ليونيد بيرشيدسكي
المدافعون عن انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وجهوا لوماً شديداً للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بسبب قرارها السماح بمقاضاة الكاتب الساخر «يان بوهميرمان» لنظمه قصيدة ضد الرئيس التركي، وهؤلاء يرون أن الزعيمة الألمانية أظهرت أن الحلول الوسط غير المقبولة تفرضها الطبيعة المختلة وظيفياً للاتحاد الأوروبي، وهذا قد يكون صحيحاً، لكن الواقع أن ميركل تسير على حبل رفيع في السياسة الداخلية وبدأت تترنح.
ففي الآونة الأخيرة كتب «بوريس جونسون» رئيس بلدية لندن وأحد كبار المدافعين عن خروج بريطانيا من التكتل عمود رأي انتقد فيه ميركل لعدم رفضها طلب أردوغان محاكمة «بوهميرمان» قائلاً: «عملية تكامل الاتحاد الأوروبي تعني التآكل الكامل للديمقراطية، ويبدو أن حماية هذه العملية يعني تآكل حرية الرأي أيضاً. والموضوع برمته مشين». وجونسون ليس بمفرده، فقد أعلن الكاتب البريطاني الشهير دوجلاس موراي، في صحيفة ذا سبكتيتور، عن مسابقة لكتابة قصيدة ساخرة في أردوغان وساهم أحد القراء بجائزة مقدارها ألف جنيه استرليني للفائز تعلن في 23 يونيو وهو يوم الاستفتاء على انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي «لأننا قد لا نستطيع إعلانها بعد ذلك». وفي إشارة إلى جهود أردوغان لحماية نفسه من الانتقادات في تركيا، كتب «موراي» أن «كثيرين منا افترضوا أن قوانين العيب في الذات الملكية هذه لن يتم تطبيقها في أوروبا، لكن ها نحن ذا نشهد تمدد حكم أردوغان إلى أوروبا». وهذه الانتقادات تعني أن ميركل أرادت بإرضاء أردوغان الحفاظ على اتفاق معرض للخطر، يستهدف تخفيف حدة أزمة اللاجئين التي تعتمد على قبول تركيا المهاجرين غير الشرعيين المرحلين من دول الاتحاد الأوروبي، لكن حوافز المستشارة قد تكون أكثر تعقيداً بكثير.
وإخضاع «بوهميرمان» للمحاكمة لا يحظى بشعبية وسط الناخبين الألمان تماماً مثل سياسة الباب المفتوح أمام اللاجئين. ويتعين على ميركل الآن أن تحسب أياً من الخيارين أسوأ. ولا بد أنها قررت أن التوصل لطريقة للتعامل مع أزمة اللاجئين أكثر أهمية، لأن الأزمة تضر بها بشكل متزايد داخل حزبها، فقد خرج المستشار الألماني السابق «هيلموت كول» راعي ميركل السابق من معتزله السياسي وانتقد بشدة سياسة ميركل بشأن اللاجئين، وكول من الشخصيات التي تحظى باحترام في صفوف حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» الذي تتزعمه ميركل، وهو من كبار رجال الدولة وأحد آباء الاتحاد الأوروبي الحديث الذي رسخ زعامة ألمانيا بإعادة توحيدها. وعقيدة كول تتمثل في تعزيز العلاقات مع دول أوروبا الشرقية مما ساعدها في التحرر من الشيوعية. وتوتر العلاقات بين المجريين والتشيك البولنديين من ناحية وميركل من ناحية أخرى لا يلائم رسالة الحزب كما رسخها «كول». وميركل في موقف صعب أمام التمردات داخل الحزب، ومن المهم لها أن تحافظ على صفقتها مع تركيا، وهذا لا يعني أنها تريد فرض قوانين أردوغان على الصحافة الألمانية كما يشير المعلقون البريطانيون، لكن من طبيعة ميركل نفسها العثور على حلول وسط وإجراء مقايضات. وتقديم «بوهميرمان» للقضاء الذي من المرجح أنه سيبرئه أو يفرض عليه حكماً خفيفاً قد يتسبب في ضرر أقل لميركل من ترك الرجل الساخر وتعريض صفقتها مع تركيا للخطر، وهذا يشوه صورة ميركل باعتبارها زعيمة تدافع عن القيم الليبرالية، وطريقتها في السيطرة على الضرر قد تكون لئيمة لكن لا شأن لها بالميول غير الديمقراطية المفترضة للاتحاد الأوروبي، بل يتعلق قرارها بالسياسة الألمانية، والسياسيون البريطانيون يلعبون مثل هذه الألاعيب أيضاً.