هنري غيروكس
وصف مرشح الرئاسة الأمريكية ورجل الأعمال الشهير ونجم تلفزيون الواقع، دونالد ترامب، مراسل صحيفة «نيويورك تايمز» سيرغي كوفاليسكي بالمعاق مقلداً لحركاته، في خطاب سياسي له في جنوب كارولاينا، وكانت إشارته الحقيرة لإعاقة كوفاليسكي البدنية قبيحة أخلاقياً، ومؤلمة نفسياً، إذ لم يتفهم معاناته كمعاق – على الأقل سياسياً.
يعمل ترامب على نشر الكراهية والاتجار بها دون خجل في كل خطبه السياسية التي يجد فيها ضالته، حيث يقول بعض الصحفيين إنه تجاوز حدوده بأفعاله الذميمة، وهذا صحيح جزئياً، فقد وسع بسخريته البغيضة لكوفاليسكي معين لغته الفجة، مؤكداً أن سياسته مبنية على التعالي والسخرية والعنصرية المتجذرة فيه وأمواله غير معروفة المصدر.
في الحقيقة، تجاوز ترامب حدوده في اللحظة التي أعلن فيها عن ترشحه للرئاسة، حيث وصف المكسيكيين بالمغتصبين الأشرار والعصابات وتجار المخدرات، كما دعا كغيره من اليمينيين المتطرفين إلى وضع اللاجئين في مراكز حجز وخلق قاعدة بيانات خاصة بهم ومنع دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة، فهذه التصريحات متشابهة بشكل خطر مع دعوات رئيس الوحدات العسكرية الخاصة للجيش النازي هنريك هيملر الذي دعا إلى إقامة معسكرات لوضع السجناء فيها تحت أوامر ما يسمى مجازاً ب «الحبس الاحترازي» على حد تعبير موسوعة الهولوكوست.
لقد أقامت وحدات الجيش الخاصة في 1933، معسكرات الاعتقال «داخاو»، التي كانت بمثابة أنموذج لنظام معسكرات الاعتقال المركزية والموسعة تحت إشراف إدارة وحدات الجيش النازي الخاصة.
ما يخيف المرء ويحزنه حقاً، أن القليل من الناس وشركات وسائل الإعلام الكبرى ومفكريها الداعمين لها يعرفون أن مرشح الرئاسة الأمريكية دونالد ترامب بذرة لديكتاتور وحشي، يتم غرسها الآن في الأرض الأمريكية، فترامب أكثر من كونه مجرد معارض للممارسة الديمقراطية وأكثر وهماً من «جوزيف مكارثي» عضو مجلس الشيوخ في الفترة ما بين عام 1947 إلى 1957.
وفي المقابل، فهو يرمز إلى أنه كيف تأخذ الديكتاتورية أشكالاً مختلفة في لحظات تاريخية محددة، فسلوكه يعتبر سلوكاً دخيلاً في السياسة الأمريكية، ومن المهم للغاية معرفة أن شعبية ترامب تشكل خطراً على الساحة السياسية الأمريكية في جانبها الثقافي والتاريخي معاً، وخطورته ليست جلية في سباق اصطياده للناخبين فحسب، بل في دعمه الكبير لممارسة العنف ضد المتظاهرين في حملاته السياسية وفي دعوته لجعل أمريكا دولة طاغية مرة أخرى، إذ لا حاجة للمجتمع الأمريكي لدعوة واحدة من دعواته بأي شكل من الأشكال.
إن الجديد في تصريحاته هو درجة تبريره للعنف، والعنصرية، ودعوته الصريحة لتقويض الحريات العامة، إذ كيف لنا أن نتوقف عن انتقاده، حيث لا يأبه للعامة.
فهذه الدعوة «لم نتخيل» بأنها هي أساس أي فكرة للديكتاتورية بغض النظر عن شكلها.، فمثلاً، دعوته لتخويف الشعب بالغرق، وتشجيعه للقمع تتجاوز فكرة الغباء أو التعالي بمراحل، فالتعذيب في هذا السياق يصبح وسيلة للثأر من الآخرين «غير الأمريكيين» ومن هم أقل منهم منزلة، مثل المسلمين والمهاجرين وأعضاء حركة «حيوات السود تهمنا»، فقد سمعنا مثل هذه اللغة من قبل إبان الأنظمة الديكتاتورية في الثلاثينات، ولاحقاً من قبل ديكتاتوريات أمريكا اللاتينية في السبعينات، فهيثر ديبي بارتون كانت محقة عندما كتبت «أن ترامب قد يكون أول أمريكي فاشي يتم ترشيحه علناً للرئاسة الأمريكية، وأن بذرة نجاحه في الانتخابات تم غرسها من قبل سنوات وأن المجتمع الأمريكي تمت تهيئته للقبول بترامب رئيساً». والمعلوم أن أمريكا شهدت فاشية دموية في ماضيها السياسي وبقيت لفترة من الزمن.
فأحاديث ترامب الظلامية والخطرة لا تفضحه وحده، ولكنها تفضح أكثر، ثقافة الدولة الأمريكية وسياساتها، وعنصريته البغيضة وقسوته وتبنيه لسياسات الأسلوب النازي أكثر من صادمة، وتمثل الديكتاتورية التي تقف ضد الليبرالية، فهو يدعو لعنصرية واضحة، ويحتفي بوطنية أسطورية زائفة، ويبرر للعنف، ويحتقر الضعفاء ويحارب المثقفين، فلغته إرهابية بالكامل، حيث صارت عناصر هذه الديكتاتورية العادة الجديدة في أمريكا، كما أن الظروف التي خلقت غرف التعذيب، والعنف المفرط، ومعسكرات الإبادة، وإرهاب المعارضين ما زالت قائمة.
فالديكتاتورية لم تعد تاريخاً من الماضي، بل ما زالت تتخذ أشكالاً جديدة، فهي مرعبة وخطيرة في حاضرنا كما كانت في السابق، وترامب ليس غبياً ولا جاهلاً أو ميتاً أخلاقياً، فهو ضمن سلسلة طويلة من الفاشيين الذين أغلقوا باب الحوار العام، وحاولوا إهانة معارضيهم، وبرروا العنف رداً على مناوئيهم وانتقدوا كل من ينادي بالديمقراطية في الساحات العامة، فأمريكا وصلت إلى نقطة النهاية مع ترامب، فظهوره في الساحة السياسية يجب أن ينظر إليه كإنذار خطر للكابوس القادم، فهذه الهلوسة والكوابيس أصبحت لغة المتعصبين الذين يصفقون للديكتاتورية.
قال بعض الكتاب إن ترامب ليس متحدثاً لبقاً، بل وحشاً أخطل وسياسياً يتبنى حزمة سياسات سامة، فهو نتاج لنمط من أنماط الرأسمالية، ونتاج إرث طويل من العنصرية والعنف، يغيب فيه العقل وتشيخ فيه الديمقراطية وتتلاشى فيه القيم الأخلاقية، فقد جاء الوقت الحقيقي للوحش.. وببساطة ترامب هو من يمثله.