إد كومّينغ
على رغم أن مطعم «راسين» في غرب لندن كان يُحسد على ذيوع صيته ومديح الناقدين وموقعه البارز في مواجهة متحف فيكتوريا وألبرت في شارع برومبتون، أعلن قبل أسابيع أنه سيغلق أبوابه. وهو طوال 12 عاماً قدم الأطباق الفرنسية الكلاسيكية إلى زبائنه. وبدا أنه مؤسسة راسخة وستبقى مفتوحة الأبواب مئة عام. ويقول صاحبه، هنري هاريس، أن المطعم لم يعد قادراً على الاستمرار. «تجديد عقد الإيجار هو وراء القرار. لكن المشكلة الأساسية مردها إلى تراجع عدد سكان الحي. فالزبائن من أبناء الحي غادروا وحل محلهم سكان غير مقيمين. وفي بعض المباني، 20 في المئة من الشقق غير مسكونة، أي خمس زبائن راسين المحتملين. وصار يسيراً ركن السيارة على مقربة من المطعم. وهذا كان عصياً على التخيل في نايتبريدج»، يقول هاريس.
متوسط سعر الشقة 4.5 مليون يورو.
و «راسين» هو الضحية الأخيرة من سلسلة ضحايا ظاهرة تسمى «لايتس آوت لندن» (لندن المطفأة الأضواء): فثمة أحياء يغلب عليها مالكون غير مقيمين يشترون الشقق بمبالغ كبيرة ويساهمون في رفع الأسعار العقارية من غير المساهمة في الاقتصاد المحلي. وحين فتح «راسين» أبوابه في 2002، بلغ متوسط سعر الشقة في نايتبريدج حوالى 745 ألف جنيه استرليني، واليوم ارتفع إلى 3.4 مليون جنيه استرلينيه. ويقدر عدد الشقق الشاغرة في لندن بـ22 ألف شقة. ويخلف هذا الشغور من السكان أثره في القطاع الاقتصادي وقطاع المطاعم وغيرها من القطاعات.
والشقق الخاوية هي مشكلة بارزة في العقارات الباهظة الكلفة المحيطة بهارودز. ووفق دراسة صدرت العام الماضي عن وكالة «المنازل الخاوية»، «إمبتي هومز آيجانسي»، وتناولت منطقتي كنسينغتون وتشيلسي، ارتفعت نسبة العقارات الشاغرة 40 في المئة سنوياً. وهذا الارتفاع لا نظير له في جنوب إنكلترا. والشقق الباهظة الثمن فارغة من سكانها في مدينة صار من العسير أكثر فأكثر أن يكون فيها المرء ملّاكاً. ويسعى مسؤولون سياسيون إلى إجراءات تقيد هذه الظاهرة. وفي صفحات صحيفة «إندبندنت» وصفت تيسا جويل، وهي الساعية إلى الفوز بترشيح حزب العمال إلى الانتخابات البلدية في لندن العام المقبل، الشقق الشاغرة بـ «الفضيحة»، والتزمت في حال انتخابها، فرض ضرائب على مالكيها. «اليوم في لندن يقيم مئات الآلاف في منازل موقتة، وهم مدرجون في لوائح انتظار شقق مشاريع سكنية أو يضطرون طوال سنوات إلى ادخار الأموال والتقتير في الإنفاق لشراء منزلهم الأول. وفي الوقت نفسه، يشتري فاحشو الثراء من أصقاع العالم كله منازل في لندن يحتفظون بها كما لو أنها سبائك ذهبية وأصول مالية وليس أماكن سكن وحياة… على الملّاكين الغائبين أن يقيموا في بيوتهم أو أن يبيعوها وإلا ستفرض عليهم ضرائب كبيرة…»، كتبت تيسا جويل.وخلف الإقبال على شراء العقارات اللندنية نتائج غير مباشرة، منها مغادرة قدامى السكان أمكنة إقامتهم القديمة إثر «موت» شوارعهم وغياب الحركة فيها. وارتفاع الأسعار يحمل الشركات على ترك مكاتبها في هذه المناطق. فيلحق بها موظفوها الذين كانوا يتناولون وجبة الغداء في مطاعم الأحياء على نفقتها. «بعض زبائننا كانوا موظفين في شركات استثمارية أو مصارف الحي، وكانوا يزورون المطعم مرة في الأسبوع على الأقل لتناول وجبة فعلية (على خلاف الوجبات السريعة)، ولكنهم غادروا. فعلى بضع خطوات، في آخر شارع كينغ، ثمة مكاتب أسعارها زهيدة قياساً إلى نظيرتها في نايتبريدج. ويصف صديقي هذه الشوارع بمدينة الأشباح»، يقول هنري هاريس.وحين يهبط الظلام، تغيب الأضواء عن مباني ساحة كادوغان. وحين يتجول المرء هناك في أمسية من أمسيات كانون الثاني (يناير)، يبعث الظلام والهدوء القلق في الأوصال. لكن نيل هادسون، المحلل في الشركة العقارية سافيلز، يرى أن أسباب شغور الشقق في هذه الأحياء غامضة. «ففي هذا الجزء من المدينة لطالما كان عدد السكان الدوليين العابرين كبيراً. وبعض الشقق المعروضة للبيع خالية في انتظار شار جديد. وبعضها الآخر هي شقق يقيم أصحابها في الارياف، وينزلون فيها حين يقصدون لندن»، يقول هادسون.تتأثر بعض الشركات اللندنية بحركة السكان الموسمية. ويقول تيبور إيفنسيس، مدير في متجر روبرت فرو للكتب القديمة والطوابع على بعد مبانٍ من «راسين»، أن المتجر يعتمد على حركة طلب السكان المقيمين. «وفي الصيف، قد يقصدنا بعض السياح والزبائن العرب. وبعض هؤلاء ينقل سيارته الـ «فيراري» على متـــن سفينة ليحلو له التنزه في شوارع لندن. وعلى الأرجح لا يقيم أصحاب هذه السيارات في فنادق». ويزمع هنري هاريس على نقل مطعمـــه إلى شارع آخر. فهو لا يريد أن تقتصر عوائده على ما يسد قيمة الإيجار، على نحو ما هي الحال في ويست آند. «يحسب الناس أن المكان مزدحم من الصباح إلى المساء، لكن شوارع لندن ليست على الدوام معبدة بالذهب»، يقول هاريس. وقد تصح ملاحظته في أوساط أصحاب المطاعم. لكن أصحاب العقارات، ولو كانت منازلهم خاوية، يرون أن بريق هذه الشوارع لا يخبو، وأنها تلمع (مثل الذهب).