلية للمجتمع ووسيطة التخطيط العمراني تكشف عن معدلات النمو الاجتماعي وحاجاته الخدمية الفعلية من مشاريع لها مساس بواقعه الاقتصادي ومن ذلك ينشأ التفاعل الاجتماعي مع خطابات السلطة السياسية وهذا الامر معروف في نطاق الدول المتقدمة التي ابتنت خطاباتها على فهم عال بمشكلات مجتمعاتها واعتمادها اعتمادا كليا على تقارير وسائطها الفاعلة اقتصاديا واجتماعيا في حين ان سلطاتنا العربية المستبدة تكشف خطاباتها عن استبعاد هذه الوسائط ( وهذه خصيصة عربية متاصلة 
    في استبعاد وقمع الخبرات ) وبالتالي عدم فهم مشكلات المجتمع والانعزال عنه وفرض طبائعها الاستبدادية 
    عليه .
    ان امثلة العزلة السياسية لها تجليات كثيرة في الشأن العربي وفي الشأن العراقي فقد كشفت بعض الخطابات وهي تسعى لابداء رأيها حول الازمة الاقتصادية التي يمر بها البلد عن تلك العزلة الشاسعة عن المجتمع وعن عدم فهم المجتمع وما يمر به ولو فهما بسيطا او نسبيا بل انها خطابات تشعر المتلقي بانعزال مثل هذه الخطابات عن المجتمع بأزمنة تقدر بمئات القرون في افضل حالاتها والا فان الشعور الحقيقي تجاه هذه النوعية من الخطابات 
    بانها خطابات تستهين بالمجتمع وتستهزئ بمشكلاته الى ابعد الحدود وانها تتقصد التعامل معه بفوقية لا مثيل لها في تاريخ الاستبداد العربي الذي عامل مجتمعاته بأسوأ اشكال الامتهان .
  • أميركا والخليج والعلاقة القلقة

    ÓãíÍ ÕÚÈ

    ÞÈá  ÇáÞãÉ ÇáÊí ÌãÚÊ ÇáÑÆíÓ ÇáÇãíÑßí ÈÇÑÇß ÇæÈÇãÇ æÒÚãÇÁ ãÌáÓ ÇáÊÚÇæä ÇáÎáíÌí Ýí ÇáÑíÇÖ¡ Þíá ÇáßËíÑ ãä ÇáßáÇã Úä ÇáÚáÇÞÉ Èíä æ ÇÔäØä æÏæá ÇáÎáíÌ¡ æáÇ ÓíãÇ ÇáÓÚæÏíÉ.   æãä ÇáæÇÖÍ Çä åÐå ÇáÚáÇÞÉ íÔæÈåÇ ÇáßËíÑ ãä ÇáÊäÇÞÖ æÇáÎáÇÝÇÊ Ýí ÇáÑÃí¡ ãÇ ÇäÚßÓ ÊæÊÑÇð Ýí ÌãáÉ ãä ÇáÞÖÇíÇ ÇáÊí Êåã ÇáãäØÞÉ¡ æÒÇÏ ÇáÊæÊÑ ãÚ ÇáÇäÊÞÇÏÇÊ ÇáÊí æÌååÇ ÃæÈÇãÇ Çáì ÇáÓÚæÏíÉ æÏæá ÎáíÌíÉ ÃÎÑì Ýí ãÞÇÈáÊå ãÚ ãÌáÉ «ÃÊáÇäÊíß». íæãåÇ æÕÝ ÇáÑÆíÓ ÇáÃãíÑßí Ïæá ÇáÎáíÌ ÈÃäåÇ ÊÔÈå «ÇáÑÇßÈíä ÈÇáãÌÇä». áßä ãÇ íÌÏÑ ÇáÊæÞÝ ÚäÏå åæ Ãä ÇáÚáÇÞÉ ÇáÇãíÑßíÉ-ÇáÎáíÌíÉ ÈÏÃÊ ÈÇáÊÏåæÑ ãäÐ Ãä ÚÏá ÃæÈÇãÇ Úä ÊåÏíÏå ÈÊæÌíå ÖÑÈÉ ÚÓßÑíÉ Çáì äÙÇã ÇáÑÆíÓ ÈÔÇÑ ÇáÇÓÏ Ýí ÓæÑíÇ Ýí ÂÈ 2013 æÇáÞÈæá ãÚ ÑæÓíÇ ÈÊÓæíÉ ÞÇãÊ Úáì äÒÚ ÇáÓáÇÍ ÇáßíãíÇÆí ÇáÓæÑí. áßä ÇáÇãÊäÇÚ ÇáÇãíÑßí Úä ÇÓÞÇØ ÇáäÙÇã ÇáÓæÑí ÚÓßÑíÇð ßÇä íÎÝí ÎæÝÇð ÃãíÑßíÇð ãä ÚÏã ÊæÇÝÑ ÇáÈÏíá ÃßËÑ ãäå áÓÈÈ ÂÎÑ. æãÇ ßÔÝ Úäå ÇæÈÇãÇ Ýí ãÞÇÈáÊå ãÚ ÔÈßÉ «ÝæßÓ äíæÒ» ÇáÇãíÑßíÉ ááÊáÝÒíæä ÞÈá ÇíÇã Úä Ãä áíÈíÇ ßÇäÊ ãä ÇÓæÃ ÇáÎíÇÑÇÊ ÇáÊí ÃÞÏã ÚáíåÇ Ýí ÇáÓíÇÓÉ ÇáÎÇÑÌíÉ áíÓ ÏÝÇÚÇð Úä äÙÇã ãÚãÑ ÇáÞÐÇÝí æÅäãÇ ááÊÞÕíÑ ÇáÛÑÈí Ýí ÅíÌÇÏ ÈÏíá  íÌäÈ áíÈíÇ ÇáÝæÖì ÇáÊí ÇäÓÇÞÊ ÇáíåÇ ÈÚÏ ÓÞæØ ÇáäÙÇã ÝíåÇ. æßÇä áæã ÃæÈÇãÇ ãäÕÈÇð ÈÇáÏÑÌÉ ÇáÇæáì Úáì ÍáÝÇÆå ÇáÇæÑæÈííä¡ æáÇ ÓíãÇ ÝÑäÓÇ æÈÑíØÇäíÇ.
    ÑÈãÇ ßÇä ÇáÎæÝ ãä ÊßÑÇÑ ÇáÓíäÇÑíæ Ýí ÓæÑíÇ åæ ÇáÏÇÝÚ ÇáÐí ÍÏÇ ÈÇáÑÆíÓ ÇáÇãíÑßí Çáì ÇáÊÑæí Ýí ÊæÌíå ÖÑÈÉ ÚÓßÑíÉ ááäÙÇã ÇáÓæÑí. ÃãÇ ãä æÌåÉ äÙÑ ÇáÏæá ÇáÎáíÌíÉ ÝÇäåÇ ßÇäÊ ÊÊØáÚ ÝÞØ Çáì ÇÓÞÇØ ÇáÇÓÏ ãä Ïæä ÇáäÙÑ ßËíÑÇð Çáì ãÇ íãßä Çä íÊÑÊÈ Úáì Ðáß ãä ÓíØÑÉ ÇáÝæÖì ÇáßÇãáÉ Úáì ÓæÑíÇ.     
    æÇáÚÇãá ÇáËÇäí ÇáÐí áÚÈ ÏæÑÇð ßÈíÑÇð Ýí ÊÚãíÞ ÇáÔÑÎ Èíä ÃÏÇÑÉ ÇæÈÇãÇ æÏæá ÇáÎáíÌ¡ ßÇä ÇáÊæÞíÚ ÇáÇãíÑßí Úáì ÇáÇÊÝÇÞ Çáäææí ãÚ ÇíÑÇä. ÝÏæá ÇáÎáíÌ ßÇäÊ ÊÝÖá ÇÓÊãÑÇÑ ÇáÚÞæÈÇÊ Úáì ØåÑÇä ÍÊì ÊÞÈá ÈÇáÊÎáí ÇáäåÇÆí Úä ØãæÍÇÊåÇ ÇáäææíÉ ÍÊì ÇáÓáãíÉ ãä ÈíäåÇ. æáíÓÊ åÐå ÇáäÞØÉ ÇáæÍíÏÉ ÇáÊí ßÇäÊ ÊÞáÞ Ïæá ÇáÎáíÌ¡ Èá Ãä Çá쾄 ÇáÇíÑÇäí Ýí ÇáãäØÞÉ íæáÏ ÞáÞÇð áÏì åÐå ÇáÏæá íÝæÞ ÈßËíÑ Ðáß ÇáäÇÌã Úä ÇáØãæÍÇÊ ÇáäææíÉ. æáÇ íÈÏæ ÇáÝßÑÉ ÇáÊí ØÑÍåÇ ÃæÈÇãÇ Úáì ÇáÎáíÌííä ÈÜ”ÊÞÇÓã” ÇáäÝæÐ ãÚ ÇíÑÇä Ýí ÇáãäØÞÉ ÞÏ áÞíÊ ÇÓÊÍÓÇäÇð áÏíåã¡ Èá ÒÇÏÊåã äÝæÑÇð ãä æÇÔäØä æÌÚáÊåã íÑÊÇÈæä ÃßËÑ ÈÇáäíÇÊ ÇáÇãíÑßíÉ.  æáã íÎÝÝ ãä ÇáÎÔíÉ ÇáÎáíÌíÉ ÇáÊÚåÏÇÊ ÇáÇãíÑßíÉ  ÇáÖãÇäÇÊ ÇáÇãäíÉ ÇáÊí ÊÚåÏ ÈåÇ ÃæÈÇãÇ ááÏÝÇÚ Úä ÇáÎáíÌ Ýí ÍÇá ÊÚÑÖ Ïæáå áÃí ÇÚÊÏÇÁ.  
    æÏÝÚ ÊÒÇíÏ ÇáÔß Ýí ÇáÚáÇÞÉ ãÚ ÇáæáÇíÇÊ ÇáãÊÍÏÉ ÈÇáÓÚæÏíÉ Çáì ÇäÊåÇÌ ÓíÇÓÉ ÞÏ áÇ ÊÑæÞ ßËíÑÇð ááæáÇíÇÊ ÇáãÊÍÏÉ. æåßÐÇ ßÇäÊ ÇáÍÑÈ Úáì ÇáÍæËííä Ýí Çáíãä. ßãÇ Çä ÇáÏÚã ÇáÎáíÌí áÝÕÇÆá ÚÓßÑíÉ ãÓáÍÉ Ýí ÓæÑíÇ íÍæá Ïæä ÞÈæá åÐå ÇáÝÕÇÆá ÈÇáÊÒÇã Íá ÓíÇÓí ááÃÒãÉ ÇáÓæÑíÉ æíÏÝÚ ÇáÇãæÑ Çáì ãÒíÏ ãä ÇáÊÕÚíÏ.   
    ßá Ðáß ÃæÌÏ ÇßËÑ ãä ÓæÁ ÊÝÇåã ÈåÐÇ ÇáÇÊÓÇÚ ááãÑÉ ÇáÇæáì Èíä ÇÏÇÑÉ ÇãíÑßíÉ æÏæá ÇáÎáíÌ. æáÇ íÈÏæ Çä ÑåÇäÇÊ ÇáÈÚÖ Ýí ÇáÎáíÌ Úä ÇãßÇä ÚæÏÉ ÇáÇãæÑ Çáì ÓÇÈÞ ÚåÏåÇ ÈãÌÑÏ ãÛÇÏÑÉ ÇæÈÇãÇ ááÈíÊ ÇáÇÈíÖ ÈÚÏ ÃÔåÑ. ÅÐ Ãä ÇáÔÑÎ ÇáãæÌæÏ Ýí ÇáÚáÇÞÇÊ áíÓ ÞÇÆãÇð Úáì ãÓÃáÉ ÔÎÕíÉ æÅäãÇ äÇÈÚ ãä ÇáãÓÃáÉ ÇáÊí ÊäÙÑ ÈåÇ ÇáæáÇíÇÊ ÇáãÊÍÏÉ Çáì ãÕÇáÍåÇ Ýí ÇáÔÑÞ ÇáÇæÓØ.  æãåãÇ ßÇä ÇÓã ÇáÑÆíÓ ÇáÇãíÑßí ÇáãÞÈá¡ ÝÅäå ãä ÇáãÓÊÈÚÏ Ãä íäÞÖ ÓíÇÓÉ ÇæÈÇãÇ æíÚæÏ Çáì ÈäÇÁ ÓíÇÓÉ ãä äÞØÉ ÇáÕÝÑ.Çä ÇáÇæáæíÉ ááæáÇíÇÊ ÇáãÊÍÏÉ ÇáÇä Ýí ÇáÔÑÞ ÇáÇæÓØ åí ÇáÞÖÇÁ Úáì ÊäÙíã «ÏÇÚÔ» ÇáÇÑåÇÈí¡ ÈíäãÇ íÊãÓß ÇáÎáíÌíæä ÈÃæáæíÉ ÅÓÞÇØ ÇáäÙÇã ÇáÓæÑí Úáì ÑÛã Çä Ðáß íÓåã Ýí ÊÞæíÉ ÇáÇÑåÇÈ. æÇÐÇ ãÇ ÚÇÏÊ ÇãíÑßÇ Çáì ÏÚã ÇáÎíÇÑ ÇáÚÓßÑí ÖÏ ÇáÇÓÏ ÝÅäåÇ ÈÐáß ÊØíá ÚãÑ ÇáÍÑÈ áíÓ Ýí ÓæÑíÇ ÝÍÓÈ æÅäãÇ Ýí ÇáÚÑÇÞ ÇíÖÇð. æáä íßæä ãä ÔÃä äÞÖ ÇáÇÊÝÇÞ Çáäææí ãÚ ÇíÑÇä Óæì ÊÕÚíÏ ÇáÇÎØÇÑ Ýí ÇáãäØÞÉ. áÐáß ãä ÇáÕÚæÈÉ ÈãßÇä Úáì Ãí ÑÆíÓ ÇãíÑßí ãÞÈá Çä íÊÎáì ÈÇáßÇãá Úä ÓíÇÓÉ ÇæÈÇãÇ æíÚæÏ Çáì äåÌ ÇáÊÕÚíÏ Ýí ÇáÔÑÞ ÇáÇæÓØ¡ áÇ ÓíãÇ Ãä ãËá ÇáÓíÇÓÉ ÌÑÈÊåÇ ÇãíÑßÇ æÇÏÎáÊåÇ Ýí ÇßËÑ ãä æÑØÉ.
  • أميركا ودرس التسامح!

    جيمس زغبي

    تواجه أوروبا بوضوح مشكلة مع معاداة السامية والإسلاموفوبيا والتعصب تجاه المهاجرين الجدد. وفي محاولة للتحقق من هذه المجموعة المقلقة من المخاوف، أجرت مؤخراً «اللجنة الأميركية بشأن الحريات الدينية العالمية»، التي كنت عضواً فيها، نقاشاً مع اليهود والمسلمين الأوروبيين.
    وقد أدليت بالتصريحات الختامية، وانتهزت الفرصة للإشارة إلى أنه في حين أمكن للتجربة الأميركية تقديم نموذج يبعث على الأمل، إلا أنني لا أنظر إلى الأمر على أنه توجيه للاتهام، لأن معاداة السامية والإسلاموفوبيا ظاهرتان غير غريبتين على الولايات المتحدة. وتؤكد إحصائيات «مكتب التحقيقات الفيدرالي» بشأن جرائم الكراهية أنه خلال العام الماضي، كانت 58 في المئة من جرائم الكراهية المرتبطة بالدين بحق اليهود، و17 في المئة كانت ضد المسلمين. وبحسب تقرير 2015 الصادر عن «المركز الجنوبي لقوانين الفقر»، هناك 34 منظمة تروّج للكراهية ضد المسلمين تعمل في الولايات المتحدة، و10 جماعات لإنكار الهولوكوست، و19 منظمة «هوية مسيحية» معادية للسامية.
    ومعظم هذه الجماعات المعادية للسامية، وإن كانت خطيرة، لكنها تعمل على أطراف المجتمع، لأنها اشتهرت بسوء السمعة، ولم تجد مكاناً في المسار السياسي العام. وعلى رغم ذلك، لا يزال تأثيرها واضحاً في مئات من جرائم الكراهية التي تحرض عليها.
    وليست الحال هكذا فيما يتعلق بالخطاب والأفعال المعادية للمسلمين. ففي حين أن كثيراً من الجماعات المروجة للإسلاموفوبيا نشرت أيضاً كراهيتها في الظلام، إلا أن التصريحات المعادية للمسلمين وجدت أيضاً طريقها إلى المسار السياسي العام، وأحدثت مناخاً سياسياً سلبياً للمسلمين الأميركيين.
    وفي عام 2010 على سبيل المثال، كانت هناك حملة وطنية تهدف إلى إعاقة الجهود الرامية إلى بناء مركز للجالية المسلمة في جنوب مانهاتن. وفي 2012، أعلن 5 مرشحين رئاسيين أنهم قبل أن يسمحوا لأي أميركي مسلم بالعمل في إداراتهم، فسيحصلون منه على قسَم خاص بالولاء. وخلال السباق الرئاسي الحالي، دعا مرشحان رئاسيان بارزان إلى حظر جميع المهاجرين المسلمين من دخول الولايات المتحدة.وعلاوة على ذلك، وجدت الحملة المناهضة للمسلمين طريقها على مستوى الولايات. ومنذ عام 2010، شهدت 36 ولاية أميركية إما تمرير أو مناقشة تشريع مخصص لحظر تطبيق أحكام الشريعة، وهي جهود غريبة ومستهجنة لأن أحداً لم يقترح تطبيقها في الولايات المتحدة. والحملة برمتها لم تكن سوى محاولة لترويج الخوف واستخدام المسلمين كوسيلة لذلك.
    وكان تأثير ذلك التحريض كارثياً على الرأي العام. وفي عام 2010، أظهرت استطلاعات الرأي أن الشعب الأميركي كانت لا تزال لديه نزعة إيجابية للمسلمين الأميركيين، بنسبة بلغت 48 في المئة مؤيدين مقابل 33 في المئة غير مؤيدين. ولكن بحلول عام 2015، انقلبت هذه الأرقام رأساً على عقب، فأصبح هناك 33 في المئة مؤيدون في مقابل 37 في المئة غير مؤيدين. ولم يكن للحملة الانتخابية الراهنة تأثير فقط على المواقف تجاه المسلمين بشكل عام، ولكنها أيضاً أثرت على مواقف الشعب من الترحيب بقدوم مهاجرين جدد من دول مسلمة. والنتيجة هي أن مواقف الأميركيين أضحت متماثلة تقريباً مع وجهات النظر المتعصبة لدى بعض الأوروبيين.
    وفي استطلاع حديث للرأي أجراه مركز «زغبي» للخدمات البحثية، في ست دول أوروبية والولايات المتحدة، توصلنا إلى أنه توجد في جميع تلك الدول تقريباً (باستثناء المملكة المتحدة) أغلبية أو أكثرية ستؤيد بقوة استقبال اللاجئين الأوروبيين في مجتمعاتها، إلا أنه في جميع هذه الدول أغلبية أو أكثرية تعارض بقوة الترحيب بالمهاجرين المسلمين.
    ويعني ذلك أننا نتقاسم المشكلة ذاتها. وعلى رغم هذا، لا تزال هناك دروس يمكن أن نتعلمها من التجربة الأميركية، ويمكن أن يستفيد منها الأوروبيون. ففي حين أن المناخ السلبي الحالي أحدثه المتعصبون ومن يعانون من الرهاب الإسلامي، إلا أن أميركا اجتازت طريق التعصب من قبل، ولطالما وجدت طريقة لتصحيح ذاتها. ويمكن أن يتم التوصل للحل من خلال الميزة الاستيعابية للهوية الأميركية.
    فقد جاء المهاجرون إلى هنا من أرجاء العالم كافة، وواجهوا صعوبات في البداية، وفي نهاية المطاف أصبحوا أميركيين. وفي منتصف القرن التاسع عشر، تعرضت الكنائس الكاثوليكية ومنازل المهاجرين الإيرلنديين للحرق وتمت تسويتها بالأرض. ووصف المهاجرون من أوروبا الشرقية والوسطى بأنهم «كسالى سكّيرون». وتعرض الإيطاليون للإعدام أيضاً في الجنوب في بدايات القرن العشرين أو تمت مقاضاتهم لأنهم مثيرون محتملون للفوضى.
    ولكن هذه لم تكن أبداً نهاية القصة، لأنه على رغم ارتفاع صوت المتعصبين، إلا أن الانتماء العرقي لم يحدد أبداً كون المرء أميركياً. ولم يكن ذلك سهلاً، فدوماً كان هناك من يقاوم الترحيب بالمجموعات الجديدة، غير أنه في النهاية كان المتعصبون دائماً هم من يخسرون.
  • السياحة في العراق

    باسم محمد حبيب

    يعد القطاع السياحي من القطاعات التي تلقى اهتماما كبيرا في الكثير من بلدان العالم، وذلك لما يدره من موارد مالية، وما يوفره من فرص عمل، فضلا عما يعكسه من صورة جميلة عن تلك البلدان وما تشهده من تطورات في شتى مناحي الحياة. 
    ولأهمية السياحة فإن بلدان كثيرة باتت تهتم بإنشاء قطاع سياحي متطور ومتنوع من بينها بلدان لا تتوافر على أي مقومات سياحية، فيما على الضد من ذلك هناك بلدان لديها الكثير من المقومات السياحية، إلا أنها لم تقم باستغلالها استغلالا اقتصاديا، ومن هذه البلدان العراق الذي وعلى الرغم مما يتوافر فيه من مقومات سياحية إلا ان تقصيرا شاب استغلالها الذي كان بإمكانه أن يقلص اعتماده على النفط و يسهم في تنويع موارده الاقتصادية. فالعراق وعلى الرغم من كونه من البلدان القليلة التي تمتاز بسمعتها الأثرية الكبيرة وبوجود الشواخص الحضارية والتراثية القيمة كالزقورة والملوية، فضلا عن المواقع الأثرية المنتشرة في انحاء البلد، إلا أنه مازال يعاني قصورا في  جعلها مواقع سياحية تجذب الزوار إليها، وذلك لحاجة ذلك إلى الأموال التي يتطلبها تطوير هذا القطاع من تهيئة للبنى التحتية وتوفير لوسائل الراحة فضلا عن إقامة ما تحتاجه هذه المواقع من منتجعات وفنادق ومطاعم السياحية، ويشمل هذا الأمر عدم الافادة من المظاهر الطبيعية ذات الجذب السياحي كمنطقة الأهوار التي لا تمتاز بطابعها الفريد وحسب بل وبجمال طبيعتها وتنوع مظاهرها البيئية وما إلى ذلك، ما يجعلها صالحة لإقامة الكثير من المواقع السياحية فيها. وهذا ما يشمل المساجد والكنائس والأضرحة والمقامات الدينية التي تنتشر على مساحة البلد والتي تعكس تنوعه الديني والمذهبي ، إذ على الرغم من استقباله اعدادا هائلة من الزوار سنويا إلى أنه لم يتم حتى الآن استغلالها استغلالا اقتصاديا، ليس بجعلها تدر الأموال وحسب بل وبتقليص ما يبذل من جهود وما ينفق من موارد على تنظيمها وحمايتها، إذ يشمل الإنفاق مجالات كثيرة من بينها الأمن والنقل والإقامة، فضلا عن الخدمات المختلفة.
    فالعراق يعاني من عدم وجود ستراتيجية لتطوير القطاع السياحي، ولا أي خطط لتنميته وتوسيع آفاقه، إذ بقي العمل فيه مرتكزا بدرجة كبيرة على القرارات السريعة الارتجالية ، والمبادرات الفردية من هذا الوزير أو ذاك أو من هذه المؤسسة أو تلك، ما افقد هذا القطاع حضوره بوصفه أحد القطاعات التي يحتاجها البلد للانتقال من الاقتصاد الاحادي الذي يعتمد على مورد واحد من موارد الاقتصاد إلى الاقتصاد المتنوع الذي يعتمد على موارد عدة .
    لذا من الضروري الالتفات إلى هذا الجانب بوصفه احد الحلول التي يمكن بها معالجة المشاكل الاقتصادية التي تنتاب البلد من حين إلى آخر.
  • «بيرني ساندرز» وتغيير أميركا

    حازم صاغية

    بيرني ساندرز اسم لمع كالشهاب في سماء واشنطن. فقد تحول، بسرعة خارقة، مرشحاً جدياً عن الحزب الديمقراطي لخوض معركة الرئاسة. صحيح أن من شاركه الصعود المفاجئ لم يكن إلا المرشح المهرّج والعنصري دونالد ترامب، الذي لا يزال أقوى مرشحي الحزب الجمهوري لتولي المنصب الأول، والازدواج المتناقض هذا، ترامب/ ساندرز، إنما ينمُّ عن تصدع الوسط في الولايات المتحدة. ولكن الصحيح أيضاً أن ترامب لا يقدم سوى ديماغوجيات الكراهية حلاً لمعضلات أميركا والعالم، فيما يحمل ساندرز رهاناً على تحويل بلده إلى النموذج الإسكندنافي الذي يمزج الديمقراطية الغربية واقتصاد السوق بدرجة من تدخل الدولة وتوزيع الثروات لمصلحة الأضعف والأفقر. فساندرز، كما قال في زيارته الخاطفة الأخيرة لروما، إنما يجهد للوصول إلى «اقتصاد أخلاقي» لا تكون السياسة فيه مطيّة للشركات، ولا يتعارض الربح مع قيم المجتمع وتضامنه.
    أمّا اعتماد النموذج الإسكندنافي الذي تدل البراهين الكثيرة على تفوقه على النظام النيوليبرالي، وطبعاً على النظام التوتاليتاري للاقتصاد الموجّه، فيفرضه سبب آخر هو إنهاء الشذوذ الأميركي التقليدي. ذاك أن الولايات المتحدة، وبسبب أسبقية المجتمع فيها على الدولة، طورت ميلاً عاماً إلى رفض كل تدخل لهذا الوافد الجديد المسمى دولة في تسيير المجتمع وتغييره. وقد عملت عقود الحرب الباردة على خلق نوع من المماهاة الكاذبة بين أدنى تدخل، أكان في النظام الضريبي أو الصحي، وبين التوتاليتارية الشيوعية المناهضة للحرية والفردية. لهذا، ووفقاً لما كشفته متاعب إدارتي بيل كلينتون وباراك أوباما الديمقراطيتين، تنتصب تحديات لا حصر لها أمام كل إنجاز يتصل بالضمان الصحي ويرتد نفعه على ملايين الأميركيين.
    والواقع أن الولايات المتحدة لم تعد تستطيع الاستمرار على النهج الذي أرست دعائمه إدارة رونالد ريغان في الثمانينيات، وهذا أبز الأسباب وراء صعود كل من ترامب وساندرز كوجهين يقعان، رغم تناقضهما، خارج «المؤسسة» التقليدية. ذاك أن الفجوة بين الفقراء الذين يزداد عددهم والأغنياء الذين يزدادون تركّزاً غدت واسعة جداً، بل غير مسبوقة. وإذ تتقلص فرص العمل بسبب تفريع وحدات الإنتاج والخدمات بنقلها إلى الخارج، حيث اليد العاملة أرخص، فإن الشبيبة تشعر بانعدام أفق كامل: فالخريج الجامعي بات مرتهناً، ولسنوات مديدة، كي يستطيع سداد الديون التي مدّته بأقساط تعليمه. وهذا يعني تأخّر سن زواجه، وعيشه مدة أطول في بيت أهله بما يعزز العلاقات والقيم الأشد محافظة. إلا أنه يعني أيضاً، من ناحية أخرى، استعداداً أعلى لدى هذا الخريج الجديد لممارسة أعمال ونشاطات فاسدة تكفل له تسريع قدرته على ردّ الدَّين الثقيل الوطأة.
    وعلى أية حال، فإن ساندرز، وهذا هو المرجح، قد لا يتمكن من الفوز بترشيح حزبه. ذاك أن من يواجهه في المنافسة هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية السابقة ذات الخبرة الجدية، وزوجة الرئيس السابق بيل كلينتون التي شاركته هندسة بعض المسائل الاجتماعية إبان ولايتي حكمه (1992- 2000). وغني عن القول إن القيادات التقليدية للحزب الديمقراطي أقرب كثيراً إلى كلينتون منهم إلى بيرني ساندرز «الغريب» و«الطارئ».
    بيد أن ذلك لا يلغي حقيقة ستزداد آثارها وضوحاً في السنوات القليلة المقبلة، وهي أن ساندرز ترك على السياسات الأميركية بصمة سيضطر أي رئيس مقبل إلى أخذها بعين الاعتبار، خصوصاً في ظلّ نسبة تأييده لدى الشبية وصغار السن ممن سيتعاظم دورهم مستقبلاً.
    وهذا لا يلغي الأسئلة عن جوانب في سياسته الخارجيّة، وعن موقفه من الاتفاقات التجارية الدولية، أو من حمل السلاح، ولكن ذلك لا يغير في الأساسيات، أي تغيير أميركا.