محمد محبوب
محاربة التنظيم الإرهابي «داعش» في العراق وسوريا وفي كل مكان يتواجد فيه حتى القضاء عليه بصورة نهائية يجب ان يكون جهداً وطنياً وإقليمياً ودولياً مشتركاً ولا ينبغي ان يخضع لحسابات ضيقة او قصيرة النظر من قبل هذه الدولة او ذاك الطرف لأن هذا التنظيم هو عصابة دولية خطيرة تهدد كل العالم بشرقه وغربه ولن تنجو دولة من خطر هذا التنظيم الإرهابي عاجلاً ام آجلاً، وبالتالي فإن تحييد روسيا او الصين او اية دولة عن المشاركة في هذه الحرب يعد من الأخطاء الجسيمة.ينبغي ان يسعى العراق الى استصدار قرار من مجلس الأمن لتشكيل تحالف دولي واسع تكون بغداد مقراً له وتشارك فيه كل من الولايات المتحدة ودول حلف الناتو وروسيا وحلفائها والدول العربية وإيران، وتكون مهمة هذا التحالف تقديم كل ما تحتاجه القوات العراقية من إسناد ومساعدة لا سيما في توفير الغطاء الجوي المطلوب والمعلومات الاستخباراتية والمشاركة في تمويل تكاليف هذه الحرب الدولية التي لا ينبغي ان يتحملها العراق لوحده، فليس عدلاً ان يسفك العراق دماء أبنائه دفاعاً عن المنطقة والعالم كله، وفي الوقت نفسه يتحمل لوحده تكاليف الحرب واوزارها كلها لا سيما وهو يعاني من أزمة مالية خانقة تسببت بها بعض الدول والشركات التي تضارب بسوق النفط صعوداً ونزولاً، الامر الذي يطيل من أمد الصراع مع تنظيم «داعش» الإرهابي.
لا أتفق مع من يحاول شيطنة الولايات المتحدة حد اتهامها بدعم تنظيم «داعش» او التواطؤ معه بصورة او اخرى، لكني اجد أن واشنطن غير جادة بالشكل المطلوب في محاربة هذا التنظيم الإرهابي، والضربات الجوية التي توجهها هي نوع من رفع العتب، كما انها متقاعسة عمداً عن التعاون في مجال المعلومات الاستخبارية، للأسف إن واشنطن تتعامل مع الحرب ضد تنظيم «داعش» من منظور مصالحها الضيقة التي تحرص على ان تتوافق مع مصالح حلفائها في المنطقة، وبالطبع فإن المصالح الضيقة تكون بالضد من المصلحة العراقية في القضاء السريع على التنظيم الإرهابي. من هنا فإن واشنطن تلعب بأسلوب «سياسة إدارة الأزمة» وليست جادة في حلها وهي سياسة خارجية اميركية قديمة منذ سنوات الحرب الباردة، ولو كانت واشنطن جادة في الحرب ضد تنظيم «داعش» لأمكن القضاء النهائي على هذا التنظيم الإرهابي بوقت قصير، وهنا ارجو ان لا تغيب عن ذاكرتنا الصرامة التي ابدتها الولايات المتحدة في الحرب ضد نظام الطاغية صدام الذي كان يمتلك قوة عسكرية هائلة تفوق بكثير إمكانيات تنظيم «داعش»، وقد لعب القصف الجوي والصاروخي الدور الحاسم في تقويض قوة نظام صدام، لقد كانت مئات بل آلاف الطائرات التابعة للولايات المتحدة وحلفائها تقصف الاهداف في العراق ولم تنج حتى الاهداف المدنية التي لاعلاقة مباشرة لها بالحرب، لكن واشنطن تكتفي اليوم ببضع غارات جوية على الأراضي المغتصبة من قبل تنظيم «داعش» في العراق وسوريا، واحياناً تعود بعض الطائرات دون ان تضرب اهدافها بذريعة تجنب التسبب بضحايا من المدنيين او عدم وضوح الهدف، مع العلم ان العدو يتحرك بكثافة بين العراق وسوريا في اراض مكشوفة، ولا تزال القوات البرية العراقية تشكو من ضعف الغطاء الجوي المطلوب في المعركة، كما ان واشنطن تماطل كثيراً في تسليم طائرات أف 16 التي اشتراها العراق ودفع اثمانها منذ سنوات بذرائع غير مقبولة، ومن أجل تهدئة الضغط العراقي الرسمي والشعبي، قامت بتسليم اربع طائرات فقط من هذه الصفقة قبل بضعة أشهر.هناك «لوبي» تركي عربي يعمل بقوة منذ سنوات للضغط على الولايات المتحدة باتجاه عرقلة تحقيق نصر عراقي او سوري على تنظيم «داعش» الإرهابي لدوافع طائفية قصيرة النظر، وللأسف إن واشنطن تخضع اليوم لمثل هذه الضغوط، وقد صار المسؤولون والمتحدثون الرسميون في واشنطن لا يترددون في التعبير عن حرصهم على المصالح مع «العالم السني» في المنطقة، وقد بدت لي هذه العبارة صادمة للوهلة الأولى، إذ من الغريب ان يتحدث مسؤول اميركي او غربي عن «عالم سني» وآخر «شيعي»، وبالتالي فإن كفة ميزان المصالح الأميركية سوف تميل لصالح «العالم السني» نظراً لحجم المصالح مع تركيا والدول العربية.
هذا الخلل في سياسة واشنطن اتاح لتنظيم «داعش» الوقت الكافي للتمدد والتمكن في العراق وسوريا، وراح الاميركيون يتحدثون عن صعوبة وربما استحالة القضاء على تنظيم «داعش»، والواقع إن بقاء هذا التنظيم الإرهابي هو استنزاف دائم لقوة كل من العراق وسوريا وايران وحزب الله اللبناني لكونها الأطراف التي تحارب تنظيم «داعش» بجدية وصلابة، ولهذا فان اي استنزاف لهذه الاطراف هو الهدف المطلوب لحلفاء واشنطن في المنطقة، فبحسب وجهة نظر هؤلاء الحلفاء فإن بقاء داعش وتمددها يؤمن وجود عراق ضعيف ويُسرع برحيل بشارالاسد عن سوريا، اي انهم يوظفون «داعش» لخدمة مصالح طائفية ضيقة، كما إن اليمين الأميركي يجد أن إتباع سياسة إدارة الأزمة لا حلها في التعامل مع تنظيم «داعش» الإرهابي هو أمر يخدم مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل لأن هذه السياسة تجعل المنطقة كلها في حالة ضعف دائمة.وهنا يأتي دور العراق بصفته حليفاً لواشنطن لبذل المزيد من الجهود لتغيير هذه القناعات الاميركية المغلوطة عبر قنوات رسمية او من خلال شخصيات اميركية صديقة او عراقية تمتلك القدرة على الحوار مع الاوساط الحكومية والبرلمانية في الولايات المتحدة، ولعل من بين هذه الوسائل ممارسة الضغط على واشنطن عبر التعاون مع إيران وروسيا وحتى الصين ودول أخرى ليست حليفة للولايات المتحدة في محاربة تنظيم «داعش» الإرهابي، وبما ان حلفاء واشنطن في المنطقة يلعبون بأوراق الضغط عليها، فإن العراق يحتاج الى ممارسة بعض الضغط على صانعي القرار الاميركي، بل إن الادارة الأميركية ذاتها تحتاج أحياناً الى بعض الضغط عليها لتبرر تغيير سياساتها امام الأطراف الرافضة للتغيير داخل الولايات المتحدة.