التصنيف: الرأي

  • جنون كوريا الشمالية!

    جويل ويتاجان 
    باعتباري شخصاً قضى معظم الأعوام الخمسة والعشرين الماضية من حياته المهنية في الحكومة الأميركية ومراكز البحوث والأوساط الأكاديمية، يحاول وقف برنامج كوريا الشمالية للأسلحة النووية، فقد وجدتُ الاختبار النووي الذي أجرته بيونج يانج الأسبوع الماضي، والأحداث التي أعقبته، مألوفة على نحو يبعث على الكآبة. لقد ذكّرني بالعبارة الشهيرة للنقيب رينو في فيلم كازابلانكا قبل أن يقوم بإغلاق مقهى ريك: «إنني مصدوم، مصدوم لاكتشافي أن القمار يلعب هنا!». والواقع أن ردود الفعل على الاختبارات النووية التي أجرتها كوريا الشمالية في أعوام 2006 و2009 و2013 كانت هي نفسها؛ الشعور بالصدمة! غير أنه رغم مرور عقد من الزمن، فإن التهديد النووي لكوريا الشمالية لم يزدد إلا قوة وخطورة.
    وربما لا يجدر بي أن أقول هذا، لكني أرفع قبعتي تحية وتقديراً للكوريين الشماليين لأنهم لعبوا أوراقهم بشكل ممتاز. إذ رغم هذا الغضب الدولي العابر، تمكنوا من أن يصبحوا قوة نووية صغيرة حقيقية، تمتلك ترسانة ما انفكت تتطور وتتزايد. كما أنه بالتوازي مع سيرهم على الطريق النووي، عرفوا كيف يحافظون على علاقات سياسية واقتصادية عادية نسبياً مع كثير من البلدان، من الصين إلى إثيوبيا. بل إن عدداً كبيراً من البلدان بات يعترف ضمنياً ببلدهم كدولة ممتلكة للسلاح النووي.
    لكن كيف تمكن «الشمال» من القيام بذلك؟ ثمة بالطبع أجوبة متفاوتة من قبيل: أن العقوبات، الأحادية ومتعددة الأطراف، لم تكن قوية بما يكفي، والمفاوضين لم يكونوا حازمين بما يكفي. لكن سبباً مهماً لن تسمعه كثيراً وهو أن الأميركيين والمجتمع الدولي لديهم صورة عن كوريا الشمالية تشبه تلك التي في القصص المصورة. ذلك أننا، ببساطة، لا نأخذهم على محمل الجد. فشعبها يشبه الروبوتات، ويضع صورة «زعيمه المحبوب» على طية صدر سترته، ويشارك بانتظام في مسيرات حاشدة يتحرك فيها الآلاف بنظام وانسجام. وإعلامها الرسمي، بإعلاناته المبالغ فيها وتهديداته المستمرة ومدحه للزعيم الذي يكاد يكون مقدساً، يكرّس صورة شبيهة بصورة الطائفة الدينية. وربما الأهم من ذلك أن مظهر زعيمه يبدو غريباً بالنسبة لنا، بقصة شعره المضحكة ونظاراته الداكنة.
    لقد سبق لي أن التقيتُ مع المسؤولين الحكوميين الكوريين الشماليين منذ أكثر من عقدين من الزمن في بلدهم وفي أوروبا وآسيا، وأستطيع أن أقول لكم إنهم ليسوا مجانين، ولا شخصيات من كتاب قصص مصورة. بل مجموعة متنوعة، من أتباع الحزب المتشددين والمتزمتين إلى الموظفين البيروقراطيين الذين يحاولون تعلم اللغة الإنجليزية عبر الاستماع إلى البرامج الإذاعية الأجنبية. وبعضهم، خاصة العسكريين، متشددون ووطنيون والأهم من ذلك معادون للولايات المتحدة.
    وقد يتفاجأ الأميركيون لكون الكثير من المسؤولين الكوريين الشماليين لديهم رأي غير أيديولوجي حول الشؤون الخارجية. ويمكن أن نطلق على هؤلاء اسم الواقعيين. ذلك أنهم واعون جيداً بمصالحهم الوطنية وملتزمون بحمايتها وصيانتها، وهو التزام مبني على فهم كبير للعالم الخارجي. وعلى سبيل المثال، ففي أحد الاجتماعات، كنت جالساً إلى جانب مسؤول كوري شمالي أراد أن يتحدث معي حول كتاب هيلاري كلينتون (الذي شعرت بالخجل لأنني لم أكن قد قرأته). وبشكل عام، أظهر لي الكوريون الشماليون خلال لقاءاتي العديدة معهم أن لديهم إلماماً كبيراً بتفاصيل التطورات السياسية والاقتصادية وغيرها في الصين وكوريا الجنوبية واليابان.
    وربما لا ينبغي أن يكون مفاجئاً كون الكوريون الشماليون واقعيين. إذ على مدى عقود، كان الأميركيون يعتقدون أن «ماو تسي تونج» دكتاتور مختل وغير عقلاني. لكن عندما حانت لحظة الحقيقة، تبين أنه واقعي حقيقي حينما فتح فصلاً أفضل من العلاقات مع الرئيس ريتشارد نيكسون وهنري كيسنجر عقب تدهور علاقته مع الاتحاد السوفييتي.
    خلاصة القول هي أن الردود الفورية والقوية على الاستفزازات أمر لا بأس به. وكذلك الأمر بالنسبة لبيانات الشجب والتنديد العلنية، وتشديد العقوبات، وتكثيف الضغوط على حلفاء «الشمال» الصينيين لدعم هذه الإجراءات، وكذلك لاتخاذ خطوات عسكرية حتى نُظهر للكوريين الشماليين وحلفاءنا بأننا جادون. فكل هذه الأمور مفهومة ومبرَّرة. لكن الكوريين الشماليين مستعدون لجهد طويل الأمد. وهم يشعرون بأن بلدهم وبقاء حكومتهم في خطر. وإذا لم يأخذهم الأميركيون على محمل الجد ويضعوا استراتيجية طويلة الأمد لوقف هذا التهديد، بدلاً من تبني ردود تكتيكية مرتجلة، عندما تُجري كوريا الشمالية اختبارها النووي الخامس في غضون خمس سنوات، فإن الولايات المتحدة ستجد نفسها توقف المشتبه فيهم المعتادين أنفسهم، على غرار ما يفعل النقيب رينو في فيلم كازابلانكا
  • توديع الاقتصاد الريعي في 2016

    محمد شريف ابو ميسم 
    الدعوة لتوديع الاقتصاد الريعي في العام 2016، تعني وبالضرورة الشروع في تغيير التشكيلات المجتمعية في بلدنا الى تشكيلات تسيطر عليها علاقات الانتاج، ولكن التساؤل هنا هو: كيف ستدار هذه التشكيلات التي تتمثل حاليا بصورة المجتمع الريعي؟ وكيف لها أن تغادر علاقاتها الريعية مع الدولة الأم وهي غير قادرة على الفطام، في وقت لا تزال فيه الطبقة الطفيلية التي نضجت في المراحل السابقة التي كرستها سنوات ما بعد التغيير مستفيدة من ريع الدولة عبر نفوذها وسطوتها على المؤسسات الحكومية؟ ان مفهوم توديع الاقتصاد الريعي لا يعني انتقال السيادة والنفوذ من الدولة الى الطبقة الطفيلية ومن ثم تملك الريع والرعية، والذين يعتقدون واهمين ان الانتقال السريع نحو آلية السوق دون ضوابط سوف يساهم في تجاوز الأزمة المالية الحالية فانهم يدفعون باتجاه بلورة الريع بشكل آخر لصالح الطبقة الطفيلية على حساب الطبقات الفقيرة. اذ ان مفهوم الدولة الريعية لا يقف عند «اعتماد الدولة على مصدر واحد للدخل الذي غالبا ما يكون طبيعيا» وانما يمتد ليشمل استحواذ السلطة الحاكمة على هذا المصدر، والتي غالبا ما تحتكر مشروعية امتلاكه ومشروعية توزيعه، وهنا تكمن المفارقة فلصالح من ذهبت القروض المصرفية المدعومة من خزينة الدولة على مدار السنوات الماضية؟ وكم يقدر حجم الكتلة النقدية التي انتفعت بها الجهات المتنفذة؟ ولصالح من كانت مبيعات البنك المركزي خلال السنوات الاثني عشر السابقة؟ ومن هي الجهات التي انتفعت من الفساد المالي ومن سوء ادارة مشاريع الاعمار؟ وقد يكون الجواب هنا هو ان القروض ذهبت لدعم القطاعات الحقيقية وان أموال المركزي ذهبت «لتمويل التجارة الخارجية»، بيد ان الجهات الرقابية والجهات ذات العلاقة لم تتمكن من متابعة حركة هذه القروض باتجاه أهدافها والتي تراوحت بين (مليار الى 100 مليار دينار للقرض الواحد) وهي في الغالب كانت من حصة أفراد متنفذين أو مدعومين من جهات نافذة أو أفراد يجيدون تقديم العطايا والهدايا. والادهى من ذلك أن بعض هذه القروض أصبح ميؤوسا من تحصيلها بدعوى ان المشاريع تعرضت للتدمير في المناطق التي احتلتها داعش أو في المناطق القريبة منها، وهي مشاريع لم تظهر للوجود أصلا، أو بدعوى توقفها عن العمل جراء انقطاع طرق المواصلات، أو تعرضها للظروف الجوية أو الأوبئة أو انقطاعات خطوط الامداد الكهربائية أو ما شابه ذلك، فيما كانت بعض أموال بيع الدولار التي تنضج الآن في حسابات وودائع خارج البلاد تهرب لصالح أفراد وجماعات استطاعت أن تطوي ملف فساد بيع العملة بيسر، في وقت تراوح فيه سعر صرف الدولار في السوق الموازي عند معدل 1250دينار وبمزاد المركزي  1166 دينار، علاوة على بيع السلع المستوردة باسعار السوق الموازي. وبالتالي استطاع هؤلاء الافراد أو الجهات المتنفذة جني الريع من تخوم الفساد الذي لم يقتصر على ما انتجته المقاولات السيئة التنفيذ والتي كانت حكرا على ذوي القربى وأصحاب الولاءات، اذن نحن الآن ازاء طبقة برجوازية صنعتها المراحل السابقة جراء سوء الادارة المالية والفساد والبيروقراطية، ويراد لهذه الطبقة أن تقود مرحلة الانتقال من الاقتصاد الريعي الى اقتصاد متنوع الايرادات وهي لا تزال تتطفل على الجهاز الحكومي! وبالتالي فان الطبقة الوسطى وما دونها من طبقات فقيرة، عليها أن تتحمل وزر هذا التحول وعبء التقشف في الوقت ذاته. من هذا المنطلق ينبغي على القائمين على هذا التحول الذي تمليه الضرورة منذ سنوات الوفرة، أن يعوا ان الاجتهاد الاقتصادي يعني ابتداع الأفكار في الندرة بما لا يرهن الطاقات الاقتصادية للبلاد بيد الطبقات الطفيلية ولا يلحق الضرر بالطبقات الفقيرة، فالجميع يعلم أن ما تعرضت له البلاد من أزمات متعاقبة لم يكن بفعل التدخلات والمؤامرات الداخلية والخارجية وحسب، وانما كان ولا يزال ناجما عن تشكيلة المجتمع الريعية التي تقوى فيها علاقات الولاءات والعصبية، ومن الضرورة بمكان مغادرة الاقتصاد الريعي بشكل كلي، فمن الواضح ان الاهتمام منصب على تنويع مصادر الدخل القومي، ولكنه يغفل النوع الآخر من الريع والمسمى «ريع السيادة» الناجم عن المصادر الداخلية لأنشطة الدولة جراء سوء استخدام المال العام وريع المضاربات المالية، إذ يتم السعي للربح دون أي مجهود، عبر التطفل على ريع الخدمات وبرامج الدعم للقطاعات الانتاجية وهذا ما نتوقعه للكتلة النقدية التي سيطلقها البنك المركزي والبالغة نحو ستة ترليونات دينار للمصارف المتخصصة والمصارف الأهلية، خصوصا وان تسريبات تحدثت عن عدم قدرة هذه المصارف على تقديم هذه القروض الكترونيا كما أريد لها، وسيتم اعتماد الطرق التقليدية التي يشوبها الكثير من الفساد في منح القروض، وبالتالي ستذهب هذه الأموال كما ذهبت سواها لبطون المتنفذين ودافعي الهبات والهدايا. 
    والخشية قائمة من بيع الشركات العامة لصالح الرساميل التي نضجت في سنوات الفساد.. وبناء عليه فان الصحوة التي انتابت العقل الاداري للدولة بهدف تنويع مصادر الدخل القومي، تحتاج الى ضمير وطني يفعّل الستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد التي وعد بها البرنامج الحكومي ويدفع باتجاه تشريع قانون يمنع المتعاطين في السياسة من استخدام نفوذهم في الجهاز الحكومي، ويضع حدا لتطفل المنتفعين على ريع الدولة.. وبخلافه فان مغادرة الاقتصاد الريعي سيكون محض شعار يدفع ثمنه الفقراء في زمن التقشف، دون تغيير في شكل المجتمع الريعي الذي ستستمر فيه الولاءات والتخندقات الطائفية ويكبر فيه الطفيليون على حساب قوت الفقراء وعلى حساب مستقبل العدالة الاجتماعية.
  • نتنياهو وحل «السلطة»

    محمود الريماوي 
    لوحظ أن بنيامين نتنياهو قد حذر مؤخراً من انهيار السلطة الفلسطينية، وقد جاء التحذير بعبارات ملتوية من قبيل قوله إن عليهم في «تل أبيب» الاستعداد لاحتمال انهيار السلطة الفلسطينية، وأنه يجب منع حدوث ذلك قدر الإمكان والاستعداد في المقابل لإمكانية حدوثه، وانعكاس ذلك من الناحيتين المدنية والأمنية. التصريحات نقلتها صحيفة «هآرتس» التي قالت إن مجلس الوزراء السياسي (المصغر) خصص مؤخراً جلستين لبحث احتمال انهيار السلطة.
    أتت هذه التصريحات في أجواء الهبّة الفلسطينية والتوقف التام للمفاوضات وانسداد فرص إطلاقها، وإخفاق الوزير الأمريكي جون كيري في تحريك عجلة المفاوضات رغم زياراته التي لم تنقطع خلال العام الماضي ل «تل أبيب» ورام الله. وكان كيري نفسه قد حذّر في ديسمبر/كانون الأول الماضي من احتمال انهيار السلطة! ورأى أن بعض «الإسرائيليين» يرحبون بذلك، ولكن من دون أن يشرح أسبابه التي تجعله يتوقع حدوث هذا الأمر، غير أنه بدا مفهوماً وضمنياً أن تجدد ما يسمى موجة العنف في الأراضي المحتلة هي التي حملت كيري على إطلاق هذا التحذير.
    وقد بادرت وزارة الخارجية الفلسطينية إلى إصدار بيان شديد اللهجة وصفت فيه تصريحات نتنياهو بأنها تعكس نوايا مبيتة وخبيثة وأنها شكل من أشكال استغفال المجتمع الدولي، وحمّل بيان الخارجية «إسرائيل» المسؤولية الكاملة عن تدهور الأوضاع وانسداد الأفق السياسي. واعتبرت الخارجية أن نتنياهو يعمل على إضعاف وتدمير وتقويض وسحب صلاحيات السلطة.
    ولم تمضِ أيام حتى سربت مصادر «إسرائيلية» خبر وفاة مزعومة لمحمود عباس رئيس السلطة!. ما حمل عباس الأربعاء 6 يناير/كانون الثاني على إلقاء خطاب غير مقرر في بيت لحم، أعلن فيه التمسك باستمرار السلطة كإنجاز «لن نتخلى عنه.. ولا تحلموا بانهيار السلطة».
    واقع الأمر أن مجرد ترديد هذه التوقعات أو التحذيرات من طرف حكومة نتنياهو، يُراد به الإيحاء أن السلطة كيان هش قابل للسقوط في أي وقت. وأنه لا يمكن تبعاً لذلك المراهنة عليها، أو اعتبارها طرفاً متماسكاً يُعتدّ به. وهذا بالتالي شكل من أشكال الضغوط السياسية والمعنوية على السلطة، التي تتعرض في الوقت ذاته إلى نقد مرير من الشارع لعدم قدرتها على التجاوب مع متطلبات إطلاق هبة مدنية. وأكثر من ذلك فإن حكومة الاحتلال لا تترك فرصة دون استغلالها من أجل التضييق على السلطة ونزع أي هيبة عنها في أنظار جمهورها. وبينما ترغب سلطات الاحتلال بأن يقتصر دور السلطة على تقديم خدمات أمنية لها، فإن هذه السلطات لا ترعوي عن مباشرة التعديات الجسيمة في مناطق السلطة.. وقبل أسابيع اقترب جنود الاحتلال من محيط منزل محمود عباس، وقد تم صدهم، فيما أبدى نتنياهو بعدئذ اعتذاره لعباس. وباستثناء التراجع عن هذا التعدي، فإن سلطات الاحتلال تمارس بكل صلافة مختلف أشكال القمع الدموي واستباحة الأماكن الإسلامية المقدسة، مع استغلال كامل لانشغال العالم بالأوضاع الملتهبة في سوريا وليبيا واليمن. 
    لقد كان متوقعاً أن يبدي محمود عباس تمسكه بوجود السلطة، علماً أن مسؤولين فلسطينيين لطالما لوّحوا من قبل بخيار حل السلطة كوسيلة ضغط على الاحتلال. وهو مجرد خيار قد يبدو جذاباً نظرياً من منظور راديكالي، لكنه على أرض الواقع قد لا يؤدي إلا إلى إثارة فوضى عارمة وتعطل خدمات أساسية وغياب مرجعيات إدارية.. إلى آخره. إن مؤشرات الواقع تدل على أن أي غياب لهذا الكيان القانوني سيحرم الفلسطينيين من كيان يمثلهم أياً كانت عيوب هذا الكيان، أو نقاط ضعفه. وسيؤدي إلى مشكلات واقعية كبيرة مثل انقطاع الموارد عن الإدارات والمرافق الحيوية وحرمان مئات الآلاف من جواز السفر الذي تمنحه السلطة لأبناء الضفة الغربية وقطاع غزة.
    ولا شك أنه سوف يصعب على مدى أبعد من الظرف الراهن القبول بأن يقتصر دور السلطة على أداء خدمات حياتية، وعلى تأمين رواتب وأجور لعشرات الآلاف من العاملين، فيما تتشدد سلطات الاحتلال في إرساء واقع على الأرض يفيد بأن لا ولاية للسلطة على البلاد أو العباد من قريب أو بعيد..
    والأسوأ من ذلك هو أن سلطات الاحتلال قد عمدت إلى إحياء ما تسميه إدارة مدنية في الضفة الغربية. وهي إدارة عسكرية تمثل حكم الاحتلال العسكري للضفة الغربية. وتتولى هذه الإدارة إصدار القرارات التي تنظم بعض أوجه حياة الرازحين تحت الاحتلال في الضفة الغربية فيما تعتبر القدس منطقة «إسرائيلية»، وتسوغ هذه الإدارة وجودها واستمرارها بالبُعد الأمني الذي قد ينطوي عليه أي نشاط من أي نوع، ونظراً للصلاحيات التي لم يطرأ عليها تغيير في المنطقة المُعرّفة «بي وسي» فإن سلطات الاحتلال لا تستأذن أحداً في القيام بمداهمات أو اعتقالات أو الاستيلاء على ممتلكات لأشخاص أو مؤسسات.
    حسناً من حيث المبدأ أن يتم التمسك بكيان السلطة، وألا يتم التضحية به، على أن يقترن ذلك برفض التقييدات التي يفرضها الاحتلال، والتي تكبّل السلطة.. ولو أن رئاسة السلطة شنت حملة من أجل أن يتمتع كيانها بالولاية الكاملة على المناطق المتفق عليها، وعلى حق التواصل الاقتصادي المباشر مع العالم الخارجي، لوجدت من يؤيدها ويدعمها في الداخل والخارج، لكنها سلطة مشلولة وقد تعايشت كما يبدو مع هذا الشلل، وأصبح مجرد البقاء الشكلي لقيادتها غاية الإرب.. ما يشجع المحتلين على محاولة حرمان الطرف الآخر، حتى من هذا الوجود الرمزي.
  • عام المليون لاجئ

    مايكل ريجان 
    أعلنت منظمة الهجرة الدولية أن أكثر من مليون لاجئ دخلوا أوروبا في عام 2015 في أكبر حركة من المهاجرين منذ الحرب العالمية الثانية. وذكرت المنظمة أن الغالبية العظمى من «المهاجرين غير الشرعيين» دخلوا أوروبا عبر اليونان في رحلة وعرة غالباً ما تحصد أرواح عدد كبير من اللاجئين خاصة الأطفال. والكتلة الأكبر من اللاجئين تدفقوا قادمين من سوريا في فرار من حرب أهلية مستمرة منذ سنوات. ومازال آخرون يتوافدون من جنوب آسيا فرارا من الفقر والقمع. وذكرت منظمة الهجرة الدولية أن 999745 شخصا وصلوا إلى أوروبا عبر البحر المتوسط منذ يناير 2015 ولم يسافر برا منهم إلا ثلاثة في المئة.
    وتشير إحصاءات المنظمة الدولية إلى أن أكثر من 800 ألف شخص وصلوا إلى اليونان وأن 150 ألفاً وصلوا إلى إيطاليا وما يقرب من 30 ألفا وصلوا إلى بلغاريا. حصيلة الوفيات واصلت ارتفاعها وقتل ما لا يقل عن 3692 مهاجراً هذا العام أثناء رحلة اللجوء، وهناك عدد متزايد من الوفيات وسط الأطفال والمواليد الجدد. وذكرت قوات خفر السواحل اليونانية أنه في شهر ديسمبر الماضي وحده كان هناك ستة أطفال من بين 15 جثة ألقت بها الأمواج على سواحل اليونان. وذكر «وليام لاسي سوينج» المدير العام لمنظمة الهجرة الدولية في بيان «نعلم أن الهجرة لا يمكن تفاديها وهي ضرورية ومرغوبة. لكن ليس من الكافي إحصاء عدد الذين يصلون أو عدد المفقودين أو الغرقى الذين ذكرت تقارير أن عددهم يبلغ أربعة آلاف تقريباً. بل يتعين علينا أن نتحرك أيضا. ويتعين أن تكون الهجرة شرعية ومأمونة للجميع لكل من المهاجرين أنفسهم وللدول التي ستصبح ديارهم الجديدة». لكن أوروبا تكافح كي تستوعب موجات المتوافدين على المنطقة. وبحلول يوليو الماضي تقدم أكثر من 185 ألف شخص للحصول على حق اللجوء في الاتحاد الأوروبي والأرقام تواصل تصاعدها.
    وما يحدث في الاتحاد الأوروبي وعبر العالم جزء من أكبر هجرة في التاريخ البشري. وذكرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن ما يقرب من 60 مليون شخص أخرجوا من ديارهم بحلول عام 2014. وهذا يعني إخراج شخص واحد من دياره من بين كل 122 شخصا من سكان الأرض. وصرح ديفيد ميليباند المدير التنفيذي للجنة الإنقاذ الدولية في نيويورك أن «هذا اتجاه وليس تحولا عارضا». وهناك تفاوتات في طريقة معالجة حكومات الاتحاد الأوروبي لمشكلة تدفق اللاجئين. فبينما فتحت بعض الدول أبوابها، أقامت دولا أخرى أسوارا.
  • شرطي مرور السماوة

    عارف الساعدي 
    قبل أيام كنت في مدينة السماوة أنا وأصدقائي، لم أر المدينة منذ زمنٍ طويل، وأتذكر أني رأيتها مرة واحدة بزيارة سريعة، دون أنْ أتزود من شوارعها الخجولة، أو حاراتها الفقيرة والبسيطة، ولكن هذه المرة كان باستقبالنا الدكتور عزيز حسين، صديقنا القديم الجديد، وهو من أهالي «الرميثة» ولكنَ عمله في جامعة المثنى، وسكنه في السماوة نفسها.
    دلّنا عزيز على بعض معالم المدينة البسيطة، ولكننا أنا وصديقي د. مؤيد آل صوينت ود. ستار عواد، كنا مأخوذين بهذه المدينة الوادعة، التي تستلقي أقدامها في حضن الفرات، وتتمدد غافية بين شفتيه، تجول بصرنا في أزقتها الهادئة، ولكن الجميلة في الوقت نفسه، والتمّ ــ بلحظة ــ أصدقاء حميمون، سمعوا بنا فهرعوا إلينا لضيافتنا، واللقاء بنا، وكأنّ المحافظة عبارة عن حيٍ صغيرٍ، تتصل بمن تشاء فيحضر في لحظته، وكأن الناس جاهزون لممارسة طقوس الحب والحفاوة.
    كل هذا الكلام هو مقدمة للموضوع الذي أريد أنْ أشير إليه، ذلك أننا كنا نسير في سيارتين نحن القادمين من بغداد، ومعنا عزيز، وسيارة أخرى لأساتذة زملاء لنا في المثنى، ونحن نسير في هذه الاثناء، وقفنا في تقاطع مروري، فإذا بعزيز يشير لنا لينبهنا أنْ ننظر إلى شرطي المرور، فنظرنا إلى ذلك الشرطي الأسمر الناحل، والذي يقدر عمره في نهاية الخمسينيات، وقلنا: ما المشكلة في هذا الشرطي؟ قال عزيز: لقد اختير شرطي المرور هذا كأفضل شخصية في المحافظة لعام 2015.
    في هذه اللحظة انطلقت بنا السيارة، ولكننا صحنا جميعا توقف فوقف، ووقفت السيارة الأخرى ونزلنا كلنا لشرطي المرور سلَمنا عليه، فعانقنا كأننا قادمون لبيته ضيوفا، أخذنا معه صورا في موبايلاتنا، وقبَلناه، وشكرناه، وهو يمسك بنا ويشكر نزولنا من السيارة، عدنا أدراجنا للسيارة، وسألت عزيز: لماذا اختير هذا الشخص كأفضل شخصية؟ فبدأ عزيز يعدد مناقب هذا الشخص وأفضاله، حيث ذكر بأن هذا التقاطع يشبه بيته الذي لا يغادره فلا المطر يبعده عنه ولا الشمس السخية تثنيه عن مواصلة إشاراته والتنازل عن ممارسة الحياة في هذا التقاطع، لا يستريح ولا يكل ولا يمل، يحبه سائقو السيارات، ويحترمونه في الوقت نفسه، له هيبة مخلوطة بوقار واحترام، يؤدي واجبه بكل ما أوتي من حب والتزام.
     وظل عزيز يعدد الخصال، بينما أنا رحت أحدث نفسي:  لقد اختير شرطي مرور السماوة ــ الذي لا أعرف اسمه الى الآن ــ كأفضل شخصية لعام 2015، وهو غير منتم لأي حزبٍ سياسي وليست خلفه جهات تنظيمية، أو مدعوم من مسؤول أو أو، هذا الشخص نموذج للموظف العراقي الذي بدأنا ــ للأسف ــ نفتقده، وحين نرى مثل هذا الموظف نصدم، وكأن القاعدة العامة هي عدم الالتزام، بينما الشذوذ هو أن يكون موظفا نزيهاً وحقيقيا «كشرطي مرور السماوة».
     تحية حب وتقدير له، وهو يبعث بأكثر من رسالة لكل موظف في هذه الدولة للعمل والنزاهة والحب.
  • السودان.. ستون عاماً بعد الاستقلال

    عبدالله عبيد حسن 
    اليوم الأول من يناير، يعيد للذاكرة السودانية ذكرى يوم عزيز على السودانيين، عندما تم الإعلان عن أن السودان جمهورية مستقلة كاملة السيادة على حدود أرضها. في اليوم الأول من يناير عام 2016 يكون قد مضى على استقلال السودان ستون عاماً على قيام الجمهورية، والبداية الجديدة للحكم الوطني القائم على ركائز الديمقراطية – البرلمانية.. وتلك ذكرى تستحق وتستدعي استرجاع ومراجعة مسيرة السودان المستقل الذي ناضل وقاتل من أجله جيل – بل أجيال – من رجال ونساء السودان، وبذلت من أجله دماءها وعرقها حتى حققت الاستقلال الذي وصفه الزعيم السوداني المرحوم إسماعيل الأزهري يومذاك بأنه: (استقلال نظيف وأبيض مثل «صحن الصيني»، ليس فيه شق ولا طق».. استقلال لم تقيده معاهدات سرية ولا أحلاف عسكرية وقد كان ذلك الزمن (خمسينيات القرن العشرين) زمن الأحلاف والقواعد العسكرية، حلف بغداد – وحلف الشرق الأوسط – ومشروع أيزنهاور… إلخ.. وكان زمن صعود النجم الأميركي الذي حل محل الإمبراطورية البريطانية العجوز.
    وقد كانت تلك المحمدة الأولى التي سجلها التاريخ للحكم الوطني والقيادة الوطنية السودانية التي تحقق الاستقلال على يديها.. «الاستقلال النظيف الذي رفع علمه الزعيمان الأزهري والمحجوب يوم الأول من يناير عام 1956».
    إن مراجعة المسيرة السياسية للسودان خلال الستين عاماً الماضية، تشكل في أحد جوانبها ملحمة بشرية حافلة بالانتصارات والهزائم.. بالنجاحات والإخفاقات، وفي قلب تلك الملحمة التي شكلتها مسيرة السودان لمسيرة نضال شعبي متجدد كل صباح من أجل إما الحفاظ على النظام الديمقراطي البرلماني الذي اختاره شعب السودان أو كفاح وصل حد النضال المسلح من أجل استعادة الديمقراطية التي سلبها من الشعب المغامرون الانقلابيون. تعددت أسماء وصفات انقلاباتهم التي كان دائماً ما تتوارى خلفها مجموعة من السياسيين الانتهازيين الذين يتدثرون بالشعارات والأيديولوجيات المتطرفة يساراً ويميناً. وهكذا كان قدر الشعب السوداني ما أن يسترد الديمقراطية، ويشرع في تثبيت دعائم الحكم النيابي، إلا وينقض عليهما فصيل من العسكريين، باسم النظام والعمل – كما كان شعار الانقلاب العسكري الأول الذي قاده الفريق إبراهيم عبود، وكبار ضباط قوة دفاع السودان (هكذا كانت تسمى القوات المسلحة السودانية على عهد الحكم الثنائي ولسنوات بعد الاستقلال).. وبعد نضال بطولي ومعارك ضارية كان سلاحها الإضراب السياسي والعصيان المدني، أنجز الشعب السوداني مأثرته الخالدة في أكتوبر عام 1964.
    وكانت ثورة أكتوبر – وستبقى – صفحة خالدة في تاريخ السودان، تسترجع دروسها وعظاتها.. وهكذا أيضاً ما أن استرد البلد أنفاسه، وباشر تأسيس نظامه الديمقراطي البرلماني، فسرعان ما انقض عليه انقلاب صغار الضباط في يوم الخامس والعشرين من مايو ورفعوا – هذه المرة – الشعارات الثورية التي كانت سائدة وقتها.. الحرية والاشتراكية والوحدة العربية.. لكن الانقلاب اليساري سرعان ما تآكل، وسرعان من استولى المشير جعفر نميري على السلطة محاطاً بأخلاط من البشر والأفكار، وانتهت «مايو الثورية» إلى نظام فريد في تناقضاته ومآسيه التي لا يزال السودان يعاني منها.
    ونجح النضال الصبور والدائب في تحقيق «المعجزة الثانية» بعد ثورة أكتوبر، وكانت انتفاضة أبريل التي أطاحت نظام مايو ورئيسه، ولكن أيضاً سرعان ما انقض عليها الانتهازيون منذ البداية، وكان المجلس العسكري الأعلى أداتهم، ومع ذلك، فإن الديمقراطية الوليدة والتي كان أول وأهم أهدافها إيقاف نزيف الدم في حرب الجنوب وعقد المؤتمر القومي الدستوري الذي كان سيوكل له وضع الدستور الدائم للسودان الذي قام من أجل التراضي الشعبي كي يحفظ للوطن وحدته وللشعب حريته.
    لم يصبر تنظيم «الإخوان المسلمين» (المسمى علناً بالجبهة القومية – الإسلامية بزعامة د. حسن الترابي) على الديمقراطية وتخوف من عقد المؤتمر الدستوري المنتظر، وهكذا جاء الانقلاب «الإخواني» باسم «الإنقاذ» التي أذاقت، ولا تزال الشعب والوطن أهوالاً ومآسي ليس لها من شبيه في تاريخنا الحديث.
    وعلى عهدها وإدارتها، انقسم البلد بلدين، وأهلكت الحروب ملايين من البشر ليس في الجنوب وحده، وإنما في الغرب والشرق، وأصبح السودان بلداً مرشحاً لمزيد من الانقسامات ومزيداً من سفك الدماء.
    فهل يحمل هذا العام الجديد – عام الذكرى الستين لاستقلال السودان – ولو بصيصاً من الأمل في أن يسترد الساسة رشدهم ويجنبوا البلد مزيداً من الدمار والانهيار؟!
  • إسرائيل السُنية

    فهمي هويدي 
    الملعوب ليس جديدا. لأن عرضه مستمر منذ أكثر من عام. إذ منذ صار «الإرهاب» عنوانا في الفضاء السياسي، وجد فيه كل من أراد أن يفتك بغيره ضالته. ومن الإرهابيين من سارع إلى ركوب الموجة فصعد فوق جثث ضحاياه ورفع صوته عاليا زاعما أنه يحارب الإرهاب. للنظام السوري موقعه في القائمة لا ريب. لكن الأكثر صفاقة في هذا الصدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي لم يكتف بإدعائه مقاومة الإرهاب فحسب، وإنما وصلت به الجرأة حدَّ الإعلان عن الانضمام إلى ما سماه «الاعتدال السني» في معركته ضد الإرهاب. فغسل بذلك يديه من دماء الفلسطينيين وحاول أن يدغدغ مشاعر أنظمة أهل السنة. وفي الوقت ذاته أراد أن يحقق هدفه الأكبر المتمثل في تصفية حسابه مع إيران النووية بدعوى أنها «شيعية». ولا أستبعد أن يعلن في وقت لاحق تعاطفه مع الفكر الوهابي لاستكمال أوراق اعتماده لدى السعودية في صراعها الذي تقوده في الوقت الراهن.
    ما سبق ليس افتراضا ولا مجرد استنتاج، ولكنها معلومات خارجة من إسرائيل ذاتها، التي أصبح الموضوع مثارا في أوساطها السياسية والإعلامية. إذ ليس سرا أن رئيس وزرائها نتنياهو دأب طوال الأشهر التي خلت على الحديث عن انضمام إسرائيل إلى دول «الاعتدال العربي» في معركتها ضد الإرهاب، مستثمرا في ذلك حالة «الخبل» التي خيمت على الخطاب السياسي والإعلامي في أهم الدول العربية. إلا أن عواطفه تجاه أهل السنة برزت في الآونة الأخيرة، حين أعلن عن التحالف الإسلامى ضد الإرهاب، وتجددت بعدما انفجر الصراع بين السعودية وإيران. فقد نقلت عن صحيفة «يديعوت أحرونوت» في ٢٨/١٠/٢٠١٥ أن دولا مهمة بين أهل السنة ترى أن إسرائيل جزء من الحل وليست جزءا من المشكلة. وتتفق معنا في الموقف من إيران والتنظيمات الإرهابية، كما أن أغلب التعليقات الإسرائيلية لم تعد تتكلم عن تضامن إسرائيل مع دول الاعتدال العربي، ولكنها أصبحت تركز على مساندة الدول السنية في مواجهة إيران الشيعية. وفي تصريح أخير لرئيس الوزراء الإسرائيلي ذكر أن بلاده تسعى لإقامة علاقات وطيدة مع الدول السنية المعتدلة في الشرق الأوسط في مواجهة الإرهاب وتمدد النفوذ الإيراني.
    يوم الخميس الماضى ٧/١ نقلت صحيفة هاآرتس عن قائد المستوطنين الأسبق في الضفة الغربية يسرائيل هارئيل أن: الصدع السني الشيعي يخدم مصالح إسرائيل الاستراتيجية. فهو يثبت لكثيرين أن انعدام الاستقرار في الشرق الأوسط ليس راجعا إلى احتلال إسرائيل للأراضى الفلسطينية. وذهب الدكتور عوفر يسرائيلى المحاضر في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية بأكاديمية الجيش الإسرائيلى إلى أبعد، حين نشر مقالة على أحد المواقع قال فيها إن التطورات الأخيرة في السعودية (بعد إعدام الشيخ نمر) تشكل فرصة لإنعاش التعاون بين المملكة وإسرائيل. إذ اعتبره بمثابة «نقطة تحول» في العلاقات بينهما (وصفها بأنهما يمثلان القوتين الاقليميتين في الشرق الأوسط). وأشار في مقالته إلى أن البلدين يتشاركان في أربعة أمور هي: التحفظ على الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى الذي رعته الولايات المتحدة باعتباره اتفاقا سيئا ــ العمل من أجل السلام مع الفلسطينيين الذي دعت إليه المملكة من خلال مبادرة السلام التي أعلنتها وأيدتها القمة العربية ــ رفض المناوشات الإيرانية في المنطقة من خلال حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن ــ الموقف من نظام الرئيس الأسد في سوريا.
    كثيرة هي الشواهد والقرائن الدالة على سعي إسرائيل لاختراق العالم العربي والقفز فوق القضية الفلسطينية. وما كان لها أن تقدم على ذلك المسعى لولا إدراكها أن العالم العربي شهد تراجعات مهمة أوصلته إلى حالة القابلية للاختراق. وهو ما يعد من وجهة نظر المخطط الإسرائيلي لحظة تاريخية فارقة. يدلل الإسرائيليون على ذلك بتصويت مصر لأول مرة لصالح ضم إسرائيل إلى إحدى لجان الأمم المتحدة. في عدول استثنائي عن الموقف العربي التقليدي الذي ظل يلتزم بمقاطعة إسرائيل في المحافل الدولية. يستندون أيضا إلى التطورات المهمة الحاصلة في العلاقات الخليجية الإسرائيلية التي أسفرت عن تمكين إسرائيل من الوجود دبلوماسيا بالخليج في الآونة الأخيرة. إضافة إلى وجودها الاقتصادي والأمني. ولسفير إسرائيل السابق في واشنطن مايكل أوري (النائب الحالي في الكنيست) كتاب أخير وثق فيه وقائع التواصل الإسرائيلى الخليجي في العاصمة الأمريكية.
    نلوم من على ما يجري: اللص الذي سطا على الدار ونهب محتوياتها، أم كبير العائلة وأصحاب الدار الذين فتحوا له الأبواب طائعين؟ المشكلة في الإجابة أن البعض ما غدا يعتبره لصا. حتى أفهمنا أنه من الجيران المعتدلين، ومحب لأهل السنة المخلصين!
  • حجة الشأن الداخلي

    Úáí ÔÇíÚ 
    íÑÏ Ýí ÇáßÊÇÈ ÇáãÞÏÓ (ÇäÌíá ãÊí) äÕÇð ÍÒíäÇð¡ ãä íäÙÑ áå ÈÚäÇíÉ ÞáÈ æÊÃãá ÖãíÑ Ííø¡ ÓíÞÇÑä ÕæÑÊå ÈÃáãò æÍÓÑÉò ãÚ ãÔåÏ ÔÈíå ÍÕá ÞÈá ÃíÇã¡ ÍíË íÑæí ÇáäÕ: “ÍíäÆÐ ÕáÈ ãÚå áÕÇä æÇÍÏ Úä Çáíãíä æ æÇÍÏ Úä ÇáíÓÇÑ”.
    ãÑøÊ ÃíÇã Úáì ÅÚÏÇã ÇáÔåíÏ äãÑ ÇáäãÑ¡ ÈÇáÕæÑÉ ÇáæÍÔíÉ ÇáÊí ÃÚáäÊ æÈÊáß ÇáØÑíÞÉ ÇáÇäÊÞÇãíÉ ÇáãÊÔÝøíÉ ÇáÊí áÇ ÊÎÝì ÏæÇÝÚåÇ æÃÓÈÇÈåÇ Úáì ãä íÑÇÌÚ ÇáÃÍÏÇË æÇáÊÏÇÚíÇÊ Ýí ÇáÝÊÑÉ ÇáÃÎíÑÉ¡ æáÚáø ãä íÊÇÈÚ ÇáÊÚáíÞÇÊ ÇáÓÚæÏíÉ¡ æãä íÓÇäÏ ãæÞÝåÇ¡ ÊÚÞíÈÇð Úáì ãÇ ÌÑì ÓíßÊÔÝ ÓÑø ÇáÇáÍÇÍ ÇáÅÚáÇãí Úáì ÅÙåÇÑ ÍÇáÉ æÇÍÏÉ¡ ÊÈÏæ ßæÕíÉ áÓáØÉ ÍÇßãÉ ÊÑíÏ ãä ÎáÇáåÇ ÇÈÑÇÒ ÌÇäÈ æÇÍÏ Ýí ÇáÞÖíɺ íÊÚáÞ Èã꾄 ÇáÅÌÑÇã æÇáÇÑåÇÈ.
    ÈÚÏ ÓÇÚÇÊ ãä äÔÑ ÎÈÑ ÇáÅÚÏÇã ÚÑÖÊ ÝÖÇÆíÉ ÓÚæÏíÉ ÊÞÑíÑÇð ÃÙåÑ ÞÑÇÑ ÅÚÏÇã ÇáÔåíÏ ÇáäãÑ ãÚ ÔÎÕ ËÈÊ ÇÑÊÈÇØå ÇáãÓáÍ ÈÊäÙíã ÇáÞÇÚÏÉ¡ æÇáÞí ÇáÞÈÖ Úáíå ãÊáÈÓÇð ÈÍãá ÇáÓáÇÍ Ýí ÚãáíÉ ÅÑåÇÈíÉ ãäÐ ÓäæÇÊ. ÇáÕæÑÉ ÇáÊí ÇÓÊÚÏÊåÇ Ýí Êáß ÇááÍÙÉ¡ æÈÏÃÊ ÊÊßÑøÑ Ýí ÐÇßÑÊí¡ ßÇäÊ áãæÞÝ ÊÇÑíÎí ããÇËẠÝí ãÇ ÔÈøå ãä ÕáÈ ÇáÓíÏ ÇáãÓíÍ¡ ÍíË ÃÕÑø ØÛÇÉ ÒãÇäåã Úáì ÅÙåÇÑ ÇáãÕáæÈ ãÚÏæãÇð æãÚáÞÇð ãÚ ÇáãÌÑãíä æÞØÇÚ ÇáØÑÞ ÇáãÍßæã Úáíåã. ÈÇáØÈÚ ãÚ ÝÇÑÞ ÇáãÞÇÑäÉ Èíä ÇáÔÎÕíä¡ æÇáæÞÇÆÚ ÇáÃÎÑì ÇáãÊÚáÞÉ ÈÇáÍÏË¡ ÊÈÏæ ÇáÂáíÉ ÇáÚÏæÇäíÉ ÊÍÇßí ÐÇÊ ÇáÝÚá Ýí ãÍÇæáÇÊ ÇáÎáØ æÇáÊÔæíÔ¡ æÇáæåã ÇáÐí ÊÍÇæá æÓÇÆá ÇáÇÚáÇã ÇáãÏÝæÚÉ ÇáËãä ÈËå Ýí ËäÇíÇ ÊÞÇÑíÑåÇ æÊÚáíÞÇÊåÇ¡ æÈÔßá ßÇä íÈÏæ ãÖÍßÇð áÔÏøÉ ÊÃßíÏå Úáì ÞÖíÉ ãÝÊÚáÉ¡ ÈÇáÑÛã ãä ÌáÇÁ ÇáãÔåÏ ææÖæÍå áßáø ÇáÚÇáã¡ ÝãÇ ÍÕá ÃßÏ ÞÖíÉ ÃÓÇÓíÉ ØÇáãÇ ÓÚÊ ÇáÓáØÇÊ ÇáÓÚæÏíÉ ááÊãæíå ÚáíåÇ¡ Ýãä íØÇáÚ ãÇ äÔÑÊå ÈÚÖ ÇáÕÍÝ ÇáÚÇáãíÉ ÇáÔåíÑÉ¡ ÓíÏÑß ÈíÓÑ ÚãÞ ÇáäÙÑÉ ÇáÌÏíÏÉ. æÚáì ÓÈíá ÇáãËÇá åÇ åæ ßÇÊÈ ÈÑíØÇäí ÔåíÑ íäÔÑ ÊÚáíÞÇð Úáì äÈà ÇÚÏÇã ÇáÔåíÏ äãÑ ÇáäãÑ ÞÇÆáÇð: ÊÑì åá ßÇä ÇáÍßã ÈÇáÇÚÏÇã ÓíÎÊáÝ áæ Ãä ÊäÙíã «ÏÇÚÔ» ÇáÅÑåÇÈí ÞÏ ÇáÞì ÇáÞÈÖ Úáì åÐÇ ÇáÑÌá¿. 
    ÇÓÊÝåÇã æÑÏ Öãä ÚÔÑÇÊ ÇáÃÓÆáÉ Ýí ãÞÇá ááÕÍÝí ÇáãÚÑæÝ ÑæÈÑÊ ÝíÓß ÈÕÍíÝÉ ÇáÇäÏÈäÏäÊ¡ æÞÏ ÓÈÞå æÃÚÞÈå ÂÑÇÁ ÃæÑæÈíÉ ÃÎÑì ÃÔÏø æÖæÍÇð Ýí Êáß ÇáÞÖíÉ¡ æÊÍÏíÏÇð ãÇ ÃÚáäå ÇáÅÊÍÇÏ ÇáÃæÑæÈí ãä ãæÞÝ Ãæáí ÑÈãÇ Óíßæä áå ãÚÞÈÇÊ ÃßËÑ ÊÃËíÑÇð¡ ÅÐ ÐßÑÊ ÇáããËáÉ ÇáÚáíÇ ááÔÄæä ÇáÎÇÑÌíÉ ááÇÊÍÇÏ Ýí ÈíÇä æÕÝ ÇáÇÚÊÏÇÁ ÇáÐí ÃÞÏãÊ Úáíå ÇáÓáØÇÊ ÇáÓÚæÏíÉ ÈÇáÇäÊåÇß ááÍÞæÞ ÇáãÏäíÉ æÇáÓíÇÓíÉ¡ ãÚÊÈÑÉ Ãä ãÇ ÍÕá ááÔåíÏ ÇáäãÑ¡ Úáì æÌå ÇáÎÕæÕ æÇáÃåãíÉ¡ ãä ÔÃäå Ãä íÚÒÒø ÇáãÎÇæÝ ÈÔÏÉ ÈÔÃä ÍÑíÉ ÇáÊÚÈíÑ æÇÍÊÑÇã ÇáÍÞæÞ. 
    ÇáÕÍÇÝÉ ÇáÚÑÈíÉ ÓÇÏ Ýí ÃßËÑåÇ ÇáÕãÊ ÍÊì ßÃä Úáì ÑÄæÓ ßÊøÇÈåÇ ÇáØíÑ¡ æÇáÛÑíÈ Ãä ÊÕÏÑ ÊÕÑíÍÇÊ ãä ÃØÑÇÝ ÊÑÇåä Úáì ÇÚÊÈÇÑ Çí ÊÚáíÞ Úä ãÇ ÇÑÊßÈ ãä ÌÑíãÉ ÊÏÎáÇð ÈÇáÔÃä ÇáÏÇÎáí áÏæáÉ ãÓÊÞáÉ¡ æÈÇáØÈÚ áíÓ ãÓÊÛÑÈÇð Ãä ÊÌÏ ãä íáÞí ÈÇáÊåãÉ Ýí æÓÇÆá ÇáÅÚáÇã Úáì ÇáÇÊÍÇÏ ÇáÃæÑÈí æÈÚÖ ÇáãäÙãÇÊ ÇáÏæáíÉ.æåÇ åí ÃÓæÇÞ ÚßÇÙ ÞÏ ÝÊÍÊ ÃÈæÇÈåÇ ááãÒãÑíä ææÚÇÙ ÇáÓáÇØíä¡ æåÇ ãÔåÏ ÇáÚÏæÇä ãÊæÇÕá æíäÐÑ ÈÇáÞÇÏã ÇáÃÎØÑ¡ æíßÑøÑ¡ ãÌÏøÏÇð¡ æÈßáø ÃÓÝ¡ ÕÝÍÇÊ ãÄáãÉ ãä ÊÇÑíÎ åÐå ÇáÃãÉ.. ÕÝÍÇÊ ÖÇÌÉ ÈÞÚÞÉ ÇáÓáÇÍ æÏãÇÁ ÇáÃÈÑíÇÁ.
  • تحرير الموصل.. بات قريباً

    ÓíÝ ÃßËã ÇáãÙÝÑ 
    ãÚ ÈÏÇíÉ ÇáÚÇã ÇáÌÏíÏ æÇÍÊÝÇáÇÊ ÇáæáÇÏÉ ÇáãíãæäÉ ÊÒÝ áäÇ ÈÔÇÆÑ ÇáäÕÑ ãä ÇÑÖ ÇáÑãÇÏí íÚáæåÇ ÑÇíÉ ÇáÚÑÇÞ ÎÝÇÞÉ ãÚáäÉ ÓÍÞ ÇáÏæÇÚÔ ÈÓæÇÚÏ ÇÓæÏ ÇáÑÇÝÏíä ãä ÇáÌíÔ æÇáÔÑØÉ æÈÚÖ ÃÈäÇÁ ÇáÚÔÇÆÑ ÇáÃÕíáÉ ãä ÇáÐíä ÞÇæãæÇ ÇÍÊáÇá ÏÇÚÔ ãäÐ ÈÏÇíÉ ÇáÃÒãÉ¡ æÃÚØæÇ ÔåÏÇÁ æÌÑÍì Ýí ÓÈíá ÃÑÖåã æÔÑÝåã.
    ÇáÃäÈÇÑ æãÑßÒåÇ ÇáÑãÇÏí¡ ÇßÈÑ ãÍÇÝÙÇÊ ÇáÚÑÇÞ ãÓÇÍÉ¡ æåí ÊÊæÌ¡ ÈßÃÓ ÇáäÕÑ ÇáãÄÒÑ¡ Úáì ÃÚÏÇÁ ÇáæØä æÇáÅÓáÇã¡ æÊÓÊÑÏ ßÑÇãÊåÇ æÔÑÝåÇ¡ Úáì íÏ ÃÈäÇÆåÇ ÇáÈÑÑÉ¡ Ýí åÐå ÇááÍÙÇÊ¡ íÌÈ æÖÚ ÇáäÞÇØ Úáì ÇáÍÑæÝ¡ áíÓ åäÇß ãÌÇá ááãÌÇãáÉ¡ ÝÞÏ ÈáÛ ÇáÓíá ÇáÒÈì.
    ÇÈÑÒ ÇáÃÓÈÇÈ ÇáÊí ÃÏÊ Åáì ÓÞæØ ÇáÑãÇÏí¡ åæ æÌæÏ ÍæÇÖä æãäÇÈÑ ÊËÞÝ áåã¡ æÊäÔÑ ÝßÑåã ÇáÖÇá¡ æÃÈäÇÁ ÇáÑãÇÏí ÃßËÑ ÏÑÇíÉ ÈãÇ ÍÕá¡ æßíÝ ÇÓÊÛáæåã¡ æÇÓÊÚÈÏæåã¡ æßÇä áãäÇÈÑ ÇáØÇÆÝíÉ Çá쾄 ÇáÃÓÇÓ Ýí ÔÍä ÇáãÌÊãÚ æÊæÝíÑ ÈíÆÉ ÌíÏÉ áÇÓÊÞÈÇá åÐå ÇáÚÕÇÈÇÊ¡ ÍÊì ÅÐÇ ÏÎáæÇ Úáíåã¡ ÞÇãæÇ ÈÛÏÑåã æÊÕÝíÊåã. 
    ßá Êáß ÇáãÔÇåÏ íÌÈ Ãä áÇ ÊÛíÈ¡ æáÇ ááÍÙÉ Úä ÃåáäÇ Ýí ÇáÃäÈÇÑ¡ æÇä íÊÚÙæÇ æíÃÎÐæÇ ÇáÏÑæÓ¡ Ãä ÚÏæäÇ æÇÍÏ¡ åã ÇáÊßÝíÑííä.. æãä íäÇÕÑåã ãä “ÇáÈÚËííä” æãä æÑÇÆåã Ïæá ÇáÅÞáíãíÉ æÌåÇÊ ÏæáíÉ¡ ÊÍÇæá æÈÔÊì ÇáØÑÞ¡ ÎáÞ äæÚ ãä ÇáÝÑÞÉ¡ æÊãÒíÞ äÓíÌ ÇáÚÑÇÞ ÇáÇÌÊãÇÚí.
    ÊÍÇæá ÇáßËíÑ ãä æÓÇÆá ÇáÅÚáÇã ÇáÚÑÈíÉ æÇáÛÑÈíÉ ÇáÊÞáíá ãä ÇäÊÕÇÑ ãÚÑßÉ ÇáÑãÇÏí æÑÇÍ ÇáÈÚÖ ãäåÇ áÒÑÚ ÝÊäÉ Èíä ÇáÌíÔ æÇáÍÔÏ ãä ÎáÇá ÈÚÖ ÇáÊÕÑíÍÇÊ ÇáØÇÆÝíÉ¡ æÍÇæáÊ ÃãÑíßÇ ÓÍÈ ÇáÃÖæÇÁ ãä ÓÇÍÉ ÇáÑãÇÏí æÊÓáíØåÇ Úáì ÅäÒÇáåÇ ÇáÌæí Ýí ßÑßæß¡ æãä íÊÇÈÚ ãæÇÞÚ ÇáÊæÇÕá¡ íÓÊäÊÌ ãÏì ÇáÍÞÏ ÇáÎáíÌí Úáì ÇáÚÑÇÞ æÃÈäÇÁå.
    ÎØÇÈ ÇáÃÎíÑ ááÈÛÏÇÏí¡ ßÇä Ýí ÞãÉ åÒíãÊå¡ æåæ íåÏÏ ÅÓÑÇÆíá! ÈÚÏ Åä ÎÓÑ ÌãíÚ ÃæÑÇÞå Ýí ÇáÚÑÇÞ æÓæÑíÇ¡ æÊæÞÝÊ ãæÇÑÏå ãä äÇÞáÇÊ ÇáäÝØ ÈÚÏ ÇáÖÑÈÇÊ ÇáÑæÓíÉ ÇáãæÌÚÉ¡ ßá ÇáãÄÔÑÇÊ ÊÓÊäÊÌ äåÇíÉ åÐÇ ÇáßÇÈæÓ æÏæáÊå ÇáãÔÄæãÉ¡ ÍÊì ÇáãæÕá ÓÊßæä ãÍØÉ ÚÇáãíÉ¡ æÓÊäÝÑÏ ÞäæÇÊ ÇáÚÇáã¡ Úáì äÞá åÐÇ ÇáÍÏË¡ æßÃäå íæã ÇáÞíÇãÉ¡ ÓÊÓÞØ ÃÕäÇãßã ÊÈÇÚÇ¡ æíÙåÑ ÇáÍÞ ÈÃÐäå ÊÚÇáì.
  • 2016.. تراجع اقتصادي

    محمد العريان 
    كان انخفاض مؤشر السوق بنسبة 7 بالمئة الذي دفع الصين إلى إغلاق العمل في سوق تجارة الأسهم والأصول المالية الإثنين الماضي، إلى جانب الخسائر الحادة التي شهدتها أسواق أوروبا والولايات المتحدة، قد جسدت جميعاً مظاهر البداية المشؤومة للسنة الجديدة بالنسبة للمستثمرين، وأسوق فيما يلي خمس ملاحظات حول هبوط الأسعار المنتظر عام 2016 وما بعده:
    (أولاً) جدَّد السببان الرئيسيان لهذا التحول مؤشرات الحذر والخوف من اعتلال صحَّة الاقتصاد الصيني وزيادة حدة التوتر الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط، وهما سببان كافيان لتأجيج مشاعر الخوف من انهيار أسعار الأسهم والأصول المالية الفعَّالة والداعمة. وكان لهذه المؤشرات أن تكشف عن مدى الهشاشة التي ميَّزت وضعية الاقتصاد العالمي الذي فشل حتى الآن في تشغيل محركات النمو على النحو الفعَّال، وكانا أيضاً يمثلان تذكيراً وتحذيراً بأن الأسواق ما زالت واقعة تحت الضغوط الجيوسياسية التي تتعرض لها الدول، ويمكنها أن تؤدي إلى ظهور لاعبين غير وطنيين لا يمكن التنبؤ بنتائج سلوكياتهم الهدامة ويصعب التحكم بها.
    (ثانياً) تابع المستثمرون الانخفاض الكبير في أسعار الأسهم والأصول المالية بردات فعل شرائية غير محبذة. وفي الصين، عززت الحكومة مرة أخرى من إجراءاتها لإعادة الاستقرار إلى السوق على الرغم من أنها كانت تخطط للتخلي تماماً عن أسلوبها السابق للتدخل. وفي الأسواق الغربية، سارع بعض المشترين الخواص للأسهم للبحث عن العوائد استناداً إلى استراتيجية شراء الأسهم الهابطة التي أثبتت ربحيتها.
    (ثالثاً) تعكس هذه الطريقة في الاستجابة لتطورات السوق توقعات باعتماد إجراءات لاحقة لعمليات ضخ السيولة من مصدرين: يتعلق الأول بالسياسات الاستثنائية للبنك المركزي، بما فيها اللجوء إلى عمليات شراء ضخمة للأصول، ويتعلق الثاني باستخدام الشركات لموجوداتها النقدية في عمليات إعادة شراء الأسهم وتنشيط مشاريع الانفصال والاندماج والاستحواذ. وعلى الرغم مما أثبتته هذه الإجراءات من عوائد إيجابية في الماضي، فإن تطبيقها السريع لم يعد مأموناً هذه الأيام. وبعد أن أعلنت الخزينة الفيدرالية عن رفع معدل الفائدة في ديسمبر الماضي، وجدت البنوك المركزية نفسها أمام طرق متشعبة. وفيما عمدت الخزينة الفيدرالية إلى الحد من سياساتها التحفيزية، فإن من المرجح أن يلجأ آخرون إلى تسريع عمليات اعتمادها مثل بنك اليابان والبنك المركزي الأوروبي وبنك الشعب الصيني. وفي هذه الأثناء، كانت هناك صعوبة في استخدام الشركات لموجوداتها السائلة بشكل سريع مع اقتراب موسم جني الأرباح الربعية، وحيث تميل الشركات في هذه الفترة للعمل بنشاط أقل من المعتاد.
    (رابعاً) لقد تكشفت كل هذه الأمور مع تعمق الشعور بنقص الثقة بعنصر الاستدامة للمسار الذي يميز الاقتصاد والأسواق خلال السنوات السبع الماضية. وعلى أقل تقدير، يمكن لهذه العوامل المتعددة أن تكون متبوعة بتقلبات أكثر حدة للأسواق خلال العام الجاري. وكما كنت قد أشرت في كتابي الذي يوشك على الصدور تحت عنوان (اللعبة الوحيدة في البلدة: البنوك المركزية، وعدم الاستقرار، وتجنُّب الانهيار التالي)، فإن البنوك المركزية سوف تجد أن الصعوبة ستكون أكبر بالنسبة لها لو واصلت «اقتراض» النمو والعوائد المالية من المستقبل بالاعتماد على المعايير الاختبارية. وهناك نتيجتان محتملتان لهذا السلوك خلال السنوات القليلة المقبلة: فإما أن يفسح هذا المسار الطريق أمام سياسة شاملة أكثر قدرة على الاستجابة لتقلبات السوق ويمكنها أن تضمن ارتفاعاً مستداماً لأسعار الأصول المالية الأساسية، وتصلح للتحقق من صحة أسعار الأصول المالية وتدفعها إلى الارتفاع، أو أن يخضع هذا الهدف للتناقضات المتنامية داخل الأسواق، والتي تقود أسعار الأصول المالية نحو الانخفاض وتخلق ظروفاً يمكنها أن تتحدى أعتى المستثمرين.
    (خامساً): الكثير من التطورات المتعلقة بهاتين النتيجتين ستعتمد على طريقة استجابة صنَّاع السياسات والقطاع الخاص لها خلال الأشهر المقبلة. وبصرف النظر عن هذا، فإن المستثمرين يحتاجون لأن يكونوا أكثر مرونة وقدرة على التكيُّف لأنهم سيجدون أنفسهم وهم يبحرون في أسواق يعمُّها التغير والاضطراب أكثر من أي وقت مضى، فالعصر الذي يمكن فيه للبنوك المركزية أن تكبح جماح التقلبات المالية قد انتهى.