حسين الساعدي
إسقاط النظام الديكتاتوري في العراق ربيع عام ٢٠٠٣ شكل انعطافة هامة في تاريخ العراق المعاصر، مما ترتب على هذا السقوط تداعيات وتغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتحولات بنيوية أثرت في الواقع الاجتماعي والبنيوي للمجتمع العراقي. فكان لهذا الوضع انعكاساته وتداعياته على مجمل الأوضاع في العراق عامة وعلى المنظومة القيمية للنسيج الأجتماعي العراقي جعله أمام تحديات جمه تهدد كيان ووجود ووحدة الدولة العراقية وبنية مكوناتها الاجتماعية والأثنية والدينية وأوجدت شرخاً كبيراً في المنظومة القيمية للمجتمع العراقي استنزفت كل قواه المجتمعية.
وإذا أردنا أن نبحث عن الأسباب الكامنة وراء هذه التداعيات وآثارها المستقبلية على الشخصية العراقية، فأننا نرى أنها لم تكن وليدة انعطافة عابرة حدثت في مرحلة معينة، بل نتيجة طبيعية لتراكمات تاريخية وسياسية وثقافية اسقطت بمجملها على الواقع العراقي بفعل أجندات أقليمية وعالمية وبمساعدة قوى محلية على خلفية الصراع على السلطة والثروة، علماً أن هذه التراكمات كامنة في بواطن الشخصية العراقية لم تظهر في حينها على السطح بفعل عوامل أخلاقية وسياسية وأمنية تم تجاوزها ذاتياً في أوقات السلم الأهلي. وضعف بنية الشخصية العراقية وانقسامها على ذاتها، التي تعاني من صراع قيم البداوة وقيم الحضارة، كما اشار الى ذلك عالم الاجتماع العراقي علي الوردي. فهي تمتاز بصعوبة الإرضاء.
لقد كان للمنظومة السياسية بعد ٢٠٠٣ الأثر الكبير والواضح الذي لا يقبل اللبس على النسيج الاجتماعي العراقي والتي دقت أسفين بين تكويناته الاجتماعية وتنوع هوياته وثقافاته، من خلال التأثير على العقل الجمعي (Grip thinking) العراقي واخضاعه وانصياعه واذعانه لما يريدون من خلال الأحابيل والحيل السياسية التي يلجئون اليها في مواسم الانتخابات غايتهم السيطرة على مجموعة القيم والأفكار التي تشكل الشخصية العراقية في وعيها وعقلها واستمالتها إلى ما يريدون.
إن ظاهرة العقل الجمعي في العراق تجلت في التعصب الفكري والثقافي، مما أدى ذلك الى ظهور جماعات. إن الأستحواذ على العقل الجمعي العراقي لايمكن أن يكون إلا بوجود نخب سياسية تبنت الفكر الديماغوجي (Demagogue) كأستراتيجية لأقناع الأخرين بالأستناد الى مخاوفهم وأفكارهم المسبقة للحصول على السلطة عن طريق الخطابات والدعاية لأستثارة عواطف الجماهير بوعود كاذبة من أجل مصلحة الشعب وأغراءه ظاهرياً للوصول الى السلطة وخدمة مصالحهم.
لقد كان لبعض الطبقة السياسية الديماغوجية أيديولوجيتها وماكنتها الأعلامية الضخمة من إعلام مسموع ومقروء ومكتوب ووسائط التواصل الاجتماعي وإطلاق الشائعات وإثارة الفتن، مستغلين الجانب السلبي لظاهرة العقل الجمعي المتمثلة بالانغلاق والتقوقع لجماعة ما على فكر جديد يأتي من خارجها. مما أدى ذلك الى ضعف الآصرة الوطنية وابراز الهويات الأثنية والدينية والقومية والولاء لهذه التكوينات التي تمثل النسيج الوطني للعراق، وقد استطاعت القوى الخارجية أن تنفذ من خلال اختراق هذه المنظومة الأجتماعية، مستغلة التركيبة البنيوية الهشة في طبيعة الشخصية العراقية، الانفعالية القلقة، وقدرتها على التحمل والصبر والتكيف مع الظروف المختلفة والمتمسكة بالحياة. إن الساحة السياسية العراقية تعج بالقيادات الديماغوجية، مستغلة ضعف بنية الشخصية العراقية من خلال تضليل الجماهير وطرح الوعود الكاذبة وتشويه الحقائق وإثارة عواطفهم ومخاوفهم للوصول الى غاياته الشخصية. أن السياسي العراقي كان ومازال ميكافيلي وديماغوجي في كل طروحاته ويمكن أن نلخصه في القول الأتي (يريك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلب).