زيمين ماو
لو نظرت إلى السماء أثناء زيارتك إلى الصين، سيتوارد إلى ذهنك على الفور بأن نهاية العالم قد أتت. فالتقارير المتعلقة بالدخان الكثيف الذي انتشر الشهر الماضي في أرجاء وضواحي مدينة «شينيانج»، عاصمة إقليم «لياونينج» وأكبر مدن شمال شرق الصين، كان رسالة تحذير أخيرة للسلطات الصينية. فلقد بلغت نسبة المواد الملوثة للهواء مستوى أعلى بنحو 40 مرة من المستوى الآمن الذي وضعته منظمة الصحة العالمية.
وخلال الشهر الماضي، عندما اجتمع ممثلون عن دول العالم لمناقشة مشكلة التغير المناخي في باريس، سارع المسؤولون في بكين إلى نشر تقرير تحت عنوان «تحذير أحمر من الضباب الذي يغطي الصين». وهو الضباب الذي أدى إلى إغلاق المدارس، حتى أن السلطات الحكومية طلبت من أصحاب السيارات التناوب على إيقاف سياراتهم عن الحركة يوماً بيوم، يوم لتلك التي تنتهي لوحاتها برقم فردي، وآخر لذات الرقم الزوجي.
هذا لا يعني أن الحكومة كانت تتجاهل المشكلة، بل سارعت إلى فعل كل ما في وسعها لإعادة السماء إلى زرقتها العادية. وبالرغم من العناوين البارزة التي تناولتها الصحافة العالمية حول الموضوع، فلقد كانت الحكومة المركزية وحكومات الأقاليم تحاول التخفيف من معدل إطلاق ملوثات البيئة والجو بأكثر مما يعتقد المعلقون والمحللون العالميون. ومن ذلك مثلاً أن «مجلس الدولة» وضع ثلاثة أهداف للحد من انبعاث الغازات الضارة من أجل التحكم بالمشكلة. وهو يبحث الآن في إصدار تعليمات تشجع على الحدّ من استهلاك الفحم الحجري في المصانع ومحطات إنتاج الطاقة. وتقدم مسؤولو كل واحدة من الحكومات المحلية للأقاليم الصينية برؤاهم واقتراحاتهم لتخفيض معدلات التلوث.
وتكمن المشكلة الكبرى في أن الصين عاجزة عن تنفيذ هذه الاقتراحات والإجراءات. وقدمت الانبعاثات الغازية السوداء في مدينة «شينيانج» مثالين على هذا القصور: الأول هو أن العديد من المصانع التي تعتمد على الأفران لم تجهّز أفرانها بأنظمة معالجة الغازات الملوّثة للجو، ويكمن الثاني في أن محطات إنتاج الطاقة الكهربائية من حرق الفحم الحجري لم تكن تشغّل وحدات امتصاص الغازات الضارة الناتجة على النحو الفعّال.
ولهذه المشكلة أسبابها المتعددة. ومنها مثلاً، أن من الصعب جداً اكتشاف المصانع التي لا تحترم التوصيات المتعلقة بمكافحة التلوث، وخاصة منها ألوف المصانع الصغيرة المتجاورة. كما أن مراقبة آلاف المصانع ذات المداخن المتجاورة التي ترتفع في السماء، تكاد تكون مستحيلة. وتحاول الحكومات المحلية بدعم من الحكومة المركزية إغلاق المصانع الصغيرة ذات السمعة السيئة فيما يتعلق بمساهمتها بتلوث الهواء والبيئة، إلا أن العدد الكبير من المصانع التي تنطبق عليها هذه الصفة يزيد الأمور صعوبة وتعقيداً. ولقد أظهرت سحب الدخان السوداء التي انبعثت من مدينة «شينيانج» الشهر الماضي أن الصين لم تعثر حتى الآن على الحلول الفعالة لوضع حلول قابلة للتطبيق حتى على المصانع الضخمة التي يُفترض فيها أن تستخدم التجهيزات والأنظمة التقنية الضرورية لالتقاط الغازات الملوثة للبيئة في أثناء ممارستها لنشاطاتها الصناعية المعتادة.
وتكمن المشكلة الثانية في أن الحكومة الصينية لم تشرع حتى الآن في استخدام أنظمة تقنية على المستوى الوطني لجمع البيانات الدقيقة حول معدلات التلوث. وحتى الآن، لا تمتلك الصين بيانات موثوقة حول كمية الفحم الذي تحرقه مصانعها سنوياً، وهذا يفسر الفشل الذي تعاني منه الحكومة في القدرة على متابعة المصانع الصغيرة التي تخالف الضوابط الأساسية للتخفيف من مشكلة التلوث. ويبدو أنها استفاقت الآن لهذا القصور وبدأت بجمع البيانات الدقيقة حول نشاطات مصانعها الصغيرة والكبيرة، وأعلنت عن أن البيانات الجديدة ستتميز بالشفافية والسماح لكل الأطراف المهتمة بها باستخدامها ومشاركتها. وتتعلق المشكلة الثالثة في تفاهة الغرامات التي يتحملها المخالفون للتشريعات المتعلقة بسلامة البيئة، إلا أن الحكومة تحاول الآن بكل طاقتها تغيير هذا الواقع.