د. خيام الزعبي
اعتداء إسرائيلي جديد على سورية دفع ثمنه هذه المرة “حزب الله”. فبعد حوالي سبع سنوات على اغتيال عماد مغنية في دمشق، أغارت الطائرات الإسرائيلية على سيارتين قرب مدينة القنيطرة عند الحدود مع الجولان المحتل، واغتالت قائدين عسكريين من حزب الله وأربعة ضباط إيرانيين، وكان من بين الشهداء جهاد مغنية ابن الشهيد عماد مغنية، لينضم الى قوافل الشهداء على خطى والد. بالمقابل عقدت القيادة العليا لحزب الله اجتماعاً طارئاً وسط دعوات تطالب بضرورة الرد على هذا العدوان الإسرائيلي، لأنهم يدركون أن هذه الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على سورية ولبنان تشكل استفزازاً للكرامة العربية والاسلامية، وطعناً لها في مقتل، ولا بد من وضع حد لها بأي شكل من الأشكال، فقد طفح كيل صبرهم، وفي إطار هذا ومنذ إعلان جريمة الاغتيال، تعيش إسرائيل حالة متنامية من القلق والخشية غير المسبوقين، فهي متيقنة من أن الرد آت لا محالة، ومفتقرة في الوقت نفسه إلى معلومات حسية تقودها إلى تحديد مكان الرد وزمانه وحجمه وأسلوبه، الأمر الذي يطلق العنان لتقديرات وتنبؤات استخبارات واسعة، وهي في أغلبها تقديرات تشاؤمية مقلقة.
حالة الرعب التي تعيشها إسرائيل اليوم بفعل التقارير الكثيرة التي تتحدث عن الصواريخ الموجودة لدى حزب الله ومداها البعيد والتي قد تودي بإسرائيل إلى الزوال، تجعل عيون رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير دفاعه شاخصة نحو الساحتين اللبنانية والسورية، وخاصة بعد زيادة قوة حزب الله التي تختلف تدريجياً عن قوة الحزب الذي حارب جيش الاحتلال العام 2006، من حيث تنظيمه الديناميكي الذي يفهم ويتفهم المتغيرات التي دخلت على الساحة الإقليمية والدولية، لذلك فإن الاحتلال يقف الآن أمام عدو صلب وعنيد كونه يملك الخطط العسكرية الحديثة والمتطورة التي ستمكنه من إلحاق ضربة قاسية به. ومن جهتها تدرك إسرائيل أن المواجهة مع حزب الله غير بعيدة، وأنها لا تستطيع الصمود في حرب طويلة لافتقادها العمق الإستراتيجي، وهي لذلك تحشد الرأي العام العالمي وتقوم بالمناورات العسكرية لمواجهة هذه الاحتمالات، وتركز من جهة أخرى في تنبيه المجتمع الدولي لخطورة استمرار إيران في برنامجها النووي.
واليوم تتابع إسرائيل عن كثب تواجد عناصر حزب الله في الجولان بسبب تهديدات الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله بالانتقال للعمل ضد إسرائيل من الجولان، وفي إطار ذلك تستعد إسرائيل لشن حرب على لبنان ضد مجموعة المقاومة اللبنانية “حزب الله” من خلال بناء شبكة من الأنفاق تحت الأرض، وبناء قرية نموذجية في الجولان شبيهة بالقرى الموجودة في جنوب لبنان، بهدف استخدامها من أجل تدريب قواته البرية ومواجهة مقاتلي حزب الله، أو في هجوم بري قد يشنه الجيش السوري من الحدود في هضبة الجولان، لا سيما بعد تدهور الأوضاع على الحدود بين سورية وإسرائيل.
جريمة اغتيال جهاد مغنية ورفاقه تمثل حدثاً مهدداً للأمن القومي العربي، بقدر كونها تهديداً لأمن لبنان واستقراره وسلامته، وفي ضوء هذه الجريمة، يجب على الدول العربية التحرك لدى مجلس الأمن الدولي، والمنظمات الإقليمية المختلفة، بهدف الضغط على إسرائيل من أجل وقف جرائمها المستمرة ضد الشعب اللبناني، بما في ذلك جرائم الاغتيالات المتكررة. وما يمكن قوله هنا، هو أن جريمة اغتيال جهاد مغنية تمثل انعطافاً خطيراً في مسار الوضع اللبناني، وعلى العرب اليوم التحلي باليقظة، وعليهم أن لا يدعوا إسرائيل تجر المنطقة مجدداً إلى حرب هي من يقرر توقيتها وكيفيتها.
ما زال من غير المعروف كيف سينفذ حزب الله تهديداته بالرد، فهل سيقصف أهدافاً في العمق الإسرائيلي بالصواريخ؟ أم انه سيقدم على تفجير سفارات إسرائيلية أو اغتيال مسؤولين إسرائيليين في الخارج؟ وهنا يمكنني القول إن نتنياهو يلعب بالنار سواء في لبنان أو سورية، ومن المؤكد أنه سيدفع ومستوطنيه ثمناً غالياً في نهاية المطاف، ولا نستبعد أن نرى المقاومة اللبنانية والسورية الوطنية تتوحد ضده بطريقة مباشرة او غير مباشرة في المرحلة القادمة، وبالتالي فإن مساعدة كل من إيران وسورية لحزب الله في لبنان، بالإضافة إلى القوّة الصاروخية التي يمتلكها والقادرة على ضرب أي مكان في إسرائيل، فضلاً عن قدراته الهجومية التي لا تزال في ارتفاع مستمر من ناحية الكم والكيف، ليس لمصلحة إسرائيل في فتح جبهة مع حزب الله، ليصل الأمر بالمقابل إلى اعتبار أن سيناريو الحرب القادمة مع حزب الله سيكون الأخطر في تاريخ إسرائيل.
مما سبق يمكنني القول إن إسرائيل تلعب بالنار، وإن جيش الاحتلال يتحمل نتيجة ما يرتكبه الآن، وإن للمقاومة الحق في الدفاع عن نفسها وشعبها، فالحرب القادمة بين إسرائيل وحزب الله اللبناني ستكون مختلفة تماماً، وستؤلم إسرائيل أكثر مما حصل في حرب لبنان الثانية، وستغير الكثير من النظريات والعقائد العسكرية في العالم، كما أنها ستدفع بالقوى الدولية لإعادة النظر في حقيقة موازين القوى وسبل قياسها، فحزب الله لن يفاجئ إسرائيل في حجم ترسانة صواريخه وتنوعها فحسب، بل سيفاجئها أيضاً بأسلوبه وجهوزيته القتالية على مستوى العدة والعديد. المنطقة اليوم تدخل في مرحلة جديدة سيكون عنوانها التغيير، وسيتمخض عن المعركة الدائرة مع العدو ولادة شعب عربي متحرر من خوف الأعداء، وسينتج عنها استعادة المحور المقاوم لدوره، وتعزيز ثقافة المقاومة بين شعوب المنطقة المستندة إلى برنامج وطني نضالي واحد هدفه تحرير الأراضي المحتلة.
هناك توقعات بانفجار المنطقة برمتها التي أصبحت معرضة لمخاطر الحرب نتيجة المواقف المتعنتة للدول المتآمرة على لبنان وسورية، فالحقيقة التي يجب أن ندركها أننا الآن أمام تحدٍ كبير يتطلب منا التغيير في الإستراتيجيات والأداوت والعودة إلى الكفاح والمقاومة بكل أشكالهما، وكسر حال الصمت لمواجهة إسرائيل الحاقدة على العرب.