علي سعدون
لن ينكر احد منا ازمة التوافق على مصير الوطن، منذ العام 2003 ولغاية اليوم، ذلك اننا ندعي على الدوام حرصنا وخوفنا الشديد على مستقبله ووجوده، مرورا بأشد لحظاته محنة وجدلا كبيرا. وفي الحقيقة، ان اختلاف القوى السياسية في اي بلد في العالم يكاد يكون طبيعيا لما له من اهمية في اغناء التوجه السياسي ومبرراته ونتائجه التي سيستقر عند تخومها ذلك الجدل الذي غالبا ما يكون نافعا ومفيدا وضروريا للغاية، وفي ضوئه يمكننا ان نلمس نضوجا سياسيا واقتصاديا لهذا البلد او ذاك من بلدان العالم. لكن الواقع السياسي العراقي يفترض شكلا آخر للجدل والسجال، ومن ثم التقاطع والتناحر اللذين يؤديان الى خسارات لا تحصى في الراهن السياسي لعراق ما بعد 2003 والذي احتاج الى تضافر الجهود وتلاحمها لضرورات لم تعد خافية على احد، بسبب كونه بلدا نهض للتو من محنة النظام الشمولي وكان مقطوع العلاقات والصلات مع معظم دول العالم، ناهيك عن حروب ذلك النظام وسياساته ونتائجها الكارثية التي كلفت العراق كثيرا من الاوراح والتكاليف المادية الباهضة، فضلا عن القلق الدولي الذي تسبب في وضع العراق تحت طائلة الفصل السابع لأكثر من عقد، وفي حالة بدت قاسية وحادة على كل مؤسساته وأبنائه، وأسفرت عن تعطيل حقيقي في مسيرته وتعطيل مشاريعه الستراتيجية التي لم تتحقق بسبب وقائع ذلك التاريخ وما افرزه طيلة الفترة الغابرة. اقول ان العراق يفترض شكلا آخر من الجدل السياسي، مقارنة بغيره من دول العالم، وينقسم ابناؤه بين مؤيد بقوة للاتجاه الجديد بالانفتاح على العالم ومغادرة وضعه القديم، فيما سيتمسك طرفه الآخر وبقوة ايضا، بترهات شعاراته القديمة سيئة الصيت والتي تخلو تماما من القيم الحقيقية التي تنتجها المجتمعات التي تتمتع بسياسة متزنة ومعتدلة في التعامل مع الآخرين. وبالتالي وأمام حالة الانقسام هذه، سيطفو على السطح النزوع المروع نحو المظلة الطائفية بكل ما تحمله من ضغائن تاريخية موغلة في القدم، وستبدو تلك المظلة المقيتة حاضنة قوية وصلدة ومستوعبة لحالات الانقسام والتشرذم التي تتناغم معها بقوة لافتة. ان مثل هذا الاختلاف والانقسام سيشير الى ضياع اي مشروع وطني لإنقاذ البلد مما يرزح تحته من اوهام الصراع على النفوذ والسلطة، وسيغري القوى الظلامية والعصابات المسلحة وفي مقدمتها (داعش) بالتكالب على تفتيت هذه التجربة التي اعقبت النظام الشمولي بقلق واضح، وبفراغ كبير في تحقيق شكل ومفهوم الدولة الجديدة التي تعمل على بناء نفسها وفق معايير مؤسساتية تنبثق من رحم الحاجة المجتمعية، وتنشد هيكلة نفسها على غرار الانظمة المتقدمة في العالم. هذا الانقسام في واقع الامر، كان قد عمل على بلورة مشروع مناهض لاستقرار البلد، مثلما عمل على جعل المشروع السياسي الجديد قلقا وغير ناضج ويفتقر الى ادنى مقومات تأثيث البيت الوطني بنوع من التوافق على قضاياه المصيرية بالغة التعقيد. تتضح صورة هذا الانقسام في التعامل مع السياسات الاقليمية التي لن تكون بعيدة في تأثيراتها عن الواقع العراقي، وإنما يعمد اغلبها الى التأثير المباشر على سعي الاخير في محاربته لقوى الشر والظلام التي تحاول النيل من سيادته ووجوده ووحدته، وبالتالي فان عدم التوافق والانقسام حيال القضايا المصيرية، سيعبث بمستقبل العراق بطريقة غاية في الخطورة وسيأتي بنتائج كارثية تزداد سوءا كلما عصفت بنا المتغيرات الدولية والاقليمية، ناهيك عن الازمات الاقتصادية والتآمر الذي لم ينقطع وتتصاعد وتيرته على الدوام.
وعلى ضوء هذه الصورة غير المريحة في الذهنية العراقية، تبقى موضوعة الانقسام والتناحر السياسي الذي يأخذ شكل الجدل الطائفي في معظمه، من اكثر الصور المنفرة في راهن العراق السياسي، بل ومن اكثر المنعطفات حراجة في تاريخه المعاصر، لذلك يجب ان ينتبه صانعو القرار السياسي الى ضرورة التعديل في مجريات العملية السياسية، فيستبدلون موضوعة التوافق بأسلوب آخر اكثر نفعا وجدوى، كتفعيل عمل مراكز البحث الستراتيجي المحايدة، او تشكيل المجالس الوطنية الخاصة باتخاذ القرارات المصيرية من قبل المختصين والمعنيين، على ان يكونوا من خارج تشكيل المحاصصة الذي يبدو انه الاكثر تأسيسا لموضوعة الانقسام والتناحر.. كما ينبغي الأخذ بنظر الاعتبار خطورة الوضع الاقليمي من خلال التحالفات الغريبة التي تنذر بتغيير واضح في نهج الدول المجاورة وتغيير انماط تدخلاتها وسعيها الجديد للهيمنة والتخريب والتآمر.