التصنيف: الرأي

  • راية بيضاء على أسوار المدينة

    أمل الياسري 
    قراءات في دفاتر زمن جاهل لا يعرف سوى المجون والعدوان الذي لم تسلم منه حتى الأنثى، ولكن النجاح وسط أحجار البيت العتيق، له طعم خاص، حينما انطلقت من وسط الغار، كلمة غيرت مجرى التاريخ والعالم، إنها (إقرأْ) بعمر الأربعين، بعد تأملات إلهية طويلة، انتصار رباني صرخ: ما أنا بقارئ!
    صراع مرير مع الأعداء الأربعة: (أبو سفيان، أبو جهل، أبو لهب، أبو عتبة)، وبداية حاول فيها الدم والسياط، نشر مشاهده على أجساد الضعفاء والعبيد لينسج قصة صمود لقلة مؤمنة صابرة، فنالت رضوان الباري عز وجل، أما علي فقد قال عنه أبو سفيان: أي دين هذا، الذي بدأ برجل وإمرأة وغلام؟! ربيع الأول يعرف عند بعض العرب، أول شهر في السنة الهجرية، لأن اليوم الأول منه، كانت هجرة نبي الرحمة، ومنقذ الأمة الرسول محمد (صلواته تعالى عليه وعلى أله)، من عذابات قريش، الى انتصارات المدينة، حين أمر علياً في ليلة فداء، فأتم المهمة (عليه السلام)، حتى وصول الهادي النذير الى يثرب!
    حوار نوراني، ذكي عميق واقعي، بين النبي والوصي (عليهما السلام)، حمل هموم الرسالة الإسلامية، ونتائجها على الأمة، فتقبلها علي (عليه السلام) بقبول حسن، فكل الأبواب ستغلق يوماً، إلا باب علي وفاطمة، فهما من أبواب الجنة، وهو ربيع يضاف الى ربيع الفداء، والهجرة المباركة، فكان حقاً علينا نصر المؤمنين، والعاقبة للمتقين! 
    ربيع اللحاق الأول بالرسول الأعظم، لبضعته الزهراء عليهما السلام، بعد وفاته كونها أول من فارق الحياة،
     من أهل بيته بعده حين تهلل وجهها له، في اللحظات الأخيرة من أنفاسه المقدسة، فقد أعلنت أم السبطين البتول، تصريحها الخطير، بأنها غاضبة على الأمة، فرحلت في موتها مستبشرة، لترد حوض الكوثر فرحة بأبيها!  هجرة نبوية تأريخية، إستشاطت فيها الأقلام المأجورة، غضباً وحقداً على مسيرة الجهاد، ونشر الفضائل من أجل إعلاء كلمة التوحيد، وإنقاذ الأمة من الجاهلية، والعدوان، والضلالة، وإخراجهم من الظلمات، والجبت، والطاغوت، الى النور، والهداية، والصراط المستقيم، ففي ربيع الأول أنتصرت، ثقافة ورسالة إقرأ، من العلي الأعلى دون منازع، وحتى يوم يبعثون! 
    راية بيضاء بانت على أسوار المدينة المنورة، بعد مسيرة عظيمة، حملها بيده رسول رب العالمين، (صلواته تعالى عليه وعلى أله)، وشع نور الإسلام، ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون، وأصبح ربيع الأول، ربيع الإنتصار المحمدي الأصيل، بوصوله سالماً الى المدينة المنورة، فقد طلع البدر علينا، من ثنايا الفجر السعيد!
  • حرائق أردوغان

    سميح صعب 
    ينتقل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من أزمة الى أزمة. وما أن اخفق في اقامة ما يسميه بـ»المنطقة الآمنة» في سوريا حتى توغل في محافظة نينوى العراقية. وعندما كان مطلوباً منه ان ينضم الى الائتلاف الدولي الذي تقوده اميركا ضد تنظيم «داعش» الارهابي، ذهب الى اعلان الحرب مجدداً على «حزب العمال الكردستاني»، واسقط قاذفة «السوخوي-24» الروسية على الحدود السورية مثيراً بذلك أخطر أزمة بين روسيا ودولة عضو في حلف شمال الاطلسي منذ اكثر من نصف قرن.    
    ومنذ ان عاكست الرياح مشروع أردوغان الاقليمي القائم على حكم «الاخوان المسلمين» في مصر وسوريا وسائر الدول العربية لتكون تركيا هي زعيمة الاسلام السياسي في المنطقة مستعيدة نفوذ السلطنة العثمانية، بدا ان أحلام الرئيس التركي في لعب الدور المحوري في الشرق الاوسط قد تبخرت مرة واحدة والى الابد. وتعويضاً عن سقوط المشروع الاردوغاني مع سقوط حكم «الاخوان» في مصر وتعثر وصولهم الى الحكم في سوريا وخسارتهم الحكم في تونس وعدم امتلاكهم النفوذ المطلق في ليبيا التي تضربها الفوضى وكذلك الحال في اليمن، يسعى أردوغان الى البحث عن دور آخر لا يفقده كامل نفوذه في الاقليم.   
    واتساقاً مع هذا التوجه بقيت تركيا هي البوابة الرئيسية لتسلل آلاف المقاتلين الاجانب الى سوريا والعراق للالتحاق بـ»داعش». وبقيت تركيا معبر التنظيم الارهابي لبيع نفطه المسروق من الحقول السورية والعراقية. وظل اردوغان يناور ويراوغ ويرفض تنفيذ قرارات مجلس الامن التي تدعو الى تعاون الدول في حرمان «داعش» من مصادر التمويل او تلك التي تطالب بمنع مرور المقاتلين الاجانب الى سوريا. ويعرف الغرب ايضاً ان تركيا هي بوابة العودة لمئات المقاتلين الاجانب من سوريا الى اوروبا تماماً مثلما كانت ممرهم من اوروبا الى سوريا والعراق أملاً في ان يسهم ذلك في اسقاط النظام السوري.   
    ويعلم الغرب ولا سيما اميركا ان اردوغان لا يريد محاربة «داعش» لان هذا التنظيم الارهابي وسائر التنظيمات الارهابية الاخرى في سوريا، هي الحصان الاسود لتركيا كي تحتفظ بنفوذها في الساحة السورية. لكن الغرب لا يفعل ما يكفي لحمل أنقرة على تغيير سياستها. ولعل التساهل الغربي مع ممارسات اردوغان التسلطية في الداخل وغض النظر عن الدعم التركي للارهاب في سوريا والعراق مقابل سماح أردوغان للمقاتلات الاميركية بالانطلاق من قاعدة انجيرليك التركية لشن غارات على اهداف لـ»داعش» في سوريا والعراق. لكن الاضرار الناجمة عن المرونة الغربية حيال اردوغان بدأت تفوق الخدمات التركية لاميركا. وآخر تجليات هذه الاضرار هي احتمال توريط انقرة لحلف شمال الاطلسي في مواجهة ساخنة مع روسيا عقب اسقاط القاذفة الروسية في 24 تشرين الثاني. 
    واليوم تدخل القوات التركية الى محافظة نينوى في وقت يحقق العراق فيه تقدماً في معركته ضد «داعش» في الرمادي ويستعد لبدء مرحلة تحرير الموصل، فهل يكون هذا الدخول محض صدفة أم انه محاولة لمنع الحكومة العراقية من استعادة السيطرة على الموصل وخلط الاوراق ميدانياً. والادهى من ذلك ان الرئيس التركي يدعي انه أدخل قواته الى العراق بطلب من الحكومة العراقية وانه لن يسحب هذه القوات على رغم من مطالبة المسؤولين العراقيين بهذا الانسحاب في اسرع وقت ممكن. 
        إلا ان اردوغان يرى ان دخوله الى العراق اليوم يوفر له ورقة مساومة أخرى في يده لاستخدامها في الاحتفاظ بنفوذه الاقليمي ما استطاع الى ذلك سبيلاً تماماً كما توفر التنظيمات الارهابية في سوريا مساحة نفوذ لتركيا في سوريا وتمنع التوصل الى حل سياسي يوقف الحرب التي ما اندلعت الا بتحريض تركي لتدمير سوريا لأنها رفضت تسليم الحكم لـ»الاخوان». 
    ومع توغل تركيا براً في العراق، فإن ذلك يبعث في اذهان العراقيين الكثير مما كان يحكى عن مطلب تركي دائم بأن تكون الموصل ضمن الاراضي التركية منذ انهيار السلطنة عقب الحرب العالمية الاولى. وليس بخاف ان ضم الموصل كان ضمن المطالب التي تقدمت بها تركيا الى مؤتمر الصلح في باريس عام 1919. فهل يرى أردوغان ان الظرف الاقليمي والدولي يتيح له الآن تحقيق ما عجز عنه اسلافه؟   
    ومع ذلك يلعب اردوغان بالنار سواء في سوريا او في العراق او مع روسيا. ولن يكون في امكانه الا ان يحرق اصابعه في النهاية.
  • أردوغان وبارزاني.. غسيل الأموال والبترول!

    زيدون النبهاني 
    مِن البديهي أن يستثمر مسعود بارزاني حادثة أسقاط تركيا للمقاتلة الروسية “سوخوي-٢٤”، والتصعيد الروسي تجاه أنقرة، ما أدى إلى خسارتها المادية في مجال السياحة، وتعطيل إنشاء المفاعل النووي، إضافة للضربة الكبرى متمثلةً بقطع الغاز، كونه معروفٌ بالتحالف مع الشيطان، في سبيل تنفيذ مصالحه الشخصية.
    عائلة بارزاني التي باتت تُعرف، بالتجارة أكثر من السياسة، كونها تُسيطر على كل موارد أقليم كوردستان، الطبيعية وغيرها المصدر من الحكومة المركزية، وهي بتحكمها بالأموال تفرض على الشعب الكردي، ما يخالف طموحاته السياسية.
    زيارة مسعود الأخيرة لتركيا؛ لَم تكن بريئة كسابقاتها، فهو يستثمر خلافات تركيا الأخيرة مع روسيا، ليطرح نفسهُ بديلاً في وقت لا يمكن لأنقرة رفض مساعيه، كونها لا تحاول فتح جبهة داخلية مع أكراد تركيا، الذين يؤثر فيهم بارزاني بصورة أو أخرى.بعد سنوات مِن غسيل الأموال؛ تتجه عائلتي بارزاني وأردوغان؛ لفتح خطوط غسيل البترول، خصوصاً وأن التقارير الروسية الأخيرة أثبتت سطوة بلال نجل أردوغان على النفط المصدر من قبل داعش، ونشرت مجموعة صور تجمع الابن الاكبر للرئيس التركي، مع قيادات متنفذه في داعش، مرفقة بصور لشاحنات البترول المتدفق من المناطق، التي يسيطر عليها التنظيم في العراق.الملفت للنظر هو عرض بارزاني للوساطة بين حكومتي بغداد وأنقرة بعد التوترات الأخيرة نتيجة الغزو التركي للموصل، وكأن بارزاني قائد لدولة محايدة، أو بالدقة أن الأقليم لا يعترف بمواقف بغداد التصعيدية، ولا نعرف منذ متى أصبح لكاكا مسعود علاقة طيبة مع الأتراك؟! فهما على خلافٍ دائم، يمكن أن نختصره بوقوف تركيا، ضد مشروع الدولة الكردية.
    إسرائيل صديقة الطرفين وصاحبة التأثير في قراراتهما؛  هي من قرّب وجهات النظر، وأسست لشراكة تجارية دائمة، بين العائلتين (مسعود و أوردوغان)، كونها المستفيد الوحيد من غسيل البترول العراقي؛ حيثُ لا يتعدى سعر البرميل الواحد، نصف السعر المعروض في “أوبك”.تصريحات السياسي الكردي البارز محمود عثمان حول العلاقة بين بارزاني وإسرائيل تُدلل على إنها ليست وليدة اللحظة؛ فقد أكد عثمان على زيارته لإسرائيل مرتين بصحبة ملا مصطفى، (والد مسعود البرزاني)، فيما أعترف بزيارة مسعود لتل أبيب ثلاث مرات، أما مسرور نجل مسعود الأكبر، فهو كثير السفر لأسرائيل؛ كما صرح عثمان.هذه الزيارات مع علاقة أنقرة المعروفة مع الإحتلال الصهيوني؛ توحي بأزدهار قريب لسوق النفط المهرب، خصوصاً إذا ما طرحت كردستان طريقاً أخر لتهريب النفط؛ غير الطرق التي سيطرت عليها الطائرات الروسية؛ والتي كانت تركيا تستخدمها سابقاً.
    زيارة بارزاني هي محاولة للقفز بأيرادات العائلتين؛ وتبديل الصنعة القديمة (غسل الأموال)، إلى ما هو أكبر وأكثر نفعاً (غسيل البترول)، بعد نجاح العائلتين بادخال داعش إلى العراق، والإخلال بسيطرة الحكومة المركزية على صادرات النفط، مضافة إلى نفط الأقليم وكركوك، ستجد شراكة “العائلتين” منفذاً لأعتبارهما، أكبر مُصدر للنفط في العالم.
  • مؤتمر الرياض.. دعوة لاستمرار الحرب

    حازم مبيضين 
    شهدت نهاية الأسبوع الماضي انعقاد ثلاثة مؤتمرات للمعارضة السورية، عُقد أهمها في الرياض برعاية سعودية، والثاني في الحسكة برعاية حزب العمال الكردستاني، والثالث في دمشق تحت أنظار الدولة السورية. في الرياض اتفق المجتمعون في الرياض على تشكيل هيئة عليا للمفاوضات، ما يشي بعدم القدرة على تشكيل الوفد المفاوض، لكنهم اشترطوا ترك بشار الأسد سدة الحكم مع بداية المرحلة الانتقالية، وحل الكيانات السياسية المعارضة حال تكوين مؤسسات الحكم الجديد، وفي حين انسحبت حركة أحرار الشام الإسلامية من المؤتمر احتجاجاً على حجم تمثيلها، فإن المجتمعين أعربوا عن إيمانهم بمدنية الدولة، ووحدة الأراضي على أساس اللامركزية الإدارية، وأكدوا على الديمقراطية من خلال نظام تعددي يمثل جميع أطياف الشعب، وعدم الإقصاء على أساس ديني أو طائفي أو عرقي، ويركز على مبادئ احترام حقوق الإنسان والمساءلة والمحاسبة وسيادة القانون، وأن هدف التسوية السياسية، هو تأسيس نظام سياسي دون أن يكون للأسد ومؤيديه مكان فيه.
    أما مؤتمر شيراتون دمشق الذي ضم حوالي 17 تياراً وحزباً، وتميز بالفوضى والمشاجرات بين الحاضرين، فقد اعتبره كثيرون مجرد تظاهرة إعلامية لن تقدم ولن تؤخر، ورغم قناعة منظميه بأنه مؤتمر المعارضة الحقيقي، فإنه لا أحد في النظام أو رعاة التفاوض يتعامل بجدية معه، وبالتزامن شهدت الحسكة ورداً على عدم دعوة الكرد إلى الرياض، انعقاد مؤتمر سوريا الديمقراطية، بهدف بلورة رؤية سياسية، وتشكيل جسم سياسي قادر على تمثيل الشعب السوري بجميع مكوناته، فيما رأى البعض أنه يشكل تكاملاً مع ما سيحدث في العاصمة السعودية، والذي سيكون من أهم إفرازاته المحاصصة الطائفية والعرقية، خصوصاً وهو يسعى لإنتاج هيئة سياسية على شكل حكومة فيدرالية للأراضي التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي، ويعتبرها جزءاً من أرض كردستان. في أول رد من دمشق أكد الرئيس السوري رفض التعامل مع المجموعات المسلّحة ككيانات سياسية، مُعتبراً أن الخطوة الأولى للقضاء على التنظيمات الإرهابية في سوريا، تكمن في وقف تدفّق الإرهابيين من تركيا والأموال من السعودية، ورأى أن واشنطن وفّرت الغطاء السياسي للإرهاب وهي غير جادة في محاربته، وأكد استعداده للشروع في المفاوضات مع المعارضة، عندما تكون مستعدة لتغيير منهجها والتخلّي عن سلاحها، وأنه يُمكن إشراك تركيا في ايجاد حل للأزمة في سوريا حال تخلّي أردوغان عن موقفه بدعم الإرهابيين، ورفض الأسد مُجدداً فكرة مغادرته سوريا كشرط للتوصّل إلى تسوية سياسية نهائية، معتمداً على التأييد الشعبي لقيادته.
    ثمة اختلافات جذرية بين مخرجات الرياض والحسكة تتعلق بشكل الدولة السورية المأمول، فالمؤتمرون في الرياض يؤكدون تمسكهم بوحدة الأراضي السورية، وضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والعسكرية، وأن حل الأزمة السورية سياسي بالدرجة الأولى، استناداً لقرارات مؤتمر جنيف، والقرارات الدولية كمرجعية للتفاوض، وبرعاية وضمان الأمم المتحدة، أما مؤتمر الحسكة فقد دعا لإيقاف الحرب وأبدى استعداده للتفاوض لتحقيق هدف الوصول إلى نظام سياسي تعددي لامركزي، من دون أن يحدد شكل هذه اللامركزية، مع تأكيد مطلب الكرد بأن تكون سوريا  اتحادية تعجلت السعودية بعقد مؤتمر المعارضة السورية دون التفات إلى أهداف المدعوين المتناقضة وارتباطاتهم الخارجية المستندة إلى ولاءات سياسية ومالية وإيديولوجية، فقد كان المهم عندها خروجهم بموقف ترضى عنه ويمنحها ورقة في المفاوضات المقبلة قافزة بذلك على قرارات فيينا التي كلّفت الأردن بوضع قائمة بالتنظيمات المعتدلة الممكن التعاطي معها في المرحلة المقبلة، وإذا كانت قوى المعارضة السورية حاولت وأخفقت أكثر من مرة في توحيد مواقفها على برنامج عمل مشترك، بسبب تشرذمها وارتباطاتها الخارجية التي تشدها لمصالح متباينة، فإن ذلك منع القوى الدولية من إيجاد تعريف موحد لتلك المعارضة، وكان المستفيد من هذا الواقع البائس تنظيم داعش وغيره من الجماعات الإرهابية، ما دفع العديد من القوى الدولية للتراجع عن مواقفها المتشددة من النظام السوري، ومغازلته من جديد، حيث بدا أن المعارضة المعتدلة غير موجودة، وأن كل ما يحصل هو حرب بين الجماعات الإرهابية والنظام السياسي. بعد هذا الحراك المتزامن مع تصعيد عسكري ناجم عن التدخل الأجنبي، تقف المعارضة أمام عرض المفاوضات دون شروط مسبقة، وبات عليها حساب خطواتها خشية اضمحلالها، وبات على النظام اغتنام الفرصة دون وهم تحقيق انتصار عسكري، مع ضرورة وعي الطرفين أن المسألة لم تعد محصورة في ما يريدان، فقرار السلام مثلما هو قرار الحرب لم يكن بيدهما والتسوية التي تسعى الأطراف الدولية لفرضها لن تكون مرضية للطرفين، لكنهما مضطران لقبولها لأن رفضها يعني استمرار الأزمة، التي تسبب فقدان الحوار بينهما لحلها بمنح القوى الإقليمية والدولية فرصة عمل ما تراه مناسبا لمصالحها، دون اكتراث بمصالح الشعب السوري، والمؤسف أن بيان الرياض يفيد بأن السعودية اختارت استمرار الحرب لاستنزاف السوريين وحلفائهم باشتراطه مغادرة الأسد وأركان رموز حكمه سدة الحكم مع بداية المرحلة الانتقالية، في قفزة واسعة وغير موفقة على ما تم تجاوزه أصلاً في فيينا.
  • سيادة المواطن

    واثق الجابري 
    تُعد الأزمات من مصادر تلاحم الشعوب، وسبب لإستنهاض الوازع الوطني، وحينما حدثت تفجيرات باريس، أو إسقطت الطائرة الروسية، فكان الشعبين فرنسيون وروس إصلاء؛ إلاّ في العراق فأن الأزمات مصدر فرقة ومزايدات وتنابز، وإتهامات بالخيانة وإدعاء الوطنية؟!
    أشاع الساسة تعميم الفساد حتى إتهموا المجتمع معهم، وتعويم الإصلاحات حتى فقدان الثقة بالطبقة السياسية، وتضيع الدولة الى فقدان السيادة؟!
    أصبحت القضايا الشائكة في العراق محل مزايدة مخالفة للواقع، وعن أي سيادة يتحدث الساسة وشباب الوطن يذهبون للإنتحار بالهجرة، والتسليم الى سماسرة يبيعون أعضاء جسدهم.
    إنفجرت في العراق ما يقارب 65 ألف سيارة مفخخة من عام 2003م الى اليوم، و400 ألف معاق و500 ألف شهيد، وملايين من الأرامل والأيتام، ومليوني نازح، وعشرات الآلاف سبايا بيد الدواعش، و18% تحت خط الفقر، ولا يأمن مواطن نفسه من القتل والإختطاف والإبتزاز؛ فعن أي سيادة يتحدث الساسة، وماذا أبقوا من كرامة شعبهم؟!
    يتحدثون عن إنتهاك تركيا لسيادة العراق، وإهانته لشعبهم وهي تجر عرباتها في بلد مزقه الإرهاب والفساد وتصدعت جهته الداخلية فأختلفوا؛ منهم من عارض ومن طالب بشن الحرب، وآخر سكت وبعض قليل مؤيد لدخول الأتراك وحتى اليهود؛ إذا ضمن موطيء قدم في السلطة؟!.
    كثيرون من العراقيين مستائيين لما يحدث، وخيبة الأمل تلاحقهم بفعل ساسة لم ينجحوا بتدويل أي قضية؛ لم يشتكوا للعالم أن الإرهاب بفتك بالنسل العراقي، ولم يقولوا أن أشلاء أطفالنا ممزقة في الطرقات، وصارعتهم نفوسهم الضعيفة على لإغتراف ونهب المال العالم وثلث شعبهم جائع، كيف يستطيعون أن يشتكوا أو يستعينوا بالعالم، وهم يتاجرون بدماء وقضايا دمرت تاريخ شعب كامل؟! وهل سجلوا دعوى أممية؛ أم أن الكلام مجرد خطابات للشارع العراقي؟!
    إن السياسة الناجحة أن تملك الحجج والبراهين والأدلة، وتركيا أسقطت طائرة دولة عظمى بإختراق 17 ثانية، هل يُقبل لها أن تجوب مدن العراق بدباباتها؟! وهل يستثمر الساسة الوقت المناسب لترتيب الأوراق، وتوحيد المواقف وحساب النتائج الإستراتيجية، وسؤال لأمريكا التي تقود تحالفاً ضد داعش، وحلف الناتو؛ هل أنهم جادون في محاربة الإرهاب وتركيا عضو في هذا التحالف؟! وهل وصلت الى تركيا رسالة صريحة؛ أن العراق بالفعل قادر على الضغط الإقتصادي وطرد الشركات التركية؟!
    من الجيد أن ينتظم العراقيون على سقف عالي المطالب، وإستثمار تحشيد الشارع ورفض العدوان، والتلويح بأحلاف آخرى كخطوة أخيرة للصِدام.
    الحكومة تعاني من مشاكل ملفات وتراكم أزمات؛ من المرحلة السابقة الى عرقلة الحالية، وتدخلات خارجية لتصدع داخلي، ولا سبيل للقوى العراقية إلاّ دعم موقف حكومي يتدرج للتصاعد، وأيّ تلاعب بمشاعر الشعب الغاضب، وإستغلال مفهوم السيادة لإشاعة الفوضى؛ يعني حرق أوراق الدولة، وبالنتيجة لا تختلف قوى تتبرقع بثوب الوطنية للصعود لمنافع شخصية؛ عن تلك الدول التي لها مهام عدوانية؟! وأن السيادة عندما يكون المواطن سيد في وطنه، لا أن يكون بضاعة رخيصة بلا قيمة إنسانية؟!
  • العراق.. فوهة العالـم الساخنة

    äÔæÇä ãÍãÏ ÍÓíä 
    ÃãíÑßÇ ÊäÔÑ ÞæÇÊ ÎÇÕÉ Úáì ÇáÃÑÖ ÇáÚÑÇÞíÉ ÈæÙíÝÉ ÇÓÊÎÈÇÑíÉ æÇÓÊÔÇÑíÉ áßäåÇ Ýí ÇáÍÞíÞÉ áíÓÊ ßÐáß ÝÞØ!¡ ßãÇ ÇäåÇ ÊÞÊÑÍ Úáì ÍáÝÇÆåÇ ÅÑÓÇá ÞæÇÊ ÚÑÈíÉ æÊÑßíÉ ááãÓÇåãÉ Ýí ÊÍÑíÑ ÇáÃÑÇÖí ÇáÊí ÊÍÊáåÇ ÏÇÚÔ Ýí ÇáÚÑÇÞ. ÇáÍßæãÉ ÇáÚÑÇÞíÉ ãäÞÓãÉ ßÚÇÏÊåÇ Íæá åÐÇ ÇáãæÖæÚ ÝÇáÈÚÖ ÓÈÞ æÇä ØÇáÈ æáÇ íÒÇá íØÇáÈ ÇáÍßæãÉ ÈÊÏÎá Ìæí ÑæÓí æÇáãÚÇÑÖæä áåÐå ÇáÝßÑÉ íÈÏæ åã ÇáãÄíÏæä Çáíæã ááÊÏÎá ÇáÃãíÑßí Èßá ÃÔßÇáå æÇáãÑÍÈæä ÌÏÇ ÈÝßÑÉ ÅÑÓÇá ÞæÇÊ ÚÑÈíÉ æÊÑßíÉ.
    æáßä ÃáÇ ÊÈÏæ ÝßÑÉ ÇáãØÇáÈíä ÈÇáÛÇÑÇÊ ÇáÑæÓíÉ ÃßËÑ ãæÖæÚíÉ æÈÇáÊÇáí ãÕÏÇÞíÉ ÍíË Ãä ÑæÓíÇ ÊÓíÑ ÈÔßá ÝÚáí ááÞÖÇÁ Úáì ÏÇÚÔ Ýí ÓæÑíÇ æÇä ÊÇÑíÎ ÇáÚáÇÞÉ Èíä ÇáÚÑÇÞ æÑæÓíÇ áíÓ ÊÇÑíÎ ÕÑÇÚ Ïãæí æãÄÇãÑÇÊ æÊÏãíÑ ÝíãÇ ÅÐÇ ÞæÑä ÈÇáãæÞÝ ÇáÃãíÑßí æÍáÝÇÆå ãä ÇáÚÑÈ æÇáÃÊÑÇß ÇáÐíä ÞÇãæÇ åã ÃÕáÇ ÈÕäÇÚÉ ÏÇÚÔ æáã ÊËÈÊ áåã ÃíÉ ãÕÏÇÞíÉ Ýí ÞÊÇáåÇ Èá åã ÍÊì ÇáÂä íÒæÏæåÇ ÈÇáÑÕÇÕÉ æÇáãÚáæãÉ ÇáÊí ÊÞÊá ÇáãæÇØä æÇáÌäÏí ÇáÚÑÇÞí áÐÇ ÝÇáãÄíÏæä æÇáãØÇáÈæä ÈÊÏÎá ÃãíÑßí – ÚÑÈí åã ãÎØÆæä ÌÏÇ.. ÝÖáÇ Úä Ãä åÐÇ ÇáÊÏÎá åæ ÇáÈÏÇíÉ ÇáÝÚáíÉ áÊÞÓíã ÇáÚÑÇÞ.
     ÒíÇÑÉ ÇáÓíÏ ÈÇÑÒÇäí ááÓÚæÏíÉ ãÄÔÑ ãáÝÊ áÊÏÎá ÚÑÈí Ãæ Ýí ÇáÃÞá áÅÏÇãÉ ÇáÊäÓíÞ ãÚå áãáÆ ÇáÝÑÇÛ ÇáÐí ÓÊÊÑßå ÏÇÚÔ ÃãÇ ÈÚÖ ããËáí ÇáãäÇØÞ ÇáãÍÊáÉ ãä ÏÇÚÔ Ýí ÇáÍßæãÉ ÇáÚÑÇÞíÉ ÝíÈÏæ Ãäåã ãÌÑÏ äÇØÞ ÅÚáÇãí ááÓÚæÏíÉ Ãæ ÊÑßíÇ æÇäåã ãäÝÕáæä ÊãÇãÇ Úä Ãåáåã ÇáãäßæÈíä. ÇáÃãÑ ÈÑãÊå áÇ íãßä ÝÕáå Úä ÓæÑíÇ ÇáÊí ÓíäÇáåÇ äÕíÈ ãä åÐå ÇáÞæÇÊ ÎÕæÕÇ ÈÚÏ Ãä ÃÓÊÛá ÇáÑæÓ ÍÇÏËÉ ÇÓÞÇØ ØÇÆÑÊåã Úáì ÃÍÓä æÌå æÇÍßãæÇ ÞÈÖÊåã ÃßËÑ Úáì ÓæÑíÇ ææÖÚæÇ ÊÑßíÇ ÃãÇã ÃÕÇÈÚ ÇáÇÊåÇã æÇáÚÞæÈÇÊ ããÇ ÍÏÇ ÈÇáÓÚæÏíÉ Çáì Ãä ÊáÚÈ ÏæÑÇ ÃßËÑ Ýí ÏÚã «ÇáãÚÇÑÖÉ ÇáÓæÑíÉ « æÊÞÏã ÃÑÖåÇ ßÈÏíá áÇÌÊãÇÚ ããËáí åÐå ÇáãÚÇÑÖÉ. 
    ÃãíÑßÇ ÈÏÑæåÇ ÓÊÖÛØ ÃßËÑ Ýí ÛÑÈ ÇáÚÑÇÞ æÓÊÚÒÒ äÝæÐåÇ ÈãÇ íÌÚáå íÊÑÓÎ Ýí ÔÑÞ ÓæÑíÇ ÈÚÏ ÇáÞÖÇÁ Úáì ÏÇÚÔ. æÝí ÇáæÞÊ ÇáÐí ÊÑÝÖ Ýíå ÇáÍßæãÉ ÇáÚÑÇÞíÉ Úáì áÓÇä ÑÆíÓ æÒÑÇÆåÇ ÏÎæá ÃíÉ ÞæÇÊ ÃÌäÈíÉ¡ ßÇäÊ ÇáÞæÇÊ ÇáÃãíÑßíÉ ÊÊÏÝÞ Úáì ÇáÃÑÖ ÝÖáÇ Úä ÞæÇÊ ÊÑßíÉ Úáì ÃØÑÇÝ ÇáãæÕá æááÃÊÑÇß ÃØãÇÚ ãÚÑæÝÉ Ýí ÇáãæÕá! ÅáÇ Çäå – æ ÈæÌåÉ äÙÑ ÔÎÕíÉ – Óíßæä ÇáãæÞÝ ÇáÑÓãí ÇáÚÑÇÞ ÃãÇã ÎíÇÑíä ÑÆíÓíä: ÃãÇ ÇáÓãÇÍ ÈÊÏÎá ÇáÑæÓ æÞáÈ ãíÒÇä ÇáÞæì ãÚ ÏÇÚÔ æØÑÏåÇ ÈÌíÔ ÚÑÇÞí Ãæ ÇáÞÈæá ÌÈÑÇ ÈÏÎæá ÞæÇÊ ÚÑÈíÉ – ÊÑßíÉ ÊÒÌ ãÚåÇ ÞæÇÊ ãä ÇáãäÇØÞ ÇáãÍÑÑÉ Ãæ ÞÏ íÍáÞ ÇáÏæÇÚÔ áÍÇåã æíäÖãæä áåÇ æÊÈÏà ãÑÍáÉ ÕÑÇÚ æãæÇÌåÉ ÚÓßÑíÉ ÊßáãäÇ ÚäåÇ ÞÈá ÃßËÑ ãä ÓäÉ áÊÃÓíÓ ßíÇä Óäí Ýí ÛÑÈ ÇáÚÑÇÞ æÂÎÑ Ýí ÔÑÞ ÓæÑíÇ æÚäÏåÇ Êßæä ÈÛÏÇÏ ÞÏ ßÑÑÊ ÇÑÊßÇÈ ÎØÃ ÍßæãÉ ÚÈÏ ÇáßÑíã ÞÇÓã Ýí ÚÏã ÊáÈíÉ ÇáØáÈ ÇáÑæÓí ÝÏÝÚÊ ËãäÇ ÛÇáíÇ ÌÏÇ Ýí ÇáËÇãä ãä ÔÈÇØ ãä ÚÇã
     1963. 
    æÚäÏåÇ ÃíÖÇ ÞÏ íÌÏ ÇáÓíÏ ÈÇÑÒÇäí äÝÓå ÈãæÇÌåÉ ÍáÝÇÆå ÇáÚÑÈ ÇáÓäÉ Íæá ÇáßËíÑ ãä ÇáãäÇØÞ ÇáÊí ÖãåÇ áßÑÏÓÊÇä æÞÏ ÊáÌÃ ÑæÓíÇ – Ýí ÇÍÏ ÑÏæÏåÇ – Åáì ÇäÔÇÁ ßíÇä ÓíÇÓí ßÑÏí Úáì ÇáÍÏæÏ ÇáÊÑßíÉ ÇáÓæÑíÉ áÊÍÞíÞ ÇáÊæÇÒä ãÚ ÇáßíÇäÇÊ ÇáÌÏíÏÉ æÞØÚ ÇáØÑíÞ ÇáÌíæÓíÇÓí ÈíäåÇ æÈíä ÍáíÝÊåÇ ÊÑßíÇ æÇáÍíáæáÉ Ïæä ÇÓÊÎÏÇãåÇ ßããÑÇÊ ÇÞÊÕÇÏíÉ Åáì ÊÑßíÇ æÃæÑæÈÇ.
     æÝí ÇáæÞÊ ÐÇÊå ÓæÝ ÊÓÊãÑ ÅíÑÇä Ýí ÊÍÇáÝåÇ ãÚ ÇáÑæÓ æÏÚãåÇ áÈÛÏÇÏ Èßá ÞæÉ æÓÊäÔØ ÇáãÎÇÈÑÇÊ ÇáÑæÓíÉ æÓÊäÖã áåÇ ÇáÅíÑÇäíÉ Ýí ÏÚã ÍÒÈ ÇáÚãÇá ÇáßÑÏÓÊÇäí ÈãÇ íÊÓÈÈ ÈãÔÇßá ÇÎØÑ áÊÑßíÇ æÍÊì áÍßæãÉ ßÑÏÓÊÇä ÇáÚÑÇÞ æÓÊÍÇæá ÇáãÎÇÈÑÇÊ ÇáÃãíÑßíÉ æãÚåÇ ÇáÎáíÌíÉ ÅíÌÇÏ ÍáÝÇÁ ÝÇÚáíä ÏÇÎá ÈÛÏÇÏ Ýí ÃÞÑÈ ÝÑÕÉ ÍÊì æÇä ßÇä Ðáß ÚÈÑ ÇáÇäÊÎÇÈÇÊ. æíÈÞì æÇÑÏÇ ÇÍÊãÇá ÍÏæË ÊÕÇÏã ÚÓßÑí Èíä ÇáÞæì ÇáÚÙãì Úáì ÇáÓÇÍÊíä ÇáÚÑÇÞíÉ æÇáÓæÑíÉ ÇááÊíä ÓÈÞ æÃä ÌãÚÊÇ ÕÏÇãÇ ÈÇÑÏÇ ÈíäåãÇ áÃßËÑ ãä ÃÑÈÚíä ÓäÉ Ýí ÇáÞÑä ÇáãÇÖí!.
  • استراليا وأميركا: سجال الأسلحة

    هيلين كلارك 
    رأى سياسي أسترالي سابق، معروف بموقفه المناهض لاستخدام السلاح، أنه ينبغي على وزارة الشؤون الخارجية والتجارة تحديث التحذير من السفر الخاص بها، وأن تحذر الأستراليين من السفر إلى كاليفورنيا. وهو يشكك في جدوى التحالف بين الولايات المتحدة وأستراليا برمته. ورغم ذلك، فإن «تيم فيشر» ليس مؤيداً لحزب الخضر ولا ينتمي إلى اليسار. فقد كان نائب رئيس الوزراء خلال حقبة الرمز الأسترالي للمحافظين «جون هوارد» وزعيماً لحزب المواطنين، وهو الحزب الريفي المحافظ الذي غالباً ما يحكم بالتحالف مع الحزب الليبرالي. ودائماً ما كان «هوارد» يجعل تحالف أستراليا مع الولايات المتحدة جزءاً أساسياً من سياسته الخارجية. ورغم ذلك، وبعد مذبحة بورت آرثر مطلع عام 1996 التي أودت بحياة 35 شخصاً، اتخذ كل من فيشر وهوارد موقفاً مناهضاً للسلاح وقاموا باستعادة 650 ألف قطعة سلاح سبق أن تم بيعها.
    ورغم ذلك، فالسؤال المهم هو: «ما الذي فعلته الولايات المتحدة لنا في الآونة الأخيرة؟»، وهو سؤال كثيراً ما ردده المحافظون بصورة تقليدية أكثر منها ودية للمصالح الأميركية أكثر مما يفعل اليسار. ووفقاً لما يقوله فيشر، «لقد حان الوقت للصراخ في وجه الولايات المتحدة.. لقد سئمت وتعبت من قيام الولايات المتحدة برمي كرات اليد لنا، وبداخلها نصائح بعدم السفر إلى سيدني لأنها ليست آمنة»، وذلك بعد حدوث هجمات باريس. ومضى فيشر يقول: إن التحالف أصبح «من طرف واحد إلى حد كبير»، وذكر أن الولايات المتحدة «لا تحدث تعزيزات على جبهة إصلاح السياسة العامة»، وأن الرابطة الوطنية للبنادق لديها سلطات أكثر من اللازم.
    ومن جانبه، أحدث رئيس الوزراء «مالكولم تيرنبول» جلبة مشابهة فيما يتعلق بالتحالف في الماضي. ورغم ذلك، فإن أغلب هذه الجلبة اقتصر على الخطاب في هذه المرحلة المبكرة من فترة ولايته.
    وهناك «مالكولم» آخر شعر بالقلق بشأن ما رأى أنه تحالف خطر، وألف كتاباً حول هذا الأمر في عام 2014، قبل فترة ليست طويلة من وفاته. وهذا بالطبع هو «مالكولم فريزر»، رئيس الوزراء الأسبق الذي كان يعتقد أن أستراليا بحاجة لأن تكون أكثر تشككاً إزاء الولايات المتحدة وأكثر استقلالية. وكان هذا أيضاً أحد دعائم سياسة الحزب الذي أسسه باسم «تجديد أستراليا»، حيث كان يريد رؤية أستراليا غير المنحازة أكثر من أستراليا التي تشارك بعمق في منطقتها وفي آسيا.لا شيء من ذلك يبلغ مرحلة ظهور الأمواج أو تقلب البحر، بيد أنه كان هناك قليل من الأسئلة بشأن التحالف مع الولايات المتحدة والتي أثارها المحافظون الأستراليون في السنوات الأخيرة، حتى بينما استمر أولئك الذين هم على الجانب الأيمن من حزب العمل، مثل الزعيم «بيل شورتين» في وضع الولايات المتحدة في مكانة بارزة. فهل تريد أستراليا، باعتبارها أفضل صديق، أن تصدر تحذيرات من السفر إليها، بينما ترفض النظر إلى ما يعتقده الكثيرون (ومنهم الرئيس) أنه سيكون مثالا جيداً جداً عندما يتعلق الأمر بالحد من حوادث الوفيات نتيجة إطلاق النار؟
  • بنغلاديش.. و«داعش»

    د. عبدالله المدني 
    منذ تسلمها منصبها رسمياً كرئيسة لحكومة بنجلاديش في يناير 2009 في أعقاب فوز حزبها الساحق في انتخابات 2008 البرلمانية، لم تتوانَ «الشيخة حسينة واجد» عن ملاحقة التنظيمات الإرهابية والمتطرفة في بلدها، خصوصاً أنها شخصياً كانت مستهدفة من قبل هذه التنظيمات في واحد من أبشع الأعمال الإرهابية التي عرفتها بنجلاديش منذ قيامها. والإشارة هنا إلى ما حدث في أغسطس 2005 حينما قام حزب المجاهدين (تنظيم بنجالي متشدد تأسس في عام 1998) بزرع 500 قنبلة محلية الصنع في 64 موقعاً مختلفاً في طول البلاد وعرضها، من بينها تجمع انتخابي عام لحزب رابطة عوامي (حزب الشيخة حسينة التي كانت وقتذاك زعيمة للمعارضة).
    وعلى الرغم من النجاحات التي حققتها السيدة واجد في مجال مكافحة الإرهاب وإدانة أربابها وإصدار الأحكام القوية ضدهم، وعلى الرغم من الدعم الدولي والإقليمي الذي حظيت به، خصوصاً في أعقاب ظهور زعيم تنظيم «القاعدة» المدعو «أيمن الظواهري» في سبتمبر 2014 في شريط فيديو وهو يدعو البنجلاديشيين إلى رفع أعلام الجهاد في جنوب آسيا، فإنه لا يمكن القول إن بنجلاديش في مأمن من مخاطر الإرهاب العابر للحدود، أو أنها لن تكون معبراً للمتطرفين إلى دول آسيوية آمنة.
    ويمكن هنا الإشارة إلى عدد من الحوادث التي وقعت مؤخراً، والتي تؤكد صحة قولنا، ففي يوليو الماضي تم اعتقال 12 شخصاً اشتبه بأنهم أعضاء في تنظيم «القاعدة»، وفي أكتوبر الماضي اعتقلت الشرطة عدداً من البنجلاديشيين وهم يجندون الشباب للقتال مع تنظيم «داعش» في العراق وسوريا، وفي سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر المنصرمة تبنى «الدواعش» العمليات الأربع التالية في بنجلاديش: طعن قس كاثوليكي إيطالي، وقتل عامل مساعدات إيطالي الجنسية واغتيال الياباني «كونيو هوشي»، وقتل مواطن مسؤول عن موقع إلكتروني تابع للصوفيين، وبالتزامن مع كل هذه التطورات لوحظ أيضاً تزايد أعداد المجموعات الميليشياوية المرتبطة بالمدارس الإسلامية المتطرفة، أي على غرار ما كان يحدث في أفغانستان. ومن أشهر هذه المجموعات مجموعة «حفاظات إسلامي» التي تمثل تحالفاً مدرسياً وطلبة المدارس الإسلامية التقليدية، وهي تلقى الدعم من حزب «جماعت إسلامي» ثالثة القوى السياسية في البلاد من بعد حزبي رابطة عوامي وحزب بنجلاديش الوطني.
    وفي السياق نفسه تجدر بنا الإشارة إلى أمر غريب وقع في نوفمبر المنصرم. فقد تطرقت صحيفة «ناشيونال إنتريست» الأميركية إلى أن تنظيم «داعش» نشر خريطة للدول والأماكن التي سوف يضرب فيها من أجل أن يرفع عليها علم دولته الإسلامية المزعومة، ثم تساءلت الصحيفة بدهشة عن أسباب خلو تلك الخريطة من اسم دولة ذات غالبية إسلامية كبيرة هي بنجلاديش. وقد قدمت الصحيفة بنفسها الإجابة زاعمة أن السبب يكمن أولاً في وجود عدد معتبر من المواطنين الأوروبيين من ذوي الأصول البنجالية يعملون كمرتزقة في صفوف «داعش»، ويكمن ثانياً في مرور بنجلاديش بحالة من الغليان السياسي الذي قد يصب في مصلحة عناصرها وجماعاتها المتشددة المتوائمة مع الفكر «الداعشي»، وبما يجعل هذه البلاد وجهة مستقبلية للتنظيم دون عناء، خصوصاً أن بوابتيها الخلفيتين تتمثلان في بلدين يشهدان نفوذاً داعشياً متنامياً وهما أفغانستان وباكستان.
    ولم يمر سوى أيام معدودات على كلام الصحيفة المذكورة، إلا وداعش يتبنى من خلال إعلان من خمس صفحات على موقعه الإلكتروني تحت عنوان «إحياء الجهاد في أرض البنغال» هجوماً مسلحاً على مسجد للشيعة في «شيبجانج» التي تبعد نحو 125 كلم إلى الشمال من دكا، حيث قام أفراد مسلحون باقتحام المسجد أثناء صلاة المغرب وفتحوا نيرانهم على المصلين، فقتلوا المؤذن وأصابوا ثلاثة مصلين أبرياء.
    وبطبيعة الحال فقد مرت هذه الحادثة مرور الكرام ولم تحظَ حتى بعشر معشار الاهتمام العالمي الذي مُنح لهجمات باريس الإجرامية، بل نسي العالم حقيقة أنه إذا كانت فرنسا هي بلاد التنوير والتسامح والديمقراطية في أوروبا، فإن بنجلاديش تجسد الشيء نفسه في جنوب آسيا. فهي منذ قيامها ككيان مستقل دولة ديمقراطية علمانية، وشعبها صاحب تاريخ طويل في التسامح وقبول الآخر بدليل مشاركة مكوناته المختلفة بعضها البعض في أعيادها الدينية، والغالبية العظمى من سكانها المسلمين ترفض العنف والتطرف، واضعة نصب أعينها هدفاً واحداً هو تحقيق الرخاء الاقتصادي والارتقاء بالمستويات المعيشية.
    وكي تحافظ بنجلاديش على هذه السمة الحضارية، وبالتالي تمنع «الدواعش» وأنصارهم من الحركات المتشددة والمتوحشة في جنوب ووسط آسيا من اتخاذها معقلاً لهم للانطلاق نحو المجتمعات الآمنة في آسيا، فإن المطلوب هو قيام المجتمع الدولي بجهود حثيثة لفرض نوع من التفاهمات بين الأحزاب السياسية المتصارعة وصولاً إلى خلق حالة من الإجماع الوطني الكفيل بالتصدي للفوضى والعنف والانفلات، ذلك أن جزءاً كبيراً من الأسباب التي ساهمت في بروز الجماعات الدينية المتطرفة على الساحة البنجلاديشية إضافة إلى عوامل تفشي الفساد والفقر والبطالة وشعور الأجيال الشابة بالإحباط والتهميش هو تناحر الأحزاب حول السلطة، والذي خلق بدوره وضعاً يستجدي فيه الحزب الحاكم أحياناً الدعم السياسي من أحزاب وجماعات صغيرة معروفة بالإرهاب والتطرف على نحو ما حدث قبل عدة سنوات، حينما تحالف حزب بنجلاديش الوطني بقيادة رئيسة الحكومة السابقة خالدة ضياء مع حزب «جماعت إسلامي» صاحب التاريخ العنيف منذ حرب الاستقلال في عام 1971، والذي يمثل الفرع البنجلاديشي لجماعة الإخوان المسلمين.
  • ديكتاتورية ترامب.. لعبة قذرة

    هنري غيروكس 
    وصف مرشح الرئاسة الأمريكية ورجل الأعمال الشهير ونجم تلفزيون الواقع، دونالد ترامب، مراسل صحيفة «نيويورك تايمز» سيرغي كوفاليسكي بالمعاق مقلداً لحركاته، في خطاب سياسي له في جنوب كارولاينا، وكانت إشارته الحقيرة لإعاقة كوفاليسكي البدنية قبيحة أخلاقياً، ومؤلمة نفسياً، إذ لم يتفهم معاناته كمعاق – على الأقل سياسياً.
    يعمل ترامب على نشر الكراهية والاتجار بها دون خجل في كل خطبه السياسية التي يجد فيها ضالته، حيث يقول بعض الصحفيين إنه تجاوز حدوده بأفعاله الذميمة، وهذا صحيح جزئياً، فقد وسع بسخريته البغيضة لكوفاليسكي معين لغته الفجة، مؤكداً أن سياسته مبنية على التعالي والسخرية والعنصرية المتجذرة فيه وأمواله غير معروفة المصدر. 
    في الحقيقة، تجاوز ترامب حدوده في اللحظة التي أعلن فيها عن ترشحه للرئاسة، حيث وصف المكسيكيين بالمغتصبين الأشرار والعصابات وتجار المخدرات، كما دعا كغيره من اليمينيين المتطرفين إلى وضع اللاجئين في مراكز حجز وخلق قاعدة بيانات خاصة بهم ومنع دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة، فهذه التصريحات متشابهة بشكل خطر مع دعوات رئيس الوحدات العسكرية الخاصة للجيش النازي هنريك هيملر الذي دعا إلى إقامة معسكرات لوضع السجناء فيها تحت أوامر ما يسمى مجازاً ب «الحبس الاحترازي» على حد تعبير موسوعة الهولوكوست.
    لقد أقامت وحدات الجيش الخاصة في 1933، معسكرات الاعتقال «داخاو»، التي كانت بمثابة أنموذج لنظام معسكرات الاعتقال المركزية والموسعة تحت إشراف إدارة وحدات الجيش النازي الخاصة.
    ما يخيف المرء ويحزنه حقاً، أن القليل من الناس وشركات وسائل الإعلام الكبرى ومفكريها الداعمين لها يعرفون أن مرشح الرئاسة الأمريكية دونالد ترامب بذرة لديكتاتور وحشي، يتم غرسها الآن في الأرض الأمريكية، فترامب أكثر من كونه مجرد معارض للممارسة الديمقراطية وأكثر وهماً من «جوزيف مكارثي» عضو مجلس الشيوخ في الفترة ما بين عام 1947 إلى 1957.
    وفي المقابل، فهو يرمز إلى أنه كيف تأخذ الديكتاتورية أشكالاً مختلفة في لحظات تاريخية محددة، فسلوكه يعتبر سلوكاً دخيلاً في السياسة الأمريكية، ومن المهم للغاية معرفة أن شعبية ترامب تشكل خطراً على الساحة السياسية الأمريكية في جانبها الثقافي والتاريخي معاً، وخطورته ليست جلية في سباق اصطياده للناخبين فحسب، بل في دعمه الكبير لممارسة العنف ضد المتظاهرين في حملاته السياسية وفي دعوته لجعل أمريكا دولة طاغية مرة أخرى، إذ لا حاجة للمجتمع الأمريكي لدعوة واحدة من دعواته بأي شكل من الأشكال.
    إن الجديد في تصريحاته هو درجة تبريره للعنف، والعنصرية، ودعوته الصريحة لتقويض الحريات العامة، إذ كيف لنا أن نتوقف عن انتقاده، حيث لا يأبه للعامة.
    فهذه الدعوة «لم نتخيل» بأنها هي أساس أي فكرة للديكتاتورية بغض النظر عن شكلها.، فمثلاً، دعوته لتخويف الشعب بالغرق، وتشجيعه للقمع تتجاوز فكرة الغباء أو التعالي بمراحل، فالتعذيب في هذا السياق يصبح وسيلة للثأر من الآخرين «غير الأمريكيين» ومن هم أقل منهم منزلة، مثل المسلمين والمهاجرين وأعضاء حركة «حيوات السود تهمنا»، فقد سمعنا مثل هذه اللغة من قبل إبان الأنظمة الديكتاتورية في الثلاثينات، ولاحقاً من قبل ديكتاتوريات أمريكا اللاتينية في السبعينات، فهيثر ديبي بارتون كانت محقة عندما كتبت «أن ترامب قد يكون أول أمريكي فاشي يتم ترشيحه علناً للرئاسة الأمريكية، وأن بذرة نجاحه في الانتخابات تم غرسها من قبل سنوات وأن المجتمع الأمريكي تمت تهيئته للقبول بترامب رئيساً». والمعلوم أن أمريكا شهدت فاشية دموية في ماضيها السياسي وبقيت لفترة من الزمن.
    فأحاديث ترامب الظلامية والخطرة لا تفضحه وحده، ولكنها تفضح أكثر، ثقافة الدولة الأمريكية وسياساتها، وعنصريته البغيضة وقسوته وتبنيه لسياسات الأسلوب النازي أكثر من صادمة، وتمثل الديكتاتورية التي تقف ضد الليبرالية، فهو يدعو لعنصرية واضحة، ويحتفي بوطنية أسطورية زائفة، ويبرر للعنف، ويحتقر الضعفاء ويحارب المثقفين، فلغته إرهابية بالكامل، حيث صارت عناصر هذه الديكتاتورية العادة الجديدة في أمريكا، كما أن الظروف التي خلقت غرف التعذيب، والعنف المفرط، ومعسكرات الإبادة، وإرهاب المعارضين ما زالت قائمة.
    فالديكتاتورية لم تعد تاريخاً من الماضي، بل ما زالت تتخذ أشكالاً جديدة، فهي مرعبة وخطيرة في حاضرنا كما كانت في السابق، وترامب ليس غبياً ولا جاهلاً أو ميتاً أخلاقياً، فهو ضمن سلسلة طويلة من الفاشيين الذين أغلقوا باب الحوار العام، وحاولوا إهانة معارضيهم، وبرروا العنف رداً على مناوئيهم وانتقدوا كل من ينادي بالديمقراطية في الساحات العامة، فأمريكا وصلت إلى نقطة النهاية مع ترامب، فظهوره في الساحة السياسية يجب أن ينظر إليه كإنذار خطر للكابوس القادم، فهذه الهلوسة والكوابيس أصبحت لغة المتعصبين الذين يصفقون للديكتاتورية.
    قال بعض الكتاب إن ترامب ليس متحدثاً لبقاً، بل وحشاً أخطل وسياسياً يتبنى حزمة سياسات سامة، فهو نتاج لنمط من أنماط الرأسمالية، ونتاج إرث طويل من العنصرية والعنف، يغيب فيه العقل وتشيخ فيه الديمقراطية وتتلاشى فيه القيم الأخلاقية، فقد جاء الوقت الحقيقي للوحش.. وببساطة ترامب هو من يمثله.
  • العبودية الجديدة

    علي شايع 
    نشرت إحدى وكالات الأخبار المحلية، قبل أيام، تقريراً عن انتشار ظاهرة جديدة أطلق عليها تسمية «العبودية»، لأنها تنطوي على أمر مستنكر، وملفت للنظر، بحسب التقرير الذي كشف عن صور مبطنة لعودة قسرية الى أزمنة الرق، من خلال مكاتب محلية تعرض لزبائنها فرصة الحصول على (خدم) وبطريقة لم يألفها المجتمع العراقي منذ عقود طويلة. التقرير نشر وجهة نظر رئيس المنظمة الوطنية لحقوق الانسان العراقية عصام الجلبي الذي انتقد عودة هذه الظاهرة داعياً الحكومة الى مكافحتها، وايجاد حلول سريعة لها، معتبراً إياها وصمة عار بحق الإنسانية لأنها تشكل نوعاً مستحدثاً من أنواع العبودية المرفوضة.
    رئيس المنظمة الوطنية لحقوق الانسان تحدث بأسف بالغ عن تفشي تلك الظواهر عبر استخدام رجال (خدم) في بيوت بعض الأثرياء وخارج الرقابة والمعاينة الحكومية، مؤكداً رصد اعلانات بمواقع الكترونية توفر رجالاً ونساءً للعمل كخدم في البيوت بالعاصمة بغداد وبعض المحافظات، مشيراً الى أن القضية تتجاوز البعد المتعلق بمجالات العمل وتوفير فرصه، فهذه الظاهرة وفقاً لرأيه تدل على تردي الوضع الاقتصادي من خلال مؤشر البطالة الذي يدفع بمثل هؤلاء للقبول بتلك الأعمال.
    وفي رؤية أخرى للمسألة؛ ربما يكون ما كشفته وزارة العمل والشؤون الاجتماعية من وجود لـ 140  الف عامل أجنبي في العراق خارج الضوابط مرتبطاً في جانب خفي مع القضية، فقانون العمل السابق وبحسب مصادر معنية، منح الشركات فرصة لإدخال العمالات الأجنبية دون شرط، فبعد شهر كامل من دخولها للبلاد يصار الى اصدار موافقات قانونية للعمل، وهو ما يمكن أن يعد ثغرة، حيث يمتنع بعضهم عن تسجيل العمال أو تثبيت وثائقهم، مستغلاً ظرفهم الحرج لاحقاً بطريقة غير قانونية. بالطبع إن تأكيد جهات محلية مدافعة عن حقوق الإنسان على وجود انتهاك في هذه القضية، لم يكن من قبيل الاثارة الإعلامية أو أي شيء آخر، فتلك الجهات تقدر مكانة القانون وأهمية توثيقه لمصلحة الجميع، وتعلم أكثر من غيرها الظرف الاستثنائي الذي يمر فيه البلد بمواجهته لقوى الإرهاب والشر، التي تريد اعادة العبودية واحياء تشريعاتها المجحفة وبما ينافي العقيدة السمحاء والتشريعات الإنسانية الساعية الى منح حقوق الإنسان بتمام المطلوب. وبعيداً عن الإرهاب ومحاولاته الخارجة عن العقل والانسانية، فان زمن الرقيق انتهى بصورة القرون السالفة، لكن آليات العبودية ووسائلها لا تختلف كثيراً، وخاصة في مناطق لم تنل نصيباً وافراً من تطور حقوق الإنسان والديمقراطية، فالمتابع لقضايا الانتهاكات في ما يتعلق بملفات المستقدمين من بعض البلدان الآسيوية بقصد العمل بصفة (خدم) في منطقة الخليج على سبيل المثال، سيواجه معلومات كارثية من خلال ما ينشر من تقارير دولية تؤكد وفاة العشرات منهم بشكل سنوي إضافة الى خضوع أغلبهم لممارسات توصف بالعبودية وفق أساليب تلاقي انتقادات واعتراضات حادة.  الحديث عن هذه الظاهرة جاء بعد ايام قليلة من الاحتفال بمناسبة اليوم الدولي لإلغاء الرق، واتفاق الأمم المتحدة في شأن مكافحة العبودية وقمع الإتجار بالبشر. وأيضا بعد احتفاء الولايات المتحدة بشكل خاص بمرور 150 عاماً على التعديل الثالث عشر للدستور الأميركي الذي أنهى العبودية. ولعلّ قضية العبودية الجديدة وانتشارها لا تقتصر على البلدان الغنية، بل أصبحت ظاهرة تثبت وجود أكثر من 21 مليون امرأة ورجل وطفل في شتى أنحاء العالم، يكابدون ممارسات العبودية المجحفة..وليت بلادنا لا تكون بضمنها.