سميح صعب
تحركت السياسة على المسارين السوري واليمني. وعلى الرغم من ان لا شيء يوحي بأن الحرب ستتوقف غداً في البلدين، لكن ثمة مؤشرات على ان الولايات المتحدة وروسيا قد قررتا تسلم هذين الملفين مباشرة بعدما كانت الاطراف الاقليمية لاعباً اساسياً خلال الاعوام الاخيرة في تقرير وجهة الاحداث في كل من البلدين، فكانت النتيجة حربين طاحنتين ومئات الآلاف من الضحايا.
ولا بد ان ثمة عوامل كثيرة دفعت واشنطن وموسكو الى الانخراط اكثر في الملفين السوري واليمني، ففي سوريا شكلت الحملة الجوية الروسية رافعة لانعقاد مؤتمري فيينا في 30 تشرين الاول و14 تشرين الثاني ومن ثم استكمال المؤتمرين في اجتماع بنيويورك لما بات يعرف بمجموعة الدعم الدولية لسوريا مما مهد لصدور قرار مجلس الامن الرقم 2254 الذي بات منذ الان فصاعداً مرجعية قانونية لأي حل سياسي في سوريا. ولولا التدخل العسكري الروسي وتيقن واشنطن بأن موسكو لن تسمح باسقاط نظام الرئيس بشار الاسد بالقوة، لما كانت الولايات المتحدة ارتضت صدور القرار الدولي بالصيغة المتوازنة التي صدر بها ولا سيما من حيث عدم اتيانه على ذكر الاسد وتضمينه عبارة ان «الشعب السوري هو من يقرر مستقبله».
وعلى الرغم من ان الرئيس الاميركي باراك اوباما ووزير خارجيته جون كيري ومعهما الكثير من الزعماء الاوروبيين لا يزالون يدعون الى رحيل الاسد ويعتبرون بأن لا مستقبل له في سوريا الجديدة، فإن هذه المواقف لم يعد لها أي تأثير قانوني او أثر شرعي مع صدور القرار 2254 الذي لم يتطرق الى هذا الموضوع. وعليه تتحول المواقف الداعية الى تنحي الاسد الى مجرد مواقف سياسية عن سياق التمنيات لا أكثر. وبات القرار الاممي هو المرجعية للمسار السياسي في سوريا عوض ما كان يعرف بمجموعة «اصدقاء الشعب السوري» التي كانت تلبس الشرعية لهذا الطرف وتنزعه عن الطرف الآخر فيما لا يقود ذلك إلا لمزيد من القتل والدمار. وأهمية القرار تتمثل ايضاً في الاعتراف بأن ثمة ارهاباً في سوريا وان أعداء النظام السوري ليسوا كلهم معارضين سلميين كما كان يزعم الغرب ودول الخليج العربية وتركيا. وليس بخاف ان التطورات هي التي دفعت الى الواقعية الاميركية والاستجابة لضرورات البحث عن حل سياسي في سوريا، فها هو الارهاب الذي يضرب سوريا لم يعد مقتصراً على سوريا وبدأ يتمدد الى العواصم والمدن الاوروبية وحتى الى الولايات المتحدة كما أظهرت مقتلة سان برناردينو في ولاية كاليفورنيا الشهر الماضي ومن قبلها بأيام مقتلة باريس. ولم يكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مجافيا للحقيقة عندما اعتبر ان التوجه الاميركي الاخير الى التعاون مع روسيا في ايجاد حل سياسي في سوريا إنما «يدل على قلق واشنطن والدول الاوروبية من التطورات الاخيرة في الشرق الاوسط». ومع ذلك فإن سوريا لا تزال في بداية الطريق نحو الحل السياسي وهو طريق سيكون صعبا ويعترضه الكثير من العقبات خصوصاً اذا بقيت اميركا تتسامح مع تركيا التي تبقى بوابة الدخول الى «ارض» التنظيمات الارهابية من «داعش» و»جبهة النصرة» وغيرهما من التنظيمات التي تدور في فلك الفكر القاعدي. واذا لم تتقيد تركيا بقرار مجلس الامن 2253 الذي صدر قبل ساعات من صدور القرار 2254 من اجل تجفيف مصادر تمويل «داعش» والتنظيمات الارهابية الاخرى، فإنه لن يكون في الامكان الولوج الى عملية سياسية سهلة في سوريا.
وتزامنا مع التطورات السورية، جاءت محادثات السلام اليمنية برعاية اممية في سويسرا والموافقة على وقف للنار لمدة اسبوع ومن ثم تمديده لاسبوع آخر، لتؤشر الى ضغوط اميركية مورست على السعودية من اجل وقف الحرب والانتقال الى مرحلة الحوار السياسي لترتيب البيت الداخلي لليمن، لا سيما بعدما تبين ان الحرب التي مضى عليها اكثر من تسعة اشهر لم تجلب لليمن سوى القتل والدمار وجعلت «القاعدة» و»داعش» اكثر نفوذاً في اليمن وخصوصاً في المدن التي انسحب منها الحوثيون ودخلت اليها القوات الموالية للرئيس عبد ربه منصور هادي. ولعل هذا العامل الاخير كان وراء الاصرار الاميركي على ضرورة الانتقال من المرحلة العسكرية للحرب الى المرحلة السياسية. وبدأت اميركا تستشعر الخطر الذي يمكن ان يشكله تزايد نفوذ التنظيمات الارهابية في اليمن على المصالح الاميركية ومصالح الحلفاء.