التصنيف: الرأي

  • ديماغوجية السياسة والعقل الجمعي

    حسين الساعدي 
    إسقاط النظام الديكتاتوري في العراق ربيع عام ٢٠٠٣ شكل انعطافة هامة في تاريخ العراق المعاصر، مما ترتب على هذا السقوط تداعيات وتغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتحولات بنيوية أثرت في الواقع الاجتماعي والبنيوي للمجتمع العراقي. فكان لهذا الوضع انعكاساته وتداعياته على مجمل الأوضاع في العراق عامة وعلى المنظومة القيمية للنسيج الأجتماعي العراقي جعله أمام تحديات جمه تهدد كيان ووجود ووحدة الدولة العراقية وبنية مكوناتها الاجتماعية والأثنية والدينية وأوجدت شرخاً كبيراً في المنظومة القيمية للمجتمع العراقي استنزفت كل قواه المجتمعية.
    وإذا أردنا أن نبحث عن الأسباب الكامنة وراء هذه التداعيات وآثارها المستقبلية على الشخصية العراقية، فأننا نرى أنها لم تكن وليدة انعطافة عابرة حدثت في مرحلة معينة، بل نتيجة طبيعية لتراكمات تاريخية وسياسية وثقافية اسقطت بمجملها على الواقع العراقي بفعل أجندات أقليمية وعالمية وبمساعدة قوى محلية على خلفية الصراع على السلطة والثروة، علماً أن هذه التراكمات كامنة في بواطن الشخصية العراقية لم تظهر في حينها على السطح بفعل عوامل أخلاقية وسياسية وأمنية تم تجاوزها ذاتياً في أوقات السلم الأهلي. وضعف بنية الشخصية العراقية وانقسامها على ذاتها، التي تعاني من صراع قيم البداوة وقيم الحضارة، كما اشار الى ذلك عالم الاجتماع العراقي علي الوردي. فهي تمتاز بصعوبة الإرضاء. 
    لقد كان للمنظومة السياسية بعد ٢٠٠٣ الأثر الكبير والواضح الذي لا يقبل اللبس على النسيج الاجتماعي العراقي والتي دقت أسفين بين تكويناته الاجتماعية وتنوع هوياته وثقافاته، من خلال التأثير على العقل الجمعي (Grip thinking) العراقي واخضاعه وانصياعه واذعانه لما يريدون من خلال الأحابيل والحيل السياسية التي يلجئون اليها في مواسم الانتخابات غايتهم السيطرة على مجموعة القيم والأفكار التي تشكل الشخصية العراقية في وعيها وعقلها واستمالتها إلى ما يريدون.
    إن ظاهرة العقل الجمعي في العراق تجلت في التعصب الفكري والثقافي، مما أدى ذلك الى ظهور جماعات. إن الأستحواذ على العقل الجمعي العراقي لايمكن أن يكون إلا بوجود نخب سياسية تبنت الفكر الديماغوجي (Demagogue) كأستراتيجية لأقناع الأخرين بالأستناد الى مخاوفهم وأفكارهم المسبقة للحصول على السلطة عن طريق الخطابات والدعاية لأستثارة عواطف الجماهير بوعود كاذبة من أجل مصلحة الشعب وأغراءه ظاهرياً للوصول الى السلطة وخدمة مصالحهم. 
    لقد كان لبعض الطبقة السياسية الديماغوجية أيديولوجيتها وماكنتها الأعلامية الضخمة من إعلام مسموع ومقروء ومكتوب ووسائط التواصل الاجتماعي وإطلاق الشائعات وإثارة الفتن، مستغلين الجانب السلبي لظاهرة العقل الجمعي المتمثلة بالانغلاق والتقوقع لجماعة ما على فكر جديد يأتي من خارجها. مما أدى ذلك الى ضعف الآصرة الوطنية وابراز الهويات الأثنية والدينية والقومية والولاء لهذه التكوينات التي تمثل النسيج الوطني للعراق، وقد استطاعت القوى الخارجية أن تنفذ من خلال اختراق هذه المنظومة الأجتماعية، مستغلة التركيبة البنيوية الهشة في طبيعة الشخصية العراقية، الانفعالية القلقة، وقدرتها على التحمل والصبر والتكيف مع الظروف المختلفة والمتمسكة بالحياة. إن الساحة السياسية العراقية تعج بالقيادات الديماغوجية، مستغلة ضعف بنية الشخصية العراقية من خلال تضليل الجماهير وطرح الوعود الكاذبة وتشويه الحقائق وإثارة عواطفهم ومخاوفهم للوصول الى غاياته الشخصية. أن السياسي العراقي كان ومازال ميكافيلي وديماغوجي في كل طروحاته ويمكن أن نلخصه في القول الأتي (يريك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلب).
  • إصلاح تكنوقراطي

    عباس عبد الرزاق الصباغ
     يذهب بعض المحللين  بعيدا في التخمين حول الأسباب التي دفعت رئيس الوزراء د. العبادي الى الدعوة لتشكيل حكومة تكنوقراط عابرة للمحاصصة الطائفية والاثنية وايضا للفئوية الحزبوية والكتلوية، وذلك بالتنظير أحادي الجانب للمسألة  باعتبارها جاءت لأسباب اقتصادية فقط، وان تدهور الاقتصاد العراقي بسبب الهبوط الحاد لأسعار النفط المورد الرئيس للاقتصاد العراقي الريعي كان هو السبب وراء هذه الدعوة كون ذلك التدهور قد كشف عن عورة هذا الاقتصاد إضافة الى حالة التقشف التي اضطر اليها مهندسو السياسة المالية والنقدية للبلد .
    ومن الخطأ أن تقتصر الدعوة الى الإصلاح (الجذري وليس الشكلي والترقيعي) على أسباب اقتصادية بحتة وكأن الأمر يبدو بهذه الصورة السطحية، صحيح ان العامل الاقتصادي كان مؤثرا جدا لاسيما وان الدعوة الى التقشف ناهيك عن المطالبة بالقضاء على الفساد والتي رافقتها احتجاجات جماهيرية صاخبة تمثلت بالحراك المدني المنتفض المستمر، ومطالبات مرجعية ملحة بالضرب بيد من حديد على أيدي المفسدين الذين أهدروا أموالا طائلة جدا وأوصلوا البلد الى حافة الإفلاس، كل ذلك كان سببا رئيسيا دعا رئيس الوزراء الى تعديل طاقمه الحكومي تعديلا جوهريا يناسب استحقاق المرحلة .
    وفي جوهر الحقيقة، ليست الأزمة المالية وحدها هي من حتَّمت الدعوة  الى تغيير  الكابينة الحكومية تغييرا تكنوقراطيا وإن جاءت متأخرة لأكثر من عقد من الزمان  فخلال السنوات الـ 12 المنصرمة شُكلت خمس وزارات والسادسة «التكنوقراطية» ما زالت مرتقبة، وحقيقة التغيير لها وجهان احدهما اقتصادي والآخر سياسي فقد بدا الوجه الاقتصادي اكثر وضوحا لارتباطه بالحالة المعيشية للمواطن العراقي، اما الوجه السياسي فلم يكن اقل وضوحا وكادت البلاد ترجع الى مربع الصفر بسبب الخلل البنيوي التأسيسي الذي تمأسست عليه العملية السياسية لما بعد التغيير النيساني وسوء الإدارة والتخبط السياسي والحزبوي لأغلب فرقاء العملية السياسية التي لم تقم على أسس دولتية صحيحة وكان لا بد من مخارج سياسية/ اقتصادية للازمة السيا/اقتصادية الخانقة قبل ان تتفاقم الأمور الى ما لا يحمد عقباه، فالمشهد العراقي المأزوم الذي بدا يسير نحو أفق مسدود من جوانبه كافة هو أشبه بواقع أصابه تسونامي خراب شمولي وجسد نخره داء عضال، ومن أسباب التدهور السياسي:  الاعتماد  بالدرجة الأساس على ترشيحات الكتل السياسية للمناصب والتي لم تأتِ بالعناصر الكفوءة، بقدر ما تمت اختياراتها بموجب الولاءات والصداقات والمنافع المتبادلة وعلى حساب المواطن المسكين وينسحب هذا المآل على جميع هياكل ومفاصل الدولة العراقية وبكل مستويات تمثلاتها الهرمية فلم يعد الآن لدينا ـ كواقع حال ـ  دولة متماسكة ولا حكومة منسجمة مع مصالح الشعب ولا أداء اقتصادي رصين ناهيك عن المشهد الأمني المضطرب، فالاقتصاد الوطني يعاني اليوم من محنة كبيرة بسبب انخفاض أسعار النفط والتخبط بالسياسات الاقتصادية، إضافة الى الإخفاقات الكبيرة في بناء الدولة والفساد المستشري وسوء استعمال السلطة والمال العام وتقسيم الحكم على أساس طائفي وعنصري محاصصاتي، قد يقود كل ذلك في نهاية المطاف الى تقسيم البلاد وهو ما حذرت منه المرجعية مسبقا.
    وبعد أن تعثرت مسيرة الإصلاحات التي أطلقها السيد العبادي منذ آب الماضي، والتي لم تأتِ بالنتائج المرجوة منها، تحتَّم المضي في مسعى إصلاحي آخر أكثر واقعية وجدية وبما يتناغم مع مطالب الجماهير والمرجعية وذلك بتطهير العملية السياسية من الأساس وتنقيتها من الشوائب التي علقت بها وتصحيح مساراتها ووضعها على السكة الصحيحة وبالقفز فوق الخطوط الحمر والحواجز المتمثلة بالمحاصصة ومبدأ (هذا لي وذاك لك) والتوافق الظاهري تحت غطاء التشارك والتوازن المكوناتي فيكون البديل في البحث عن فريق وزاري متجانس يستطيع العمل بروح واحدة لتجاوز التحديات السياسية  الاقتصادية/ الأمنية/ الخدماتية وغيرها، فلا تغيير ولا إصلاح حقيقيا إذا لم  يتم تجاوز وعبور المحاصصة الحزبية والسياسية، والقفز فوق الشروط التعجيزية لبعض الكتل التي تريد أن تبقى الأوضاع كما هي عليه دون تغيير حقيقي، فالإصلاح التكنوقراطي ولادة ثانية وحقيقية للدولة العراقية المعاصرة قد تكون نسخة «محسنة» عن تلك الدولة التي ولدت بعملية قيصرية في نيسان 2003 .
    حكم التكنوقراط يعني بالدرجة الأولى التوجه لاختيار أصحاب الكفاءة والخبرة والاختصاص في إشغال المراكز المهمة للدولة لكل حلقاتها، لذلك فإن السيد العبادي حدد بدقة وأمام البرلمان الذي طالبه بتفويض يشرعن مسعاه، بأن التغيير يجب أن يستند الى المهنية والاختصاص والتنازل عن الاستحقاق الانتخابي وحكومة النقاط  (النقطة الواحدة  تعادل مقعدين من مقاعد مجلس النواب التي تحصل عليها الكتل السياسية بعد إجراء الانتخابات التشريعية).
    وبموجب الدستور العراقي يستطيع رئيس الحكومة إعفاء أي من وزرائه، بل حتى جميع وزرائه، وإعادة تشكيل حكومته على وفق المادة 78 منه التي تنص على ما يلي: «رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة.. وله الحق بإقالة الوزراء، بموافقة مجلس النواب».
    واقول: وقبل الشروع بهذا التغيير الستراتيجي المُلح يجب اولا تفعيل قانون الأحزاب السياسية (رقم 36 ) لسنة 2015 لوضع خارطة طريق صحيحة للعمل الحزبي في العراق وهو عمل لم يخلُ يوما ما من شوائب أخطاء التأسيس والتخبط في الإدارة وتفشي الفساد وما كان مخالفا لكلاسيكيات العمل الحزبي في العالم وثانيا يجب استرداد جميع الأموال التي نُهبت وإرجاعها الى خزينة الدولة وتقديم الفاسدين الى القضاء بغية إرجاع ثقة المواطن العراقي بالعملية السياسية، الثقة التي اهتزت كثيرا.
  • حفلة تملق لإسرائيل!

    جيمس زغبي 
    بدا الأسبوع الماضي في واشنطن غريباً ومشوشاً تماماً بسبب أداء أربعة من بين مترشحي رئاسة الولايات المتحدة الخمسة المتبقين في مؤتمر سياسات «لجنة العلاقات العامة الأميركية الإسرائيلية»- (آيباك)، وكان الأمر برمته أشبه بعرض مسرحي أكثر من كونه مؤتمراً. وبدا المكان مثل ساحة رياضية فيها نحو 18 ألف متفرج. وظهور المرشحين على المسرح في الوسط كان معروضاً على شاشات ضخمة علوية. وقد هرولوا واحداً تلو الآخر لأداء أدوارهم. ولكن تلك الأدوار التي مثلوها كانت جميعها، على اختلاف أشكالها، متشابهة ولاسيما في مجموعة من الأفكار المألوفة. فجميعهم اعترفوا بحبهم لإسرائيل ونتنياهو «بيبي»، ورغبتهم في تسليح تل أبيب حتى النخاع، وعدم ثقتهم في الفلسطينيين، الذين اتهموهم بالتحريض وكراهية الأمم المتحدة! وأكدوا جميعاً أنهم سيعارضون أي محاولة لفرض عقوبات على إسرائيل، سواء من الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو المجموعات الطلابية الأميركية. ووعدوا بأنهم سيكونون رؤساء أفضل في خدمة إسرائيل مقارنة مع الرئيس أوباما.
    وبينما كان المترشحون يبتذلون بلا خجل أمام المتفرجين الهائجين، بدت التصريحات السياسية الفجة التي أدلوا بها، ووصفات السياسة التي طرحوها، خطيرة ومنفصلة عن الواقع.
    وفي خطاب بعد خطاب، كانت إسرائيل تحصل على دعم غير مشروط باستخدام المصطلحات الشائعة في الوقت الراهن مثل «لا يهتز» و«راسخ» و«ثابت». ولم يتحدث أحد عن الصعوبات التي يتحملها الفلسطينيون في ظل الاحتلال، وفي الحقيقة لم يتفوه أحد بكلمة «الاحتلال» أبداً. وعندما ذُكر الفلسطينيون كان ذلك لاتهامهم بالتحريض والقتل! واتهم «جون كاسيك» الفلسطينيين بأنهم ينشأون على «ثقافة الموت»، بينما كرر «تيد كروز» الإشاعة القديمة باتهام العرب أنهم يرغبون في «رمي إسرائيل إلى البحر».
    وأدان كل من «كروز» و«كاسيك» و«هيلاري كلينتون» محاولات «عزل إسرائيل والضغط عليها ونزع غطاء الشرعية عنها»، وتعهدوا بمحاربة حركة «المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات»، واتهموها بأنها تروج «خطاب الكراهية، والتحريض والتخويف في الحرم الجامعي». وذهب «كروز» بعيداً إلى حد الإشارة إلى أن ذلك قد يكون «سلوكاً غير قانوني» يمكن مقاضاة مرتكبيه وفق أقصى حدود القانون.
    وتعهد جميع المرشحين «الجمهوريين» بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، واعتبارها العاصمة الأبدية لإسرائيل (حسب تعبير دونالد ترامب). وفي تصعيد للتصريحات، قال «كروز» إنه سيبدأ جهود نقل السفارة إلى «العاصمة الأبدية» في يومه الأول في السلطة. ومن جانبها، تجاوزت «كلينتون» مسألة نقل السفارة، ولكنها قالت إن من بين الأشياء الأولى التي ستفعلها إذا أصبحت رئيسة للولايات المتحدة دعوة نتنياهو إلى البيت الأبيض، من أجل الدفع بالعلاقات الأميركية الإسرائيلية إلى المستوى التالي. وعدم الواقعية الذي اتسمت به «حفلة التملق» تلك كان واضحاً أشد الوضوح في أداء «ترامب». فأثناء سياق حملته خلال العام الجاري، كرر في مناسبات كثيرة غضبه الشديد من المجتمع اليهودي الأميركي الموالي لإسرائيل، قائلاً إنه سيكون مفاوضاً محايداً بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وتردد بشأن قضية نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وسخر من فكرة «تمزيق الاتفاق الإيراني».
    ولكن في عرض «آيباك»، صعد «ترامب» إلى المسرح وقرأ خطاباً معداً مسبقاً يبدأ بقوله: «لم آتِ إلى هنا لأتملق إسرائيل». وكانت هذه كذبته الأولى في تلك الليلة. واستطرد في حديثه مناقضاً كل مواقفه السابقة، فأدان الفلسطينيين والرئيس أوباما. واختتم بقوله: «إنني أحب إسرائيل.. إنني أحب إسرائيل»، ثم أضاف بغرابة شديدة أن «ابنته توشك على وضع طفل يهودي جميل!». وبينما احتفت الجموع بـ«ترامب» مراراً وتكراراً، بدا الأمر برمته شديد الغرابة لأن رجل الأعمال ناقض كل شيء قاله من قبل، ولا يبدو أن أحداً لاحظ أو اكترث لذلك. وما بدا مهماً هو تملقه، الذي نال إعجاب الجماهير!
    وكانت «كلينتون» هي المرشحة الوحيدة التي ذكرت «الدولة الفلسطينية»، ولكنها لم تقدم مقترحاً، وإنما وعداً غامضاً بأنها ستبحث فرص تهيئة الظروف من أجل «إحراز تقدم». وفي حين أشاحت بوجهها عن انتقاد إسرائيل، قالت «إن على الجميع أن يقوموا بدورهم بتفادي الإجراءات المدمرة، بما في ذلك ما يتعلق بالمستوطنات». وعلى رغم ذلك بدا هذا التعليق غامضاً بدرجة جعلته يبدو وكأن الغرض منه هو تفويته. وهذا ما حدث.
    وفي نهاية المؤتمر، عاد أعضاء وفود «آيباك» إلى منازلهم مطمئنين أن الحكومة الإسرائيلية المتعصبة لا خوف عليها من المترشحين للرئاسة الأميركية، وأن إسرائيل ستواصل الحصول على دعم وتأييد في مواجهة كافة الضغوط التي تدعوها لتغيير سياستها وممارساتها الاحتلالية ضد الفلسطينيين.
  • إدارة الأزمة

    علي شايع 
    لم تكن مطاردة شعرية، لكن واقعة سياسية جرت، ستحتاج الى قول ثقيل، يصف ما نحن عليه.. قول يذكّر لا محالة ببيت يتساءل شاعره بحزن جم، حيث يقول:»متى يبلغ البنيان يوما تمامُه…إذا كنتَ تبنيه وغيرك يهدمُ؟».
    لم تكن مطاردة شعرية، لكن جليساً حكيماً قال على إثر البيت، وبصيغة سؤال أيضاً، اختصر الكثير:»فلو ألف بانٍ خلفهم هادم كفى..فكيف ببانٍ خلفه ألف هادم؟».
    من يتابع (محنتنا) الوطنية، وبما ينطبق عليها الحال والمآل من معان في البيتين السابقين، سيعيد ما جرى في السنوات الأخيرة الى قمة التل، كما يقولون وصفا لكرة الثلج المنحدرة من سفح الأعوام المتتالية، والمتراكمة منذ أيام التغيير الديمقراطي الأولى، محدثة خللاً إدارياً كبيراً في بناء الدولة، كان يبدو في سالف الأيام كما لو أنه تبعة لكلّ حكومة مرّت، تاركة عثرات موحشة للقادمين بعدها، حتى تكسرت النبال على النبال، وتراكمت الأخطاء الى الحدّ الذي أثقل كاهل الحكومة الأخيرة بشكل مفزع، تبدو فيه كرة الثلج الهائلة بأقصى تعجيلها هذه الأيام، وكأنها ستجرف الكثير في طريقها العاصف.
    في بداية كل سنة، كنا ننتظر وضع الأداء الوزاري – وبالحسابات الدقيقة – على طاولة مكاشفة ومعاينة، قصد معرفة المدى الذي وصل إليه «البناء» في طريق «التمام»، وفي بحث العيوب والأخطاء، ومن أجل الإفادة من التجربة الإدارية، وربما يكون من الانصاف أيضاً أن يضع كل متابع (أو كاتب) موجزاً لما عاينه أو رصده خلال سنة من أخطاء. 
    في جانب المتابع المحايد، لعلّي أسجل – بأسف بالغ – متابعة خلل بقيت أكثر الوزارات تكرّره في السنوات الأخيرة؛ ففي تقارير نشرتها صحيفة «الصباح» الغراء عن أداء الوزارات العراقية في أعوام سابقة من خلال صرفها لمبالغ الموازنة، ورد فيها ما يشير إلى مخاطبة الصحيفة جميع الوزارات – وباستباق نهاية العام – رغبة منها بنشر المنجز الوزاري، لكن لم ترد الإجابة بالمأمول، إذ «لم تتفاعل» أغلب الوزارات بهذا الشأن. ولم يعد بالطبع من جدوى لمواصلة نشر هذه التقارير بصيغتها الناقصة، وبالتأكيد وُضعت الصحيفة على طاولة رئيس الوزراء غير مرّة، ولعلّ جهات حكومية تسجل هي الأخرى لمثل هذه الشكاوى، وربما يكون لدى البرلمان لجنة توثّق وتستنسخ وتوزع مقالات وكتابات على برلمانيين سيقترحون جلسات لإدارة الأزمة.
    إدارياً، ربما يحق السؤال هنا عن أسماء تلك الوزارات أو المؤسسات، وربما يكون من الانصاف وضع جرد بما مرّ، إذ لا يسقط التقادم حقوقاً يمكن المطالبة بها يوماً ما، فالوزارات تحمل إرشيفاً إدارياً، هو وبحسب توصيات برلمانية، يجب أن يكون جاهزاً للتفتيش، خلال خمس سنوات مضين في أقل تقدير. في وقت الأزمات لا بد أن يكون كل مسؤول معلناً ومكشوفاً قيد أنظار الرأي العام أكثر من أي وقت، ولن يشفع له إلا أن يكون بهذا الحال، فالمواقف مرصودة والكلمات محسوبة والأفعال في الميزان، وعلى كل من يعنيهم الأمر إثبات جهودهم وبيان إمكانيتهم كمسؤولين، إذ أن الرهان على صنّاع الحلول.
  • ليبدأ الرد المعتاد

    ÏæÛáÇÓ ãæÑÇí 
    íÓÊåÏÝ ÇäÊÍÇÑíæä ÅÓáÇãíæä ÅÍÏì ÇáÚæÇÕã ÇáÃæÑæÈíÉ ÇáÞáíáÉ ÇáÊí áã íÓÊåÏÝæåÇ ãä ÞÈá ãäÝÐíä ÇÚÊÏÇÁ ÅÑåÇÈíÇð ÈÍÕÏ ÚÏÏÇð ßÈíÑÇð ãä ÇáÖÍÇíÇ.
    ÝíÔãá ÇáÑÏ ÇáãÚÊÇÏ ãÇ íáí: ÃæáÇð¡ ÊÊØÇíÑ ÃÔáÇÁ ÇáÃÈÑíÇÁ ÚäÏ äÞØÉ ÇáæÕæá Ýí ÇáãØÇÑ Ãæ ÞØÇÑ ÇáÃäÝÇÞ¡ ÝÊÚãø ÇáÕÏãÉ áÝÊÑÉ æÌíÒÉ¡ æÚáì ãæÇÞÚ ÇáÊæÇÕá ÇáÇÌÊãÇÚí íäÊÙÑ ÇáãÊÚÇØÝæä ÚÑÖ åÇÔÊÇÛ åÐÇ ÇáÚãá ÇáãÑíÚ æÑãæÒå “ÇáããíÒÉ”¡ æíÃãáæä Ãä ÊÈÞíåã ãØáÚíä Úáì ãÌÑíÇÊ ÇáÃÍÏÇË Åáì Ãä íÕá ÚÇÒÝ ÇáÈíÇäæ Åáì ãæÞÚ ÇáÇÚÊÏÇÁ áíÔ쾂 ÈÃÛäíÉ Imagine there’s no countries (ÊÎíáæÇ Ãäå áíÓ åäÇß ÈáÏÇä)¡ Ýí åÐå ÇáÃËäÇÁ íÕÏÑ Úáì ÇáÃÑÌÍ ÊÕÑíÍñ Úä ÔÎÕíÉ ãÇ íÓÊØíÚ ßËíÑæä ÇáÊäÏíÏ Èå¡ ãÚÊÈÑíä ÅíÇå “ÛíÑ ãáÇÆã”.
    æÝí ÇáãÑÍáÉ ÇáÊÇáíÉ: ÇáÚ辄 Úáì ÎÈÑ ÌíÏ æÓØ ÇáÍØÇã¡ Ãíø ÎÈÑ íÝí ÈÇáÛÑÖ¡ áßä ÇáÃÝÖá íÈÞì ÎÈÑÇð ÅíÌÇÈíÇð Úä ÇáãÓáãíä¡ ÝÈÚÏ ÇÚÊÏÇÁÇÊ ÈÇÑíÓ ãËáÇð ÃÔÇÑÊ ÈÚÖ ÇáÊÞÇÑíÑ Ýí ÇáÍÇá Åáì Ãä ÍÇÑÓÇð ãÓáãÇð ÔÌÇÚÇð ÊÕÏì áÃÍÏ ÇáÇäÊÍÇÑííä Ýí ãáÚÈ “ÓÊÇÏ Ïæ ÝÑÇäÓ”¡ ÝÊäÇÞáÊ æÓÇÆá ÇáÅÚáÇã åÐÇ ÇáÎÈÑ ÈÓÑÚÉ¡ ÍÊì ÞÈá ÇáÊÃßÏ ãä ÕÍÊå¡ æÊÈíä áÇÍÞÇð Ãäå áíÓ ÕÍíÍÇð¡ áßä ÇáäÇÓ íÍÊÇÌæä Åáì ÎÈÑ ããÇËá¡ áíÓ áÃä ÇáãÓáãíä áÇ íÞæãæä ÈÃÚãÇá ÎíøÑÉ¡ Èá áÃä ÇáäÇÓ íÑíÏæä ÚÞÈ Ãí ÇÚÊÏÇÁ ÅÑåÇÈí ÅÓáÇãí ÃáÇ íßæä ÇáÇäÊÍÇÑíæä ãÓáãíä æÃáÇ íßæä ÇáãÓáãæä ÇäÊÍÇÑííä. æåßÐÇ íÓÊØíÚ ÇáãÓáã ÇáÕÇáÍ ÊãËíá ÇáÅÓáÇã¡ Ýí Ííä íõÞÇá Úä ÇáãÓáã ÇáÓíÆ Åäå áÇ íãÊø Åáì ÇáÅÓáÇã ÈÕáÉ.
    äÕá ÈÚÏ Ðáß Åáì ÇáãÑÍáÉ ÇáÊÇáíÉ¡ ÇáÊí ÊØÑÍ ÎáÇáåÇ æÓÇÆá ÇáÅÚáÇã ÃÓÆáÉ áÇ ÊÚÇáÌ Ãí äÞØÉ ÃÓÇÓíÉ. Úáì ÓÈíá ÇáãËÇá¡ íßËÑ Ýí ÇáããáßÉ ÇáãÊÍÏÉ ÐßÑ ÞÇäæä “ÈíÇäÇÊ ÇáÊæÇÕá ÇáÍßæã픡 ßÐáß äÔåÏ Úáì ÇáÃÑÌÍ ÌæáÉ ÌÏíÏÉ ãä ÇáÍæÇÑ ÇáÞÏíã Úä “ÃæÇãÑ ÇáÍÏ ãä ÇáÍÑíÉ” ãÞÇÈá “ÊÏÇÈíÑ ãßÇÝÍÉ ÇáÅÑåÇÈ æÇáÊÍÞíÞ Ýí ÞÖÇíÇ唡 æÓíßæä ÃÍÏ ÓíÇÓíí ÍÒÈ ÇáÚãÇá Ãæá ãóä íËíÑ åÐå ÇáäÞØÉ Úáì ÇáÃÑÌÍ¡ ÂãáÇð Ãä íÙåÑ ÈãÙåÑ ÇáÑÌá ÇáÞæí¡ ÈÇáÅÖÇÝÉ Åáì Ðáß íÈÏà ÇáÌãíÚ Ýí æÓÇÆá ÇáÅÚáÇã ÈÇáÊÍÏË Úä “ÇáÃÕæáíÉ” ßãÇ áæ ÃäåÇ ÚÏæì ÞÏ ÊáÊÞØåÇ ãä ÇáãÇÁ¡ æíÏøÚí ÇáÎÈÑÇÁ Ãäåã íãáßæä ãÚáæãÇÊ æÇÝÑÉ Úä “ãÓÇáß ÇáÊØÑÝ”¡ ÃãÇ äíßí ãæÑÛÇä ÝÊÚáä ÖÑæÑÉ ÊæÓíÚ ÃÌäÏÉ Prevent (ÇáæÞÇíÉ) áÊÔãá ÃØÝÇá ÇáÍÖÇäÉ¡ æÈÚÏ ÓäÉ ÊõÞÝá ÏÇÑ ÍÖÇäÉ ãÇ ÊÏíÑåÇ ÌãÚíÉ ÇáÃÕÏÞÇÁ ÇáÏíäíÉ (ÇáßæíßÑÒ).
    Ýí ÇáãÞÇÈá íÍæøá ÇáÈÚÖ ãÓÇÑ ÇáäÞÇÔ áíÊØÑÞæÇ Åáì ÓíÇÓÉ ÈáÌíßÇ ÇáÎÇÑÌíÉ ÇáÊÏÎáíÉ ÛíÑ ÇáãÞÈæáÉ¡ Ýí Ííä íÓÊÝíÖ ÂÎÑæä áíÕáæÇ Åáì ÇáÞÖíÉ ÇáÅÓÑÇÆíáíÉ-ÇáÝáÓØíäíÉ. Ýí ÇáæÞÊ Úíäå íäßÈ ÇáÌäÇÍ ÇáßæÑÈíäí ãä ÍÒÈ ÇáÚãÇá Úáì ãæÖæÚå ÇáãÝÖøá: áÇ ÇáÃÔáÇÁ Ýí ÇáãØÇÑ Èá ãóä ÊÚÑÖä áäÙÑÇÊ ÞÇÓíÉ ÃËäÇÁ ÑßæÈåä ÍÇÝáÉ æåä íÑÊÏíä ÇáÍÌÇÈ¡ æÈÍáæá Çáíæã ÇáÊÇáí Úáì ÃÈÚÏ ÊÞÏíÑ¡ íßæä ßá ÇáÞÇÏÉ ÇáãÓáãíä ÇáÈÇÑÒíä ÞÏ ÊÍÏ辂 ÈÅÓåÇÈ Úä “ÑÏ ÇáÝÚá” ÇáæÍÔí (ÇáÐí íÔãá ÚãæãÇð ÇáäÙÑÇÊ ÇáÞÇÓíÉ æÇáßÊÇÈÇÊ ÇáãÓíÆÉ Úáì ãæÇÞÚ ÇáÊæÇÕá ÇáÇÌÊãÇÚí)¡ æÈÍáæá íæã ÇáÎãíÓ íßæä ÇáÌãíÚ ÞÏ ä ÇáÖÍÇíÇ.
    åÐå åí ÍÇá ÃæÑæÈÇ Çáíæã: ÊõßÑøóÑ ÇáãÓÇÆá ÇáÊÇÝåÉ ãÑÇÑÇð¡ Ýí Ííä áÇ íÃÊí ÃÍÏ Úáì ÐßÑ ÇáãÓÇÆá ÇáÊí ÊÓÊÍÞ ÇáÛæÕ ÝíåÇ¡ æáßä ãÇ åÐå ÇáãÓÇÆá¿ ÊÔãá åÐå æÇÞÚ ÃääÇ ãÖØÑæä Åáì ÇáÚíÔ ãÚ ÚæÇÞÈ ÇáåÌÑÉ ææåã “ÇáÇäÏãÇÌ”¡ ÇáÐí ßÇä ÚáíäÇ ÇáÊÎáí Úäå ãäÐ ÓäæÇÊ¡ áßä ÍßæãÇÊäÇ æÇÕáÊ ÇáÇÏÚÇÁ Ãä ÅÖÚÇÝ ÍÏæÏ ÃæÑæÈÇ ÇáÎÇÑÌíÉ æãÍæ ÍÏæÏåÇ ÇáÏÇÎáíÉ¡ ÇááÐíä ÊÒÇãäÇ ãÚ ÅÍÏì ßÈÑì ÚãáíÇÊ ÇÓÊÈÏÇá ÇáÓßÇä Ýí ÇáÊÇÑíΡ áä íßæä áåãÇ Ãí ÊÃËíÑ ãáãæÓ Ýí ãÓÊÞÈá ÞÇÑÊäÇ¡ ÝÒÚãæÇ Ãä ÈÑíØÇäíÇ ÓÊÈÞì ÏæãÇð ÈÑíØÇäíÇ¡ æÝÑäÓÇ ÝÑäÓÇ¡ æÇáÓæíÏ ÇáÓæíÏ¡ æÈáÌíßÇ ÈáÌíßÇ.
    æáßä ÑÈãÇ ÊÚáãäÇ ÈÚÖ ÇáÏÑæÓ¡ æáæ ÈÕãÊ¡ ÝÞÈá ÚÞÏ ßÇä ÇáãÍááæä íÔíÑæä ÈÚÏ ßá ÇÚÊÏÇÁ Åáì ÇáÃãÇßä ÇáÊí ßÇä íõÝÊÑÖ Ãä ÊäÌÍ ÝíåÇ ÇáåÌÑÉ ÇáÌãÇÚíÉ¡ æÇáÇäÏãÇÌ¡ æÇáÍÏæÏ ÇáãÝÊæÍÉ¡ æÚÞÈ ÇÚÊÏÇÁÇÊ áäÏä ÊÓÇÁá ÇáäÇÓ: “ãÇÐÇ íãßääÇ Ãä äÊÚáã ãä ÝÑäÓÇ¿”¡ æÈÚÏ ÇÚÊÏÇÁÇÊ ÝÑäÓÇ ÞÇáæÇ: “ãÇÐÇ äÊÚáã ãä ÇáäãæÐÌ ÇáÓæíÏí¿”¡ áßä ÇáÓæíÏ ãÇ ÚÇÏÊ ÊõÐßÑ Çáíæã æãÇ ÚÇÏ ÃÍÏ íäÙÑ Åáì Ãí äãæÐÌ ÂÎÑ áÃäåÇ ßáåÇ ÃÎÝÞÊ. ÅÐÇð åÇ äÍä Çáíæã ÚÇáÞæä æÓØ ãÔßáÉ ÃæÕáäÇ ÅáíåÇ ÓíÇÓíæäÇ æáÇ íãáßæä Ãí Íá áåÇ¡ ÝÞÏ Êßæä ßá åÐå ÇáËÑËÑÉ ÇáÚÞíãÉ æÓíáÉ ÇáäÇÓ áÊÌÇåá ÇáÍÞíÞÉ ÞÈá Ãä íõÖØÑæÇ Åáì ãæÇÌåÉ åÐÇ ÇáæÇÞÚ.
  • «الحشد» بمواجهة عواصف الحقد

    صادق كاظم 
    عندما تعرض العراق إلى عدوان عصابات داعش في حزيران من العام 2014 وقف معظم جيران العراق من العرب متفرجين ان لم يكونوا شامتين. كان البعد الطائفي يقف وراء هذا الموقف العربي والخليجي الشامت رغم خطورة الموقف, إذ أن أي خرق داعشي لصحراء النجف وكربلاء كان كافيا ليجعل داعش في عمق  الأراضي السعودية والوصول إلى أبواب مكة المكرمة والمدينة المنورة وإعلان عاصمة الخلافة المزعومة منها. 
    لم يثر مشهد اقتراب داعش من بغداد وقتها حماسة أي أمير خليجي ليوجه مدافعه وطائراته لإسناد العراق وجيشه وصد هجوم داعش واسترداد المناطق المحتلة ولولا الحشد الشعبي وحماسة وغيرة أبناء العراق التي قلبت الطاولة على رأس عصابات داعش لكان العراق والمنطقة امام وضع آخر. كانت العقدة الطائفية ولا تزال تتحكم بالعقل السياسي الخليجي في تعامله مع وجود الحشد كقوة كفوءة ومؤهلة استطاعت تغيير معادلة الصراع والحاق الهزيمة بداعش، وهو ما يفسر التصريحات والمواقف المتشنجة التي تصدر عن سياسيين وإعلاميين هناك يتصدرون المشهد الإعلامي بتصريحات نارية ومتشنجة تتطاول على هذه القوة وتشكك بدورها الوطني, بل ان هذا التصعيد اخذ نهجا تدخليا سافرا وخطيرا بالشأن العراقي عبر المطالبة بإلغاء هذه القوة وتسريح أبنائها. هذه المواقف المتشنجة التي تصدرتها السعودية ومن بعدها الإمارات في التعامل الطائفي مع الحشد وتقديمه على انه قوة غير منضبطة تتلقى أوامرها من الخارج فيها الكثير من التجني غير المبرر, بل يقدم خدمة مجانية لعصابات الارهاب ومغازلة صريحة لجمهورها المتعاطف مع داعش الذي تغض السلطات في البلدين النظر عن انشطته السيئة تلك. 
    ان تجريد صفة الولاء والوطنية عن هذه القوة التي قدم ابناؤها الكثير من الدماء والصفحات البطولية، يمثل تراجعا قيميا واخلاقيا لدى المنظومة الطائفية السياسية الخليجية التي تدعم الارهاب في الباطن وتدينه في الظاهر, اذ اننا نعلم جيدا بأن السعودية تعتبر المعقل الرئيس للفكر الوهابي التكفيري المتطرف الذي انتج وقدم لنا هذا الكم الهائل من تنظيمات متطرفة على شاكلة «داعش والنصرة والقاعدة الأم» وعشرات غيرها من منظمات إرهابية لا يحسن أفرادها سوى مهنة قطع الرؤوس وتفجير الأسواق المزدحمة في المدن والقرى بالسيارات المفخخة والاحزمة الناسفة, اضافة الى حنفيات دعم بترولي هائل تسمح لها بالبقاء والاستمرار. تتصرف السعودية هذه الايام بشكل هستيري تصعيدي بعد مغامرتها الفاشلة في اليمن وغرقها المتواصل في مستنقعه، وتصرفاتها الطائفية المفتعلة تجاه الحشد ورموزه وقيادته ليست سوى شعور مرير بالخيبة والإحباط بعد تخليها عن سياسة التعقل والحكمة, حين اخذت تستهدف كل عنوان وطني كالحشد الشعبي العراقي والتعامل معه وفق معايير طائفية ليس إلا. السعودية ومن خلفها الإمارات تحاولان تقمص دور البطولة الزائفة وتوهمان أنفسهما بأنهما أصبحتا قوة عظمى في المنطقة يمكن لهما تغيير أوضاعها وجغرافياتها عبر خوض مغامرات عسكرية فاشلة كما يحدث حاليا في اليمن واغرتهما بذلك النجاحات المحدودة التي تحققت في ليبيا والتي تمت تحت مظلة حلف الناتو ودعمه والتي قادت الى سقوط ليبيا في قبضة الارهاب والفوضى, وبالمقابل فإن هاتين الدولتين تعيشان الآن وضعا مهزوزا وانكسارات أطاحت برؤوس المئات من جنودهما في صحاري اليمن وجباله. 
    السباق السعودي الإماراتي إنما يمثل محاولة لتطويع دول المنطقة وإجبارها على الدخول في تحالفات طائفية واصطناع الأعداء بذريعة المحافظة على هوية المنطقة الإسلامية من أخطار ما يسمى بالتشيع الصفوي وهي المفردات التي يستعيرها السعوديون من خزائن الصراع العثماني الفارسي في القرنين السابع عشر والثامن عشر من دون تقدير عواقب هذا الصراع المصطنع على مصير المنطقة وامن شعوبها. 
    ما يتعرض له الحشد من حملة سياسية وإعلامية مدروسة وموجهة من قبل أطراف في الداخل لها ارتباطات معروفة بالمعسكر السياسي السعودي المناوئ والتي تتصرف بطريقة تتعامل معه وكأنه قوة دخيلة على العراق وتقارنه بداعش, بل وتمانع إشراكه في عمليات تحرير المناطق المحتلة في العراق رغم إن هذه القوى والأطراف لا تملك حق الاعتراض والممانعة, بل هو من حق رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة. التصريحات المتشنجة التي تصدر باستمرار من قبل مسؤولين ودبلوماسيين سعوديين وإماراتيين  تهاجم الحشد وتعمل على الصاق الطائفية بدوره إنما تمثل طعنا أخلاقيا من الظهر بهذا التشكيل الوطني الذي ترك أفراده خلف ظهورهم بيوتهم وزوجاتهم وأبناءهم ليسكنوا الصحاري والبوادي المكشوفة ويقيموا فيها تحت ظروف مناخية متطرفة من ناحية الحرارة والبرودة في مواجهة اشد العصابات إجراما ووحشية وقساوة في العالم, حيث تمكنوا من مقاتلتها ودحرها والحاق الهزائم بها في ملاحم ستظل حية وشاهدة على بطولات هؤلاء الرجال الذين اندفعوا تلبية لواجب وليس بحثا عن مكاسب ومغانم. 
    الحشد ليس بحاجة الى شهادة حسن سيرة وسلوك من مسؤولين خليجيين يتفرجون على العصابات الارهابية, بل ويدعمون اعمالها وجرائمها سرا من اجل ان تحقق أحلامهم بالسيطرة على المنطقة طائفيا بمفخخات داعش واحزمة مجرميها الانتحارية.
  • تصنيع الإرهاب

    حسن الكعبي
     لم يعد دور السعودية وقطر في صناعة الارهاب وتصديره خافيا او انهما تتنكران له بل ان هذه الصناعة تبدو في سياق ممارسة هاتين الدولتين وفي سياق تصريحاتهما مبررة تماما وان هذه الصناعة تكتسب شرعيتها في سياق تصوراتهما من خطر مزعوم هو (خطر التشيع)، وفوبيا التشيع وانتشاره يسيطران بالكامل على مملكة الشر السعودي التي تمتلك تاريخا من الاستعداد للتصدي لفرية الخطر الشيعي كما تمتلك تاريخا من تطوير الارهاب كآلية للدفاع وصد هذا الخطر المزعوم على خلاف دولة قطر التي دخلت مؤخرا حليفا للسعودية في صناعة الارهاب وتحت الذريعة ذاتها، اي ذريعة الخطر الشيعي والتصدي له.
    ان دور السعودية في صناعة الارهاب هو دور تاريخي بوصفها مهد تشكل اول مذهب ارهابي معاصر في العالم وهو المذهب الوهابي التكفيري المعروف بتوجهاته في زرع الفتنة بين المذهبين السني والشيعي وخصوصا في العراق الذي يعتبر حاضنة اساسية للتشيع.
     ومع صعود الثورة الايرانية بطابعها الشيعي وتصدرها للحكم توجهت السعودية بكامل عدتها الارهابية لإسقاط هذا الحكم في سياق لجوئها الى دعم حكومة البعث في العراق لإشعال فتيلة حرب الثمان سنوات المعروفة والتي اطاحت بمقدرات العراق الاقتصادية ولم تؤثر على ايران ودول الخليج بشكل كبير نتيجة غنى هذه الدول واعتمادها الكبير على مواردها الطبيعية والصناعية قي دعم اقتصادها وظل العراق المتضرر الاكبر في هذه الحرب التي شكلت رد فعل اجتماعيا كبيرا ضد حكومة البعث لم ينته إلا باسقاط هذه الحكومة وصعود حكومة جديدة بمكون شيعي, ورغم ان هذه الحكومة لم تمثل الشيعة إلا بالنسبة المذهبية ولم تقدم للمكون الشيعي او المكون السني مقومات الحياة الاجتماعية المطلوبة إلا ان قيام هذه الدولة عزز هاجس التخوف السعودي ودفعها لتطوير اسوأ اشكال الارهاب الذي تمخض عن تشكيل تنظيم داعش الارهابي وزرعه داخل العراق بالتزامن مع زراعته داخل سوريا ومن ثم تصديره الى لبنان والبحرين واليمن كمراكز للتجمع الشيعي.
    اعتمدت السعودية وحلفاؤها في هذه الصناعة المشؤومة على زرع الفتنة الطائفية من خلال إحداث تفجيرات وقتل جماعي لأبناء المذهب السني وإلصاق هذه الجرائم بالشيعة تمهيدا لدخول عناصرها الارهابية المصنعة في معامل امراء النفط، بمعنى ان رعاية هؤلاء للارهاب وصلت الى حدود التضحية بأرواح ابناء السنة الذين اتخذتهم ذريعة لصناعة الارهاب ونشره في العالم العربي عموما وفي العراق بشكل اخص.
     ولم تتوقف حدود هذه الصناعة على داعش فقط بل عمد امراء النفط الى صناعة الارهاب الاقتصادي والنفطي وخلق ازمات داخل الدول ذات الاعتماد النفطي لإضعافها اقتصاديا وبما يصب بمصلحة سيطرة الارهاب داخل هذه الدول والازمة الاقتصادية التي تعانيها معظم الدول العربية هي مثال على سياسة الارهاب المزدوج الذي تعمل السعودية على تصديره بهذا الشكل الجنوني والهستيري الذي بلغ حدود قمع حتى الاصوات الفردية واقصائها كما في حادث رجل الدين الشيعي السعودي نمر باقر النمر الذي اعدمته السلطات السعودية بعد ان عبر عن رفضه للسياسة العدوانية المتبعة في مملكة الشر.
    إن الإقدام على اعدام هذا الرجل يأتي في سياق هاجس التخوف من الامتداد الشيعي وحسب، ولذلك فان اعدام الرجل لم يكن مبررا وهذا ما يفسر استنكار معظم الدول العربية وغير العربية لهذا الفعل القمعي المشين والذي لم يقر بشرعيته سوى بعض القنوات الاعلامية المصرية التي اعتبرت هذا الفعل بمثابة حماية للدولة من تهديدات كبيرة للاطاحة بالمملكة في اشارة الى ان الرجل لم يعبر عن رفضه للسعودية بصيغة فردية وانما كان يعبر عن رفضه في سياق دعم دولي له وتحديدا ايران وبعض الاطراف في العراق, رغم ان مصر كانت عرضة للتصدير الارهابي من قبل السعودية الا ان هذه القنوات لم تعبأ بحياة مجتمعها والاضرار التي لحقت به من جراء جرائم داعش.
    ان المشكلة الاساسية لا تكمن في التصدي للارهاب والحرب عليه بقدر ما تكمن في التصدي لمواطن تصنيعه، الامر الذي يستدعي اتخاذ قرارات كبرى من قبل جهات القرار الدولية خصوصا بعد ان اصبح الدور السعودي في صناعة الارهاب وتصديره معروفا لدى الجميع وإلا فان الصمت وغض الطرف عن هذه الصناعة يمثل دعما كبيرا وشراكة اكبر في هذه الصناعة المشؤومة.
  • فكر مفخخ في بلجيكا

    ÍÓíä Úáí ÇáÍãÏÇäí 
    ßÇä ãÊæÞÚÇ Ãä íÊã ÇÓÊåÏÇÝ ÈÑæßÓá ãä ÞÈá ÇáÌãÇÚÇÊ ÇáÅÑåÇÈíÉ ÈÚÏ Ãä äÌÍÊ ÇáÔÑØÉ ÇáÈáÌíßíÉ ÈÇÞÊÝÇÁ ÃËÑ ÇáÑÃÓ ÇáãÏÈÑ áÊÝÌíÑÇÊ ÈÇÑíÓ æÇáÞÇÁ ÇáÞÈÖ Úáíå ÈÚÏ ÅÕÇÈÊå æÊÚÞÈ ÇáÎáÇíÇ ÇáäÇÆãÉ Ýí åÐå ÇáÚÇÕãÉ ÇáÊí ÙáÊ áÓäæÇÊ ããÑÇ ÂãäÇ ááÌãÇÚÇÊ ÇáÅÑåÇÈíÉ¡ æÈÚÈÇÑÉ ÃßËÑ ÏÞÉ ãÍØÉ ÊÌäíÏ ááÅÑåÇÈííä æÇÑÓÇáåã ááÚÑÇÞ Ãæ ÓæÑíÇ æáÇ ääÓì Ãä Ãæá ÇäÊÍÇÑíÉ ÝÌÑÊ äÝÓåÇ Ýí ÈÛÏÇÏ ßÇäÊ ÈáÌíßíÉ ÇáÌäÓíÉ æÇáãæáÏ.
    æåÐÇ íÌÚáäÇ äÄßÏ ÈÃä ÃæÑæÈÇ ÈÔßá ÚÇã æÈáÌíßÇ ÈÔßá ÎÇÕ ÊÏÝÚ ÇáÂä Ëãä ÇáÊåÇæä ãÚ ÇáãÌÇãíÚ ÇáÅÑåÇÈíÉ ÇáÊí ßÇäÊ ÚãáíÇÊåÇ áÇ ÊÓÊåÏÝ ÇáÃãä ÇáæØäí áåÐå ÇáÈáÏÇä¡ ÝÃæÑæÈÇ ÊÑì Ãä ÇáÅÑåÇÈ ØÇáãÇ ßÇä ÈÚíÏÇ ÚäåÇ ÝÇäåÇ áÇ ÊßÇÝÍå¡ áßä åÐå ÇáãÑÉ ÊÊÍæá ÈÑæßÓá ãä ãÍØÉ ãÑæÑ ááÌãÇÚÇÊ ÇáÅÑåÇÈíÉ Åáì åÏÝ æåÐÇ ãÇ íÌÚáäÇ äÑÈØ ßËíÑÇ Èíä ÇÚÊÞÇá ÕáÇÍ ÚÈÏ ÇáÓáÇã æÊÝÌíÑÇÊ ÇáËáÇËÇÁ ÇáÈáÌíßí ÇáÏÇãí ÇáÐí íßÔÝ Èßá ÊÃßíÏ ÞÏÑÉ ÇáÅÑåÇÈííä Úáì Ú龄 ÇáßËíÑ ãä ÇáÊÍÕíäÇÊ ÇáÃãäíÉ ÎÇÕÉ æÇä ÃÍÏ ÇáÊÝÌíÑíä æÞÚ Ýí ÇáãØÇÑ æåÐÇ ÇáÃãÑ íÌÚá ÃæÑæÈÇ ÈÑãÊåÇ ÊÚíÏ ÇáäÙÑ ÈÃãæÑ ÚÏíÏÉ Ýí ãÞÏãÊåÇ ßíÝíÉ ÊÍÕíä äÝÓåÇ ãä ÇáÅÑåÇÈ ÇáÐí Ùá áÝÊÑÉ ØæíáÉ ÈÚíÏÇ ÚäåÇ.
    æåÐå ÇáÚãáíÉ áåÇ ãÎÇØÑ ßÈíÑÉ ÌÏÇ æÊÏÇÚíÇÊ Úáì ÈÑæßÓá æÃæÑæÈÇ ÈÕæÑÉ ÚÇãÉ æÚáì ÇáãÓáãíä Ýí ÃæÑæÈÇ ÇáÐíä ÈÇ澂 Çáíæã ãÍá ãÑÇÞÈÉ ÃßËÑ ãä ÇáÓÇÈÞ¡ ÎÇÕÉ æÇä ãÑÊßÈí ÇáÌÑíãÉ ßãÇ íÄßÏ ÔåæÏ ÇáÚíÇä ÑÏ쾂 ßáãÇÊ ÈÇááÛÉ ÇáÚÑÈíÉ æåÐÇ ãÇ íÌÚáäÇ äÄßÏ ÈÃä ÇáãÓáãíä åã ÇáÖÍíÉ ÇáÃæáì áåÐå ÇáÌÑíãÉ ÇáÊí ÞÏ ÊÕÈÍ äÞØÉ ÊÍæá Ýí ÊÚÇãá ÇáÛÑÈ áíÓ ãÚ ÊäÙíãÇÊ ÇáÊØÑÝ ÇáÅÓáÇãí ÝÍÓÈ¡ Èá ãÚ Ïíä ÇáÅÓáÇã äÝÓå.
    åÐå ÇáåÌãÇÊ ÏÝÚÊ ÃæÑæÈÇ áÑÝÚ ÍÇáÉ ÇáÅäÐÇÑ ÝæÑ æÞæÚ åÐå ÇáÌÑíãÉ ÇáÊí ÚÈÑÊ ÈÔßá ßÈíÑ Úä ãÎÇæÝ ÇáÃæÑæÈííä ãä ÇáÎáÇíÇ ÇáäÇÆãÉ æÓØ ÇáÌÇáíÇÊ ÇáÚÑÈíÉ ÇáÅÓáÇãíÉ ÇáÊí ÊÞíã Ýí ÃæÑæÈÇ ãäÐ ÓäæÇÊ ØæíáÉ. æáÚá ÇáãÎÇæÝ ÇáÍÞíÞíÉ áÏì ÇáãÓáãíä Ýí ÃæÑæÈÇ áíÓÊ ãä ÇáÞæÇäíä ÇáÍßæãíÉ ÇáÞÇÏãÉ¡ Èá ãä ÑÏæÏ ÝÚá ÇáÞæì ÇáíãíäíÉ ÇáÊí ÓÊÌÏ Ýí åÐå ÇáÌÑíãÉ ÝÑÕÊåÇ ÇáßÈíÑÉ ááÊÍÑíÖ ÈÔßá ÃæÓÚ ÖÏ ÇáÌÇáíÉ ÇáãÓáãÉ Ýí ÇáÈáÇÏ æÊæÌíå ÃÕÇÈÚ ÇáÇÊåÇã ÅáíåÇ.æÍÊì åÐå ÇááÍÙÉ ßÔÝÊ ÇáÊÞÇÑíÑ Úä ÊæÑØ ÇËäíä ãä ÇáÊæäÓííä æÂÎÑ ãÛÑÈí Ýí åÐå ÇáÚãáíÉ æåæ ãÇ íÔíÑ áÍÞÇÆÞ ÞÏíãÉ – ÌÏíÏÉ ÊÄßÏ Ãä ÔÈÇä Ïæá ÇáãÛÑÈ ÇáÚÑÈí ÓæÇÁ ßÇäæÇ ãä ÇáãåÇÌÑíä Ãæ ÇáãæÌæÏíä Ýí Ïæáåã ÃßËÑ ÊÞÈáÇ áÝßÑ ÇáÊØÑÝ ÇáÞÇÆã Úáì ÇáÞÊá æÇáÊÝÌíÑ æíäÈÛí åäÇ Ãä ÊÚãÏ Ïæá ÇáãÛÑÈ ÇáÚÑÈí Åáì ÇáÈÍË ÌÏíÇ Úä æÓÇÆá ÇáÞÖÇÁ Úáì (ÇáÝßÑ ÇáãÝÎÎ) ÇáÐí íÑæÌ ááÅÑåÇÈ ÈØÑíÞÉ ãÈÇÔÑÉ Ãæ ÛíÑ ãÈÇÔÑÉ¡ æÈÇáÊÃßíÏ åÐÇ ÇáÝßÑ ãæÌæÏ ÓæÇÁ Ýí ÇáãäÇåÌ ÇáãÏÑÓíÉ Ãæ ÎØÈ ÇáãÓÇÌÏ Ãæ ãÇ íÊÏÇæá Èíä ÔÈÇä åÐå ÇáÏæá ÇáÊí ÈÏÃÊ åí ÇáÃÎÑì ÊÚÇäí ãä åÐÇ ÇáÊØÑÝ æáäÇ Ýí ÃÍÏÇË ÊæäÓ ÇáÃÎíÑÉ ãÇ íÄßÏ ÞæáäÇ.
  • أوروبا وولاية القانون الأميركي

    نوح فيلدمان 
    في السنوات الأخيرة، كانت المحكمة العليا الأميركية غير محبذة لتطبيق القانون الأميركي في الخارج، حذراً من أن يستعدي ذلك الدول الأخرى، ويؤدي إلى تدخل محتمل في شؤون الآخرين. ولكن الحال مختلف إن كانت الدول الأجنبية هي التي تطلب من المحاكم الأميركية التدخل! وهذا ما يحدث في أوروبا فيما يتعلق بقضية «آر جي آر نابيسكو»، التي تم نظرها يوم الاثنين الماضي. فالدول الأوروبية المدعية في القضية الأساسية تريد من المحكمة العليا أن تطبق قانون الهيئات الفاسدة والمبتزة «ريكو» على مشروع العقاقير الذي وقعت حيثياته خارج الولايات المتحدة وتسبب في ضرر في أوروبا. وأساس حجتهم أن شركة «آر جي آر» شاركت في غسيل الأموال داخل الولايات المتحدة -وأنهم، أي حلفاء أميركا المخلصون، يريدون منها تطبيق القانون على هذه القضية.
    وهذه القضية خطيرة بشكل خاص لأنها تنطوي على نسخة أميركية من قانون «المؤامرة»، الذي قوبل بالرفض من معظم النظم القانونية الأوروبية. وترفع الدول الأوروبية القضية في الولايات المتحدة ليس فقط لأن شركة «آر جي آر» مقرها هنا، بل أيضاً لأن نظريتها القانونية القائمة على «المؤامرة» ربما لا تمضي بسرعة في نظم المحاكم في البلدان الأوروبية نفسها.
    ووجه المطالبة بتطبيق قانون «ريكو» هو أن المدعي أو ممثل الادعاء يزعم أن بعض المتهمين ارتكبوا ما يسمى بـ«أفعال مؤكدة» ضد القانون، وجرائم محددة. والمدعون الأوروبيون لا يذهبون إلى حد القول إن الشركة مشروع إجرامي، بالطريقة نفسها التي اتهم بها ممثلو الادعاء الأميركيون الاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا»، في التهم الكبيرة المتعلقة بقانون «ريكو»، والتي تم الإعلان عنها العام الماضي. ولكنهم يزعمون أن «آر جي آر» ارتكبت أفعالًا تجعلها مسؤولة عن وقوع أضرار مدنية. ورفضت محكمة فيدرالية هذه الحجة على أساس أن المؤامرة المزعومة حدثت خارج نطاق ولاية القضاء الأميركي. واستندت على سابقة للمحكمة العليا تقول إن القانون قد يُطبق خارج الحدود الإقليمية إذا قال الكونجرس صراحة إنه يتعين ذلك.
    والأهم هنا أن الجانب الأوروبي هو المدعي في القضية. ومن خلال الذهاب إلى المحاكم الأميركية، فإن الأوروبيين يوضحون صراحة أنهم لا يعتبرون أن تطبيق قانون «ريكو» في الخارج يعتبر بمثابة غزو لأرضهم. وعلى العكس، فهم يقولون بالضبط إنهم يريدون من المحاكم الأميركية أن تقوم بدور المحكمين في القضايا التي تشملهم.
    ومن الناحية الفنية، ولأغراض الفقه الأميركي، فإن وجهة نظر الأوروبيين لا ينبغي أن تكون هي الأهم، بل الأهم هو رأي الكونجرس. ولكن في الواقع، فموقف أوروبا مهم أيضاً، ويرجع ذلك في جزء منه إلى أن نوايا الكونجرس يمكن تفسيرها بطرق مختلفة.ومع التنبيه إلى أن المحكمة عادة ما تكون ضد تطبيق القانون الأميركي في الخارج، إلا أنني أراهن بحذر على أن النتيجة في هذه المرة ستذهب في الاتجاه الآخر، وأن شركة «آر جي آر» ستقدم للمحاكمة -ما يعني أن من المرجح أن تتوصل لتسوية مع الأوروبيين.
    وإذا ثبت أن الشركة سهلت حقاً مخطط غسيل الأموال، فستكون مسؤولة. وإذا كانت الدول الأوروبية تعتقد أن القانون الأميركي هو أفضل وسيلة لتحقيق ذلك، فإن هذه مجاملة لمخطط أميركي واسع النطاق لقانون «المؤامرة» والنظام القانوني الأميركي. وتوقعوا أن تقبل المحكمة العليا المجاملة وأن تطبق القانون.
  • إصلاحات ومصالح

    علي حسن الفواز 
    يبدو أن حديث الإصلاح السياسي سيظل ساخنا ومفتوحا على احتمالات شتى، ليس لأنه حديث في المكاشفة، وفي التعرية،
     بل لأن الحديث  غامض ولا يريد البعض من الفرقاء السياسيين فك طلاسمه، والتعاطي معه بوصفه حاجةً وطنية، أو موضوعا يتجاوز المصالح وتوزيع الأدوار والمغانم.
    التظاهرت الشعبية التي بدأت في 25 شباط 2011 حملت معها هاجسا بالتغيير، وضرورة البحث عن مقاربات أخرى للواقع السياسي المأزوم، ولعقدة الفساد الذي تحوّل الى ظاهرة اجتماعية مُهددة للواقع والنظام وسياقات عمل الدولة..ولم يقم الكثير من سياسيي (الحكومة) بأية التفاتة واقعية لما يجري، أو حتى أخذ المطالب المدنية على محمل الجد!! كل ما في الأمر أن (البلدوزر) السياسي ظل يمشي على أرض وعرة، وظلت التظاهرات تكبر وتتسع، وقد وجد فيها الكثيرون من (المريدين والخصوم) فرصة للتعبير عن مواقفهم أو حتى عن نواياهم.
    أزمة الاصلاح تكمن في غياب الارادة، وفي التشظي السياسي، وبقدر ما يثير القول عن طبيعة النظام السياسي المحاصصي، وخطورة تبعاته جدلا، إلّا أن غياب الإرادة والخبرة كان هو العنصر الأكثر تأثيرا في عدم تجاوز هذه العقدة، وفي ضعف التمكين من اتخاذ الإجراءات المناسبة،
     وفي مكاشفة الشعب بخطورة هذه الأزمة، وبمن يضع العقد أمام عملية الإصلاح،  وأحسب أن سياسة (الترقيع) وتعويم المشاكل كان سببا قارا في تضخيمها، كما أن غياب البرنامج الرقابي إداريا وماليا وقانونيا أسهم أيضا في تحويل تلك المشاكل الى مطبات من الصعب جدا تجاوزها، لأنها تكرست كجزء ضاغط ومُعوِق في مسار المشهد وحساباته التي يُديرها رؤساء الكتل السياسية أنفسهم.
    سياسات المصالح
    تعقد المشهد السياسي يعني تَعقّد السياسات والاجراءات، وغياب الرؤية الوطنية الواضحة والجامعة، فالبعض لا يرى في الاصلاحات إلّا مصالحه، والبعض الآخر يرى فيها نزعة للهيمنة ولفرض الأمر الواقع، وهناك من لا يريد أن لا يرى شيئا، ويؤمن بنظرية القطارات التي تسير بلا محطات!!.
    كل هذا يضعنا أمام جملة من التساؤلات، وجملة من المواقف، فليس من الواقعية أن يتغافل فرقاء الأزمة عن ما يجري، وعن خطورة التحديات الامنية والسياسية والاقتصادية التي يواجهها البلد، والتي كادت أن تتحول الى كارثة كبرى لولا حكمة المرجعية الدينية وحُسن تقديرها للأمور..
    كما أن تحول مؤسسات الدولة الى بؤر للفساد ولتضييع هويتها وشخصياتها، وتحويلها الى (دولة فاشلة) بات أمرا يستحق التوقف عنده ومراجعة الأخطاء التي وقعت بها الحكومات السابقة، على مستوى بناء مؤسسات الدولة وتحصينها وتكريس مهنيتها، أو على مستوى متابعة مظاهر الفساد والمُفسدين، ومراجعة ملفاتهم واتخاذ الاجراءات القانونية بحقهم، لأن الفساد والفشل وغياب المهنية عطّل أفق التنمية الحقيقية، كما أن شيوع العشوائية في اختيار (السستم) الحكومي، وإخضاع الأمور الى مزاج الكتل السياسية وحسابات مصالحها، أفقد الصلاحيات الدستورية لرئيس مجلس الوزراء قيمتها، ووضع هذه الصلاحيات خارج جدواها في المراقبة والمحاسبة وفي متابعة تنفيذ البرنامج الحكومي.
    الاعتصامات وما بعدها
    من الصعب تجاوز حالة الاعتصامات التي تشهدها مدينة بغداد، والتي ترفع شعارات الإصلاحات والدعوات بالتغيير، إذ هي حالة اجتماعية لافتة، التقى عند شعاراتها جمهور واسع وبتغطية سياسية من التيار الصدري والتيار المدني، مثلما هي حالة سياسية من الصعب تجاوزها، أو حتى الركون الى حلول غير واقعية لتعويمها، إذ قد تُزيد الطين بلّة!! أو قد تسهم في تأزيم السلم الأهلي في المجتمع، وإذا كان اجتماع الرئاسات الثلاث وقادة الكتل السياسية محاولةً لمعالجة الموقف، فإن تشكيل لجان لمتابعة ما يجري، لا سيما ما يتعلق بمطالب المعتصمين سيثير لغطا حول جدوى هذه اللجان، لأن طبيعة الأزمة تقتضي اتخاذ إجراءات مباشرة وسريعة من الرئاسات الثلاث، لطمأنة الشارع العراقي أولا، ولإعطاء رئيس الوزراء الصلاحيات النافذة لإقرار برنامجه الحكومي في التغيير وفي اتخاذ الاجراءات المناسبة، وفي متابعة ملفات الفساد المتضخمة، ومتابعة الأموال المُهرّبة خارج العراق والمشاريع المُعطّلة، ومكاشفة الجهات السياسية المسؤولة عن تعطيل عملية الاصلاح والتغيير، وحماية الفاسدين الذين ينتمون اليها.
    إن ظاهرة الاعتصامات تعني وجود أزمة، وتعني أيضا وجود ضرورة  لمواجهة مطالبها، ولتغليب الروح المدنية في التعاطي مع شعاراتها وأهدافها، وبقطع النظر عما يمكن أن يتحقق منها، فإن تعميق الوعي بممارسة التظاهر والاعتصام المدني السلمي يُعدّ شروعا في تكريس الدولة المدنية، وفي اعطاء الجمهور حقه المدني في التعبير عن مواقفه، لكن بالمقابل فإن تجاهل هذه المطالب، أو تسويفها سيكون له مردود سلبي، وربما يُعطي لـ (البعض) نزوعا للتمرد وللتجاوز على المال العام وعلى الحق العام، فضلا عن ما يمكن أن يُتيحه لبعض الأجندات الخارجية من التدخل في الشأن الوطني وإثارة الصراعات والنعرات داخل المجتمع، وهو ما نجد بعض مظاهره في الأجندات الاعلامية المشبوهة التي تعمل على ضخ السموم، والتغالب وتهييج  جمهورها ضد العملية السياسية.