د. سعد العبيدي
العراق منذ تأسيسه أو بالأصح منذ تغيير شكل نظام الحكم فيه من الملكية الدستورية الى الجمهورية الثورية بقوة السلاح، ومنذ أن خرج العسكر من ثكناتهم ومن انضباطهم في تنفيذ أمر السياسة، واقتحموا رمز الدولة وأحلوا القتل سبيلا لإلغاء الرمز واجتثاث الآخر ومنذ أن أوكلوا الى أنفسهم إدارة شؤون السياسة خلافاً لأصول السياسة والحكم، وأدخلوا الشرعية الثورية أسلوبا في التعامل مع الدولة وشؤون الحكم، بدأ مسلسل الأزمات في هذا المجتمع، أزمة تلو أخرى، حتى وُضعت البلاد في دائرة أزمات مغلقة، فيها الحاكم يتشدد ثوريا بالتعامل مع أزمة، فينتج بتشدده مجموعة أزمات وهكذا.
وكلما توجه الحاكم صوب التفرد في الحكم لمعالجة أزمة يجد بمواجهته عددا من الأزمات وتعقيدا أشد لوقع الأزمات، حتى يستطيع المتتبع لتاريخ العراق الحديث تلمس حدوث مئات الأزمات وفشل الدولة الواضح في معالجة الكثير منها، حتى بات العراق وكأنه أرض خصبة للأزمات.
وكأن أزماته مسلسل أمراض ألمت به لتبقيه عليلا على طول الزمان، إذ لم يشفَ من أزمة مؤامرة ليدخل في مشاكل حدود مع الجيران، وعندما يخرج منها يدخل في أزمة اقتصاد ونقص وقود وشحة مواد وتمرد هنا وموقف بالضد هناك، لتنتج أزمات كبرى على شكل حروب، فالقتال مع الكرد في كردستان أزمة لم تهدأ، والحرب مع ايران أزمة لم تنفع، ومن بعدها احتلال الكويت كان أزمة هي الافظع والأشد تأثيرا.
وفي المجال نفسه سيجد المتتبع لهذا المسلسل ولغاية عام 2003 أنه وكلما حدثت أزمة كلما بادر الحاكم الى التشدد وفرض الرأي الواحد وتقييد الحريات تحت بند الشرعية الثورية الى أن وجد نفسه – أي الحاكم – مقيدا بأساليب الفردية وطوق العائلية لا يستطيع الخروج منها، أزمة أنهت الحكم عن طريق الاحتلال. وأوجدت شكل أزمات من نوع آخر لا تختلف مخرجاتها في التأثير على المجتمع المرهق، فطبيعة الادارة عن طريق المحاصصة أزمة، وعدم رضا المكونات الاجتماعية عن حكم الأغلبية الديمقراطية أزمة والارهاب أزمة، والاقتصاد أزمة، والفساد أزمة، والاقليم أزمة.وقوانين الثروة والمياه أزمة، وسد الموصل أزمة، حتى بات العراق وكأنه ساحة أزمات أو مطوق بطوق أزمات خارج عن ارداته، لا يستطيع الخروج منه، وان تغير شكل الحاكم والحكم، الأمر الذي يدفع الى التساؤل عن المسؤول الفعلي لتكوين كل هذه الأزمات، وما دور الادارة في وجود هذه الأزمات.
وهل الشعب يتحمل مسؤولية الوجود والاستمرار؟، ولماذا المجتمع العراقي برمته غير قادر على التعامل الصحيح مع غالبية الأزمات كما هو حال الشعوب الأخرى التي تتعرض هي الأخرى الى أزمات؟.
إنها أسئلة وأخرى غيرها، والى أن نجد لها جواباً مقنعاً أتوقع استمرار مسلسلها حتى تحقق غاية وجدت من أجلها ولا يمكننا إدراك طبيعتها بحسنا الحالي أو يخرج الشعب من غفوته ويجد حلاً لأزمات بات طرفا فيها، وان لم يكن من بين المخططين لوجودها.