التحليل السياسي /غانم عريبي
سقط صدام حسين بفعل دولي وكتب دستور تم التوافق عليه في البلاد يمهد الطريق الى الدولة المدنية من خلال التدرج في كيفية الانتقال الى العدالة المجتمعية لكن العراق بعد سنوات دخل في حرب مع داعش واحتلت اراضيه وانطلقت المقاومة الوطنية دفاعا عنه بمسميات مختلفة بناء على فتوى الامام السيستاني فهل نحن ذاهبون الى مجتمع مقاومة ام الى مسيرة طويلة تنتهي بقيام دولة مدنية؟!.
لسنا في وضع مثالي ولا ازعم ان كاتبا وطنيا لديه قدرة او شجاعة ادبية للقول اننا في ظل الاوضاع الحالية قادرون على بناء دولة مدنية لان الاوضاع الحالية تكنفها فراغات كبيرة ونواجه عدواً شرساً وقدرات قتالية واضحة مثلما نواجه وضعا دوليا يحاول ان يتحرك في العراق ومن خلاله لتقويض داعش في البلاد من دون ان يتحمل المسؤولية المباشرة معنا لاسباب مختلفة مع حديث وطني يقول بان تكاليف الحرب واسقاط ذرائع داعش لاتتم الا من خلال الجهد الوطني ولانسمح باية قوات برية ما يزيد من التدخل الدولي ويعطي المبرر لمزيد من التعطيل وتاجيل زمن التفوق العسكري على تنظيم البغدادي!.
الدولة المدنية التي نحلم ربما نلتقي معها في الخطوات السياسية والتـــحرك الشخـصي للرئيس العبادي ومبادراته الاقتــصادية والزراعية وتعويله على التفاعل بين القطاعين الخاص والعام ورؤيتــه لادارة الازمة الاقتصادية الراهنة وربما كان حديثه قبل ايام عن المسالة الانتاجية والتعويل على التفاعل بين القطاعين الخاص والعام وضع لبنات نلمس من خلالها ان الرجل لم ينس المسالة «المدنية» في ظل الاهتمام المتزايد من قبله ومن قبل الحكومة والدولة بالمسالة العسكرية.
لاارى اي مشكلة في تاجيل قيام النظام المدني والعمل بقوانين دولة المقاومة.. ثم اين التعارض بين قيام المجتمع المقاوم والمجتمع المدني؟.
اليس المدنيون من بناة المجتمع المقاوم.. الم تقم المقاومات الوطنية في مواجهة المسالة العدوانية من رحم المجتمعات المدنية سواءا في اوربا او في العالم العربي ولبنان شاهد على مقاومة المجتمع ضد عدوان الدولة الصهيونية؟
اعرف ان الدولة المدنية وقيامها مرتبطة بفهم المجتمع والحكومات المتعاقبة لقوانين الدولة وقوانين قيام المجتمع والمؤسسات المسؤولة عن ادارة الدولة والناس وعن النمط المجتمعي الذي يخرج الدولة والحكومة والمؤسسة والناس ايضا من اطار الدولة ماقبل المدنية الى المدنية الصرفة واعرف ايضا ان المسالة تحتاج الى وقت وتراكم خبرة ومعرفة واحتكاك بالخبرات الاجنبية واختزال معلومات وتكيف مع ظروف التطور وقيم المدنية المعاصرة ورغم ذلك اقول لو خيرنا بين الهاب الى المدنية وبين الصراع مع داعش ونهاية عصر «دولة الخرافة» لقبلت الصراع على المدنية واتصور ان اهم مدخل لقيام المدنية الوطنية العراقية هو التخلص من داعش.
ان الانتقال الى الدولة المدنية مرهون بوعي مجتمعي حقيقي والاهم الرغبة في الانتقال وعدم البقاء في الكاكي بعد زوال المجموعات المسلحة او الظواهر المسلحة في الشارع.
هكذا عالجت المانيا النازية بعد سقوط هتلر وتم التمهيد لها باعلان دستوري في الولايات المتحدة بعد انتهاء حرب الشمال والجنوب وربما كان الاعلان الدستوري في مصر بعد زوال حكم المرشد والاخوان والعمليات المسلحة التي جرت في الفترة السابقة حالة يمكن الاستئناس بها في اطار العمل على الدولة المدنية.
ان الدولة المدنية ليست حكومة افلاطون ولن تكون الدولة الفاضلة او المدينة المثالية ابدا انما هي حالة في الحكومة وفي اداء الدولة وفي علاقة المجتمع بحاجاته تنتهي بالتوافق على المتطلبات والحاجات وتوافق على مسيرة وطنية لاخلاف فيها على حدود وموارد وامكانيات نفطية وصناعية والا فان اعتى الديموقراطيات الغربية واعظم التجارب الوطنية والمدنية في العالم تشهد اضرابات ومسيرات احتجاجية بل ان هنالك ردة معينة في بعض الدول المدنية عن قوانين المدنية نفسها بسبب ارتدادات اقتصادية مفاجئة او ازمات معينة كما حدث في الولايات المتحدة.
عشت التجربة اللبنانية وعواصف الاجتياح الاسرائيلي للعاصمة اللبنانية بيروت عام 1982 وكيف احتل الاسرائيليون بيروت وكيف خرجت المقاومة الفلسطينية مثلما شهدت الكيفية التي تشكلت فيها المقاومة اللبنانية وعلى راسها كتائب حزب الله.. ان وجود مقاومة في الجنوب اللبناني لايلغي رغبة المجتمع والدولة في الوصول الى قوانين تنظم حركة المصارف والسوق واتجاهات صرف الليرة وقوانين المرور وتنظيم عمل الاحزاب السياسية والقيمة السياسية الكبيرة التي تنطوي عليها فكرة وجود مجلس نواب في لبنان.
ان وجود مقاومة تعرف حدود عملها وتعرف كيف تدافع عن الارض وتحمي السلم المجتمعي بادواتها وعملها ومشروعها الوطني الذي يجنب الناس الاقتتال الداخلي هو المدخل الاول لقيام المجتمع المدني والمدخل الموضوعي لقيام الدولة المدنية.
انا من دعاة مشروع الدولة المدنية التي تنبني على يد المقاومين وخبراء الحكومة الادارية لا الحكومة السياسية التي يبنيها قانون المحاصصة والبلادة السياسية وهذا لي وهذا لك.