التصنيف: الرأي

  • «بوهميرمان».. ورطة لميركل

    ليونيد بيرشيدسكي

    المدافعون عن انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وجهوا لوماً شديداً للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بسبب قرارها السماح بمقاضاة الكاتب الساخر «يان بوهميرمان» لنظمه قصيدة ضد الرئيس التركي، وهؤلاء يرون أن الزعيمة الألمانية أظهرت أن الحلول الوسط غير المقبولة تفرضها الطبيعة المختلة وظيفياً للاتحاد الأوروبي، وهذا قد يكون صحيحاً، لكن الواقع أن ميركل تسير على حبل رفيع في السياسة الداخلية وبدأت تترنح.
    ففي الآونة الأخيرة كتب «بوريس جونسون» رئيس بلدية لندن وأحد كبار المدافعين عن خروج بريطانيا من التكتل عمود رأي انتقد فيه ميركل لعدم رفضها طلب أردوغان محاكمة «بوهميرمان» قائلاً: «عملية تكامل الاتحاد الأوروبي تعني التآكل الكامل للديمقراطية، ويبدو أن حماية هذه العملية يعني تآكل حرية الرأي أيضاً. والموضوع برمته مشين». وجونسون ليس بمفرده، فقد أعلن الكاتب البريطاني الشهير دوجلاس موراي، في صحيفة ذا سبكتيتور، عن مسابقة لكتابة قصيدة ساخرة في أردوغان وساهم أحد القراء بجائزة مقدارها ألف جنيه استرليني للفائز تعلن في 23 يونيو وهو يوم الاستفتاء على انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي «لأننا قد لا نستطيع إعلانها بعد ذلك». وفي إشارة إلى جهود أردوغان لحماية نفسه من الانتقادات في تركيا، كتب «موراي» أن «كثيرين منا افترضوا أن قوانين العيب في الذات الملكية هذه لن يتم تطبيقها في أوروبا، لكن ها نحن ذا نشهد تمدد حكم أردوغان إلى أوروبا». وهذه الانتقادات تعني أن ميركل أرادت بإرضاء أردوغان الحفاظ على اتفاق معرض للخطر، يستهدف تخفيف حدة أزمة اللاجئين التي تعتمد على قبول تركيا المهاجرين غير الشرعيين المرحلين من دول الاتحاد الأوروبي، لكن حوافز المستشارة قد تكون أكثر تعقيداً بكثير.
    وإخضاع «بوهميرمان» للمحاكمة لا يحظى بشعبية وسط الناخبين الألمان تماماً مثل سياسة الباب المفتوح أمام اللاجئين. ويتعين على ميركل الآن أن تحسب أياً من الخيارين أسوأ. ولا بد أنها قررت أن التوصل لطريقة للتعامل مع أزمة اللاجئين أكثر أهمية، لأن الأزمة تضر بها بشكل متزايد داخل حزبها، فقد خرج المستشار الألماني السابق «هيلموت كول» راعي ميركل السابق من معتزله السياسي وانتقد بشدة سياسة ميركل بشأن اللاجئين، وكول من الشخصيات التي تحظى باحترام في صفوف حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» الذي تتزعمه ميركل، وهو من كبار رجال الدولة وأحد آباء الاتحاد الأوروبي الحديث الذي رسخ زعامة ألمانيا بإعادة توحيدها. وعقيدة كول تتمثل في تعزيز العلاقات مع دول أوروبا الشرقية مما ساعدها في التحرر من الشيوعية. وتوتر العلاقات بين المجريين والتشيك البولنديين من ناحية وميركل من ناحية أخرى لا يلائم رسالة الحزب كما رسخها «كول». وميركل في موقف صعب أمام التمردات داخل الحزب، ومن المهم لها أن تحافظ على صفقتها مع تركيا، وهذا لا يعني أنها تريد فرض قوانين أردوغان على الصحافة الألمانية كما يشير المعلقون البريطانيون، لكن من طبيعة ميركل نفسها العثور على حلول وسط وإجراء مقايضات. وتقديم «بوهميرمان» للقضاء الذي من المرجح أنه سيبرئه أو يفرض عليه حكماً خفيفاً قد يتسبب في ضرر أقل لميركل من ترك الرجل الساخر وتعريض صفقتها مع تركيا للخطر، وهذا يشوه صورة ميركل باعتبارها زعيمة تدافع عن القيم الليبرالية، وطريقتها في السيطرة على الضرر قد تكون لئيمة لكن لا شأن لها بالميول غير الديمقراطية المفترضة للاتحاد الأوروبي، بل يتعلق قرارها بالسياسة الألمانية، والسياسيون البريطانيون يلعبون مثل هذه الألاعيب أيضاً.
  • تحالف السعودية – تركيا.. ولكن!

    امين قمورية

    هل يجمع ما يسمى الخطر الايراني، تركيا والسعودية بعدما فرقتهما خلافات الماضي القديم الملتبس بالصراع بين الدولة العثمانية والدولة السعودية أو ما يعرف في كتب التاريخ بالصراع الوهابي العثماني؟ اوحتى زيارة الملك السعودي لتركيا والاستقبال المميز الذي لاقاه هناك، بأن صفحة جديدة تفتح بين البلدين بعدما جمعتهما المصيبة في سوريا وتعاظم الدور الايراني واخيرا الروسي في المنطقة على حسابهما، فهل التحالف الجديد متين؟ وهل يقدر على قلب المستجدات في الاقليم وتغيير مجرى التحولات الكبرى في المنطقة؟. 
    بالنسبة للسعودية فإنها تواجه مأزقاً في سياساتها الإقليمية. فحربها في اليمن لم تحقق النتائج المرجوة رغم مرور سنة على بدئها. والتحالف العربي، كما القوة العربية المشتركة، لم يجد مشاركة فعالة إلا من بعض دول الخليج، مثل الإمارات والبحرين، فيما لم تشارك فيه دول كانت تعوّل عليها السعودية مثل مصر وباكستان. أما التحالف الإسلامي، الذي أعلنت عنه الرياض اخيراً، فليس من ردود فعل إيجابية عليه من الدول الوازنة، ولا تعرف مساراته، وما إذا كان سينطلق في الأساس.
    وفي سوريا لا تبدو التطورات الميدانية، تسير لمصلحة المعارضة المدعومة من الرياض. وفي المجال السياسي لم تجد مقررات مؤتمر فيينا، ولا قرار مجلس الأمن الرقم 2254، ترحيباً من السعودية، حيث إن نقطة الخلاف الأساسية حول مستقبل الرئيس السوري بشار الأسد لم يشر إليها. لذا بدت الحاجة للسعودية أن تمضي إلى خطوة أكثر تقدماً بتوثيق علاقاتها مع تركيا تحديداً، المعنية بقوة بالشأن السوري والطرف الأكثر قدرة على إعطاء الرياض شيئاً ما. لكن أيضاً فإن السعودية لا يقتصر خلافها مع دول إقليمية، مثل سوريا وإيران، والعراق إلى حدّ كبير، بل إنها في تنافس ضمن العائلة الخليجية، ولا سيما مع قطر. 
    أما من جهة تركيا، فإنها تمرّ في فترة لا تُحسد عليها لجهة العزلة شبه الشاملة التي تعانيها في المحيط الإقليمي. ففي سوريا تواجه المجموعات، التي تدعمها تركيا، تراجعاً ميدانياً، ولا سيما في ريف اللاذقية المحاذي للحدود التركية. والتوتر تصاعد مع إيران بسبب العراق، فضلاً عن سوريا. والتوتر عاد مع أرمينيا بسبب تجدد المعارك بين أرمينيا وأذربيجان. كذلك جاءت قرارات فيينا ومجلس الأمن غير منسجمة مع الأهداف التركية، خصوصاً بالنسبة لمستقبل الأسد.وقبل ذلك جاء التوتر مع موسكو، ليحشر تركيا أمنياً وعسكرياً واقتصادياً في سوريا وفي الداخل التركي.
    لذا فإن تركيا تحتاج إلى نافذة تكسر عبرها العزلة الإقليمية من جهة والعقوبات الاقتصادية الروسية من جهة أخرى. وهي الدوافع نفسها التي جعلت أردوغان ينفتح على إسرائيل، ويقول إن إسرائيل تمثل حاجة لتركيا ومصالحها.إذاً، فإن فكرة التقارب بين تركيا والسعودية تخدم الطرفين في هذه اللحظة حيث الصعوبات والتحديات التي يواجهانها، في ذروتها. وقياساً على التجارب السابقة هذه، فإن الرهان على نجاح هكذا تحالفات ليس في محله. لكن الأسباب الموضوعية هي التي تحكم على هذه النظرة إيجاباً أو سلباً. كل طرف من طرفي التحالف له أهدافه ومشكلاته، منها الخاص به ومنها المشترك. فإذا انطلقنا من الأهداف المشتركة، فإن الموقف من الوضع في سوريا وتشديد الضغط على النظام السوري يأتي في طليعة هذه الأهداف. ويمكن أن يمضي الطرفان إلى أقصى حد في التعاون لمزيد من دعم المعارضة. مع ذلك فإن القدرة التركية على التحرّك الميداني في سوريا، بعد التوتر التركي ـ الروسي الأخير، تقلّصت.
    لا شك في أن الأولويات تختلف لدى كل من أنقرة والرياض، فالسعودية تضع اليوم نصب أعينها كهدف استراتيجي إضعاف إيران في المنطقة عموماً. ومع أن أردوغان يتمنى أن ينهض يوماً ويجد إيران قد ابتلعها بحر قزوين ولم تعد جارة لتركيا، غير أن التمنيات شيء والحقائق والضرورات الجغرافية والمصالح تفرض عليه، كما فرضت على أسلافه على مدى عقود بل قرون، مقاربة مرنة مع الجار اللدود.
    فإذا كانت السعودية ترغب في أن ترى تركيا إلى جانبها في معركة مفتوحة مع إيران، فهذا من سابع المستحيلات، على رغم الخطاب المذهبي ينطق به أردوغان. وما يلجم تركيا الذهاب إلى النهاية في العداء والمواجهة مع إيران أكثر من سبب، منها ان إيران هي النافذة الجغرافية الأكثر أماناً الوحيدة الآن أمام تركيا بعد التوتر مع سوريا والعراق وروسيا وأرمينيا، وحاجة تركيا النفط والغاز المستورد من إيران لاسيما في ظل التوتر مع موسكو، والحرب مع الكرد حيث لسوريا والعراق وإيران قدرة كبيرة على التأثير في الورقة الكردية، والخوف من تفشي الاحتقانات المذهبية في داخل تركيا بين السنّة والعلويين.لذا فإن تركيا غير مستعدّة أن تذهب مع السعودية إلى النهاية في العداء لإيران.
  • تصويت لكن ضد الرئيس

    نوزاد حسن

    في الاسبوع الماضي قلت ان السياسة بدأت تأخذ طابع الواقعية السحرية الجذاب الساحر. وانا اعني بكلامي ان عنصر الدهشة سيكون موجودا في اكثر الاحداث ولعل اعتصام النواب الأخير احد هذه المواقف. وقبل هذا كان اعتصام السيد الصدر صورة لا يمكن ان نجدها الا في ادبيات أميركا اللاتينية. الطريف او المؤسف لو شئت ان اكون واقعيا ان كل المراقبين والمحللين لم يشيروا ان اعتصاما ما سيقع، وان العملية السياسية ستسير في مفترق طريق، وان نوابا من مختلف الكتل والانتماءات سيعتصمون مطالبين بانهاء المحاصصة. ولم يخطر كل هذا ببال مراقب يتحدث بثقة نيوتن عن الجاذبية.
    بلا مبالغة اقول ان هناك حدثا جديدا طرأ على الواقع السياسي. ويبدو ان السياسيين يشعرون اليوم ان خللا ما حصل, ولا بد من معالجته. لذا فان الدعوات تطالب بان يتم حل هذه المشكلة عبر الحوار بين جميع الكتل تحت قبة البرلمان، لكن النواب المعتصمين اقالوا الجبوري في جلسة يراها الكثيرون غير دستورية ,في حين يصر من اعتصم انها كانت دستورية بامتياز.
      السؤال الذي يخطر على البال هو: ما الذي حدث يوم الثلاثاء الثاني عشر من نيسان اي اليوم الذي بدأ فيه الاعتصام..؟ هذا السؤال جيد لكنه غامض بالنسبة لاعضاء البرلمان او لنسبة كبيرة منهم.
    ان مشهد العراك والصخب, والفوضى, وقذف قناني الماء, والضرب بالأيدي, والصدامات المتشنجة التي تخفي حركاتها الهستيرية، غيضا وحقدا مدفونا.. كان لقطة من واقعية سحرية خصص ماركيز لها رواية كاملة هي «خريف البطريق»..لقطة كشفت عن ان هناك انحرافا ما حصل اثناء مسيرة قطار الديمقراطية طيلة كل هذه السنوات. اذ لم يشعر احد من السياسيين ان الاقناع الذي كان يرفع ايدي النواب للتصويت على القوانين لم يكن اقناعا عميقا بل كان حركة الى الاعلى تقول للعالم اننا مقتنعون. هكذا في الحقيقة كنت افهم طقس التصويت ونقاط النظام اثناء الجلسات التي كانت تبث على الهواء.
    يبدو ان البرلمان العراقي يمر هذه الايام بخطر واضح لم يكن في الحسبان ابدا، وكل الاطراف المعنية بدأت تتحرك لتجنب حدوث ما هو اسوأ.والشيء الاكثر غرابة ان لا احد يعرف ما هي الخطوة التالية ؟وكيف ستحسم مسألة الاصلاح بعد اقالة سليم الجبوري خاصة وان السيد مقتدى الصدر امهل الحكومة 72 ساعة لاختيار وزراء تكنوقراط ومستقلين.
    انا من جهتي ابحث عن شخص يعرف كيف ستنتهي الامور, وكيف سنعبر هذه اللحظة الصعبة التي نعيشها..؟وكما كان اعتصام السيد الصدر مفاجئا فان اعتصام النواب داخل البرلمان كان ايضا مفاجأة لا تقل قوة عن انقلاب الفريق بكر صدقي الذي حدث في عام 1936,والذي كان من ابرز واهم مؤيديه الشاعر الكبير الجواهري.نعم صار الاعتصام جزءا من واقعية سحرية سياسية لا احد يعرف خواتيمها ولا نهاياتها.لدينا حكايتنا التي تروى بطريقة غامضة فوجئ الجميع بها بلا استثناء.
  • الأزمة السياسية وحيوية الشارع العراقي

    علي حسن الفواز

    يبدو أن  الأزمة السياسية آخذة بالتصاعد وسط خلافات عميقة بين الفرقاء، وباتجاه معطيات قد تضع الجميع أمام تحديات كبيرة، وأمام مواقف بات من الصعب السيطرة عليها، لاسيما بعد فشل أنموذج التحاصص، وتأثيراته السلبية في العملية السياسية، وعلى المجتمع، فهذا الأنموذج قد فرض هيمنته على الواقع السياسي العراقي منذ ثلاثة عشر عاما، وانعكست فرضياته على مجريات المشهد، حتى بات عمل المؤسسات السياسية والاقتصادية والأمنية رهينا بحسابات هذا التحاصص، حدّ أن البعض أخذ يُروّج له بوصفه تعبيرا عن  فكرة «التوازن الطائفي» وكأنها تعبير حقيقي عن استحقاقات وطنية وطائفية.
    هذه الصورة المُضلِلة للحالة العراقية، وجدت في نمطية الخطاب السياسي التقليدي مجالا لترويج أطروحاتها، وللقبول بها بوصفها أمراً واقعاً، مثلما وجدت في ضعف البنية المؤسسية للدولة أرضية يسرت لتكريس التحاصص، وتدوير المصالح السياسية، وبما جعلها السبب الأكثر تأثيرا في إنتاج مظاهر الفساد والفشل والعشوائية وبطء بناء أسس الدولة الحقيقية.
    خطورة معطيات الأزمة تحولت الى مشكلة وطنية خطيرة قد تهدد النسيج المجتمعي العراقي، فضلا عن تأثيراتها السلبية على تحشيد الطاقات والامكانيات لمواجهة الإرهاب والتكفير الذي تقوم به الجماعات الداعشية، وعلى مواجهة الأزمات الاقتصادية والسياسية التي وجدت في هذه البيئة الهشة ارضيتها المناسبة للتضخم ولتعطيل أي جهد وطني للوقوف أمام هذه التحديات. 
    ولعل ما يحدث اليوم من تظاهرات واعتصامات على مستوى البرلمان، أو على مستوى الشارع تحول الى الموضوع الأكثر إثارة، فبقدر ما تأخذ هذه الفعاليات الشعبية  بعدها الحقيقي في التعبير عن رفضها للفساد السياسي  والمالي والاداري، فأنها تدعو بالمقابل الى شرعنة وجود مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية تنهض بمسؤوليات البناء الوطني، وحماية الثروات الوطنية، ووضع العراق الديمقراطي الجديد على الطريق الصحيح.
    وزارات تكنوقراط
    شعارات حكومة التكنوقراط هي الأكثر حضورا في مشهد التظاهرات، كونها مطلبا وطنيا، ومطلبا لمواجهة الفساد، وللشروع ببدء عملية تنمية حقيقية لمواجهة التدهور الاقتصادي، والبحث عن مصادر جديدة لتعظيم موارد الدولة، ولتوسيع مديات الاستثمار الوطني في المجالات المتعددة.
    هوية هذه الوزارات تُعطي دافعا لإيجاد آليات جديدة للبناء الحكومي، ولتعزيز صلاحيات رئيس مجلس الوزراء في اختيار وزرائه، ومحاسبته من قبل مجلس النواب، وهو بالضد  مما كان مُكرسا في البيئة السياسية التحاصصية، والتي أعطت للكتل والأحزاب السياسية مهام اختيار الوزراء، وعلى وفق حسابات ومصالح لم تكن بمستوى المسؤولية المهنية، وهو وضع وزير(المحاصصة) بعيدا عن الصلاحيات القانونية لرئيس الوزراء، وتابعا الى كتلته وليس للتشكيلة الحكومية>
    ومن هنا، فإن خيار البحث عن وزراء تكنوقراط، بالمعنى المهني والسياسي، سيكون حافزا لتأهيل المؤسسة الحكومية، وتحفيز آلياتها،  مثلما هو الدافع الاجرائي لإخراج العمل الحكومي من هيمنة رؤساء الكتل، ومن حساباتهم للمصالح والحساسيات، والتي كثيرا ما تتقنّع بمفاهيم مضللة كالشراكة والتوازن وغيرها، وقطع الطريق على الكثير من الأجندات الاقليمية والدولية.
    مفهوم التكنوقراط لايعني المهنية المجردة، بقدر ما يعني المهنية بتوصيفاتها العلمية والوطنية، والتي تضع الوزير في سياق فعاليات وتفاعلات تعني بناء المؤسسة الحكومية على أسس وبرامج تتناسب وحاجة المجتمع، وبما يجعل هذا الوزير أمام رقابة المجتمع ومجلس النواب والسلطة التنفيذية، وهو ماينبغي العمل على تكريس ذلك بوصفه تقليدا راسخا في ممارسات وتجارب الدول الديمقراطية.
    الشارع والشعارات الوطنية
    ما تحمله شعارات الشارع العراقي اليوم لن تخرج في جوهرها عن المطالبة بمواجهة الفساد والفاسدين، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتأهيل المؤسسة الحكومية لتكون بمستوى التحديات، وبمستوى معالجة الكثير من المشكلات التي يواجهها المجتمع العراقي في مرحلة ما بعد الديكتاتورية.
    إن صورة الشارع العراقي تعكس في جوهرها فاعلية الجمهور، وتعكس أيضا حيوية الديمقراطية كنظام دستوري، وكخيار يحترم التنوع المجتمعي، ويكفل حقوق الحريات والتعبير عن الرأي دون قمع أو ضغط، وهو مانجد تجلياته واضحة، وفاعلة في دفع الجمهور للتعبير عن آرائه ومواقفه وخياراته في مواجهة مظاهر سلبية، وممارسات كرستها سياسات المحاصصة الطائفية، وبما جعلها مصدرا لإحداث الكثير من المضار والمكاره السياسية والاقتصادية والامنية، إذ أن هشاشة الواقع السياسي تعني هشاشة البرنامج الوطني الاقتصادي والأمني، مثلما تعني تعطيل الارادة الوطنية الجامعة عن ممارسة مسؤولياتها في النقد والمراجعة، وفي محاسبة المفسدين، ومواجهة كل التحديات الضارة بالأمن الوطني..
    الرهان الوطني هو رهان المسؤوليات، ورهان البحث عن مستقبل حقيقي للدولة الوطنية، وهذا المعطى لن يتحقق دون وجود مشاريع وطنية حقيقية، ودون ارادات تتبني هذا الرهان، وتضعه في سياقات تنموية وبرامجية، وعلى وفق تمثلات تُعبّر عن وجود رؤية واضحة للتغيير، وللبناء، ولمواجهة كل تداعيات الفساد والتكفير والتخريب.
  • بيرو: ضربة جديدة لليسار!

    أندريس أوبنهايمر

    في مفاجأة مدوية، صوت 80٪ من الشعب البيروفي، في الجولة الأولى يوم 10 أبريل الجاري، ضد النموذج اليساري الشعبوي على النسق الفنزويلي. وأسفرت النتيجة عن جولة إعادة في 5 يونيو المقبل بين «كيكو فوجيوري» و«بيدرو بابلو كوشينسكي».
    فاز التطور وخسرت الثورة، تلك كانت النتيجة المهمة جداً، لأنها أظهرت أن العقدين الماضيين من السياسات الاقتصادية الداعمة للاستثمار تؤتي أكلها.
    وحقق الاقتصاد في بيرو نمواً ثابتاً، وتراجعت مستويات الفقر خلال العقدين الماضيين، دون حكم استبدادي وقمع سياسي، كما في فنزويلا والإكوادور وبوليفيا ودول أخرى تحكمها أحزاب يسارية شعبوية.
    منذ عام 1990، حقق الاقتصاد البيروفي نمواً بمتوسط سنوي 4.7٪، معظمه من دون دورات الازدهار والاضمحلال التي شهدتها الدول المجاورة. وخلال العام الجاري، يتوقع أن ينمو الاقتصاد البيروفي بنسبة 3.7٪، وسيكون أحد أفضل الاقتصادات في أميركا اللاتينية أداءً، حسب توقعات صندوق النقد الدولي. وهبط معدل الفقر في بيرو من 60٪ من السكان خلال التسعينيات إلى 23٪ حالياً، ورغم النمو السكاني، تراجع عدد الذين يعيشون تحت خط الفقر من 3.4 مليون نسمة في 1994 إلى 1.1 مليون حالياً، حسب البنك الدولي.
    ويبدو أن الناخبين البيروفيين لاحظوا أن النهج التدريجي بدأ يؤتي أكله، حتى ولو لم يكن بالوتيرة التي ينشدها الجميع. واختار الناخبون اثنين من الساسة المنتمين ليسار الوسط لجولة الإعادة، هما «فوجيموري»، المعروفة باسمها الأول «كيكو»، والتي حصلت على 39٪ من الأصوات، بينما حصل «كوزينسكي» (شهرته «بي بي كيه») على 21٪، وحلت اليسارية الشعبوية «فيرونيكا ميندوزا» في الترتيب الثالث بـ19٪.وأظهرت بعض استطلاعات الرأي قبل الجولة الأولى أن «بي بي كيه» لديه فرصة أفضل بقليل للفوز بجولة الإعادة، لأنه سيستفيد من التصويت العقابي الكبير ضد «فوجيموري»، إذ أكد نحو نصف البيروفيين أنهم لن يصوتوا لـ«كيكو» كونها وريثة سياسية لوالدها الرئيس المستبد السابق «ألبيرتو فوجيموري».أما «ميندوزا»، فلم تخف انتماءها الأيديولوجي لحكومة فنزويلا «الشافيزية»، وقد وصفت السياسي المعارض المحبوس في فنزويلا «ليوبولدو لوبيز» والمعارضين الآخرين بأنهم «متآمرون دبروا انقلاباً».وتمثل نتيجة التصويت في الجولة الأولى من انتخابات بيرو ضربة أخرى لليسار الرديكالي في أميركا اللاتينية، والذي عانى مؤخراً ضربات في بعض الانتخابات الوطنية والمحلية في كل من فنزويلا وبوليفيا والأرجنتين.ويؤكد كل من «بي بي كيه» و«كيكو» أنهما سيواصلان السياسيات الداعمة للاستثمار في بيرو، مع الإنفاق أكثر على الخدمات الاجتماعية. وأخبرني «بي بي كيه»: «لقد كنا جيدين جداً في الادخار، وحققنا نمواً جيداً، لكننا أخفقنا في الاستثمار بالقدر المطلوب في التعليم والصحة». وأرى أن بيرو لديها عدد من المهام العالقة، ورغم أنها حققت نمواً كبيراً وقلصت معدلات الفقر، فإن توزيع الدخل لم يتحسن منذ سنين. ولا تزال طبقة الـ20٪ الأكثر ثراءً تمتلك 49٪ من دخل البلاد.
    غير أن بيرو كانت أكثر نجاحاً في تقليص معدلات الفقر من فنزويلا والدول «الثورية» الأخرى. وبينما قلص البيروفيون الفقر إلى النصف، وكان اقتصادهم من الأفضل أداء في المنطقة، من المتوقع أن يهوي اقتصاد فنزويلا بمقدار 8٪ خلال العام الجاري، ليصبح من أكثر الاقتصادات في العالم تراجعاً.وبغض النظر عمن سيفوز بالجولة الثانية من انتخابات بيرو، فإن بيرو ستواصل النمو الاقتصادي وتقليص معدلات الفقر.
  • إصلاح مجموعة العشرين

    محمد العريان

    البيان الذي أصدره وزراء مالية ومحافظو البنوك المركزية لمجموعة العشرين في نهاية المحادثات التي أُجريت في واشنطن، الجمعة الماضي، شابته نبرة غير واقعية ومثيرة للسخرية بشكل مقلق. فقد أشار إلى أن النمو العالمي «مازال متواضعاً وغير متسق»، وحذّر الاقتصاديات الكبيرة المتقدمة من الاستمرار في الاعتماد المفرط على سياسة نقدية غير تقليدية لتحفيز النمو. لكن البيان لم يتضمن إلا القليل من المبادرات السياسية الجديدة.
    وجاء اجتماع مجموعة العشرين في الوقت الذي نشر فيه صندوق النقد الدولي تنقيحاً أقل تفاؤلاً لتوقعاته عن النمو العالمي. وحذرت المؤسسة في تقييمها من طائفة غير اعتيادية من المخاطر، مثل الخروج المضطرب للمملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وعدم الثبات المالي، والتحديات التي تواجه مصدِّري المواد الأولية الذين يعانون انخفاضاً كبيراً في العائدات.
    وأكد تقييم صندوق النقد الدولي على معايير يقول إنها مطلوبة مثل اتباع سياسات أكثر شمولاً وتجنب سياسات أخرى مثل خفض العملة. وتضمن التقييم وعياً بأن استمرار سياسات الوضع الحالي يقلص احتمالات النمو والرخاء مستقبلاً. والوقت مهم، وبأن الاعتماد المفرط لفترة طويلة على سياسة نقدية يأتي بفوائد أقل.
    لكن لا توجد محاولة بارزة للاتفاق على كيفية لترجمة الكلمات الحكيمة إلى أعمال فعالة ومستدامة، لإيجاد بنية دولية تحتية تجمع بين المعايير القومية والمعايير متعددة الأطراف، تمولها معدلات فائدة استثنائية الانخفاض تسود الاقتصاديات المتقدمة. وهذا مؤسف، خاصة مع الأخذ في الاعتبار اتفاق الآراء حول دعوة صندوق النقد الدولي لوضع مزيج أفضل من إجراءات الإصلاح الهيكلي والمالي والنقدي، التي أود أن أضيف إليها الحاجة لتعزيز تنسيق السياسة الدولية، بما في ذلك تعزيز مصداقية ومرونة عمليات صندوق النقد نفسه.
    ورغم الاتفاق الاستثنائي في الآراء حول مستقبل الاقتصاد العالمي وتداعياته السياسية، فمن المحزن أن مجموعة العشرين تقاعست مجدداً عن الالتزام بتحركات جماعية يمكن التحقق منها لتحفيز الإجراءات على المستوى القومي. وهذا مخيب للآمال لسببين؛ الأول أن مجموعة العشرين أظهرت قدرة، وإن بشكل متقطع للأسف، على العمل، وأنها عندما فعلت ذلك كانت نتائجه فعالة. ولولا النهج السياسي المنسق الذي تبنته مجموعة العشرين في اجتماع لندن (أبريل 2009) لكان العالم قد سقط في كساد مدمر.
    السبب الثاني، أنه مع امتلاك الشركات أموالا طائلة وتكريسها للهندسة المالية، فإن إطلاق النمو العالمي لا يحتاج إلى «انفجار كبير» فيما يتعلق بالسياسات، بل إن انفجاراً صغيراً سيكون كافياً لتعافي اقتصادي عالمي أسرع، مع استخدام القطاع الخاص ميزانياته القوية لتوسيع الإنتاج. والنتيجة الإيجابية ستعززها ابتكارات الشركات وقطاعات معينة قد تحقق فوائد للاقتصاد عموماً. ويستطيع المسؤولون الاقتصاديون حول العالم، ممن حضروا الاجتماعات، بلورة مزيد من الفهم الجماعي لكل من المخاطر التي تواجه الاقتصاد العالمي ولأفضل السياسات المطلوبة لمعالجة هذه التحديات. لكنهم يفتقرون لخطة عمل قادرة على الصمود وعلى الاضطلاع بدور المحفز للسياسيين المترددين في الداخل.
    وللأسف، قد لا يأتي الرد السياسي المطلوب إلا مع المزيد من سوء التوقعات للنمو وتدهور الاحتمالات بشأن الاستقرار المالي. وسيظل كل من الخلل الوظيفي السياسي المفرط والمستويات المزعجة من عدم المساواة مرتفعين، بينما يعاني الاقتصاد العالمي نمواً منخفضاً ومحبطاً، مع المزيد من التقلصات المحتملة في التوقعات الاقتصادية.
  • تعقيدات المشهد العراقي

    سعد العبيدي 

    لم يعد أحد من داخل العراق قادراً على أن يتنبأ بما ستؤول إليه الحال بعد كل هذا التصارع الذي أبقي دون حلول جذرية منذ أشهر، بل ومنذ سنين مضت، ولم يعد مفيدا القول إن محاولة إقالة هذا الرئيس أو ذاك والمجيء بآخر من هذا الحزب أو ذاك حلا نافعا، إذ إنه وبافتراض النجاح وإن أسهم في تخفيف حدة التصادم، فإن النتائج التي ستترتب عليه ستكون في الغالب مؤقتة أو ترقيعية، لأنها حلول تبنى على مشاعر انفعالية آنية لرفع التوتر، واذا ما رفعت وأدت الى التهدئة فستظهر من بعد مثيرات أخرى ثانية وثالثة بشدة أكبر تكون قادرة على قلب الطاولة على من فيها. 
    على هذا يمكن القول إن أزمة الخلاف والتصارع وإدارة الحكم في عراقنا الحالي، هي أكبر من مجرد الإقالة والترقيع الآني المؤقت بعد أن اتسعت وتجاوزت مستويات تعقيدها حدود الخطورة القصوى، وكذلك القول إن الأسلم والأصح في مجالها هو التوجه الفاعل نحو التفتيش عن الأسباب التي أدت الى انزلاق العراق الى الهاوية والسعي الى وضع حلول جذرية لها. فالطائفية على سبيل المثال مشاعر لم تخف حدتها في النفوس حتى هذه اللحظة، وإذا لم تخف لا يمكن الخروج من مطبات المحاصصة وإن تبدلت وجوه بغيرها أخرى، ولنا في اعتصامات البرلمانيين وقرارهم إقالة رئيسهم مثال حي بعد أن نودي على انتخاب بديل للرئيس من المكون السني ونواب له من الكرد والشيعة. والثقة بين المكونات التي تشكل التركيبة الاجتماعية ما زالت في أدنى مستوياتها المثيرة الى التوتر، إذ إن المسؤولين الشيعة لا يثقون بالسنة، والسنة يتوجسون من الشيعة خيفة والكرد لم يتخلصوا من مشاعر جور السلطة وظلمها لهم عدة عقود، وما زالوا لا يثقون بأحد من خارج مكونهم الكردي، ولنا في توجهات التعامل مع قضية المناطق المتنازع عليها مثال عملي.
    والدستور الذي وضع في الأصل لعبور أو بالأحرى لتسويق مرحلة سياسية حرجة، وضعوه بطريقة يصعب تعديله، حتى أبقي كأنه كتاب مقدس لا يمكن التقرب منه وإن كان بعض ما فيه لا يصلح سبيلاً الى حل مشاكل الحاضر، وابقي الجميع في دوامة الإدراك الفعلي للعيوب وتمني التعديل لتجاوزها دون القدرة العملية على القيام بفعل التعديل. 
    من هذه الأمثلة وأخرى غيرها يمكن التأكيد على أن الحاجة في عراق اليوم ليس فقط لتغيير رئيس هنا أو مسؤول هناك، بل بالضغط لحل مشاكل هي في الأصل متغيرات تسببت في وصول العراق الى ما هو عليه الآن، حيث الاتساع المتسارع لمعالم الفوضى وعدم الاستقرار والعجز عن تقديم الحلول، واللامبالاة بما ستؤول إليه الحال وعدم تحمل المسؤولية الوطنية للتنازل.. والى أن يتم الوصول الى بعض من الحلول لهذه المشاكل وغيرها، ستبقى الحال على ما هي عليه تناحر قد يجر البلاد الى التفكك سبيلاً للحل وان كان في حقيقته هروبا من مشاكل الى أخرى أكثر تعقيداً وأشد خطورة، أقلها الاحتراب البيني لعشرات من السنين المقبلة.
  • لعنة القدر التراجيدي

    رضا المحمداوي

    اضطربت الحياة العامة في العراق لسنوات طويلة مضت وكادت تخلو من فترات استقرار وهدوء وسكينة، حتى بدت الحياة بالنسبة لنا لفرط اضطرابها وارتجاج الأرض التي نقف عليها كأننا نعيش في منطقة نشاط زلزالي عراقي لا يهدأ ولا يستكين؛ فكم هزة سياسية واقتصادية واجتماعية شهدناها وعشنا هولها وصدمتها والآثار المترتبة على تلك الهزة حيث تتهاوى القيم والاعتبارات ويتشوه حتى المعنى الإلهي للحياة التي وهبهها لنا الله سبحانه وتعالى وترك لنا الحرية كاملة لنحياها على وجه البسيطة.
    مر أكثر من 35 عاما على بدء الحرب العراقية – الإيرانية التي اشتعل اوارها في أيلول من العام 1980، ولم تنته في 8/ 8 /1988 إلا وقد سلمتنا الى حرب اخرى توجها النظام الدكتاتوري بحماقة صدامية بامتياز تمثلت بغزوه واحتلاله لدولة الكويت الجارة الشقيقة العام 1990، وانتهت تلك الحماقة بهزيمة منكرة للجيش والنظام الصدامي العام 1991 لتندلع شرارة الانتفاضة الشعبية في المحافظات العراقية، وسرعان ما قمعت تلك الانتفاضة بتواطؤ أميركي مشهود مع بقايا الجيش الصدامي المنكسر، لتنتهي سياسة الاحتواء الاميركي للنظام الصدامي الى سنوات حصار عجاف امتدت لسنوات طويلة قبل ان تعلن واشنطن فشل سياسة الاحتواء السابقة والإعلان رسميا عن قانون غزو العراق الذي بدأ فعليا في شهر آذار من العام 2003 وانتهى رمزيا بسقوط تمثال الدكتاتور صدام في ساحة الفردوس في 9 / 4 من العام نفسه.
    ولم تكن السنوات التي أعقبت سقوط النظام الصدامي إثر الغزو الأميركي للعراق وسقوط الدولة العراقية معه، بالصورة المتفائلة التي كنا نحلم بها؛ وحتى النظام الديمقراطي الذي أرست دعائمه القوة الأميركية المحتلة، وظنت انه النظام البديل المناسب الذي سينقل العراق الى خانة الدول المستقرة التي ترفل بالحياة السعيدة الهانئة.. لم يكن هذا النظام الديمقراطي بحلته الوردية ليزيد العراق إلا اضطرابا وعنفا وقسوة وضياعا لاتجاه البوصلة التي ترشدنا الى الطريق الصحيح لبناء المجتمع والدولة ومرتكزاتها ومؤسساتها.
    فهل حمل العراق القدر التراجيدي الاغريقي وحكم عليه بأن يكون استنساخا مشوها، وإعادة إنتاج باهتة لإحدى الأساطير التي تحكم على شعب ما، أو أمة ما، أو مجتمعٍ ما باللعنة الأبدية التي لا فكاك منها حيث العذاب المستمر وإنتاج الحلقة المفرغة، والاضطراب وعدم الاستقرار والإحساس الكبير بعدم الجدوى والعبث الحياتي الذي لا طائل من ورائه؟.
    وفي السياق ذاته هل يمكننا أن نتساءل: كيف أصبح العراق وجودا أو خلقا أسطوريا غضبت عليه الآلهة فحلت عليه اللعنة الأبدية؟
    فها هي الحروب وقد تناسلت، والجيل يسلم الجيل الذي بعده نار الحرب ودخان الخراب والانقاض مع شعور بالخيبة والخوف من المجهول والترقب الحذر لما تخبئه لنا الحياة والأيام التي تكر علينا مسبحتها!!
    فهل دورة التاريخ العراقي عبر أجياله المتعاقبة، والتجربة الحياتية التي استقرت في الذاكرة الجمعية من خلال تلك الدورة التاريخية غير قابلة للقراءة من أجل التعرف على أسباب هذا النكوص الدائم وخيبة الأمل التاريخية التي لا فكاك منها قبل أن تتحول الى استسلام بارد للتراجيديا العراقية والتسليم بما تجود به علينا تلك التراجيديا من موت ودم وضحايا أبرياء لا ذنب لنا في التاريخ سوى اننا أفراد يحملون الهوية العراقية أبا عن جد!!
    وكنا كلما تأزمت الحياة واختنق معناها لدينا، وكلما ضربتنا موجات «تسونامي» مضطربة ازداد الأمل في عيوننا بأن نرى نهاية لكل ذلك الاختناق؛ حالمين باستنشاق هواء غير ملوث، مشبع بالأوكسجين النقي.. لكن سرعان ما ينتهي ذلك الترقب المشوب بالأمل والتفاؤل الى دورة عنف جديدة، وأزمة تنتج أخرى، ولتتجدد بعد ذلك سنوات الاضطراب والأحزان والموت.
    وأنا هنا لا أقصد لحظة الأزمة التي ما برحت تنتج نفسها مرارا وتكرارا في التاريخ العراقي الراهن بمفصله الزمني الصعب، ولكني أقصد زمن الأزمة المفتوح لمديات واسعة والذي ينبغي لنا أن نستثمره من أجل أن نفتح نافذة باتجاه المستقبل المقبل علينا، وإلا فلا خلاص لنا من لعنة القدر العراقي الحزين.
    دورة الأزمة والحرب، ومن ثم الموت المنبعث دوما من رمادها كانت تأخذ الوطن في رحلة حرب الى أخرى، ونحن خلال هذه الدورة نترقب وقف إطلاق النار على النار حتى أصبح الأمان والدعة والاستقرار كأنه امنية لا تتحق أبدا.. والحياة حتى الحياة أصبحت أمنية بحد ذاتها.
    كم تحتاج من رعاية إلهية وحظ دنيوي، وقدرة إنسانية خارقة كي تبقى على قيد الحياة مجرد أسير بائس مقيد بقيد الحياة نفسها.. أما إذا أضفنا لتلك «الحياة» مجرد لمسة رومانسية حالمة لتكون جملة مفيدة مثل «حياة مستقرة» أو «حياة هانئة» أو «حياة طبيعية» أو «حياة عادية» فإن ذلك ليس حلما ورديا نحلم به ونسعى للحصول عليه، بل إنه وهم باطل، وحتى هذا الوهم لم تعد مخيلتنا وذاكرتنا المتعبة قادرة على أن تتخيله أو أن تصوغ صورة وهمية له.
  • البحث عن سياسي يملك نظرة للسياسة الخارجية

    ÏÇäíÇá ÏÈáíæ ÏÑíÒäÑ

    äÑæö ÞÕÉ ÇËäíä ãä ãÞÇáÇÊ ÓÊíÝä æÇáÊ: Ýí ÇáãÞÇá ÇáÃæá íÕÑø ÈÚäÇÏ Úáì Ãä ÏæäÇáÏ ÊÑÇãÈ áíÓ æÇÞÚíÇð¡ ÈÛÖ ÇáäÙÑ ÚãÇ ÞÏ íÞæáå ÇáÈÚÖ¡ æíÎÊã åÐÇ ÇáãÞÇá ÈÇáÚÈÇÑÇÊ ÇáÊÇáíÉ: “ËãÉ ÓÈÈ ÃÎíÑ ááÊÔßíß Ýí æÇÞÚíÉ ÏæäÇáÏ ÊÑÇãÈ. íÚÊÞÏ ßËíÑæä Ãä ÂÑÇÁ ÃæÈÇãÇ Ýí ÇáÓíÇÓÉ ÇáÎÇÑÌíÉ ÊÚßÓ æÌåÉ äÙÑ æÇÞÚíÉ æíÓÊÔåÏæä ÈãÞÇÈáÊå ÇáÃÎíÑÉ Ýí ãÌáÉ ÃÊáÇäÊíß¡ ãÚÊÈÑíä ÅíÇåÇ ÏáíáÇð ÏÇÚãÇð¡ æÈãÇ Ãä ÊÑÇãÈ íäÊÞÏ ÃæÈÇãÇ ÈÔÏÉ¡ Ýãä ÇáÕÚÈ Ãä äÝåã ßíÝ íãßä ÊÕäíÝåãÇ ßáíåãÇ “æÇÞÚíí䔡 æÓÃÊäÇæá ãæÖæÚ “æÇÞÚíÉ” ÃæÈÇãÇ ÇáÃÓÈæÚ ÇáãÞÈá”.
    ÊãÑ ÓÊÉ ÃíÇã ÝäÍÙì ÈãÝÇÌÃÉ ÃÎÑì¡ ÝíÔÏÏ æÇáÊ ÈÅÕÑÇÑ Úáì Ãä ÃæÈÇãÇ áíÓ æÇÞÚíÇð¡ ÈÛÖ ÇáäÙÑ ÚãÇ ÞÏ íÞæáå ÇáÈÚÖ: “ÈÇÎÊÕÇÑ áã íÚÊãÏ ÃæÈÇãÇ ÓíÇÓÉ ÎÇÑÌíÉ “æÇÞÚíÉ” áÃäå áã íÊÈäøó æÌåÉ äÙÑ æÇÞÚíÉ ÈÇáßÇãá Åáì ÇáÚÇáã¡ áã íÚíøä ÇáßËíÑ (ÃíÇð¿) ãä ÇáæÇÞÚííä Ýí ãäÇÕÈ ãåãÉ¡ æáã íÍÇæá ÍÞÇð ÊÞæíÖ ÅÌãÇÚ ÇáÍÒÈíä ÇáÐí íÏÚã ÇáÇÓÊÑÇÊíÌíÉ ÇáßÈÑì ááåíãäÉ ÇááíÈÑÇáíÉ. æßãÇ ÐßÑÊ ÓÇÈÞÇð ßÇäÊ ÇáÓíÇÓÉ ÇáÎÇÑÌíÉ “ÇáæÇÞÚíÉ” ÈÍÞ ÓÊÔãá ÇáÎÑæÌ ãä ÃÝÛÇäÓÊÇä ÈÓÑÚÉ ÚÇã 2009¡ æÊÍæøá “ÚáÇÞÇÊäÇ ÇáããíÒÉ” Ýí ÇáÔÑÞ ÇáÃæÓØ Åáì ÚáÇÞÇÊ ØÈíÚíÉ¡ æÊÑÝÖ ÕÑÇÍÉ Ãí ÊæÓÚ ÅÖÇÝí Ýí ÍáÝ ÔãÇá ÇáÃØáÓí¡ æÊÊÝÇÏì “ÊÛííÑ ÇáÃäÙãÉ” æÛíÑå ãä ÃÔßÇá ÇáåäÏÓÉ ÇáÇÌÊãÇÚíÉ ÇáÃÎÑì Ýí ÈáÏÇä ÃÌäÈíÉ ãËá áíÈíÇ æÓæÑíÉ¡ æÊÚæÏ Åáì ÇÓÊÑÇÊíÌíÉ “ÇáÊæÇÒä ÇáÎÇÑÌí” ÇáãÖ龯 ÇáæÇÓÚÉ ÇáÊí ÎÏãÊ ãÕÇáÍ ÇáæáÇíÇÊ ÇáãÊÍÏÉ ÈÝÇÚáíÉ Ýí ÇáãÇÖí”.
    áßä ÃæÈÇãÇ äÝÓå æÝÑíÞ ÍãáÉ ÊÑÇãÈ ÃÕÏÑ ßá ãäåãÇ ÊÕÑíÍÇÊ ÊÄßÏ ÏÚãåãÇ äÙÑÉ æÇÞÚíÉ Åáì ÇáÚÇáã¡ ßÐáß ÃÔÇÑ ãÚáÞæä ÂÎÑæä Åáì Ãä ÊÑÇãÈ æÃæÈÇãÇ íõÚÊÈÑÇä æÇÞÚííä Åáì ÍÏ ãÇ¡ ßá ãäåãÇ Úáì ØÑíÞÊå¡ æáßä áãó¡ Ýí ÚÇáã íÔÊßí Ýíå ÇáæÇÞÚíæä ÈÇÓÊãÑÇÑ ãä ÊåãíÔ ÊÃËíÑåã Ýí ÇáÓíÇÓÉ ÇáÎÇÑÌíÉ¡ áÇ íÓíÑ ÇáæÇÞÚíæä æÑÇÁ åÇÊíä ÇáÔÎÕíÊíä ÇáäÇÝÐÊíä ÓíÇÓíÇð¿ áÇ Ããáß ÌæÇÈÇð ÍÇÓãÇð Úä åÐÇ ÇáÓÄÇá¡ ÅáÇ Ãääí ÓÃØÑÍ ËáÇË ÝÑÖíÇÊ ãÍÊãáÉ: ÇáÝÑÖíÉ ÇáÃæáì äÙÑíÉ: ÃãÖì ÇáæÇÞÚíæä ÞÑäÇð Ýí ÈäÇÁ ÕÑÍ äÙÑí ÈÛíÉ ÊÝÓíÑ ßíÝíÉ Úãá ÇáÚÇáã¡ æáßä ãä ÇáãÔÇßá ÇáÊí äÕÇÏÝåÇ ÚäÏ ãäÇÞÔÉ ãÇ ÅÐÇ ßÇä ÇáÔÎÕ æÇÞÚíÇð Ãæ áÇ æÇÞÚ Ãä äÓÎ ÇáæÇÞÚíÉ ÇáÃßÇÏíãíÉ ßËíÑÉ (ÇáæÇÞÚíÉ ÇáßáÇÓíßíÉ¡ ÇáæÇÞÚíÉ ÇáåÌæãíÉ¡ ÇáæÇÞÚíÉ ÇáÏÝÇÚíÉ¡ ÇáæÇÞÚíÉ ÇáÈäíæíÉ ÇáÌÏíÏÉ¡ ÇáæÇÞÚíÉ ÇáßáÇÓíßíÉ ÇáÌÏíÏÉ). áÐáß áÇ íÓÚß ÅáÇ Ãä ÊÊÓÇÁá ÚãÇ ÅÐÇ ßÇä ÇáÔÎÕ æÇÞÚíÇð ÍÞÇð¿ æÝí ÇáæÞÊ Úíäå íÞÏøã ÇáæÇÞÚíæä ÃíÖÇð ÊÚÑíÝÇð ãÚíÇÑíÇð ÈÔÃä ãÇ íÌÈ Ãä Êßæä Úáíå ÇáÓíÇÓÉ ÇáÎÇÑÌíÉ ÇáÃãíÑßíÉ¡ áßä åÇÊíä ÇáãÞÇÑÈÊíä Åáì ÇáæÇÞÚíÉ áÇ ÊäÓÌãÇä ÌíÏÇð¡ æáÇ Ôß Ãä ÇáÊÕÑíÍÇÊ ÇáãÄíÏÉ ááæÇÞÚíÉ¡ ÇáÊí íÏáí ÈåÇ ÃæÈÇãÇ æÊÑÇãÈ¡ ÊÚßÓ åÐÇ ÇáÊäÇÞÖ.
    ÇáÝÑÖíÉ ÇáËÇäíÉ ÃäËÑæÈæáæÌíÉ: ÝÎáÇá ãÑÇÞÈÊí Úä ßËÈ ÇáæÇÞÚííä ÇáÃßÇÏíãííä ÇáÚÕÑííä¡ áÇÍÙÊ Ãä ãæÞÝåã ÇáÝßÑí ÇáãÝÖøá íÞæã Úáì ÇáÑÝÖ æÇáÊÕÍíÍ¡ ÃÞÕÏ ÈÐáß Ãä ÇáæÇÞÚííä íãíáæä Åáì ÇáÇÚÊÞÇÏ Ãäåã íäØÞæä ÈÍÞÇÆÞ ÞæíÉ ÚãíÞÉ¡ Ýí Ííä ÃáÇ ÃÍÏ íÕÛí Åáíåã¡ æáÇ Ôß Ãä åÐÇ ãæÞÝ ÝßÑí ãËÇáí áÃäå íÚäí Ãä ÈÇÓÊØÇÚÉ ÇáæÇÞÚííä ÅÕÏÇÑ ÊÕÑíÍÇÊ ÌÑíÆÉ ãä Ïæä Ãä íßæä áßáÇãåã Ãí ÊÃËíÑ Ýí ÇáÚÇáã áÃä áÇ ÃÍÏ íÃÈå áãÇ íÞæáæäå Úáì ãÇ íÈÏæ¡ æáßä áæ ÈÏà ÇáÓíÇÓíæä ÇáÍÞíÞíæä¡ ãÚÇÐ Çááå¡ ÈÊäÝíÐ ãÇ íäÇÏæä Èå¡ áÍÙæÇ ÈÓáØÉ æãÓÄæáíÉ ÍÞíÞíÊíä¡ æåÐÇ ãÎíݺ áÐáß ãä ÇáÃÝÖá Ãä íÈÞì ÇáãÑÁ ãäÚÒáÇð æãÍÞÇð æÃáÇ íõÖØÑ Åáì ÊÕÝíÝ ÔÚÑå.
    ÇáÝÑÖíÉ ÇáËÇáËÉ ÓíÇÓíÉ: ßãÇ ÐßÑÊ ÓÇÈÞÇð¡ áã íÍÙó ÇáÓíÇÓíæä ÇáÃÞÑÈ Åáì ÇáæÇÞÚíÉ ÎáÇá ÇáÓäæÇÊ ÇáÃÎíÑÉ ÈÔÚÈíÉ ßÈíÑÉ¡ ÕÍíÍ Ãä ÃæÈÇãÇ íÊãÊÚ ÈÔÚÈíÉ æÇÓÚÉ ÑÇåäÇð¡ ÅáÇ Ãäå áÇ ÚáÇÞÉ áÐáß ÈÇáÓíÇÓÉ ÇáÎÇÑÌíÉ¡ æÇáÍÞ íÞÇá ßÇä ÛíÑ ÇáæÇÞÚíä ÇáÃÔÏ ÊæÞÇð Åáì æÕÝ ÊÑÇãÈ ÈÇáæÇÞÚíº áÐáß äáÇÍÙ ÃÓÈÇÈÇð ãäØÞíÉ ææÌíåÉ ÊÈÑÑ ÑÛÈÉ ÇáæÇÞÚííä Ýí ÇáäÃí ÈÃäÝÓåã æÈäÙÑÊåã Åáì ÇáÚÇáã Úä ÃÔÎÇÕ ããÇËáíä.
  • لماذا يتداعى العالـم؟

    ناثان غارديلز

    في هذا العالم الواحد، يبدو أحيانا أن السباق جار بين من أسندت السلطة إليهم، أخيرا، وبين من أبعدوا عنها حديثا. والحقيقة هي أن هذين الأمرين لا يحدثان في الوقت ذاته فقط وإنما يعد أحدهما شرطا لحدوث الآخر.
    ويعد رد الفعل المفزع والمخيف على الظلم المتفاقم والتفكك الاجتماعي وفقدان الهوية في خضم الايجاد الواسع للثروة والمرونة غير المسبوقة والتواصل الهائل تمردا على العولمة شديدة الجرأة والتغير التقني السريع جدا بحيث إن طبيعتنا التدرجية لا تستوعبه. وفي هذا الزمن المتسارع، فإن الصدمة المستقبلية يمكن أن تكون لطمات متكررة في الحاضر للأفراد وللعائلات والمجتمعات على حد سواء.
    وفي المقام الأول، فإن العالم الظاهر أمامنا يبدو غير مألوف بالمرة، ويشكل انقطاعا مع أي امتداد من الماضي يمكنه أن يؤطر سياقا مطمئنا يمضي إلى الأمام.
    الفلاسفة والمفكرون الاجتماعيون لاحظوا منذ زمن بعيد العلاقة بين مثل هذا القلق أو الاحساس بالتهديد والتحصين التفاعلي للهوية. وكلما كان تهديد العنف أو الاضطرابات أو الاقصاء أكثر جمودا، أصبحت الهويات أشد تصلبا وميلا للعزلة، وذلك على غرار ما لاحظه أمارتيا سين في كتابه الرائع «الهوية والعنف».
    التهديدات الحادة أو إدراكها يخفف التأثيرات العديدة الأخرى في حياة الأفراد والمجتمعات على السواء، وتوجهنا نحو الأهمية الوجودية تحديدا. وعلى عكس ذلك، فإن الاستقرار والأمن والشمولية تولد هويات ذات أبعاد متعددة.
    لقد رأينا كل هذا من قبل. ففي أوائل القرن العشرين ساد التفاؤل، وتجلى بشكل رائع في مطلع القرن في المعارض العالمية، نتيجة القفزات الكبيرة في التصنيع والتحضر والطاقة والتواصل والنقل والتحول في الأملاك والأجهزة الموفرة للعمالة.
    ولكن هذا البريق أخفى القلق والرفض، فيما قلبت أنماط الحياة المستقرة على امتداد امبراطوريات أوروبا واستؤصلت. النخب والجماعات على السواء سعت إلى الملاذ في القومية أو التضامن العرقي أو الانتماء الطبقي.
    وفجأة في صيف عام 1914 انفجر كل ذلك وجاء في الحرب العالمية الأولى، التي انتهت بمقتل ستة عشر مليون شخص، وذلك فقط من أجل تمهيد حجر الأساس للكارثة المقبلة التي أتت بعد أقل من عقدين من الزمن والتي وصلت إلى ذروتها في قارة ممزقة والدمار النووي للمدن اليابانية.
    الدرس هنا هو أن المنطق الاقتصادي والتقني، الضاربة جذوره في الهوية وطرق الحياة المغروسة في الأفراد المنتمين إليه، يعمل على مسار مختلف عن المنطق الاقتصادي والتقني.
    وأظهرت التجربة التاريخية على نحو مؤسف مرارا وتكرارا أن المنطق الأساسي للعملية السياسية لا يتعلق بالخطاب العقلاني، بل بالأصدقاء مقابل الأعداء، ونحن مقابل هم. الأمر يتعلق بتنظيم بقاء وازدهار المجتمع، الذي يعرف على أساس اولئك الذين ليسوا جزءا منه. السياسة التي عرفناها حتى اليوم متجذرة في أرض خاصة، وليس في الأراضي الكونية الإنسانية ككل أو في «الصالح العام».
    وبينما يعتبر من الصحيح أن الثقافة ليست سكونية أبدا، فإنها دائما ما تدخل في أنماط مهجنة جديدة عبر التفاعل مع الثقافات الأخرى. إلا أن الاندماجات والاحتكاكات لا تتوازن. وما يبدو أنه تلاقح يمكن أن ينتهي إلى كونه «سطوحا مستعارة»، بينما في حال كان مصطلح «روح الشعب» المستمد من الألمانية أعمق أو يشكل قيما غير متكافئة وطرق حياة تعتبر جزءا لا يتجزأ من القبيلة أو الأمة، فإن ذلك يظل أساسا للهوية.
    هذا يبرر المفاجآت التي تعرض لها الغربيون وذات الصلة بالحداثة غير الغربية في أماكن مثل الصين الكونفوشيوسية الجديدة أو تركيا العثمانية الجديدة، التي لم تتطور بناء على التوقعات بأن تصبح «مثلنا» بل رسمت مستقبلا متجذرا في ماضيها.
    وتنطوي الحداثة على الإيمان الأسطوري بالتغيير، إلا ان التغيير ليس أفضل من الإصرار على النظام التقليدي. وكل ما نعلمه هو أن الحالات الأوضح في الوجود، سواء التي تتعلق بالماضي المثالي أو المستقبل الطوباوي، أو الأجناس أو الأديان هي في النهاية شمولية وتتصارع مع الاستعداد المتنوع للطبيعة البشرية.
    وعلى غرار ما رأينا في بروكسل وباريس ومناطق أخرى من العالم، فإن هذا التأكيد الدفاعي للهوية يجذب أيضا أبناء المهاجرين المسلمين الذين لم يتم استيعابهم في أوروبا. والصدر المرحب لمثال الإسلام النقي هو جذب طبيعي بالنسبة لأولئك الأفراد المغتربين الموجودين على حدود المجتمع والمدفوعين مثل كثير من الأجسام المنفصلة. والمتشددون الذين يأتون من داخل الغرب لا يختلفون عن رجال دوستويفسكي «الزائدين عن الحاجة» الذين أتوا في أواخر القرن التاسع عشر من روسيا وتحولوا إلى الارهاب العدمي.
    الأمر يمثل أيضا مسألة نطاق بالنظر إلى تجذر القيم والعادات في فضيلة المكان المتعلقة بالأرض. وقال باسكال لامي، الذي ترأس منظمة التجارة العالمية بين عامي 2005 و2013: «هناك تضارب بين منافع العولمة من جهة والقيم المشتركة بين المجتمعات المتعددة من جهة أخرى»، وأضاف: «فوائد العولمة تتناسب مع القوة ومع الحجم. وكلما زاد حجمها أصبحت أفضل بسبب وفورات النطاق. الكبير جميل. الهوية والشرعية والسياسة تتماشى مع القرب، مع النطاق