التصنيف: الرأي

  • «الاحتياطي» والخطوة القادمة

    محمد العريان 
    أدت هشاشة الاقتصاد العالمي وضعف الظروف في الولايات المتحدة والتصريحات الأخيرة من قبل بعض المسؤولين في الاحتياطي الفيدرالي إلى توقع متزايد بأن البنك المركزي لن يرفع أسعار الفائدة هذا العام.
    بيد أن أولئك الذين يتوقعون الآن أن يؤجل الاحتياطي الفيدرالي أول زيادة له خلال يقرب من عشر سنوات حتى شهر مارس القادم، ربما يكونوا مخطئين في قراءة السياق المحلي والدولي على نطاق أوسع.
    وانطلاقاً من تراجع الصادرات وتضاؤل عائدات الشركات من المبيعات في الخارج، فإن ضعف الاقتصاد العالمي يميل إلى كبح توسع الولايات المتحدة. غير أن حجم ونطاق هذه التأثيرات يضعف مقارنة بتأثير التطورات المحلية. وفي الواقع فإن مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي لن يضعوا الظروف العالمية في الاعتبار إلا بشكل هامشي، إذا كان هذا الضعف لا يساهم في عدم استقرار الأسواق المالية.
    وعلى سبيل المثال، فقد أدت المخاوف الاقتصادية بشأن الصين إلى تقلبات مالية على نطاق واسع في الأسابيع التي سبقت اجتماع لجنة السوق المفتوحة الاتحادية الذي عقد في منتصف سبتمبر المنصرم. هذه الانحرافات والانخفاضات المضطربة في الأسعار، جنباً إلى جنب مع العدوى السلبية بين فئات الأصول، كانت بمثابة أسباب هامة لقرار البنك المركزي بعدم رفع أسعار الفائدة في ذلك الوقت.
    والآن، فإن الأسواق في جميع أنحاء العالم قد استعادت وضعاً أفضل وأصبحت الرياح الخارجية المضادة ليست بنفس القوة، على الرغم من عدم انتعاش النمو حتى الآن في الصين وبقية الدول الناشئة.
    وعندما يتعلق الأمر بالاقتصاد الأميركي، فإن قضية رفع الفائدة تواجه مؤشرات في الآونة الأخيرة فيما يتعلق بضعف المستهلك، وتأثير ذلك على تجار التجزئة. لكن هنا أيضاً فإن السياق الأوسع نطاقاً هو المهم.
    وعقب البداية البطيئة بشكل محبط في فترة ما بعد الأزمة، شهد الاقتصاد الأميركي أداءً مثيراً للإعجاب فيما يتعلق بتوفير فرص العمل، بيد أن تحقيق مزيد من التقدم يعتمد على قضايا هيكلية مهمة ليس من السهل علاجها عن طريق سياسة الاحتياطي الفيدرالي. وفي نفس الوقت، فإن الضغوط الناجمة عن الأجور والتضخم قد بدأت في إحداث تغيير، وإن كان بطريقة متواضعة. والمخاوف بشأن الإفراط في المجازفة- آثار جانبية غير مقصودة لاستخدام البنك المركزي سياسة نقدية غير تقليدية لفترة طويلة- لا تزال بعيدة عن الحل.
    وكل هذا يشير إلى أنه على الرغم من أن ارتفاع الفائدة في شهر أكتوبر يمكن تقريباً أن يكون منخفضاً، إلا أنه سيكون من السابق لأوانه استبعاد قيام الاحتياطي الفيدرالي باتخاذ إجراءات في شهر ديسمبر القادم، ناهيك عن التنبؤ بتأجيله حتى شهر مارس من العام المقبل. وقد يكون هذا رهاناً مؤكداً فقط في ظل مزيد من مظاهر الضعف في الاقتصاد المحلي، علاوة على عودة عدم الاستقرار إلى الأسواق المالية العالمية.
  • انتخابات ميانمار

    بول فرييز 
    مثل العديد من الجماعات العرقية الواقعة تحت الحكم العسكري في ميانمار، فإن شعب كاتشين طالما سعى لنيل الحكم الذاتي. ويوم الخميس الماضي، أعلنت حكومة ميانمار عن «وقف لإطلاق النار في جميع أنحاء البلاد» مع ثماني جماعات عرقية متمردة قبل إجراء انتخابات الثامن من نوفمبر المقبل. بيد أن «جيش استقلال كاتشين» لم يوقع الاتفاق. ومع ذلك، ثمة في ولاية كاتشين بوادر أمل في التوصل لسلام. وتستند هذه الروح على الفوز الممكن لـ«الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» المعارضة، بقيادة «أونج سان سو كي»، في أول انتخابات ديمقراطية تشهدها البلاد منذ 25 عاماً.
    وستعمل «سوكي»، زعيمة المعارضة، مع الجيش لإحياء الحوار السياسي حول تأسيس اتحاد يضم جماعات عرقية لها مزيد من السيطرة على شؤونها المحلية.
    وقد أثارت «سو كي» الحماس للمشاركة في الانتخابات خلال زيارة لولاية كاتشين، حيث لقي موكبها استجابة من الحشود الكبيرة. ولم تذكر زعيمة المعارضة خلال السنوات الأخيرة سوى القليل عن النزاع في ولاية كاتشين، لكنها قالت للجماهير: «إذا كنتم تريدون أن نحقق السلام، فعليكم منحنا ما يكفي من الأصوات لتشكيل حكومة».
    ويتنافس خلال انتخابات الشهر القادم «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» و«حزب التضامن والتنمية» الحاكم بزعامة الرئيس «ثين سين». وقد تم تخصيص ربع مقاعد البرلمان للضباط العسكريين غير المنتخبين، بموجب الدستور الذي صاغه الجيش.
    وقد تولى «ثين سين»، وهو جنرال سابق، السلطة عام 2011 في إطار عملية التحول الديمقراطي، لكن الجيش استمر في فرض سيطرته على المناطق الحدودية المتمردة، ولا يزال القتال دائراً في ولاية كاتشين. في هذه الولاية، من المتوقع أن يتقاسم حزب «سو كي» أصوات المعارضة مع ثلاثة أحزاب محلية جديدة، أحدها هو «حزب الديمقراطية بولاية كاتشين»، بزعامة المتمرد السابق «مانام توجا» الذي تحول إلى سياسي معارض يدعو لإقامة اتحاد فيدرالي ومنح كاتشين قدراً أكبر من السيطرة على مواردها الطبيعية، ووقف إطلاق النار.
  • المعادلة الروسية تتجاوز سوريا

    سميح صعب 
    تخطئ الولايات المتحدة اذا اعتقدت ان العملية العسكرية الروسية في سوريا وظيفتها حماية نظام الرئيس بشار الاسد من السقوط والحفاظ على قاعدتها البحرية في طرطوس التي كانت – قبل التعزيزات الروسية في سوريا – آخر موطئ قدم لروسيا في الشرق الاوسط بعد الخسارات المتتالية التي منيت بها موسكو في المنطقة منذ معاهدة كامب ديفيد بين مصر واسرائيل وصولا الى تفكك الاتحاد السوفياتي وخسارة دولة اليمن الجنوبي سابقا بعد الوحدة اليمنية عام 1990 وتفكك الصومال في العام ذاته وما تلا ذلك من خسارة العراق بعد حرب الخليج الثانية وما انتهى اليه ما يسمى بـ»الربيع العربي» من خسارة ليبيا نهائيا بعدما تقاسمها الغرب والاسلاميون.   
    ان العملية العسكرية الروسية تتخطى في بعدها الستراتيجي الجغرافيا السورية، لتؤشر الى انطلاق معادلة سياسية – عسكرية جديدة على مستوى الشرق الاوسط بكامله. هذا ما يدل عليه الهجوم الروسي العسكري ضد الارهاب في سوريا والهجوم الديبلوماسي المتمثل في اعادة انتاج علاقات وثيقة مع العراق ومصر وبناء علاقات وطيدة مع تركيا والسعودية وهما دولتان تعارضان بشدة الغارات الروسية في سوريا.  وطبعا لا حاجة للتذكير بالعلاقات المميزة بين موسكو وطهران سواء على الصعيد الاقتصادي او في تطابق المواقف حيال الكثير من القضايا الدولية وفي مقدمها الازمة
     السورية.  
    وليست المعادلة الروسية الجديدة مقتصرة على الشرق الاوسط، بل ان روسيا توسع قوس التحدي للولايات المتحدة من الشرق الاوسط الى آسيا الوسطى. وكان الاتفاق الذي وقعته جمهوريات سوفياتية سابقة في كازاخستان الاسبوع الماضي لإنشاء قوة عمل مشتركة للدفاع عن الحدود في وقت الازمات، رسالة بالغة الدلالة. كما ان اعلان روسيا استعدادها لنشر قوات على الحدود بين طاجيكستان وافغانستان لمنع تنظيم «داعش» الارهابي من التسلل الى آسيا الوسطى، بمثابة اعادة رسم لمناطق انتشار الجيش الروسي على الحدود التي كان ينتشر فيها الجيش السوفياتي 
    السابق.      
    كما ان تهديد روسيا بنشر نسخة متطورة من صواريخ «اسكندر» المتطورة في جيب كاليننغراد ردا على احتمالات نشر اميركا اسلحة نووية في المانيا، يؤشر ايضا الى ان موسكو ليست بوارد القبول بواقع عسكري – سياسي تفرضه الولايات المتحدة في اوروبا سواء عبر الاستمرار في تمدد حلف شمال الاطلسي شرقا نحو الحدود الروسية او عبر العودة الى تعزيز الوجود العسكري الاميركي المباشر سواء في جمهوريات البلطيق او في بولونيا تحت ذرائع الخوف من تنامي القدرة العسكرية الروسية اثر ضم روسيا لشبه جزيرة القرم العام الماضي ودعم مقاتلين انفصاليين موالين لروسيا في شرق
     اوكرانيا.
    من هنا تأتي العملية العسكرية الروسية في سوريا في سياق روسي اوسع يرمي الى ارساء قواعد نظام عالمي جديد يكسر النظام العالمي الذي ارسته اميركا قبل ربع قرن مع انهيار الاتحاد السوفياتي وكسب الولايات المتحدة للحرب الباردة.   
    ووفق تقرير لمجلة «الايكونومست» فإن اميركا لا تواجه تحديا عالميا من روسيا وحدها، بل ان القوة العسكرية المتنامية للصين وعروض القوة التي تقوم بها بيجينغ في بحر الصين الجنوبي، تدل على ان الولايات المتحدة لم تعد قادرة على الانفراد بفرض معادلات عسكرية في كثير من مناطق العالم. والحرب الصامتة بين الصين واليابان حول الجزر المتنازع عليها في المحيط الهادي وتشجيع واشنطن لليابان على تبني تشريعات تجيز نشر قوات يابانية في الخارج للمرة الاولى منذ الحرب العالمية الثانية، يشير ايضا الى القلق الاميركي من الصعود العسكري والسياسي للعملاق الاقتصادي الصيني.   
    ويطرح هذا التحدي الروسي – الصيني المزدوج على الولايات المتحدة، اقوى تحد بالنسبة الى مكانتها العالمية بصفتها الدولة العظمى الوحيدة والتي لا تزال الاقوى اقتصاديا وعسكريا حتى اليوم. لكن الصعود الروسي لم يعد مسألة عابرة يمكن تجاوزها بمجرد فرض عقوبات اقتصادية على الكرملين فيعود الرئيس فلاديمير بوتين الى بيت الطاعة او يكف عن المشاكسة 
    عالميا.   
    ان روسيا عبر سوريا تثبت انها قادرة على ممارسة دور عسكري عالمي ربما لم تكن دوائر الاستخبارات الغربية بمن فيها الاميركية تتوقع ان يصل الى هذا المدى او يمكن ان تكون لموسكو القدرة عليه لا سياسيا ولا عسكريا. هذا المعطى الروسي الستراتيجي اوقع الغرب في الحيرة والارباك وجعله يعمل على استيعاب الصدمة الروسية قبل الانتقال الى مرحلة الرد او التسليم بالمكانة الجديدة لروسيا على المستوى العالمي وليس في الشرق الاوسط فحسب.
  • إعادة الأموال المنهوبة

    علي حسين عبيد 
    من الأمور التي تطفو على السطح بوضوح، ويمكن ملاحظتها من دون عناء، محاولة الرؤوس السياسية الكبيرة والصغيرة للتنصل من مسؤوليتها عما حصل من اخطاء وتجاوزات، وهنا ينطبق مضمون «الاعتراف بالخطأ فضيلة» على كل من يحاول التنصل من اخطائه ومسؤولياته من الساسة العراقيين.
    إن المحاولات المستميتة لهؤلاء السياسيين للتهرب من مسؤوليتهم ليست هي الحل، وانما ينبغي مواجهة الامور بشجاعة والاعتراف بالاخطاء الجسيمة التي اقترفتها الكتل والاحزاب والشخصيات السياسية، بحق الشعب والبلد وبحق نفسها ايضا، وأن تبدأ بالعمل الفوري على التخطيط والاعلان عن خطة عملية لاصلاح الذات، تساعد الدولة والحكومة على انجاز مهام التصحيح بأسرع وقت وأفضل طريقة.
    كذلك بدأ بعض من يشترك في صناعة القرار بمحاولات واضحة لخلط الأوراق، فالكل بات يدعو لتعديل الاوضاع وتصحيحها، مع انه هو اول المسؤولين عن مكامن الخلل التي تأسست في النسيج المجتمعي والسياسي، ويتضح من هذا السلوك أن هنالك إيغالا واصرارا على التهرب من مواجهة الاخطاء والمشكلات القديمة، فالاصلاح كما يؤكد اصحاب الشأن من مفكرين وعلماء وفلاسفة، ينبغي أن يبدأ بالنفس أولا، أي لا يجوز لشخص او جهة او حزب ان يدعو للاصلاح وهو لم يصلح نفسه، فبداية التصحيح ينبغي أن تبدأ بالذات، وعندما يعالج الانسان مكامن الخلل في ذاته، فقد يكون بإمكانه توجيه الدعوة للآخرين كي يصلحوا أنفسهم، وهذا يستند الى القول المعروف أن «فاقد الشيء لا يعطيه»، فإذا كان الفرد غير صالح، ففي هذه الحالة لا يمكن أن يساعد على تحقيق الاصلاح في ذوات الآخرين.
    فمثلا اذا كان السياسي الفلاني، او الحزب الفلاني، يدعو الى تقويم الجهاز الاداري وسواه في الدولة، او يدعو الى اصلاح نفوس القادة وذوي المناصب الحساسة وما شابه، فإن الأولى أن تبدأ هذه الدعوة من السياسي او الحزب نفسه، فمثلا عندما تبادر بعض الاحزاب والكتل الكبيرة بإخلاء ممتلكات الدولة التي سيطرت عليها بالنفوذ والقوة خارج القانون، فهذه خطوة من الخطوات التي تساعد الحكومة والدولة على اعادة الامور لنصابها، ولذلك لا بد أن تبدأ عملية الاصلاح من الذات، لأن الفاسد لن يكون قادرا على تحقيق التصحيح الفعلي للأمور كافة، نعم هو يمكن أن يقول في اللقاءات ووسائل الاعلام كافة، بأنه مع الاصلاح ويدعو له وما شابه من تصريحات وخطب، ولكن الواقع غير ذلك تماما، فمن يتمسك بالفساد ويدعمه بالفعل، لا يمكن أن يدعو للخلاص منه بالقول
     فقط.
    إننا اليوم نحتاج الى خطوات فعلية للتقويم والتصحيح، يبدأ بها المسؤولون السياسيون أنفسهم، وكل من يشترك بالعملية السياسية وله نفوذ بها، أي ينبغي أن يبدأ الاصلاح بالطبقة السياسية نفسها، حتى تكون نموذجا للشعب كله، فالاحزاب والكتل التي تدعو الى الاصلاح هي نفسها تسيطر على ممتلكات عامة كما سبق القول، مثل المقرات والقصور وما شابه، وعندما تتم مطالبتها بالخضوع للقانون وتسليم تلك الممتلكات، ترفض ذلك، وفي الوقت نفسه تدعو الآخرين لتطبيق الاصلاح، هذا التناقض بين القول والفعل هو اساس المشكلة في العراق الآن، لذلك فإن جميع الامور الخاطئة التي يرتكبها المسؤولون ينبغي أن يتم اصلاحها قبل مطالبة الآخر بالاصلاح، كذلك ينبغي أن يبدأ الاصلاح بتعقّب الفاسدين والمفسدين ممن عبثوا بموارد الشعب والدولة، وينبغي ان توضع خطة واضحة لاعادة الاموال التي سُرقَت او أهدرت او تم اختلاسها في صفقات وهمية، وقد اكدت المرجعية الدينية في خطب عديدة على أهمية وضع خطة واضحة للاصلاح. إن الاصلاح يبدأ من هذه النقطة بالذات، أي من ملاحقة الفاسدين واعادة الاموال العامة المنهوبة الى خزينة الدولة، حتى القديمة منها، فهناك صفقات فاسدة وعمليات اختلاس واسعة جرت منذ بداية العملية السياسية بعد نيسان 2003، وقد سرقت فيها عشرات المليارات، وهي معروفة للجميع، فكيف بالجهات الحكومية والقضائية المختصة التي هي بلا شك تمتلك الوثاق التي تدين هذه الرؤوس، بالأدلة القاطعة، لذلك ينبغي وضع خطة اصلاحية عملية، تقتص من هؤلاء الفاسدين، وتعيد اموال الشعب العراقي إليه، خاصة اننا نمر اليوم في ظرف مالي واقتصادي خطير، قد يضع مستقبل البلاد والشعب في مفترق طرق، ونعود لنؤكد ان الاصلاح لا يمكن أن يكون له التأثير الفعال ما لم يبدأ السياسيون والقادة والاحزاب وغيرهم، بمعالجة أنفسهم أولا، وهذا هو الطريق الواضح والسليم والناجع للاصلاح، وإلا فإنه سوف يبقى ضربا من الكلام والتصريحات التي تذهب كهواء في شبك.
  • النجاح صناعة أم حظ؟

    زينب حفني 
    استقطب مقطع على «يوتيوب» آلاف المشاهدين، ويتضمن المشهد قاضية تحكم على مجرم بالمؤبد، مذكّرة إياه بعد النطق بالحكم أنها كانت زميلة له في الدراسة بالمرحلة المتوسطة، وكيف كان وقتها من ألطف الأطفال، ناصحة إياه بتغيير نفسه نحو الأفضل، خاتمة حديثها له بالقول بأن من المحزن أننا كبرنا في العمر. تأثرتُ كثيراً بالمشهد، ولا أدري إن كان حقيقيّاً أو تم جزُّه من أحد الأفلام الأميركيّة! فمع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، أصبح من الصعب التفريق بين الحقيقة والزيف، وبين الواقع والخيال، لكن في النهاية أثار هذا المشهد في نفسي الكثير من التساؤلات! هل نحن الذين نصنع نجاحاتنا، أم أن الظروف التي نمر بها بباكورة عمرنا هي التي تصنعها لاحقاً؟ هل بالفعل هناك أناس محظوظون تفتح لهم الدنيا ذراعيها عن آخرها ويُصبحون ملء السمع والبصر من دون أن يسعوا قيد أنملة لخلق هذا النجاح الباهر؟ وهل هناك فئة أخرى تظلُّ تحفر طوال الوقت في الصخر بأيديها وبأرجلها بغية الوصول لمرادها، ولا تنال إلا أقل القليل، صارخة بمرارة.. لماذا حظّنا قليل؟ لا أُنكر أنني عرفتُ كثيرين حاولوا أن يجدوا لهم مكاناً رفيعاً بمجتمعاتهم، لكن الحظ لم يُحالفهم أينما ذهبوا، مما أدّى إلى قوقعتهم على أنفسهم وندب حظّهم العاثر! وعرفتُ أناس على النقيض، استطاعوا تحويل التراب إلى ذهب بغمضة عين دون أن يُجاهدوا هنا وهناك لتحقيق نجاحاتهم! هذا لا يعني أن نأخذ هذه النماذج قاعدة عامة، وأن الإنسان نجاحاته مرتبطة بحظّه! أنا أؤمن أن الظروف المحيطة بالمرء لها دور كبير في تحقيقها. الأسرة لها دور كبير في النجاحات، وكم من آباء وأمهات بسبب لومهم الدائم لأبنائهم ونعتهم بالفاشلين، كانوا عاملاً في انزلاقهم بمنتصف الطريق! وكم من مجرمين كانوا ضحايا أسرهم وسبباً مباشراً في تورّطهم بجرائم وانتهاء حياتهم في السجون! بلا شك الظروف التي يمر بها الإنسان منّا في بداياته، هي التي تُحدد مساره مستقبلاً. وعودة إلى المشهد السينمائي الذي شاهدته، أعتقد بأن هذا الرجل قد مرَّ بظروف قاسية! ربما غياب الأب عن البيت وقلة حيلة الأم والفقر المدقع الذي عاش فيه، كانت من العوامل التي أدّت إلى سقوطه بمستنقع الجريمة! ربما كانت طموحاته أكبر من قدراته وهذه مصيبة أخرى! فليس هناك أصعب على المرء من أن يحلم بتحقيق الكثير ولا يملك سوى القليل من المواهب! هذا كله لا يعني الاستهانة بالإرادة والرغبة الملحة في الوصول للمراد. فكم من أناس ولدوا معدمين وظلَّ حلمهم يتراقص أمامهم إلى أن جعلوه حقيقة ملموسة. لذا لا يجب أن يتخلّى أيٌّ منكم عن حلمه بسهولة! هدهده وهو بالمهد. ضعه بين جفني عينيك وأنت تغطُّ بالنوم كي لا يسرقه أحد منك. اقبض عليه بقوة بين أصابعك وأنت تتخبّط في لجج الحياة كي لا يتوه منك للأبد. لا تيأس وتقول مثل الكثيرين: «اعطيني حظ وارميني في البحر!». فالبحر قد يقذفك بأمواجه العالية نحو شاطئ مهجور لا حياة للآدميّة فيه، وتموت بنهاية المطاف وحيداً! وقد يدفعك نحو جزيرة خضراء لكنها مجهولة الهويّة! لذا لا بد أن تُجدّف بكل ما أوتيت بقوة نحو هدفك المنشود. انسَ آلامك، أحزانك، انتكاساتك، وتذكّر أن تحمي حلمك بقوة، وعندما تصل لمبتغاك قل واثقاً.. بإرادتي صنعتُ حلمي. أحلامنا تُولد معنا ونحن في أحضان أمهاتنا من دون أن ندري، وعندما نُدرك معنى الحياة علينا أن نقوم بحمايتها كي لا تموت بين أذرعنا. لعبة الحظ جميلة لكن النجاح المبني على الإرادة أجمل.
  • سر توالي الإنتصارات في عاشوراء

    واثق الجابري 
    تتحرك حشود كل عام بعفوية، ويعتقدون أن محرم نهر عطاء؛ يخسر من لا يغترف من ماءه، ويعبرون بشكل مسارح سيّارة وتشابيه وقصص تروي البطولة، تحاكي الحداثة والتطور؛ لتنقل أحداث من 1400 عام، فتحرك جمراتها في قلوب أبت إلاّ أن تتخذ من الحسين ملهماً ومعلماً وقائداً وقمة بين القمم.
    أسئلة كثيرة تتحدث عن سر الحب الحسيني، وأمثلة عديدة يستنسخها الزمان عن واقعة عاشوراء ويبقى الزمان متوفقاً ويقول:” لا يوم كيومك يا ابا عبدالله”، و” سلماً لمن سالمكم وحرباً لمن حاربكم”.
    تجلت كل القيم الإنسانية وقمة ذروة الصراع الإزلي عند الحديث عن واقعة الطف، وهناك قمة التضحية والعطاء، ومشعل التأسي بالمنهج الثوري الإصلاحي، ودعوة صريحة؛ لإعلان الحرب على من خالف منهج النبوة وقيم الإنسانية والأخلاق.
    يسأل بعضهم عن أسباب حمل الإمام الحسين عليه السلام لعياله ونساءه، وهو عارف بمصيره الحتمي، وأعداءه لا يرحمون، فيأتي الجواب: أن الإمام أراد الخلود لهذه الواقعة، وأن لا تدفن التضحية في الصحراء؛ فكان الصوت الزينبي وسيلة إعلام تشج رأس التاريخ، وما يزال صداها يصدح ويعطي أثره الى اليوم.
    لابد من الإلتفات صورة مميزة هذه الأيام؛ وهي سر توالي الإنتصارات وإنهزام الإرهاب مع إنطلاق عمليات إعادة الإرض العراقية المغتصبة، وتتلخص الصور بأن أولها؛ إصرار المقاتلين على حمل الراية الحسينية، وثانيها إقامة المواكب في جبهات القتال وعلى السواتر، والأخيرة الإستعداد لإحياء تاسوعاء ومعاهدة الأمام الحسين وتجديد البيعة بأكثر من الأعوام السابقة.
    يُعبر المقاتلون في الصورة الأولى؛ على أن العدو نفسه وأن تغير الزمان والمكان والأدوات، وأن الدم سينتصر على السيف والذباحين والمفخخات وعصابات الجريمة، وأن الإمام الحسين قائد لأحرار وثوار لا يقبلون الذل والظلم والمفاسد.
    في الصورة الثانية موكب أقامته أحد فصائل الحشد الشعبي” سرايا عاشوراء” على الساتر الأول، وتحت نيران سلاح العدو، كخطوة تحدي وإصرار، وكأنهم ينصبون خيامهم مثل إمامهم وهم بمثابة عياله وأنصاره، ويقدمون حياتهم فداء لأرض العراق، وقد صدقوا في قولهم: ” سلم لمن سالمكم وحرب لمن حاربكم”.
    الصورة الثالثة: الإستعداد السنوي لإحياء يوم تاسوعاء؛ حيث الإختيار والإختبار الإنساني والأخلاقي والإيماني، وتسجيل الحضور في اللحظات الحاسمة، ومنها قرار النفوس؛ أما أن تكون مع الحق أو تنجرف مع الباطل، وأما موت العزة أو حياة الذلة، وإحياء تاسوعاء؛ إثبات العدة والعدد والإستعداد، ومنها نقول نحن حسينيون وسننتصر.
    إن الثورة الحسينية أزلية عجنت في تكوين محبيها، ولا يمكن إقتلاع جذورها بالقوة والتشويه، وصداها يرن في قلوب حرة إرتمت بأحضان المنهج الحسيني، وعبرت عن ولاءها وحبها للحق والإنسانية والتعايش السلمي.الحب الحسيني؛
     سر لا يعرفه سوى ثلة من المؤمنين؛ إمنوا بأن عطاء الإمام الحسين فاق المعطيات الإنسانية، ولا يوم كيوم أبا عبدالله.يبقى التاريخ الإسلامي عاجزاً وناقصاً؛ مادامه لم يستوعب ثورة الإمام الحسين، وسيعاني المسلمون الصراعات الداخلية والتهميش العالمي؛ كلما إبتعدوا عن منهجه،
    ولكن للعطاء خلود وقصص وأساطير تتناقلها الأجيال؛ بصور بطولية تبعاً لزمانها،
     وتحاول اللحاق بركب أكبر تضحية في التاريخ؛ وأعظم صبر، ويبكي الموالون على الكرامة الضائعة على أيدي الطغاة، ثم يسطرون مجداً؛  من عزم ملهم العزة والصبر والإباء، وما هذه الصور؛ إلاّ سبب للنصر؛ بتضحية حسينية وصوت زينبي.
  • وهم العروبة..

    نصير فليح 
    يوما بعد يوم تتضح اكثر فأكثر وهم العروبة والانتماء العروبي. وما مر على العراق والعرب في الاعوام الاخيرة، ولا سيما  بعد عام 2003، جعل من الامر في يومنا طرفة سمجة، بل كذبة بلقاء، وعلى يد من؟ على يد اكثر من نادى بها وحرض لأجلها!.
    الصراع بين عراقية العراق وعروبته قديم. وعندما سام الدكتاتور الملايين من الشعب العراقي ويلات العذاب والحروب، كان المجتمع والرأي العام الرسمي والشعبي العربي بوجه عام مساندا للطاغية، جاهلا ومتجاهلا ويلات اكثرية الشعب العراقي. 
    وعندما سقط الطاغية ونظامه عام 2003، قامت قيامة «الاشقاء» ولم تقعد. لم يروا، او لم يريدوا ان يروا، إلا جانبا واحدا من الموضوع، هو الاحتلال العسكري الاميركي، او صعود الشيعة الى الحكم. اما زوال نظام همجي بريري غاشم جثم على صدر الملايين، فلم يكن يعني شيئا. وهذا الزعيق والنهيق امتد من قناة الجزيرة الى الرأي الرسمي (القلق من الديمقراطية) الى شرائح شعبية واسعة الى مثقفين مأجورين او واهمين او حتى بارزين من امثال ادوارد سعيد، الذي يبدو انه لم يستطع ان يصدق ما كان يجري داخل عراق البعث. وكيف لا؟ فالجذور «القوموية» البائسة كانت موغلة التجذر، والعداء لاميركا والامبريالية يجعل ضيق الأفق لا يرى إلا هذا الجانب من المعادلة فقط، والانظمة العربية خائفة من الديمقراطية الجديدة، والفكر القوموي العروبي والاسلاموي، جعل من الكرد والشيعة ضحية مشروعة الاستبداد، صامتا عن كل ما كان يجري، فالكرد ليسوا عربا أصلا – فهم بالتالي مواطنون من الدرجة الثانية – أما الشيعة فليسوا عربا ولا مسلمين اصلا، وبالتالي تحق عليهم لعنة مزدوجة، وهم زاد مشروع لسد جوع الطغيان البعثي.
    ها قد مر اكثر من عقد على ذلك، فما الذي حصل؟ فجأة صحا «الضمير الانساني» العربي الرسمي مع الربيع العربي ومع الازمة الليبية والسورية! فصار من المهم محاربة الدكتاتورية القذافية والاسدية في ليبيا وسوريا، حتى بمساعدة القوى العسكرية الغربية! فقد أصبح المهم هو الانسان ووضعه وليس الشعارات! ولم يعد كون القوات اجنبية ومحتلة امرا مهما مقارنة بالوضع الانساني للشعوب والضحايا! وصار النداء الى التدخل العسكري الاميركي والغربية معلنا بل ومطلوبا بأية وسيلة! اما حمية وغيرة الفكر العروبي والاسلاموي السعودي فتحالفا ضد اليمن، وليس ضد اسرائيل ولا أميركا ولا الغزاة الاجانب! وسوريا التي كانت تدور ضمن نفس الفلك العروبي، باتت لديها اعتبارات جديدة فجأة، فقد باتت الأولية الأخلاقية لمكافحة الارهاب، الذي صار يرى اليه وحشا حقيقيا وليس مجرد كذبة، وبات يعترف بأنه حصد ارواح الآلاف من العراقيين الابرياء في الأعوام الماضية، وانه لم يكن مقاومة مشروعة!.
    المصالح من جهة، والمعاناة من جهة اخرى، هما المحركان اللذان يديران البوصلة. والمعاناة مصهر لكل الشعارات الزائفة، التي يسترخي عليها الأدعياء، فعندما صارت الانفجارات تطال الناس في تلك البلدان، باتوا يعرفون بوضوح، وهم يرون براءة الضحايا، وشواء اجسادهم، وتقطع اوصالهم، الفرق بين «المقاومة» والارهاب، هذا الفرق الذي لم يكثرثوا له مطلقا، بل مجدوه ورفعوا من مقامه، عندما كان ينهش بلحم العراقيين وحدهم، مثلما فعلت الدكتاتورية سابقا.
    اذا، فالقوموية العربية، بكل شعاراتها الزائفة – هذه القوموية التي فرخت انظمة مثل جمال عبد الناصر وحكم البعث في العراق وسوريا – باتت يوما بعد يوم، تكشف عن خوائها القبيح، وتحولت بالتدريج من نجم عال يشد عيون الملايين، الى امر مشكوك فيه، ثم وهم، فخرافة، واخيرا – في الواقع العربي الممزق الحالي – الى عورة لا تسترها ورقة توت واحدة. وهذا ما سيكون من مصير الاسلاموية التكفيرية، شقيقتها التاريخية، انها مسألة زمن لا اكثر.
  • حديث الهجرة

    جمال جاسم أمين 
    ما يجري اليوم من تداولات يصلح ان نطلق عليه (حديث الهجرة)، باعتبار شيوعه وأهمية هذا الحديث على المستوى العام، المقصود هنا موجة الهجرة التي نسمع عنها ونتداول اخبارها وللعراقيين حصة واضحة فيها، حصة في مخاطرها وفداحة آثارها الوطنية التي قد لا تظهر في القريب العاجل، هي تضحية من نوع ما بالرصيد الوطني، البشري هذه 
    المرة خاصة وان اغلب المهاجرين هم من قطاع الشباب.
    بالطبع ينبغي ان نلتفت قليلا لتاريخ الهجرات العراقية بدءا من اربعينيات القرن الماضي وهو الموضوع الذي سبق ان فصلناه في اكثر من مقال، هجرات في اغلبها كانت بدافع ضغوط سياسية تمارسها السلطات اما ضد خصم ايديولوجي او شريحة اجتماعية لا تجد لها تمثيلا كافيا في الحياة العامة كالاقليات مثلا التي ظلت تعاني تهميشا فادحا على مستوى السياسة والمجتمع.
     الاقسى على هذا الصعيد هو التهميش الاجتماعي الناتج عن نوع النظام السائد، ما يرتب طريقة ما لانتاج القوة والاستحواذ الذي يخلق شعورا بالغبن عند البعض، الامر الذي يعني ان الخزان البشري العراقي يتعرض للإفراغ بين فترة واخرى وربما بين عقد وآخر، ويمكن حساب هذه الهجرة العقدية بدءا من سبعينيات القرن الماضي، ففي السبعينيات حصل النبذ السياسي لكل مثقفي اليسار مثلا، ما اضطرهم للهجرة، وفي الثمانينيات كانت الحرب مبررا لهجرة قسرية جديدة.
     وما ان حل عقد التسعينيات حتى دفع الحصار الاقتصادي شرائح من الناس والشباب من بينهم الى الهجرة بحثا عن الرزق، ولم تنته الدورة الا لتتصل بدافع جديد لهجرة من نوع آخر، ما بعد 2003 وبسبب فقدان الامن تمدد التهجير والهجرة معا، وها نحن بعد أكثر من عقد نقف امام نوع جديد من الدوافع – الإحباط هذه المرة والشعور ببطء الحلول المرتجاة ، البطالة و الكساد –  ونجد أن الاسباب تتداخل بين الدافع السياسي والاقتصادي والاجتماعي هذه المرة. البعض يتحدث عن فقدان الامن بسبب الاوضاع السياسية الجارية وما يرافقها من تهديدات ارهابية تطال الدولة والمواطن، وهي  مشكلة يصعب التكهن بنوع حلها والزمن المستغرق لهذا الحل، بينما يتحدث آخرون عن الاسباب الاجتماعية ذاتها التي دفعت عددا من ابناء الاقليات في فترات سابقة الى الهجرة، هذا الدافع يجد اليوم ما يبرره اكثر في ظل مظاهر فوضى تهدد الجميع، غير ان ثقل هذه المظاهر تتحسسه بعض الشرائح اكثر من غيرها، فالايزيديون مثلا عانوا ظروفا قاسية بحكم هويتهم الدينية اكثر من غيرهم وبسبب جغرافيا وجودهم التي سيطرت عليها الجماعات التكفيرية فدفعت هذه الطائفة ثمن وجودها هناك، والامر ذاته ينطبق على المسيحيين ايضا، ما يعني ان مبررات الامس تعود اقوى بفعل الارهاب الذي يطال هذه الشرائح بدرجة اقسى علما ان الارهاب يطال الجميع. هناك من يضع العامل الاقتصادي ضمن العوامل الدافعة نحو الهجرة وخاصة بين قطاعات الشباب التي تعاني البطالة وما زاد الطين بلة كما يقال اجراءات التقشف التي لجأت اليها الحكومة بسبب الازمة المالية الخانقة وتوقف اطلاق الدرجات الوظيفية في عموم مؤسسات الدولة،
     الامر الذي ترك هامشا عريضا من البطالة وعددا لا يمكن اغفاله من الخريجين وغير الخريجين العاطلين عن العمل، وترافق هذا كله زيادة ملحوظة في الاسعار وشحة في الكسب! هذا العامل (الاقتصادي) يحتاج الى مداولة بعض الشيء، هل فعلا توجد ندرة في فرص العمل ام ان هناك خللا ما في ثقافة العمل لدينا؟ اقصد الركون للعمل الجاهز كالوظيفة العامة مثلا وعدم تطوير المشاريع الخاصة حتى لو كانت صغيرة. ما يلاحظ ان اغلب المهاجرين سيمارسون اعمالا في بلدان الهجرة ما كانوا يقبلون بممارستها في بلدهم الاصلي! ما يعني ان ثقافة العمل لدينا بحاجة الى اعادة توصيف كي لا تنهض مبررا بهذا الحجم، بالتأكيد هناك من يغريه التهويل على هذا الصعيد، اقصد الحديث عن ندرة الفرص المتاحة للعمل في العراق. 
    هذا الكشف يتوخى بحث حديث الهجرة للتمعن في مبرراتها التي تأخذ صورا شتى كما يطرح ضرورة بحث الاصلاح كي لا يتحول الإشكال الى مشكلة، فقد تحولت الهجرة من مشروع فردي الى ظاهرة وهو الامر الذي يهدد قوة العمل في البلد كما يستهدف قطاع الشباب بالدرجة الاساس وهو القطاع الاهم على صعيد الرصيد الوطني من الطاقة الفعالة والمنتجة، هذه الطاقة التي تحرص الدول عموما على عدم التفريط بها.
    حديث الهجرة اذن هو حديث البحث عن المبررات بقصد ايقاف النزيف وتقليل الضرر في ظرف حرج كالذي يعيشه العراق اليوم.
  • تأملات في انتفاض الفلسطينيين

    د. أحمد يوسف أحمد 
    يبدو من تطورات الأحداث في الأراضي الفلسطينية المحتلة وكأننا في الطريق إلى انتفاضة فلسطينية ثالثة كبرى بعد انتفاضتي 1987 و2000، وسواء حدث هذا أم لم يحدث فإن دلالته بالغة الأهمية؛ لأن اتجاهاً بين المحللين الإسرائيليين كان قد بدأ يشير في ثقة إلى ضعف احتمالات عودة سلوك الانتفاض إلى الشارع الفلسطيني لأن فلسطينيي الضفة بالذات بات لديهم ما يخشون عليه، بمعنى أن حياتهم قد تطورت على نحو طيب، بحيث يخافون على ضياع ما تم من تحسن في مستوى معيشتهم. والواقع أن هذا النوع من التفكير النمطي بامتياز سيطر عادة على العقلية الاستعمارية غير القادرة على فهم سيكلوجية الخاضعين للاحتلال التي تدفعهم إلى المقاومة ولو بدافع اليأس فضلاً عن كون المستعمر لا يفهم عادة معنى الوطن وارتباط أبنائه به وردود فعلهم لامتهان كرامته وإلا فليدلني أحد على معنى أن يقدم صبي صغير على طعن مستوطن أو جندي وهو يعلم أن مصيره في أغلب الظن هو الاستشهاد فإن لم يكن فهو الأسر. وهذا هو المعنى الإيجابي الأول للانتفاضة الراهنة للشباب الفلسطيني لأنها تؤكد أن روح النضال التي تولدت ونمت وتوهجت عبر المسيرة الطويلة للشعب الفلسطيني منذ سلبت أرضه لم تمت. قد تخبو حيناً بفعل هذا العامل أو ذاك ولكنها تعود دائماً كي تؤكد أنه طالما أن اغتصاب الوطن وتشريد أبنائه وامتهان كرامتهم قائم فإن الشعب لن يهدأ حتى يسترد حقوقه، وأن زمن قدرة المستعمر الغاصب على إبادة البشر قد ولّى، ومن الأمور ذات الدلالة الإيجابية أن سلوك الانتفاض لم يقتصر على القدس الشرقية حيث يمعن المستعمر في اغتصاب الأرض وامتهان المقدسات والعصف بالحقوق بما فيها الحق في الحياة، وإنما امتد إلى بقية الضفة الغربية بل إلى فلسطينيي الأرض التي اغتصبت في 1948، فهل يفهم قادة «فتح» و«حماس» المتنازعون الدرس؟
    لا يدعي أحد أن ما يجري حالياً في الأراضي الفلسطينية سيعيد الحقوق لأصحابها، ولكنه بالتأكيد خطوة على الطريق، ولو أن قادة الفصائل الفلسطينية اقتدوا بشعبهم ووحدوا جهودهم لأعقبت هذه الخطة خطوات فاعلة كثيرة في إطار رؤية سليمة واضحة واستراتيجية شاملة، ولكن هذا لا يعني أن ما يجري الآن من انتفاض شعبي لا طائل وراءه، ويكفي أنه كهبّات شعبية أخرى سبقته قد كشف مجدداً عن الوجه بالغ القبح لسلوك المحتل الإسرائيلي وزاد من افتضاح هذا القبح في العالم أجمع. وقد يستخف البعض بأمر كهذا، غير أنه من الواضح أنه يصيب قادة إسرائيل بذعر حقيقي خوفاً من مزيد من تطور التعاطف الدولي مع الشعب الفلسطيني ونمو الاتجاهات الداعية إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية كما بدا واضحاً في الاعتراف السويدي، وكذلك اعتراف عديد من البرلمانات الأوروبية بها هذا العام، والخوف أيضاً من النمو المطرد لحركة المقاطعة الثقافية والأكاديمية لإسرائيل عبر العالم والمزيد من تبلور الكيان الفلسطيني دولياً وصولاً إلى رفع العلم الفلسطيني مؤخراً في الأمم المتحدة. وهكذا بدا نتنياهو شديد العصبية وهو يخاطب الصحفيين الأجانب ويحرص على التحدث إليهم بالإنجليزية ويدافع عن إجرامه بحق الفلسطينيين بالتساؤل عما يمكن أن تفعله الشرطة في أي مكان آخر مثل نيويورك أو واشنطن أو لندن إذا خرج الناس عليها بالسلاح الأبيض يهاجمون المواطنين العزل، ويبدو أن الفكرة أعجبته فإذا بمندوبه في الأمم المتحدة يرددها حرفياً! ويتناسى هؤلاء أن الشرطة في نيويورك وواشنطن ولندن ليست شرطة احتلال تغتصب حقوق الناس وتمتهن كرامتهم. والذعر نفسه يبدو واضحاً من واقعة الطفل أحمد مناصرة الذي قيل إنه أقدم على طعن مستوطن فأطلقت للشرطة الإسرائيلية النار عليه، وذكر الرئيس الفلسطيني أنه قتل بدمٍ بارد بينما كان قد أصيب ونقل إلى المستشفى فملأ الإعلام الإسرائيلي الدنيا صخباً كي يدلل على افتراء الرئيس عليهم وكأنهم لا يقتلون الأطفال والشباب في كل يوم.
    لن تعيد الانتفاضة الفلسطينية الأرض والبشر، ولكنها صرخة إلى العالم كي يفهم ويزيد من تعاطفه ودعمه لحقوق الشعب الفلسطيني، وهي قبل ذلك صرخة للقيادات الفلسطينية لعلها تعترف بعجزها وبأن نقطة البدء في الخلاص من هذا العجز هي التوحد من أجل تصويب مسار النضال الوطني الفلسطيني واستعادة فاعليته، فهل من مجيب؟
  • «طاهش» ووهم الحرية العربية

    ميسون الإرياني 
    طاهش الحوبان، بحسب الروايات الشعبية والتاريخية اليمنية هو ذلك الوحش الأسطوري الذي ذاع صيته والذي أرعب سكان مدينة تعز وغيرها من المدن القريبة، يفترس الناس بعد الغروب فلا يجرؤ أحد على الحركة خارج المدينة بعد ذلك الوقت خوفا منه لزمن معين، إلى أن دارت المعركة الملحمية بينه وبين النقيب أبو رأس والتي انتهت بانتصار الأخير وقتله لطاهش الحوبان، وحتى اليوم وبالرغم من تلاشي أسطورة طاهش، لا تزال الأمهات يخوفن صغارهن به. هناك أيضا «صياد»، أم الصبيان أو كما تسمى في بعض الدول العربية بأمنا الغولة، والتي كبرنا جميعا على سيرتها تخويفا. هكذا نشأ المواطن العربي، محملا بالخوف والقيود منذ الطفولة ..ولم يتغير الحال مع تغير الأحوال واتساع البيئة والأنظمة الضابطة لمسيرة  حياته.
    لطالما كان المواطن العربي أسيرا لسلطة القمع والعنف بكل أشكاله، لذلك فإنه من المثير جدا للسخرية أن نتعجب من نشوء جماعات متطرفة وإرهابية تزداد كثافة المنضمين إليها جنبا إلى جنب مع خريطة القمع والعنف في العالم العربي.
    قبل أن تقوم ثورات ما يعرف بالربيع العربي كان على التنويريين أن يتساءلوا، هل الشعوب العربية قادرة فعلا على التعامل مع الحرية؟
    ان الوحوش التي حبست في الأقفاص وتم ترهيبها لعقود انفتحت سريعا على مفاهيم كالديمقراطية والمواطنة والحرية والانتخابات، بالرغم من تعاطي بعض الدول معها صوريا لكن الحقيقة هي أن الإنسان العربي بشكل عام ليس أهلا لها بعد.
    لذلك سينطلق نموذج بشري مثل وحش حقيقي لتعويض كل مشاعر الاحتقان والحقد والتحدي بصورة غير منظمة تصل للعنف وتخلخل منظومة القيم الأخلاقية، كما حدث في منظومة المسلمات التي تربى عليها. وهذا ما أكدته نظرية «الإحباط والتعدي», التي تحدث جون دولارد بــما يلي: «ان العدوان ينجم عن دافع يُثار عندما تحبط مساعي الفرد الموجهة نحو تحقيق هدف ما», بمعنى أن الإحباط يؤدي دائماً الى التمرّد على الواقع المرفوض وقد يكون تمردا غير مقنن أو محدد الاتجاهات السيكولوجية وأطر العلاقات والتصرفات، وفي بيئة كبيئة العالم العربي والعالم الثالث والذي يعم فيها الجهل، آل مـآل هذا التمرد إلى صورته الأبشع .
    لذلك في ظل غياب الدور التنويري الحقيقي والقيادات المخلصة تحول هذا الربيع العربي إلى جحيم  خالص دمر البلدان، لست طبعا ضد فكرة التغيير او ضد الثورات التي تخلص الشعوب من الطغاة كمرحلة وسلوك بشري إيجابي نحو المستقبل لكن ما حدث ولّد وحوشا حقيقية تهدد الحضارة البشرية كلها، وولّد كائنا لا يعترف بأية قيود ممكنة وإن كانت تلك القيود باتجاه إيجابي حيث خلق ذلك عند هذا الكائن فوبيا الاضطهاد الذي عانى منها مسبقا كرفض مطلق للانصياع لأي نظام كان حتى وإن في سياق الأغلبية فالمتمردون تمردوا على من تمرد قبلهم وبشكل أكثر تطرفا وحتى تم إنشاء ما يعرف بداعش وبوكوحرام وغيرها دون أن تمتلك الانظمة المنهارة أو يمتلك المواطنون أنفسهم تفسيرا لها أو خطة واضحة لمقاومتها حتى ان الحال وصل بالبعض إلى دعمها وتبريرها وذلك لخلق ثغرة لا تفوّت بالنسبة لدول الاستعمار بشكلها القديم والجديد حيث وجدت الذريعة الذهبية لإعادة استعمار العالم العربي تحت ظل حماية سيادتها وأمنها في هيئة حرب عالمية مقنعة تقودها تحالفات صورية وإن من داخل العالم العربي نفسه طبقا لتوزيع المصالح والمنح حيث تحولت الدول نفسها بعد عملية عولمة الخوف من مُصدّر إلى مكافح وهمي وقعنا إثره في الفخ.
    وبالنظر إلى ما سبق يبدو واضحا بأننا بانتظار الأكثر شراسة بينما ندور في ذات حلقة الخوف والعنف والحماية المقنعة في سياق المثل اليمني «لكل طاهش ناهش» مع الاحتفاظ بخصوصية سير هذه الحلقة لكل الدول العربية المنكوبة.