التصنيف: الرأي

  • كونفدرالية السودانين .. بشارة باريس الثانية

    كمال الجزولي 
    حين صدر «إعلان باريس» المبرم في الثامن من أغسطس/آب 2014م، بين حزب الأمة وجبهة القوى الثورية، كنا من أكثر الناس استبشاراً به، وبما اجترحه من معالجات للأزمة السودانية المستفحلة، خصوصاً الجوانب التي لم يسبق التطرق إليها، أو نادراً ما جرى لمسها في ذلك النوع من المواثيق الوطنية الديمقراطية، وكان مقصدنا، تحديداً، التشديد على أن «دولة جنوب السودان هي الأقرب للسودان والسودانيين، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً»، والتأكيد على «تطلع السودانيين لاتحاد بين دولتين مستقلتين».
    في السياق عبرنا عن ضرورة ألّا يكتفي مظاهرو «الإعلان» بتأييدهم له، وإنما يلزمهم الإسهام النشط في تعميق معانيه النبيلة، كهذه الدعوة تصدر من منبر كهذا، ربما لأول مرة، بما يتجاوز حالة انفصام السودان إلى سودانين.
    منذ ذلك التاريخ جرت مياه كثيرة تحت الجسور، فقد توسع «إعلان باريس» ب«ميثاق العمل المشترك» و«نداء السودان»، في العاصمة الإثيوبية، في ديسمبر/كانون الأول 2014م، كما ب«إعلان برلين» في فبراير/شباط 2015م. ثم ها هي المعارضة تتوج جهدها الفكري والتنظيمي الأصغر في «باريس الأولى»، بمقررات اجتماع «نداء السودان» التاريخي الأكبر في «باريس الثانية»، ما بين 10 و14 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري.
    من أطيب البشارات التي حملتها تلك المقررات اعتماد «ميثاق العمل المشترك»، كميثاق لكل قوى «نداء السودان»، ومن فوق هذا الالتزام الصريح أكدت هذه القوى، مجتمعة هذه المرة، اتجاهها للعمل من أجل «إقامة علاقات استراتيجية بين دولتي السودان لتحقيق المصالح العليا للشعبين، وإقامة اتحاد بين دولتين مستقلتين، ودعم السلام والاستقرار الإقليمي والدولي».
    وكنا قد دعونا من قبل، مراراً، إلى مغالبة التواريخ المؤسفة، لنجعل منها منصة انطلاق نحو آمال أرحب. وقد سبق أن كتبنا، في هذا المكان، ما نكرر اليوم، أيضاً، بهذه المناسبة، من أن ما حدث في يوليو/تموز 2011م قد حدث، وأية نتيجة مغايرة كان يتحتم على من «يشتهونها» الدفع باتجاهها، منذ آماد بعيدة، فلا جدوى، الآن، من البكاء على اللبن المسكوب! لكن المهم أننا إزاء انتباهة لا يمكن تجاهلها، ولعلها الأولى، في سياق التواثقات الوطنية، التي تنصب على لم شمل الوطن، ورتق فتقه!
    وتتمحور هذه الانتباهة حول الدعوة إلى «اتحاد دولتين مستقلتين»، ما يعني، في لغة القانون، «اتحاداً كونفدرالياً». وقد ظل الأمل معقوداً، دائماً، بالمدى الذي نفيق فيه، جميعاً، إلى أن ما اصطلحنا عليه، ردحاً من الزمن، ب«مشكلة الجنوب» هو، في حقيقته، محض ملمح، وإن كان أعلى صوتاً، لمشكلة بنائنا الوطني كله؛ وأن من تمام الغفلة اعتبار نموذجه غير قابل للتكرار! بل من سداد الرأي، وحسن التدبير، أصلاً، الإقرار بأنه، ما لم نسارع لتدارك الأمر، ليس سوى النموذج الأكثر ترشيحاً لأن يحذو حذوه، في نهاية المطاف، كل إقليم أو تكوين قومي تبلغ روحه الحلقوم!
    ولأن ذلك كذلك، فقد حُق الابتهاج بورود هذه الدعوة، أيضاً، ضمن «إعلان باريس الثاني»، خصوصاً بالنسبة لتلك المجموعة من المواطنين، من ذوي السبق، الذين تشرفنا بأن كنا، ومازلنا، ضمنهم وفي مقدمتهم، مفكرين، وأدباء، وفنانين، وكتاب، وصحفيين، وناشطين حقوقيين، وقادة مجتمع مدني، بادروا، نساءً ورجالاً، حتى قبل استفتاء يناير/كانون الثاني 2011م، باقتراح أطروحة إجرائية في مستويين، ونعرض لها في ما يلي باختصار؛ نرجو ألا يكون مخلاً:
    أولاً: في المستوى الرسمي: 
    (1) تتفق الدولتان على إنشاء «اتحاد» بينهما، أساسه سوق مشتركة، وعملة موحدة، وجنسية مزدوجة، ولو جزئياً في البداية.
    (2) تكون لهذا «الاتحاد» أجهزة مشتركة لخدمة مسائل محددة. 
    (3) تشرف على عمل هذه الأجهزة مفوضية يتفق على طريقة تكوينها.
    (4) تكون لهذه المفوضية رئاسة وأمانة عامة تداوليتان.
    (5) تكون «أبيي»، التي نقترح أن تتمتع، بعد مشورة أهلها، بشكل من الحكم الذاتي، عاصمة إدارية ل «الاتحاد». 
    (6) تتفق الدولتان على أن يتمتع مواطنوهما بالحريات الأربع «التنقل الإقامة العمل التملك» داخل «الاتحاد». 
    (7) تتفق الدولتان على امتناع «الدولة السلف Predecessor State» عن إسقاط جنسيتها عمن استحقوها بالميلاد أو التجنس، قبل حصولهم على جنسية «الدولة الخلف Successor State» بالاختيار، تفادياً لخلق أية حالة «بدون Statelessness».
     (8) تتفق الدولتان على أن يشتمل نظاماهما القانونيان على السماح باكتساب الجنسية المزدوجة، ولو جزئياً، مع مراعاة أولوية منحها للمجموعتين الآتيتين:
    أ/ الشماليون الذين ارتبطت حياة ومصالح أجيالهم بالجنوب، والجنوبيون الذين ارتبطت حياة ومصالح أجيالهم بالشمال، فإحساس هؤلاء أو أولئك بتهديد الانفصال لحياتهم ومصالحهم قد يؤدي إلى العنف، ومن ثم استعادة مناخ الحرب.
    ب/ القبائل الحدودية بين الدولتين، من أقاصي الغرب إلى أقاصي الشرق، ويقدر تعدادها ب 9 ملايين شمالي، و4 ملايين جنوبي، أي قرابة ثلث إجمالي سكان الدولتين. فإذا علمنا، مثلاً، أن قبيلة المسيرية الشمالية وحدها، والموزعة على 9 أفرع، ويبلغ تعدادها زهاء ال 135 ألف نسمة يمارسون الرعي، بالأساس، ويمتلكون 10 ملايين رأس من الأبقار التي ترتبط حياتها بالتوغل وراء الماء والكلأ، في موسم الجفاف، إلى الجنوب من بحر العرب، وصولاً إلى بانتيو، لأكثر من 6 أشهر في السنة، وفي مناطق تتبع لقبيلة دينكا نقوك الموزعة على 9 أفرع، أيضاً، والبالغ عدد أفرادها زهاء ال 75 ألف شخص يمارسون الرعي، بالأساس أيضاً، إلى جانب الزراعة والتجارة في مدينة «أبيي»، لأدركنا، إذن، حجم الخطر الذي يمكن أن ينجم، غداً، عن مجابهة هؤلاء أو أولئك لحقيقة الحظر غير المستبعد، فجأة، من جانب هذه الدولة أو تلك، لهذه الرحلة «الجنوبية/الشمالية»!
    صحيح أن القاعدة المرعية في القانون الدولي، وقد نبه إليها قرار تحكيم «أبيي» بلاهاي في سبتمبر 2009م، أن القبائل الحدودية ينبغي ألّا تُضار من أي إجراءات ترتبها الدول في ما بينها لإعادة ترسيم الحدود. لكن هذه القاعدة ذات الكلمات القليلة قد يحتاج تطبيقها لأعمار أجيال بأكملها تتبدد ما بين التفسير، والتقاضي، والدبلوماسية، والمنظمات، والمحاكم الإقليمية والدولية، مما لا يتصور أن تتحمله القطعان الجوعى والظمأى، فتنفتح، هنا أيضاً، ذريعة أخرى للحرب!
    ثانياً: في المستوى الشعبي:
    (1) يُجرى دفع شعبي واسع، في البلدين، لخلق وضعية ذهنية ونفسية تحاصر «الانفصال» في «قمة هرم» السلطة في الدولتين.
    (2) تستنهض حركة واسعة للنشاط الحزبي، والنقابي، والمدني، وللإبداع المعبر، أدبياً وفنياً، عن الطموحات الشعبية الوحدوية.
    (3) توحد، أو تنسق، على الأقل، جهود الاتحادات الديمقراطية لعمال البلدين، ومزارعيهما، ومهنييهما، ونسائهما، وشبابهما، وطلابهما، ورياضييهما، ومبدعيهما، وصحفييهما، خصوصاً في ما يتصل من هذه الجهود بالدبلوماسية الشعبية.
  • تحولات الحرب على “داعش”

    صادق كاظم 
    الضغط الذي  يمارسه الروس والفرنسيون على داعش هذه الأيام جعل الحرب ضد الارهاب تأخذ طابعا آخر أشر لبدايات انهيار حقيقي في صفوف هذا التنظيم الإرهابي الذي حافظ على قوة كبيرة على الأرض السورية والعراقية خلال الأشهر السابقة التي سبقت تدخل الروس الجوي الذي اكتسح وبزخم كبير مقرات التنظيم وأفراده في مختلف المدن السورية وجعل الحرب تأخذ بعدا آخر  سمح  للسوريين بشن هجمات مضادة ناجحة هناك. 
    الفرنسيون بدورهم الذين يثأرون بقوة هذه الأيام ردا على هجمات باريس الأخيرة التي وصفها الرئيس هولاند بأنها 11 أيلول أخرى بنسخة فرنسية، يواصلون شن غارات جوية متواصلة على الرقة معقل التنظيم ويقومون بتدمير قواعده الرئيسة، ومن غير المستبعد ان الفرنسيين ينسقون غاراتهم مع الروس الذين يشاطرونهم المواساة عندما نكبوا باحدى طائراتهم في سيناء المصرية.
    الحرب تشتد هذه الأيام على المسرح السوري والروس والأميركيون يتسابقون لتحقيق المكاسب على الميدان فالقوات السورية وحلفاؤها من حزب الله ونخبة من قوات الحرس الثوري الإيراني  يتقدمون بثبات شرق وجنوب حلب المدينة الستراتيجية في الشمال, وهدفهم النهائي هو الوصول إلى الحدود التركية وقطع خط الإمدادات الرئيس الذي يغذي الجماعات المسلحة المتطرفة, حيث الحدود المفتوحة التي تديرها الاستخبارات التركية وتشرف منها على تسليح تلك المجموعات وتنظيم العلاقات معها, فضلا عن حمايتها فالطائرات التركية تمنع اقتراب أية طائرة سورية من تلك المناطق, بل وتعمل على إسقاطها وهو ما جعل السوريين يحجمون عن قصف تلك المناطق  بينما شكل الأميركيون تنظيما مسلحا حليفا جمع الكرد مع الآشوريين والجيش الحر ومقاتلي العشائر العربية وأوكلت اليه مهمة السيطرة على المناطق الواقعة غرب سوريا والمتاخمة للحدود العراقية وصولا الى الرقة, حيث عاصمة التنظيم ضمن خطة تهدف إلى قطع خط الإمداد الذي يربط الموصل بالرقة وإغلاق الحدود العراقية السورية بشكل كامل.
     المثير للانتباه إن زحف القوات الموالية لواشنطن يتواصل من دون مقاومة جدية من داعش  بعكس شراستها في المعارك الأخرى مما يثير علامات الاستفهام, خصوصا وان تلك القوات ستصبح على أبواب الرقة عند سيطرتها على مدينة الشدادي.القوى الكبرى أصبحت أكثر اقتناعا بأن الحرب في سوريا يجب ان تتوقف وهناك تقدم جدي وخارطة طريق وضعت لبداية تسوية سياسية جرى التفاهم عليها في فيينا تسمح  بتشكيل حكومة انتقالية خلال فترة عام ونصف على أن تليها انتخابات رئاسية وبرلمانية, لكن العقبة الأصعب تتمثل في المواقف السعودية والقطرية والتركية التي تصر على 
    ضرورة رحيل الأسد عن الحكم وهو ما رفضه الروس والإيرانيون الذين وجدوا في هذا المقترح محاولة لإسقاط سوريا بالكامل ومحاولة لتحقيق ما عجزوا عنه خلال سنوات الحرب.
    الميدان العراقي يظل الأصعب وسط رفض الأميركيين مشاركة الروس في شن غارات على مواقع داعش في العراق ورفض الحشد الشعبي، القوة الأبرز في مواجهة داعش، الاملاءات الأميركية, خصوصا وان واشنطن لم تبذل جهدا كافيا ومقنعا في مساعدة العراقيين لتحرير المناطق المحتلة, فعملية بحجم تحرير الرمادي التي اخذ الأميركيون على عاتقهم تحريرها لا تزال تراوح في مكانها رغم التقدم النسبي لقوات الأمن العراقية والعشائر بينما تمكن الحشد الشعبي من انجاز مهمة تحرير بيجي في مدة قياسية ومن دون غطاء جوي اميركي وكذلك في منطقة غرب سامراء. 
    تعدد الجبهات ارهق على ما يبدو عصابات داعش ومنعها من استعادة زمام المبادرة, فضلا عن خسائرها البشرية المرتفعة ولجوء الطيران الروسي والفرنسي الى تدمير حقول النفط السرية التي تديرها داعش وتحصل منها على اموال طائلة تصل الى قرابة نصف مليار دولار شهريا وهي امور اضعفت من قوة عصابات داعش وارهقتها, لكن الامر بحاجة الى وقت وجهد اكبر وهناك عمل دبلوماسي وسياسي دولي يتواصل وربما من خلف الكواليس لتنظيم حلول سياسية للازمات في المنطقة وخصوصا سوريا ومساعدة العراق في ظل المتغيرات الاقليمية والدولية التي باتت تجد في وجود هذه العصابات خطرا وقناعة حتى بعض الدول الداعمة لداعش سرا بأن هذه العصابات مجرد وحوش يصعب ترويضها والسيطرة عليها لفترة طويلة وهي قناعة تعززها تجاربها السيئة في الماضي بتبنيها لجماعات مسلحة اثناء الغزو السوفياتي لافغانستان وخروجها عن  رعاية المخابرات الغربية لاحقا وتحولها الى اخطر تنظيم ارهابي في العالم لا يزال ينتج لنا العديد من التنظيمات بعناوين ومسميات متعددة لكنها تتشابه في سلوكها الدموي الوحشي البشع.المعركة مع الإرهاب ستتواصل وبعنف تحت ظل هذه المعطيات الستراتيجية والحسابات والقناعات بعد انتقال الإرهابيين بعملياتهم الى داخل العمق الاوروبي بعد هجمات باريس الدامية التي صدمت الحكومات الاوروبية نفسها وأعطت لها انطباعا بأن السير وراء واشنطن في سياساتها الداعشية التي تقوم على تقليم اظافر التنظيم دون القضاء عليه هو امر محفوف بالمخاطر ويجعلها مكشوفة امام مد من الارهاب لم تواجه مثله منذ الحرب العالمية الثانية.
  • هل فجرت فرنسا نفسها؟

    علي حسين عبيد 
    في حوار دار بين رجلين استمعت له مصادفة، ورد ذكر التفجيرات الانتحارية التي ضربت العاصمة الفرنسية باريس قبل مدة، وكانت الجملة الأبرز في هذا الحوار بين شخصين دلَّت هيأتهما (الملبس وتصفيف الشعر ولغة الحوار)، على مستوى الوعي البسيط لهما، هي أن باريس (هي التي فجَّرت نفسها)، ثم أوضح أحد الرجلين، أن الغرب هو من ساعد على صنع الارهاب فعاد إليه وضربه!.
    تُرى ما هو مقدار أو نسبة الحقيقة التي تكمن في قول هذا الرجل البسيط؟، وكيف استطاع رجل بهذا الوعي البسيط أن يفلسف الارهاب وصناعته بهذه الطريقة التي قد تلمس جوهر ما حدث في باريس من تفجيرات، بل تقرأ حقيقة الارهاب الذي صنعه الغرب وأشرف عليه وموّله وخطط له تبعا للأهداف والحسابات الدولية وصراعاتها المستدامة.
    ثمة مؤشرات تدل على أن فرنسا انساقت نحو بؤر الارهاب، وسال لعابها عندما عقدت صفقات توريد السلاح الفرنسي لبعض دول الخليج لا سيما السعودية بمليارات الدولارات، ولكنها لم تعِ أنها دخلت في حقول ملغومة سوف تنفجر عليها في أية لحظة، وهذا ما حدث بالفعل، فمن مضاعفات تلك الصفقات غير المحسوبة، وصل الارهاب بهذه الكثافة الى عقر دار فرنسا وضرب عاصمتها بعنف، فلأول مرة في التاريخ الأوروبي بل في تاريخ العواصم الغربية يتم ضرب عاصمة غربية بهذا الكم الهائل والمنسَّق من التفجيرات، اذا ما استثنينا احداث ايلول 2001 باعتبارها أكثر هولا وضخامة.
    إن فرنسا خصوصا، والغرب عموما لم يركز، في علاقاته الاقتصادية والسياسية، على قضية منبع الارهاب، ولا المصدر الذي ينتج الارهاب ويقدم له التسهيلات اللازمة، بعد أن يوفر له كل عوامل النشأة والرعاية والترعرع، حتى يقف على قدميه بقوة، فتبدأ موجات الارهاب بضرب الدول والشعوب الآمنة، خدمة لأهداف اقليمية ودولية يتم التخطيط لها والتنسيق بشأنها مسبقا.
    ألم يتم تمزيق سوريا، وهي دولة مستقرة، وشعبها آمن؟، ثم أليس من الأجدر بمن زرع الارهاب في الارض السورية أن يترك شأن سوريا والحكومة السورية لشعبها؟، وهذا بالضبط ما حدث في العراق ايضا عندما تم تصدير آلاف الانتحاريين له، فتم إزهاق آلاف الارواح من الشعب العراقي بسبب الارهاب وحقد الدول والانظمة والدوائر التي تديره وتموله، فضلا عمّا حدث في دول عربية اخرى مثل ليبيا التي 
    لا يزال شعبها يخوض في بحر من الدماء حتى اللحظة.
    ولم تتعظ فرنسا ولا اوروبا ولا الغرب كله، عندما كانت اصوات التحذير تنطلق نحوهم بقوة بشأن ضرورة محاصرة أدوات الارهاب والعوامل الداعمة له، بل كان الاجدر بفرنسا والدول الغربية الاخرى منع آلاف الاشخاص المتطرفين الذين تكالبوا على ارضي العراق وسوريا وانضموا الى العصابات الاجرامية لداعش، وقتلوا وعاثوا فسادا في الارض والارواح من دون وازع من ضمير، فأين ذهب ضميرهم الانساني بخصوص هذه الظاهرة التي بقيت مستمرة حتى الآن من دون ان تحرك الحكومات الغربية ساكنا لمنع بعض مواطنيها المجرمين من الانضمام الى داعش؟.
    وبعد ذلك أطلقوا على هؤلاء المجرمين مصطلح (الذئاب المنفردة) محذرين من عودتهم فرادى الى دولهم الأصلية ومن ثم بدء جولة جديدة من الارهاب في عقر تلك الدول، وهو ما حدث بالضبط، حيث الارهاب يعود ليضرب الأيدي التي صنعته، وهنا لا بد من العودة التي وردت في بداية هذا المقال، لنجد تطابقا بين ما حدث في باريس من عنف وتفجيرات مؤخرا، وبين ما ورد في الجملة المشار إليها في الحوار.
    إن باريس وفق هذا الرأي تبدو وكأنها شاركت بالفعل في ضرب نفسها، اي إنها فعلا أسهمت بموجة الارهاب التي داهمتها فجأة، وليس ثمة مغالاة في هذا الرأي الذي ورد على لسان رجل بسيط الوعي والمعرفة، فهل عجزت العقول الغربية والفرنسية عن استباق ما حدث؟، بالطبع كلا، إنهم كانوا يعرفون مثل هذه النتائج وربما يتوقعون حدوثها، ولكنهم تعاموا عن مثل هذه التوقعات والاحداث الخطيرة، لأسباب منها (المليارات التي أعمت بصيرتهم مقابل توريد السلاح لبعض دول الخليج)، كذلك محاباتهم أو رضوخهم لأميركا بخصوص المخططات التي تحفظ مصالحها القومية، والتي تستوجب ترتيب الأوراق الاقليمية من خلال استخدام ورقة (داعش) والارهاب.
    في الخلاصة، خذ الحكمة من أفواه البسطاء، وهذا ما أوضحته الجملة التي وردت في حوار الرجلين. لقد أسهم الغرب في تمكين الارهاب حتى وصل الى مدنه وأراضيه، والمثال الأقرب هو باريس الذي لا يزال الرعب يخيم على سكانها، فضلا عن العواصم والمدن الغربية الأخرى، الأمر الذي يستدعي إعادة حسابات فورية للتعامل مع هذا الخطر الذي يحدق بالعالم أجمع.
  • أوروبا وتهديد الإرهاب الدائم!

    ليونيد بيرشيدسكي 
    كان الموضوع الرئيسي في العدد الأخير لمجلة «شارلي إيبدو» الفرنسية الهزلية التي – فقدت 11 من أفراد طاقمها جراء عملية إرهابية في يناير الماضي- هو أن طريقة الحياة الفرنسية ستتمكن من استيعاب الموجة الأخيرة من الإرهاب التي ضربت فرنسا، ولكن استجابات الأوروبيين للوضع الجديد المتمثل في وجود تهديدِ إرهابٍ دائم، والتكيف معه، بحيث يغدو عادياً، لن تكون، في رأيي، موحدة في درجة لامبالاتها بالخطر، ولا في رباطة جأشها. وهناك دلائل عديدة على ذلك: ففي يوم الإثنين الماضي أُلغيت مباراة كرة قدم بين ألمانيا وهولندا كان مقرراً أن تقام في «هانوفر»، وذلك بعد أن تلقت الشرطة بلاغاً بأن شخصاً ما يخطط لتفجير قنبلة في «الاستاد» الذي كانت المستشارة الألمانية وبعض وزرائها متجهين إليه لإثبات أن هجمات باريس لم تجعلهم خائفين.وكان هذا الحدث هو آخر مظهر من مظاهر تعطيل استمرار نمط الحياة الغربي في مساره المعتاد. وبلجيكا أيضاً ألغت مباراتها الودية مع إسبانيا التي كانت مقررة يوم الثلاثاء. وفي باريس ذاتها، كان من الطبيعي أن تلغي السلطات الحفلات، وعروض السينما، والفاعليات الرياضية بعد هجمات الجمعة الدامية مباشرة، كما جرى تحويل خط سير رحلتين كانتا متجهتين من لوس أنجلوس إلى باريس وتفتيشهما من قبل السلطات، بعد تهديدات وردت بالهاتف.
    وفضلاً عن ذلك، ازدادت بلاغات العثور على أجسام مشبوهة في وسائل المواصلات العامة في العديد من الأماكن، وكثفت قوات الأمن من وجودها في شوارع جميع المدن الأوروبية الكبرى. وكثير من هذه الإجراءات، مؤقت بالطبع، ويأتي رداً مباشراً على الإرهاب الذي ضرب باريس، ومع أن هذا الإرهاب والإجراءات التي اتخذت بسببه لن يحولا دون عودة الحياة إلى طبيعتها في القريب العاجل، إلا أن علينا أن ندرك أيضاً أن «الوضع الطبيعي» الذي سيعود، لن يكون أبداً مثل الوضع الطبيعي الذي كان سائداً من قبل، وذلك بسبب الشعور الدائم بوجود خطر داهم. والعيش في هذا الجو يمثل عبئاً يمكن أن يكون ثقيلاً، أو خفيفاً، بحسب تجربة الناس الفعلية مع الإرهاب.
    وباريس مدينة تعرضت مباشرة للإرهاب بعد أن عانت من هجومين كبيرين هذا العام، وليس هناك شك في أن سكانها -على رغم صلابتهم وإقبالهم على التمتع بمباهج الحياة- سيعانون بعض الظواهر التي تعانيها عادة المجتمعات التي تعيش في جو من التهديد الدائم بخطر الإرهاب، وسيعاني معهم -بالتبعية- بقية الأوروبيين.ولكن ذلك لا يعني أيضاً أنهم سيغيرون روتين حياتهم اليومي كثيراً، فالدراسات التي أجريت في لندن بعد عامين على وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة، وبعد بداية حرب العراق مباشرة، أظهرت أن سكان العاصمة البريطانية كانوا يرون أن هناك احتمالات كبيرة لوقوع هجمات إرهابية في مدينتهم -وقد وصلت نسبة من تبنوا هذا الرأي في أحد الاستطلاعات إلى 66 في المئة من المستطلعة آراؤهم- ومع ذلك فإن نسبة قليلة جداً من هؤلاء هي التي كانت تتجنب التجمعات الكبيرة أو المواصلات العامة، كما تبين من الاستطلاع.
    وليس معنى هذا أنه لن تكون هناك تغييرات في المعتقدات والسلوك الشخصي. ويرى مؤلفا نظرية إدارة الإرهاب، وهما «جيف جريبيرج» و«جامي أردت»، أن الناس عندما يواجَهون بما يذكرهم بأنهم بشر زائلون، كالإرهاب مثلًا، يصبحون أكثر انغماساً في حياتهم العائلية وأكثر ميلاً لتوطيد علاقاتهم الرومانسية. وتذكير الناس بأنهم فانون، يدفعهم أيضاً نحو الزعماء الكاريزميين والعقائدين، الذين يسوقون رؤية مبسطة لعظمة المجموعة البشرية والحاجة لتخليص العالم من مرتكبي الشرور، كما يقول مؤلفا النظرية.
    ومن هنا، فإنه إذا ما استمر التهديد الإرهابي في أوروبا، فإن رد فعل الناس سيكون على الأرجح مماثلاً لرد فعل الأميركيين عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث سيلجؤون إلى التخلي عن قدر قليل من انفتاحهم المعتاد وسعيهم للتمتع بملاذ الحياة، ومقايضة ذلك بالشعور بالطمأنينة.
    والحقيقة هي أن الآثار المترتبة على هجوم كبير كذلك الذي وقع في باريس لن تمحى بسرعة. ولذا فإن المجتمع الأوروبي، في اعتقادي، لن ينجو مما حدث من دون أن يتأثر به بشكل ملموس محسوس.
  • تسميم القضايا

    امين قمورية 
    في خضم الارهاب اليومي في شوارع بغداد والاحياء الدمشقية والضاحية البيروتية ، جاء  ليل الجمعة الاسود في باريس ليضاهي بخطورته صباح 11 ايلول الاميركي. تلك الصبيحة التي لاتنسى حدثت فجأة..هذه تأتي في ذروة استنفار وحرب عالمية مستمرة على الارهاب غيرت انماط التعاطي الدولي  وبدلت وجه هذا الشرق. سبع هجمات متزامنة ومتقنة في قلب العاصمة الفرنسية، اعقبت تفجير طائرة روسية بركابها في الجو.
    هذه الارتكابات الفظيعة مثلها مثل اسقاط البرجين في نيويورك، لايخطط لها إلا عقل جهنمي يحتاج فقط الى منفذين مغسولي الدماغ ومجردين من الاحساس ومن العقل. تغير اسم المتهم لكن النتيجة واحدة: دم كثير يثير الصدمة والذهول والتضامن وينمي التعصب الوطني لابل العنصري ايضا، يليه اجراءات غير مسبوقة من الدولة المستهدفة والحلفاء تمهد لتغيير المعادلات في ارض الآخرين. 
    انه ارهاب مدان، ولايمكن القبول بتبريراته بالانتساب الى القضايا الكبرى او الدفاع عنها. والمسوغات التي تساق لـ»فهم» هذه الظاهرة واحالة استفحالها الى السياسات الغربية ازاء القضايا العربية والاسلامية آن لها ان تتوقف لانها صارت تتجاوز الفهم الى التبرير غير المقبول والمدان ايضا.  صحيح ان الاستعمار الغربي بنوعيه الجديد والقديم جلب الى المنطقة الكثير من الويلات والمصائب في القرن الماضي التي مازلنا نعيش ارتداداتها حتى الآن. لكن مقاومة تلك السياسات طوال العقود السابقة كانت مقاومة تلتزم الحدود الدنيا المقبولة اخلاقيا ولم تنزلق الى الاجرام الحالي الذي دمر تلك القضايا وشوه عدالتها. 
    «ارهابيونا» الحاليون و»انتصارهم» لقضيانا صاروا اكبر مصيبة حلت علينا وعلى مجتمعاتنا. ومصيبتنا لم تتوقف عند «الداعشيين» و»القاعديين» «النصراويين» ومن لف لفهم من التكفيريين، بل بانصاف المثقفين «الفضائيين» الذين يبررون ارهاب هؤلاء باحالته حينا الى السياسة الغربية واحيانا الى التهميش من خلفيات عابقة بالحقد والتعصب الطائفي والمذهبي.  
    مقاومة السياسة الغربية لها ألف طريقة وطريقة وليس منها حرق الذات وتدمير القضايا وتفجير الأبرياء. هذه الطرق تقلب المعادلة فنصير مجرمين ومصاصي الدماء وهواة تدمير٬ لا حملة قضايا عادلة ندافع عنها بشرف وسوية. كان يتعين تصعيد النقد الذاتي العربي الإسلامي لا التبرير وليس اظهار القدرات الخارقة في نقد الآخر، لان الآخر ينقد نفسه بقوة وقسوة وقدرة اكثر منا٬ فيما نحن نواصل التشاكي وادعاء البراءة وتبرير الارهاب بما يفقدنا ويفقد قضايانا القدرة على تحويل العدالة التي نحوزها الى فعل ايجابي.
    هل فات الوقت لفعل ذلك في ظل ما آلت اليه امورنا؟ هل يستجيب الغرب لدعائنا ويرحم حالنا ؟ هل يسكت قادته على الجرح الاليم بعد المقتلة التي اصابت شعوبهم من بين ظهرانينا وباسم قضايانا وديننا؟ وهل من وعي داخلي في مجتمعاتنا قادر على خلق بنية صحيحة فكريا واعلاميا وثقافيا وسياسيا قادر على التصدي لهذه الآفة بكل تجلياتها المرضية؟.  الغضب الاوروبي في اوجه بعد المجزرة الباريسية، والادانة الدولية عارمة والالتفاف حول فرنسا كبير، والمجتمعات الغربية في اقصى استنفارها الوطني، والنزعة الشوفينية في اقصى تجلياتها اليمنية المتطرفة لابل الفاشية ، والاساطيل الاجنبية بطائراتها والصواريخ جاهزة للمعركة الكبرى .. لكن هل ستخاض هذه الحرب كما خيضت سابقتها على «القاعدة» التي كانت احد ابرز اسم ولادة «داعش» واخوانه التكفيريين؟.هذه الحرب لن تنجح اذا كان كل طرف فيها ينظر اليها من زاوية مصالحه الخاصة كما يحصل حاليا، ولايمكن القضاء على الارهاب بالحرب وحدها من دون معالجة اسبابه الاخرى، ولا اي حرب في هذه المنطقة ان تصل الى مبتغاها في اسئصال الارهاب من مهده من دون ان تترافق بتسويات سياسية للأزمات المشرقية المستعصية تحقق التوازن بين فرقائها من العراق الى سوريا واليمن ولبنان .. والاهم في فلسطين المنسية.  وحتى تستقيم التسويات في مجتمعاتنا التي نخرتها الطائفية والاثنية لا بد من ارساء الديمقراطية . وهنا بيت القصيد : كيف يؤسس لنخب ترغب فعلا في الانعتاق من التوتاليتاريات السياسية والدينية والتأسيس لديمقراطيات، ونواتها الآن محاصرة حتى الاختناق من تطرف ديني ترتفع حرارة  تعصبه على نار القصف الخارجي، ومن غرب مؤثر وفاعل صار رأيه العام معبأ لنبذهم بالجملة على الهوية؟ وكيف لغرب ان يعالج بالمراهم الخارجية آفة مستعصية اسهم في تفشيها وتعميقها حتى وصلت الى العظام؟ وكيف لهذا الشرق الطريح ان يعالج نفسه من السم الذي استعمله كمخدر لشعوبه حتى التلاشي والجنون؟.
  • معتقدات تعرضت للمصادرة

    أمل الياسري 
    تردي أذواق الناس في عراق اليوم، سببه يعود الى الخراب والعنف، الذي يدور حولهم، فمكونات الحكمة لديهم، أصبحت مصابة بالخلل وأبرزها، الدين، والحب، والموت، لكنهم لا يدركون أن التغيير الكبير، يأتي بفرص أكبر كما يقال!
    بإسم الدين قتلوا، وأستباحوا، وأغتصبوا، لكن مَنْ هم؟ الأحكام الدينية أُخرجت، عن مألوفها، وظاهرها، ومقاصدها، فغاية الأشرار، دين جاهلي جديد، يدمر الحجر والبشر على السواء، ويمكنهم قتل ما يتحرك ضد فكرهم، من أجل الحور العين!
    الطغاة حكموا شعوبهم بالقمع والظلم، وإنتهكوا حرماته، وصودرت معتقداته، بأبشع وسائل القتل والتعذيب، لإثارة الرعب والخضوع، لسلطة الطاغية، على أن الأهوار في الجنوب، وهبت نفسها لتكون عريناً للأحرار والشرفاء، من أجل الدين الصحيح، والحرية، والحقوق!
    الحب في مدن الطفولة، أصبح هو الأخر مختلفاً بحاضرنا، حيث الحملة الفكرية الصليبية الشعثاء، التي تهدر براءة أطفالنا، وترميها في وحل الجهل الحضاري المنحرف، فتعرضت أفكارنا للمصادرة رغماً عنا، فبات الحب يستجدي معاني العطف والشفقة!
    وسط عالم قاتم مليء بالدماء والأشلاء، يطارد الموت ضحاياه على الأرصفة، والشوارع، ومخيمات النزوح، وحدود اللجوء، وسواحل البحر الغريب، فيا ترى هل بقي من المعتقدات، شيء ليموت؟ فالأرواح التائهة تنتظر موتها الصاخب، في موعد مفتوح!
    التعاطي اللا مسؤول، من قبل الحكومات المتعاقبة على حكم العراق، بعد عام 2003 أفرزت مفاهيم معاقة، حول مكونات الحكمة، فالعراقيون الأبرياء، تجرعوا مرارة الموت الداعشي بأنواعه البشعة، وعليه فالراعي الأمريكي، وكلابه السائبة، سرقوا ما سرقوا! المجاملة أسوء جريمة يرتكبها الإنسان، حين يهمل حقوقه، تحت مظلة الفرح بالتحرير، لذا فالثائر النبيل مواطن حر، لم تلوثه السياسة الفاسدة بأكاذيبها، فأهل النخيل يقلبون الأحداث رأساً على عقب، بقيادة صقر المرجعية، السيد علي السيستاني! لن تتعرض معتقدات أهل الجنوب للمصادرة، لأنها خالدة خلود الثورة الحسينية المعطاء، فكربلاء شجرة أصلها في السماء، وجذورها في الأرض، وأغصانها أنصار الدين والمذهب، ليلبوا نداء لبيك يا حسين، وستتساقط العمائم الحمقاء، في وحل الهزيمة! إستعادة الإسلام المخطوف، من قبل عصابات تكفيرية متطرفة، لهو الحكمة بعينها، لأن الموت سيكون حياة أبدية، والحب سيصدر فتواه بأن، لا مشاعر كحب الوطن، والدين ومراجعه العظام صمام الأمان، لبلد تاقت نفوس شعبه، للحرية الحمراء! الترويج الحقيقي لثقافة الحكمة، وإشاعة التسامح، والحوار، والتعايش السلمي، بين أبناء الشعب الواحد، يذكرني بقول الزعيم، المناضل الهندي غاندي: (يدهشني دائماً أن أناساً يشعرون بالفخر، لإذلالهم لإخوة لهم في الإنسانية، لمجرد أنه حاكم أو ملك)!
  • استراتيجية التلاعب بالأولويات

    خيري منصور 
    ليس هناك من مُشترك بين القنوات الفضائية إلا الفضاء ذاته، رغم أن تصنيف القنوات إلى إخبارية وفنية وسياسية ودينية لا يضع كل فئة من هذه الفئات في سلة واحدة. ما دام هناك تباين في المقتربات والرؤى إضافة إلى مستوى الأداء والتقنية.
    وقد كُتب الكثير عن هذا الشجن الفضائي، لكن ما يهمنا الآن هو التلاعب بالأولويات بحيث يجري تهميش الأساسي لصالح الثانوي، والجاد لصالح الساخر.
    وهناك قنوات انفصلت مركباتها وشاشاتها عن مجال جاذبية الواقع بكل ما يعج به من أزمات ومشكلات، بحيث تبدو كما لو أنها تتوجه إلى المريخ أو الزهرة أو بلوتو، فالواقع مطرود من جدول أعمالها وأجندتها المكرسة لأهداف تثير الريبة، فهي تختزل البشر إلى بُعد غريزي واحد. والقنوات التي تمارس هذا الاختزال ليست فنية فقط، فهناك قنوات دينية تفعل الشيء ذاته. وكأن من يشاهدها خُلق ليموت غداً، ولا شأن له بهذه الدنيا رغم أنها تضغط على أنفه وفيها من النظم والقوانين والأعراف ما يتحكم حتى بمصير أحفاده.
    ونحن لا ندعو إلى إمساك العصا من الوسط، بحيث لا يكون الإنسان صلباً فيُكسر أو رخواً فيعصر، لأن الحياة أكثر تعقيداً من أن تُحشر في ثنائيات، ما نعنيه بالتلاعب بالأولويات ليس فقط التقديم والتأخير بل هو منسوب الإضاءة على حدث ما بحيث تكون هذه الإضاءة ساطعة بل حارقة عندما تتعلق بحدث ما يخص فرداً بعينه، بينما تشح الإضاءة على حدث جلل يتعلق بمصائر شعوب. وحكاية التغريب عن الواقع ليست طارئة أو حكراً على عائلة مُعينة من القنوات الفضائية، فقد مارسته من قبل مؤسسات إعلامية وثقافية ودور نشر ومجلات خصوصاً خلال الحرب الباردة، التي ظهر فيها كثير من الطبالين والزمارين كما تقول كاتبة بريطانية. واستراتيجية التلاعب بالأولويات يجب ألا يُستخف بها، لأنها تغير اتجاه البوصلة بالنسبة للرأي العام. وتعمد إلى التهويل عندما يكون الأمر عابراً ولا يرقى إلى مستوى الظاهرة كما تعمد إلى التهوين حين يكون الحدث كارثياً وزلزالياً وله ترددات قد تستمر زمناً طويلاً وتلقي بظلالها على أدق التفاصيل في حياتنا.
    وما قيل ذات يوم عن أحد أسباب تفكك الاتحاد السوفييتي خارج السياسة وهو وضع الرجل غير المناسب في الموقع المناسب، وجد من يعيد إنتاجه بحيث يصبح: أفضل أسلوب لصرف الناس عن الانتباه لما يحدد مصائرهم هو التلاعب بأولوياتهم.
  • الإرهاب المسلح “إسرائيلياً”

    مفتاح شعيب 
    ما كشفته أجهزة الأمن التونسية عن ضبط أسلحة «إسرائيلية» بحوزة خلية إرهابية في مدينة سوسة الساحلية، يطرح مرة أخرى التساؤل عن العلاقة بين المتطرفين الإسلاميين في المنطقة والمتطرفين الصهاينة داخل كيان الاحتلال. فالبحث في هذه العلاقة الخفية يبدو شيئاً من «المحرمات» لدى الكثير من الأدبيات السياسية، بما يوحي بأن هناك نية متعمدة لتغييب هذا المعطى حتى تبقى المنطقة في هذا الجحيم الإرهابي الواسع.
    ليس جديداً أن يقال إن الكيان الصهيوني أصبح «أكثر أمناً» من أي وقت مضى، فالمنطقة حوله تحترق وتتقاتل، وكل ما يحصل يخدم مشروعه ومصلحته، ولا تنطلي إلا على الأغبياء مقولة إن «إسرائيل» لا تريد أن يتفاقم الإرهاب، وأن تتعدد جماعاته إذا كان ذلك يؤدي إلى ولادة وطن عربي مدمر فاقد لأيّ مناعة أو قدرة على الدفاع عن نفسه، وهو ما يحصل بالفعل مدعوماً بتعامٍ عربي غريب. والمتتبع لخطابات الجماعات الإرهابية من سلالة «القاعدة» و«داعش» لا يعثر فيها على خطاب واضح يحرض على «إسرائيل»، وإنما كل الهم التحريضي منصب على الطوائف والأعراق المختلفة، ما خلق صراعاً قد يستمر عشرات السنين، سيصبح فيها الكيان الصهيوني هو الأقوى بلا منازع، وربما يحقق مشروع «إسرائيل» الكبرى من الفرات إلى النيل». ومع الأسف، فإن كل ما جرى، ويجري من تدمير ممنهج للعراق وسوريا وليبيا واستهداف لمصر يشير إلى هذا المخطط المنسق بين أطراف عدة. وفي هذا العصر ليس هناك شيء مستغرب، فقبل عشرين عاماً لم يكن أحد يتوقع أن يحل الخراب بالمنطقة فينكشف ضعفها وهشاشتها وقابليتها الآلية للانهيار مثلما هي عليه الآن. وبالإمكان تصور الوضع الذي ستكون عليه بعد عشر سنوات إذا استمر الاحتراب والفوضى بهذا المستوى، وبالإمكان أيضاً تصور الوضع الذي سيكون فيه الكيان الغاصب وهو يرى الطوق العربي يتآكل من حوله وينتهي إلى جماعات طائفية متقاتلة. أما إذا استهدف الإرهاب عاصمة أوروبية، مثلما هو الحال في باريس، فتكون «إسرائيل» هي المستفيدة الأولى من المساعدات العسكرية والسياسية والإفلات من المساءلة عن انتهاكاتها المستمرة بحق الشعب الفلسطيني وسياسات التهويد والتهجير. أيام المحرقة الليبية التي أسموها «ثورة» عام 2011، دخلت أسلحة «إسرائيلية» من مختلف الطرز إلى «ثوار» ذلك العهد، كما تقدم منظرون صهاينة، منهم الفرنسي برنارد هنري ليفي، الصفوف الأمامية للجبهات معلماً وموجهاً، وبعد سقوط نظام العقيد القذافي سقطت الدولة برمتها وظلت الأسلحة «الإسرائيلية» وأجهزة الاتصالات المتطورة بأيدي الجماعات الإرهابية، والشيء نفسه يحصل في سوريا والعراق، وصولاً إلى تونس، مروراً بمصر. ففي كل هذه الميادين كانت «إسرائيل» حاضرة بالسلاح والتخطيط، لا سيما وأن الأسلحة التي تستخدمها الجماعات الإرهابية مثل «داعش» تبدو متطورة وأكثر نجاعة من العتاد الذي تملكه الجيوش التي تقاومها. في الأيام الماضية طرحت تساؤلات مشروعة عن الجهات التي تمول تنظيم «داعش»، وعن قدرته على التمدد واستيعاب آلاف المتطرفين من مختلف الجنسيات، وستبقى تلك التساؤلات معلقة، إذ يبدو أن هناك إرادة ما لا تريد لهذا التنظيم أن ينتهي، ومثلما تحوم الشبهات حول قوى دولية وإقليمية تستثمر هذا التنظيم في مشاريعها، هناك شبهة قوية على صلة التطرف الصهيوني بالمشروع الإرهابي في المنطقة. ومهما تعددت التبريرات، لا يبدو القضاء على الإرهاب في المنطقة ممكناً إذا لم يتم تفكيك «شيفرة «إسرائيل»» الموضوعة بتمويه متقن داخل الجماعات الإرهابية، ويكاد لا يفطن إليها أحد
  • أوكرانيا ومعركة الإصلاح

    جاكسون ديل 
    لوحظ في مدينة «أوديسا» الأوكرانية على البحر الأسود أقصى شمال غرب أوكرانيا، والتي يعتبرها بوتين جزءاً لا يتجزأ من روسيا، أن المبنى التعيس الذي يؤوي الحكومة المحلية، أصبح يحتوي على صندوق زجاجي شفاف يتصل بقاعدة معلومات ويشرف عليه فريق من المحامين. والهدف هو التعرف على مدى الإحباط الذي يستشعره سكانها (أكثر قليلا عن مليون نسمة). ولقد استقبل الصندوق خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من وضعه هناك، أكثر من 3500 شكوى وحالة احتجاج. ومبتدع هذه الفكرة، سياسي واقتصادي محنّك يدعى «ميخائيل ساكاشفيلي»، وهو الرئيس السابق لجمهورية جيورجيا، والذي انتهج خلال فترة حكمه سياسة إصلاحية موالية للغرب في تلك الجمهورية التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي. وكان «ساكاشفيلي» قد غادر جيورجيا بعد هزيمته في الانتخابات الرئاسية هناك، وما لبث أن وجد نفسه رئيساً لفريق إداري في وسط أوكرانيا المضطربة، وتتركز وظيفته على المساعدة في صدّ الغزو العسكري الروسي بقيادة بوتين، وإنشاء نظام اقتصادي وسياسي مضاد لـ«النظام البوتيني». ويبدو أن هذا النضال قد بلغ نقطة التحول. فقد بدا وكأن الزعماء الأوكرانيين الموالين للغرب استطاعوا إجهاض خطة بوتين للسيطرة على إقليم «نوفوروسيا» الذي يضم «أوديسا»، بالإضافة لمعظم المناطق الجنوبية الشرقية من أوكرانيا. وربما يكون هؤلاء قد استطاعوا قيادة اقتصاد بلادهم إلى حالة من الاستقرار، لكن رهانهم على تحرير وطنهم من التسلط الروسي ومن كابوس الفساد، لم يحقق نتائجه المرجوّة لأن الحكومات الغربية لم تبذل إلا القليل من الجهد اللازم لتعويم الاقتصاد الأوكراني المثقل بالمشاكل. ولهذه الأسباب، أعرب معظم الأوكرانيين عن استعدادهم لإطلاق ثورة شوارع جديدة على شاكلة تلك التي سبق أن أسقطت الحكومة السابقة الموالية لبوتين. وتمكن «ساكاشفيلي» وفريقه من خلق بعض المؤشرات الدالّة على التحسّن. فلقد تمكن «رجل جيورجي منفرد» من تشكيل فصائل جديدة من قوات الشرطة في مدينة أوديسا والعاصمة كييف، وقوة أخرى للمساعدة في تأسيس وكالة لمكافحة الفساد. وفي أوديسا، ظهرت النتائج الإيجابية لإعادة الهيكلة الإدارية على يدي «ماريا جايدار»، وهي زعيمة بارزة وناشطة سياسية معارضة للسياسة الروسية (وهي أيضاً ابنة رئيس الوزراء الروسي الأسبق بوريس يلتسين)، والتي أعلنت أن أفضل طريقة لمحاربة «البوتينية» تكمن في بناء أكرانيا بديلة. ورغم ما فعله «ساكاشفيلي» في أوكرانيا، فهو لا يبدو راضياً عن النتائج. وعلى مائدة عشاء عامرة باللحوم المشويّة والسلطات، اجتمع بوفد من «صندوق مارشال الألماني» الأسبوع الماضي، وجدّد تحذيره من أن أوكرانيا أصبحت على مشارف انهيار جديد. وقال: «القضية الخطيرة تتعلق بما إذا كانت أوكرانيا ستهزم نفسها. لقد أصبحنا بين خيارين؛ فإما أن نتحرك بسرعة عالية جداً نحو الأفضل، أو نتعرض للأسوأ». لقد أبدى «بوروشينكو» حذراً في معالجته قضايا الفساد. ولم يتم استبعاد إلا القليل فحسب من رؤوس الفساد في الإدارة الأوكرانية حيث بقي الآلاف منهم. وتسبب الرئيس في إغضاب المسؤولين الغربيين عندما رفض استبدال النائب العام الذي أصدر أمراً بوقف التحقيقات مع الفاسدين. وعبر مسؤولو الاتحاد الأوروبي عن أملهم في أن يتمكن بوروشينكو ورئيس وزرائه من تحقيق الإصلاحات الضرورية حتى لو كانت بطيئة ومؤلمة. وأما ساكاشفيلي فكانت لديه فكرة أخرى، فهو يدعو إلى تعديل حكومي جذري، والإسراع بخصخصة الشركات المملوكة للدولة، وإعادة تشكيل الجهاز الإداري الذي «لا أمل يُرتجى منه».
  • من هو المرشح الجمهوريّ بن كارسون؟

    حسن منيمنة 
    أمام استمرار تضعضع صف المتنافسين للحصول على ترشيح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة، وعدم تمكن أي من الوجوه السياسية المتوقعة من الخروج من هذا الصف نحو موقع طليعي واضح، تبقى الأضواء مسلّطة على أصحاب البروز في استطلاعات الرأي العام من «الدخلاء» على النشاط السياسي. وأبرز هؤلاء من دون شك هو دونالد ترامب، رجل الأعمال، الاستعراضي المشاغب، صاحب المواقف القطعية والاعتباطية، والذي لا يزال، على رغم امتعاض القيادة الحزبية، في المرتبة الأولى للاستطلاعات، وإن كانت نسب التأييد له إلى تراجع، يليه في المرتبة الثانية، وفي غير استطلاع، الجرّاح المتقاعد بن كارسون.
    و «قصة» بن كارسون، أي سيرة حياته وسجلّه والتفاصيل التي ينسج منها صورته الإعلامية والسياسية، ليست سهلة التبيّن، ولا يبدو على أي حال أنها واحدة. فثمة اتفاق على ملامح الجانب الشخصي من حياته. فهو من مواليد ١٩٥١، نشأ في بيئة فقيرة، واعتنت بتربيته والدته بعد أن هجر والده الأسرة، ليحقق النجاح الدراسي، ويدخل إحدى أهم الجامعات في الولايات المتحدة وينال منها شهادة الطب، ثم يتخصص بالجراحة ويبرع، وينال الجوائز والتقدير، إلى حين قرّر التقاعد عام ٢٠١٣ ودخول المعترك السياسي. ولكن حتّى طرحه لهذه الملامح تجد من يعترض عليها من خلال الإشارة إلى تسويقه قصة «عزّ بعد فاقّة» لا تخلو من المبالغات.
    فهل أن كارسون هو الطبيب الأسود الذي شاء أن يكون قدوة لشباب من عرقه لطالما كانت النظرة إليهم على أنهم غير قادرين على الإنجاز، أم أنه، كما يشير منتقدوه، جيّر أصوله العرقية وضاعف الجوانب المثيرة في حياته في إطار حملة دعائية تبدو هادفة، في الكثير من أوجهها ومساعيها، إلى الرئاسة؟ وهل هو، كما يشير مؤيدوه، عرضة لنقد حول استدعاء تفاصيل حياته في شكل لم يطل أياً من المتنافسين الآخرين، بحكم لونه الأسود؟
    الواقع أن لون بشرة بن كارسون الأسود يعمل في خدمته، لا في اعتراض احتمالات فوزه. بل إن بروز هذا الطبيب الجراح في المحيط السياسي قد استفاد من دون شك من صورة «الأسود الذي يقارع الأسود»، يوم ألقى كارسون، بحضور الرئيس باراك أوباما كلمة سنة ٢٠١٣ في إطار «إفطار الصلاة الوطني»، وهو مناسبة دينية جامعة لمختلف التوجهات والعقائد للتأكيد على الدور المكمّل للإيمان الديني في الحياة الاجتماعية في الولايات المتحدة. ففي كلمته هذه، عبّر كارسون عن الرؤية المحافظة للقيم والأخلاق والأطر الاجتماعية في شكل يتعارض بوضوح وصراحة مع قناعات الرئيس وسياساته، منتقلاً مع أدائه هذا من خانة الرجل الأسود صاحب الإنجاز إلى خانة الناطق الفصيح بلسان التيار المحافظ. ولم يكن هذا الانتقال مصادفة بل كان خطوة صريحة وناجحة في مسعاه إلى إبراز شخصه كبديل حقيقي للنمط السياسي التقليدي.
    وبالفعل، فكارسون يكرر القول في مناسبات عدة أن العمل السياسي في الولايات المتحدة، إذ يتسبب بنفور معظم المواطنين، قد يرتقي ويتحسن ما إذا خاضه أصحاب الكفاءات من العلماء والأطباء وغيرهم ولم يترك المجال حصرياً للسياسيين المحترفين. وهو غالباً في كلامه يشير إلى المنهجية العلمية التي يتوق إلى تطبيقها في الشأن العام.
    لكن في حين أن كارسون بليغ وبارع في طرح العموميات، فإنه يبدو أقلّ تمكّناً في الأوجه التفصيلية لمختلف القضايا. بل إن عدم اطلاعه على قضايا ذات طابع شائع وعام هو أمر لافت في أكثر من موضوع. ولا شك في أنه تمكن من ارتياد حسن الظن والانطباع الحسن المتحقق في شأنه لدى الجمهور في تجنّبه الإجابة عن الكثير من الأسئلة التي تكشف عدم معرفته بوقائع وتفاصيل، فيما هو يسعى إلى اكتساب بعض الاطلاع بين المناظرة والأخرى. لكن السؤال البديهي هو: هل من الممكن بالفعل الإحاطة بالشؤون السياسية برمّتها على وجه السرعة هذا؟ وفي حين أن معرفته بالقضايا الداخلية قاصرة، فإن متابعته للشؤون الخارجية تجاور المعدوم، إذا اعتبرت أجوبته المرتبكة والخالية من المضمون عن أسئلة بديهية دليلاً على الأمر. يذكر في هذا الصدد، كنموذج على غياب إلمامه بالمادة السياسية، جوابه حول ما إذا كان يثق بأن يتولّى الرئاسة مسلمٌ، إذ جاء ردّه، من وحي شعبوية يبدو خطابه متمرّساً فيها، بأنه لا يوافق على ذلك. ولكن سرعان ما أدرك الضرر الذي يتسبب به كلامه هذا، سواءً لجهة استهجان عموم الجمهور هذا الموقف الفئوي، أو لجهة عدم انسجامه مع الإطار الدستوري الراسخ في الولايات المتحدة، فكان لا بد له من التراجع والترقيع والتوضيح المزعوم. وربما ارتكب الإعلام بالفعل بعض التجني في الملاحقة التفنيدية لتفاصيل حياة بن كارسون، فحاسبه على أمور ثانوية غير ذات شأن، وإن تحت شعار تقصّي صدقيته. لكن هذا الإعلام كشف كذلك عن تناقضات في سلوك كارسون بين التزامه المعلن للأخلاقية الصرفة ومسايرته لمزاعم مشبوهة لأغراض تجارية. كما أن هذه الملاحقة أبرزت عمق القناعات الدينية لديه، وهو من أفراد الكنيسة السبتية، إحدى الكنائس الإنجيلية القائمة على انتظار المجيء الثاني للسيد المسيح، ما يثير الريبة في أوساط الكثيرين ممن يخشون أن تؤثر هذه القناعات على المسلك السياسي للرئيس العتيد. وبما أن الإنجيليين يشكلون الكتلة الناخبة ذات الوزن الشعبي الأبرز ضمن قاعدة الحزب الجمهوري، فإن فرص بن كارسون في الحصول على الترشيح لن تتأثر سلباً بالكشف عن هذه القناعات. لكن في ما يتعدى الترشيح الحزبي، فإنه يبدو خارج القناعات السائدة في عموم المجتمع والثقافة. فإذا ما تمكن، لصفات موضوعية لديه أو لغياب البدائل في الوسط الجمهوري، من الحصول على هذا الترشيح، فإن حظوظه في بلوغ منصب الرئاسة ضئيلة جداً. غير أن بروزه المستمر اليوم يشير بالفعل إلى خلل وضعف في صف الجمهوريين، يبدو معه، أقلّه الآن، أن فوزهم، بكارسون ومن دونه، ليس من الأمور المرتقبة.