د. أحمد مهدي الزبيدي
ندخر (الخردة) حتى نضمن بها سلامتنا، فـ (الصدقة تدفع البلاء المبرم)، ندخر أقل ورقة مالية من ربع وإن أردنا المزيد فضعفه وإن كنا في سياراتنا فـ(الألف) هو العقد المقنع للطالب والمطلوب.وقد نشذ أحيانا بورقة حمراء إن كنا معتوهين أو نذرنا نذرا، أو ربما يتباهى مراهقو العشق أمام حبيباتهم بسخاء كرمهم للاعقين زجاج سياراتهم. فالمهم ان ما يمنحه (الفرد للفرد) يكفي لإقناع المعدة بخبزها، ليس هذا هو المهم، المهم ان الفرد / المواطن (القطاع الخاص) طيب مع قرينه.
وما عاد التاجر قادرا على أن يعيد شخصيته في زمن الحصار، فقد كثر منافسوه وفتحت الحدود أبوابها. أما دكاكين الدولة فما زالت مغلقة، وهي من أولى صفات الدولة وواجباتها: الصحة، الكهرباء، النقل العام، التعليم، الأمن.. وما بقي من هذه الدكاكين سوى (وزراء) يجلسون في مكاتبهم المحصنة ليضمنوا لنا (أبهظ) الأثمان، فما تمنحه الدولة لنا من راتب تضمن لمواطنيها رهطا منه للقطاع العام: الكهرباء في مولداتها وأمبيراتها الواقفة في رأس الشارع، عيادة الدكتور وهو خريج بيريطانيا بالتأكيد. أما (الخردة) المتبقية من الراتب فهي تكفي لشراء الخبز (الصمون) وخضرة غنية وسخية في
الفيتامينات. إن أقل الخضر أسعارا أغناها فائدة، وما عدنا نسأل صاحب (الدكان) عن سعر العلب والبيض والدجاج فقد (توحدوا) تقريبا على (مركزية السعر).إن الدولة العاجزة عن توفير المهام الرئيسة المنوطة بها ضمن (القطاع العام) ليس من حقها أن تطالب المواطن بالإصغاء إليها، وما تمنحه لنا من راتب من
قرض.. هو ليس منة منها ولا شكورا، لأنه ليس من نتاج (قطاعها العام) كما أنه ليس من قدراتها التخطيطية ومهاراتها الاقتصادية، إنه هبة السماء للأرض وساكنيها، لم يفرط به أجدادنا، أما لجهلهم به، أو لمعرفتهم بجهل حكوماتنا، فكانوا عطوفين على أحفادهم، أقول: ما الذي أجده في (دكاكين الدولة)؟ هل سأصبح ذلك الطفل الذي يجحظ قلبه حين يقف أمام نافذة سيارتي؟ وهل ادخرت الحكومة (خردة) تمدها لمن يستجدي منها حاجاته (العامة)؟ وإن قنعت، أنا المواطن (الفرد) إن مددت يدي لحكومتي وقطاعاتها فماذا سأجد في كفي؟ سأجد قطاعا عاما مفتقرا الى القطاع الخاص بشتى أنواعه، قطاع لا يملك القدرة على سد رمق حياة الفرد سأجد دكاكين متخمة بالأموال ولكنها قيد وريثها (الشرعي)، ومن شدة سخائه لزبائنه ادخر (الخردة) لهم.