Blog

  • ذمم المال العام

    تلجأ هيئة النزاهة -تحديدا دائرة الوقاية فيها- إلى تزويد وسائل الإعلام وجهات رقابية أخرى إلى إشهار تقارير تتضمن تقييمات الأداء الشهري في الكشف عن الذمم المالية لكبار المسؤولين، مستوضحةً مناسيب الاستجابة لدى هذا المسؤول الكبير وذاك، عن طبيعة الإجابة في ما يخص مدخولاتهم (المنقولة وغير المنقولة)، فمنهم من يستجيب حسب نسب محددة ومتفاوتة -مثلا- نقرأ في أحد تقارير دائرة الوقاية، بأن استجابة المشمولين في رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء لم تتجاوز (25%) ومجلس النواب أقل من (14%)، سنلاحظ أن النسبة ارتفعت لدى المحافظين لأكثر من (22%)، والوزراء حدود (55%)، بيد أن النسبة الأعلى كانت من نصيب رؤساء الهيئات والجهات غير المرتبطة بوزارة بحيث وصلت إلى(78%)، على ضوء ما تم إعلانه باستلام (4775) استمارة كشف الذمم المالية -حتى منتصف العام الحالي- من أصل (15) خمسة عشر ألف مشمول في عموم المؤسسات الحكومية من الخاضعين للتأكد من حقائق وتفاصيل ثرواتهم وثروات زوجاتهم وأبنائهم- هذا هو بيت القصيد- (الزوجة والأبناء) في مجمل مسك تلك القضايا المتعلقة بالمال العام،أن وجدت في سجلات السادة المشمولين بالمراقبة وبهذا الشكل الواضح- البسيط والمتوقع،لأنهم- أقصد بعضهم (وأن بعض الظن أثم) أذكى وأدهى من آليات الكشف والفحص والتأكد من صحة الادعاء والبيانات، ثم ما هي الإجراءات والعقوبات المترتبة على من يدلي بمعلومات غير صحيحة أو غير دقيقة ؟ نسأل .. طمعا في إجابة شافية- كافية.. قد تسهم من قبلنا -نحن الإعلاميين- في تثبيت الحق المتعلق بالمال العام، عبر التعاون العملي والمهني مع دائرة الوقاية في هيئة النزاهة من ترسيخ أوجه الشفافية في الأداء الوظيفي والحكومي، وقطع دابر كل تلك التبريرات التي يحتمي بها المسؤول، تحت غطاء التحجج بالحفاظ على الأمن الوطني أو القومي، للحد المعرقل الكثير من الأمور وتعقدها، ليأتي من يعي أفانين التلاعب بالمال، وبالشكل الذي يريده، واضعا على رأسه ريشة، متناسيا أن من أهم دعائم تلك الشفافية (التي يكثر الحديث عنها بمناسبة وغير مناسبة، كما لو أنها لازمة عصبية، أو عادة سلوكية، أكثر من كونها مبدأ وعقيدة) جعل الحكومة تعمل تحت الشمس، وأن من حق الشعب أن يرى (الملك) عاريا، في تعبير مجازي يشيد بأن يكون المسؤول -مهما ارتفعت سلالم مسؤولياته- معرضا للسؤال والاستفسار والاستيضاح في ما يخص ويمس الصالح العام، مالا كان أم قضايا وطنية تتعلق بمستقبل البلاد والعباد.

        أحرص أن أذكركم -هنا- كيف يرى علماء الإعلام والعاملون في ميادين صناعة الرأي، بأن التقصي وتتبع الأخبار قضية لها طابع غريزي أكثر مما هي ذات طابع مكتسب (من حيث الأصل، لا النوع) لذا أطلقوا عليها أو عرفوها بـ(غريزة معرفة الأخبار) هذا فيما ملامسة شؤون عامة تحدث هنا، أو هناك في أية زاوية من زوايا العالم، فكيف إذا تعلق الأمر بالمال وشؤون صرفه وهدره وتضييعه بمشاريع خاسرة، متلكئة أو عاجزة عن تحقيق غاياتها، رغم أهميتها القصوى في حياة الناس … يا سامعين الصوت.. يا ناس، يا للي (فوك) !!

  • التشيع العام والتشيع الخاص وبضاعة المفلسين

    من يكتب في الفكر عليه ان يتقن لغة المصطلح , فهو المدخل السليم لكل فضاءات المعرفة , وبدون معرفة لغة المصطلح يصبح الكيل كل بهواه فتشوش الحقائق ويضيع الناس .

    واحمد القبنجي عندما كتب عن التشيع العام والتشيع الخاص وقع في خطأ استعمال المصطلح , وهذه ليست المرة الأولى للرجل , وإنما جرى على مثل هذه الأخطاء منذ أن أخطا في تناوله لمصطلح “ الإسلام “ وسماه بالإسلام السياسي وصب جام غضبه المشحون بردات فعل لا تمنحه القدرة على المحاججة بلغة العلم المستوفي لشروط الفكرة ومدخلها الصحيح هو المصطلح الصحيح

    ومن باب فائدة القراء والمتابعين : فان الإسلام واحد , ولا يجوز تسميته بالإسلام “ السياسي “ كما درج على ذلك غير المختصين فوقعوا بإشكالية المصطلح وأوقعوا بعض القراء معهم , والمصطلح يؤخذ من مصادر تأسيسه وإطلاقه ولا يؤخذ ممن هو ليس من مصادره ولا من مطلقيه , ومصدر إطلاق تسمية “ الإسلام “ هو القران الكريم “ إن الدين عند الله الإسلام “ “ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا “

    والإسلام : نظام للحياة فيه : السياسة وعلومها , وفيه الاقتصاد وعلومه , وفيه الاجتماع وعلومه , وفيه التربية وعلومها , وفيه الأخلاق وعلومها , وفيه الصحة وعلومها , وفيه الأمن والسلم والحرب وعلومهما , وفيه كل ما يحتاجه الفرد والمجتمع حتى قال الإمام الصادق “ع” : فيه حتى الارش في الخدش “

    وخطا الذين يطلقون على الإسلام : بالإسلام السياسي , لزم أن يقابله في ذلك “ أن يكون هناك “ إسلام غير سياسي “ وهذا باطل؟

    وعلى نفس القاعدة لا نقول : إسلام اقتصادي , وإنما نقول : الاقتصاد الإسلامي , والسياسة الإسلامية , وهكذا

    وعندما نتكلم عن التشيع او التسنن وبعيدا عن الحس الطائفي فلا نقول : تشيع عوام وتشيع خواص , مثلما لا يجوز أن نقول تسنن عوام وتسنن خواص , فالتشيع واحد , والتسنن واحد , ومن يمارس طقوسا لا تنتمي لروح التشيع الذي هو روح الإسلام فلا نقول عنه تشيع عوام وإنما نضعه في خانة الانحراف والخطأ الذي يجب على صاحبه أن كان صادق النوايا أن يبادر إلى التصحيح وكذلك من يمارس خطأ او انحرافا في التسنن لا نسميه من عوام التسنن فالتسنن عند ذاك بريء منه وإنما نسميه مخطئا ومبتعدا عن أهل السنة والجماعة وعليه أن يبادر إلى التصحيح إن كان صادق النية , وليعلم الجميع أن التسنن الصحيح والتشيع الصحيح ينتمي جميعا لروح الإسلام الواحد .

    وأنا قرأت ما كتبه احمد القبنجي عن هذا الموضوع وقرأت ما كتبه أصحاب التعليقات .

    وأحب أن اذكر من ربما لم يقرا ما كتبه احمد القبنجي عن القرآن وعن الإسلام وعن رسول الله “ص” وبعد الاطلاع على ما كتبه وتحدث به احمد القبنجي هل يحق له أن يأتي ليتحدث عن الإسلام أو عن التشيع ؟ وهل يعتبر نفسه من عوام التشيع ام من خواصه ؟

    ونحن نقول لأحمد القبنجي : إن من اعتدى على القرآن بالقول إن القرآن ليس فيه بلاغة وان نهج البلاغة ابلغ من القران ؟ بعد كل هذا بأي وجه حق يتحدث احمد القبنجي عن عوام التشيع ليخدع غير المطلعين على هفواته التي لا يمكن أن توضع في منزلة من منازل الرأي والفكر ؟ ثم ألا يدري احمد القبنجي ومن يصفق له بدون علم انه أسوا بكثير من الذين يسمون أنفسهم جهلا وضلالا بكلاب الزهراء , والزهراء عليها السلام بريئة منهم ومن أفعالهم ؟

    وعندما يقول احمد القبنجي : “ استنكف أن ادخل الجنة لأنها مكان للكسالى وأرباب الجنس “ ؟ من يطلق هذه العبارات التي لم يطلقها في تاريخ الغلو والانحراف كل عتاة الكفر والشرك قديما وحديثا ؟ فهل يحق لمثل هذا أن يأتي ببضاعة فاسدة يسوقها على المغفلين ومن لا علم لهم ببوصلة السماء وثقافتها ؟

    وعندما يقول احمد القبنجي : إن القرآن لم يفسره رسول الله “ص” وإنما فسره عبد الله بن عباس ؟ فهل من يملك هذه الجهالة يحق له الحديث عن الإسلام والتشيع او التسنن , لاسيما وان اغلب الناس تعرف تلك الأخطاء وتدين تلك الممارسات التي لا تنتمي لروح العقيدة الإسلامية , ولكن القاعدة القرآنية تبقى بحق من لا يريد أن يعرف الحق حيث تقول : “ وأكثرهم للحق كارهون “ ثم إن حديث رسول الله “ص” الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى حيث قال “ص” : يا علي هلك فيك شخصان محب غال , وعدو قال” ؟ فلا يحق لأحد بعد ذلك أن يتاجر ببضاعة فاسدة , فليصحح بضاعته الفاسدة ثم بعد ذلك يمكن له أن ينتقد الآخرين على طريقة قول الشاعر :

    لا تنه عن خلق وتأتي مثله

              عار عليك إذا فعلت عظيم ؟

    واحمد القبنجي الذي أنكر سورة الفيل وادعى بطريقة أمية مضحكة إن الفيل لا يستطيع السير في رمال الصحراء ؟ فهل صاحب مثل هذه الآراء الباطلة يحق له أن ينتقد الآخرين وينصب نفسه متنورا ومن حوله جوقة من الغوغاء ممن لا يعرف لهم بأس في شيء سوى التصفيق لكل ما هب ودب وما تنكر لكل خلق وأدب ؟

    وحديثي هنا إلى القراء الكرام أرأيتم ما هذا الإسفاف الذي يمارسه البعض في تعليقاتهم فيجعلون من الذي يعتدي على كتاب الله القران الكريم “ نابغة “ ومن يدعي أن القرآن لا بلاغة فيه “ متنورا “ ومن ينفي عن رسول الله تفسيره للقرآن الكريم “ صادقا “ ؟ ومن ينكر سورة الفيل , وينكر وجود اقتصاد في الإسلام يعتبره البعض فريد زمانه وفلتة عصره ؟

    أقول لهؤلاء جميعا إذا كنتم بهذا المستوى من انعدام المعرفة والجهل فابشروا بغارة الأمم عليكم فانتم أتباع من لا يميز بين الناقة والجمل وتذكروا “ لم يكن مسيلمة الكذاب بلا أتباع ؟ فلا تخدعكم تعليقات من لا يعرف حرمة الكلمة والضمير ولا يعرف  أدب الأخلاق وفضاء النفس المطمئنة , فزخرف القول بضاعة المفلسين

    والذي ادعى أن الشيعة يصلون ثلاثا وليس خمسا في اليوم وقع في خطأ المعرفة الفقهية كما وقع احمد القبنجي في خطأ البلاغة والتفسير , والذي ادعى إن الشيعة عندهم حسينيات وليس عندهم مساجد , يشترك مع احمد القبنجي في سوء الفهم , والذي ضرب مثلا برجل الحصان والنملة كان ذيلا للحصان ولم يساوي عقل النملة في حكمتها مع سليمان , والذي ادعى انه ضيع وقتا في قراءة من ينتصر للقرآن كتب على نفسه الضياع المطلق يوم ينساه الله من رحمته ولا ينظر إليه يوم الحساب ؟

  • محنتي مع الدراجي !!

    مع مستهل مايس 2011، تلقيت دعوة كريمة من الزميل علي الدراجي رئيس تحرير جريدة المستقبل للكتابة في الصفحة الأخيرة.. بواقع 3 مقالات أسبوعيا وقد لبيت الدعوة وتشرفت بالكتابة، وظهرت مقالتي الأولى بتاريخ 2/ 5/ 2011 وواصلت رفد الجريدة بمقالاتي! 

    بعد شهرين وفي تموز تحديد من العام نفسه، كلفني الزميل الدراجي بإعداد تقرير يتضمن ملاحظاتي الصريحة على الجريدة مع تقديم مقترحات لتطويرها وذلك لقناعته الخاصة إنني «خبرة صحيفة» وتجربة طويلة يمكن الإفادة منها وقد استجبت لتكليفه الأخوي، ودرست الجريدة دراسة الجريدة دراسة تفصيلية جادة على مدى ثلاثة ايام وهيأت التقرير والقيت الرجل في مكتبه حيث شكرني وابدى ارتياحه لفقرات التقرير التي قال عنها بالحرف الواحد (انا اتفق معها تمام الاتفاق واغلبها غير غائب عن بالي ولم يفته في ختام اللقاء أن يثني عليّ ثناء اخجلني لانه اكثر مما استحق وغادرت المكتب وانا اترنح نشوة وسعادة الا ان سعادتي انثلمت ونشوتي خبت بعد أسبوع واحد فعندما حضرت في نهاية ذلك التموز نفسه لأتسلم اجوري، وجدت انها نقصت 100 الف دينار بقرار مباشر من رئيس التحرير ولم يكن من اللائق ان اعاتب الرجل الذي كرمني وأثنى على خبرتي وامتدح كتاباتي ومع الأيام تجاوزت اثار الانتكاسة المالية خاصة ان علاقتي مع الدراجي كانت تنمو وتتوطد حيث يتصل بي هاتفيا واتصل به واطمئني على صحته ويطمئن على صحتي!! 

    اعترف ان شعورا اقرب مايكون الى اليقين انتابني وسيطر على أفكاري وهو ان رئيس التحرير سيعيد اجوري الى ما كانت عليه، ويعتذر على عادة رؤساء التحرير عن الخطأ غير المقصود الذي حصل معي، وتعزز هذا اليقين عندما دعاني في شهر تموز 2012 بمناسبة عيد الجريدة وكرمني بدرع أنيق مع وجبة غداء امبريالية وغادرت مكتبه محاطاً بالحب ومودعا بالمحبة وأنا أترنح نشوة وسعادة الا ان سعادتي انثلمت ونشوتي خبت بعد أسبوع واحد، فعندما حضرت في نهاية ذلك التموز 2012 لأتسلم أجوري وجدت انها نقصت 100 الف دينار مرة أخرى بقرار مباشر من زميلي الدراجي الذي ارتفع منسوب الزمالة معه إلى درجة الصداقة الطيبة ولم يكن من اللائق ان أعاتب الرجل الذي كرمني قبل أيام قلائل درعا وودعني بالمحبة ومع الأيام تجاوزت آثار النكبة المالية ونسيت وجعي!! 

    المشكلة التي دوخت راسي «لماذا يعمد صديقي الدراجي الى تخفيض اجوري كلما حل شهر تموز»؟! والمشكلة التي تقلقني اكثر، ماذا سأفعل لو امتد في العمر إلى تموز 2013 ودعاني رئيس التحرير ليسلمني درعا جديدا او كتاب شكر هل ألبي دعوة أم أعلن  العصيان ؟! وهنا تبدأ المحنة فاذا أعلنت العصيان ورفضت الحضور سوف يستغني عن خدماتي ويقطع رزقي بتهمة ثابتة «أنني صحفي غير ملتزم ولا أنفّذ التعليمات» وإذا حضرت وسلمت التقرير او تسلمت الدرع فسوف ينقص راتبي 100 ألف دينار للمرة الثالثة، ولو استمرت الحال على ما هي عليه فان اليوم الذي اعمل فيه من غير أجور لن يكون بعيدا وسيكون عزائي الوحيد أن الدراجي صديقي ويمتدح خبرتي وكفاءتي وكتاباتي ويجعلني أترنح نشوة وسعادة ولكن مثل هذا العزاء الرومانسي لا يشتري قميصا ولا يشبع جائعا، وسوف يقودني إن آجلا أو عاجلا إلى دار العجزة والمسنين.. (اللهم لا أسالك رد القضاء ولكن اللطف فيه)!!

  • الحكم بخنق شط العرب

    كل القصة وما فيها إن تركيا عقدت العزم على أقامة أكثر من عشرين سدا عملاقا فوق منابع دجلة والفرات, وكشفت عن نواياها المستقبلية بمنع تدفق مياه النهرين نحو الأراضي العراقية, ضاربة عرض الحائط كل القوانين والأعراف والشرائع, فانخفضت مناسيب المياه عندنا إلى المستوى الذي سجلت فيه أطلاقات التصريف النهري أدنى معدلاتها, من دون ان نحتج رسميا على التصرفات التركية المتعارضة مع ابسط الحقوق الإنسانية التي يفترض أن تتمتع بها دول المصب. 

     وكل الحكاية وما فيها إن إيران أقدمت أيضا على تجفيف روافدنا الشرقية كلها, ومنعتها من الجريان نحو الأراضي العراقية, فتفاقمت أزمة المياه عندنا, وانخفضت مناسيبها حتى تجاوزت الخطوط الحمراء, من دون أن نحتج رسميا على التصرفات الإيرانية المتعارضة مع ابسط حقوق الجوار, فتقطعت حبال الود بموت نهر الوند, ولم تكن ردود أفعالنا الرسمية حتى الآن متكافئة مع حجم الكارثة الإنسانية التي ستدمر الزراعة والصناعة, ولم تكن مقنعة أبدا في التفاعل والتعامل مع التداعيات الإروائية الحالية وآثارها الكارثية المتوقعة .

     ومضت إيران وتركيا في تنفيذ مشاريع التجفيف والتعطيش على هواها من دون رادع ولا وازع, فضعفت قوة شط العرب في مواجهة التيارات البحرية العاتية, التي لم تجد ما يمنعها من التغلغل نحو الشمال, حتى تجاوزت الفاو, وتخطت منعطفات سيحان, وعبرت جزيرة أم الرصاص, واقتحمت مرسى (الخورة) ووصلت إلى (كرمة علي) لتلتقي في شط البصرة مع مياه البزل القادمة من المصب العام, فتوجهت المؤسسات العبقرية العراقية نحو التفكير بتنفيذ المشاريع الترقيعية, وأصدرت قراراتها الارتجالية من دون الاستئناس بآراء المنظمات الإروائية العالمية, وحكمت على شط العرب بالموت خنقا, وبحضور جميع الأنهار التي انفصلت عنه, وأعلنت عليه العصيان والتمرد, وطعنته في خاصرته, ثم قطعت أوردته وشرايينه, وسيتم تنفيذ الحُكم في المكان الذي سيقام فيه السد المرشح لخنقه, وسيكون مشهدا مأساويا مروعا تقشعر له الأبدان, وتهتز له أركان القارات, وتتناقله وكالات الأنباء, وتردده الفضائيات العالمية, وسيتصدر الخبر العناوين الرئيسة في الصحف المحلية والأجنبية, ذلك لأنه نذير شؤم, وعلامة كونية من علامات اقتراب الساعة التي سينشق لها القمر, وتشرق الشمس فيها من المغرب. 

    لم نكن نتوقع أن تكون نهاية شط العرب الإعدام خنقا حتى الموت, وهو الذي لم يزل ينتظر منا الوقوف معه في شدته, وتقديم المساعدة له في ردهة العناية المركزة التي يرقد فيها منذ عام 1980, فقد سدت شرايينه بكولسترول الأطيان التي سببتها له ظاهرة الترسيب والإرساب , وتضخم كبده من تراكمات سموم مصفى عبادان, وتمزقت أحشاؤه ببقايا أشلاء السفن الغارقة التي تكدست في جوفه, وتساقطت أشجاره التي كانت تتباهى بغابات عماتنا النخلات, وعبثت ببساتينه الخنازير البرية الهائجة, وتعطلت مراكبه المخصصة لصيد الأسماك, وغمرت جداوله المياه المالحة, فامتلأت مثانته بالملوثات والنفايات, وهكذا فقد حيويته, وخسر نضارته, وتدهورت صحته, وساءت أحواله, وبدت عليه علامات العجز والشيخوخة.

    ربما تتساءلون عن المكان الذي سيقام فيه السد الخانق, بذريعة اعتراض الموجة المدية القادمة من جهة البحر, والاحتفاظ بمخزون المياه العذبة في الجزء الواقع شمال السد.

      فهل سيقام السد جنوب مدينة الفاو لكي يحمي أوسع مساحة وأطول مسافة ممكنة من شط العرب ؟, الجواب: كلا طبعا. ذلك إن إقامة السد جنوب الفاو يعني غلق الممرات الملاحية المؤدية إلى الموانئ الإيرانية (خسرو آباد, وعبادان, والمحمرة), وهذا ما لا توافق عليه إيران جملة وتفصيلا. إذن من المحتمل أن يقام السد جنوب (أبو الخصيب), وهذا يعني غلق الممر الملاحي بوجه ميناء المعقل, وميناء (أبو فلوس), ومرسى (المفتية), ومرسى (العشار), ومرسى الأسمدة, والسماح لمياه البحر بالتدفق على راحتها لتغمر حوض شط العرب بالمياه البحرية الشديدة الملوحة بنسبة 100%, وبالتالي السماح للبحر بقتل المزارع والبساتين في كوت الزين, والبلجانية, وأم الرصاص, والكطعة, وسيحان, والسيبة, والواصلية, والزيادية, والدويب, والفداغية, والدورة, والمخراق, والمعامر, والفاو, وكل ما يقع جنوب السد, والسماح لها بقتل المزارع والبساتين الإيرانية الواقعة على الضفة المقابلة, ابتداء من المحمرة, وجزيرة حجي صلبوخ, والبريم, وعبادان, وبواردة, وشطيط, والدواسر, وخسرو آباد, والقصبة, وهذا يعني أيضا السماح للموجة المدية بالتغلغل داخل نهر كارون نفسه في حالة استمرار غلق سد الدز. والأخطر من ذلك كله إن الموجة المدية التي تتكرر بمعدل مرتين في اليوم, ستتصاعد وتطغى على الأراضي الواقعة في (مثلث الفاو), وستكون الظروف الجغرافية ملائمة لها للالتقاء بمياه خور الزبير. وربما تتعاظم قوتها بحيث تصبح قادرة على اختراق البصرة من جهة المدينة الصناعية في موقع (حمدان) بسبب رخاوة تربة مثلث الفاو, وسهولة تفتتها بفعل قوة التيارات البحرية الجارفة, التي ستزداد سرعتها لتصل إلى ست عُقَد اثناء المد, والى سبع عُقَد اثناء الجزر, وبالتالي فان العراق سيخسر الأراضي الواقعة جنوب السد بمدنها ومزارعها وبساتينها, ويعني أيضا القضاء على مشروع ميناء العراق الكبير, ومن المتوقع ان يتغير شكل الشريط الساحلي العراقي ويتشوه بالكامل. وستسري هذه النتائج على إيران, لأن الموجة المدية ستكون قادرة على إغراق المناطق الواطئة, الواقعة جنوب عبادان, مع احتمال تسرب المياه المالحة إلى هور (الفلاحية), وهور (الدورق). اما النتائج غير المتوقعة, فهي: ان هذه الموجة المدية ستقتحم ترعة (بهمنشير) من جهة خسرو آباد, وتدمر النظام النهري لدلتا شط العرب برمته, وهذا بالطبع يشمل العراق وإيران على حد سواء. لذا ينبغي اجتثاث فكرة السد من جذورها والكف عن تكرارها, لأن ترديدها وحده كفيل بجلب النحس والهلاك, ويتعين علينا عدم التطرق لها مرة أخرى, وان نتجنب التلاعب بميزان الطبيعة, ونحث الخطى باتجاه تهيئة ونصب محطات التحلية العملاقة على غرار ما موجود في البلدان الخليجية. ونسعى لغلق ناظم شط البصرة نهائيا, وربط المصب العام بـ (كرمة علي), وتوحيد قوة التصريف النهري, وربط محافظة البصرة بأنبوب يحمل لها الماء العذب من (البدعة).

     أما موضوع البحث عن الحل النهائي لأزمة الماء الأجاج, فيمكن العثور عليه بعد إدراك مغزى الآية الأخيرة من سورة (الملك) في القرآن الكريم والتمعن في أبعادها. والله أعلم. 

  • محنة لا إنسانية اسمها: الجواز العراقي

    كتبت هنا -ذات مقال- عن سفرتي الى تونس ولا اريد الحديث ثانية عن تونس الخضراء لأنها تذكرني بـ(المنطقة الخضراء) أقبح منطقة في العالم حيث المال والسرقات وضياع مصائر الناس.

    لكن دعوني انقل لكم معاناة حاملي الجواز العراقي؛ ذلك الجواز الذي ما أن يراه موظفو المطارات حتى تصبح -أنت بكامل غرورك الحضاري الذي يمتد الى ما قبل التاريخ- شيئا منسيا..مهملا.. مريبا وقابلا للحجر والتسفير على اقرب طائرة؛ ولو كانت هناك ستوتات تطير في الجو لوضعوك عليها مع باقة من الألفاظ العطرة!

    في المطارات..تحسد كل الناس؛ وعلى مختلف ألوان بشراتهم ولغاتهم؛ وتتساءل لماذا لسنا مثلهم؟

    كان من ضمن توقيتات الرحلة ان ابقى يوما كاملا -ترانزيت- في مطار القاهرة؛ تصوروا 24 ساعة بإمكانك فيها ان ترى أصدقاءك وان تذهب للأهرام او تزور مقهى ريش او تقتحم مكتبة مدبولي او تتصفح الوجوه على اقل تقدير؛ لكن حتى الإسرائيليين يمرون أمامك مرحب بهم الا انت.. لأنك تحمل جوازا عراقيا!!

    هذا الامر ليس في مطار القاهرة فقط ؛ وانما في كل المطارات التي يقدّر لك ان تمرّ فيها؛ عربية وأجنبية؛ والسبب يعود إلى ان السياسيّين لا غيرهم قد وصمونا -كشعب- بشتى الصفات السيئة والدنيئة؛ بدءا من علي بابا الى الإرهابيين الى أذلاء المحتل الى الى الى؛ وتمترسوا هم وراء جوازاتهم الدبلوماسية؛ فرحين بما أعطاهم الله أو الشيطان. 

    .. هل تجرأ مسؤول عراقي وأمر ان تعامل رعايا الدول التي لا تحترم الإنسان العراقي معاملة المثل بالمثل او الندّ للند في مطاراتنا؟!!

    (تخسه وتهبه) لان غالبية المسؤولين علينا من حملة الجوازات المحترمة والمعترف بآدميتها عالميا؛ ولذلك فان أيّ قرار برلماني يقضي بإسقاط الجنسية الأجنبية عن أي مسؤول في الدولة؛ يعطى (الأذن الطرشة) فلماذا يحرج الرجل نفسه وهو متأكد بأنه سيغادر البلاد إلى غير رجعة بعد ان تنتهي دورته في السرقات والإيفادات والصفقات والرشى؛ وترتيب العقارات في الخارج.

    فهل نريد أو نحلم ان يتساوى المسؤول مع الدبش من أمثالنا؛ او يطالب ان نتساوى مع الأوادم؟

    انظروا الى كل السراق واللصوص الذين ادينوا بنهب المال العام؛ بدءا من تخصيصات الحصة التموينية وانتهاء بعقود الأسلحة: اين هم الآن؟

    والمضحك المبكي ان الحكومة تكلف -احيانا- الخارجية العراقية للبحث عنهم من خلال سفاراتها في الخارج؛ في حين يصرح (الكَالبون) بأنهم مواطنون أجانب وليس للقضاء العراقي امر عليهم !!

    وزارة النقل لجأت الى استئجار طائرات من شركات اخرى تعمل لصالحها تخلصا من تبعات آثمة وغير معقولة لدولة جارة- وليس شقيقة فما هكذا يتعامل الأشقاء؛ واذا ارتكب مسؤول جرما بحقهم؛ فحتى القرآن الكريم يقول: ولا تزر وازرة وزر اخرى.

    ولذلك اقترح على الحكومة ان تستفيد من تجربة الوزارة تلك وتستأجر لنا جوازات تصلح لسفرة محدودة وبأسعار تنافسية مع الصومال او جيبوتي او جزر القمر؛ وبهذا تحقق أمرين: الأول تأتيها اموال قابلة لعدم المساءلة النزاهية؛ وثانيا ان تسدّ أفواهنا ولو بشق جواز.

  • العزف على لحن «المجزرة»

    المجزرة تلد مجازر في دمشق. رائحة الموت العفن تخيّم على كلّ شيء، هذا ما تتناقله وسائل الإعلام، وما يقوله السوريون على مواقع التواصل الاجتماعي. حظرٌ للتجوال في المناطق الموالية والمعارضة للنظام، وخوف من حرب أهليّة وشيكة لاسيما وأن الخطاب الطائفي بدا متصاعداً بين عامّة الناس وزعماء المعارضة وقيادات النظام السوري؛ هذا مشهد عام لـ”الأزمة” السورية التي بدأت تتلبّس أسماء أخرى ليس آخرها “الحرب الأهليّة المقبلة”.

    وبالرغم من أن هذه العناوين تعطي دليلاً واضحاً على حجم المأساة التي تتناطح مع الحياة في الشوارع السورية، إلا أن الإعلام بدا في الآونة الأخيرة مأساوياً أكثر، ودموياً فوق العادة، ووصفه بالـ”مازوشي” ليس مبالغة، خاصّة وأن مراسلة قناة الدنيا الشابّة أعطت دليلاً دامغاً على “مازوشيتها”، وإصابتها بعطش الدم: تتحرك المراسلة بتؤدة إلى إمرأة عجوز كساها الغبار وسندت رأسها إلى قبر لتسألها عمّا رأته، العجوز تلفظ أنفاسها بينما المراسلة الفاتنة تحاول أخذ التصريح الذي يبرأ النظام من الموت الجماعي!. مشهد آخر يبدو أكثر رعباً، المراسلة تحاور طفلين يتكآن على خاصرة أمهما القتيلة، لم تُدفن الأمُّ بعد، ولم تُسحب الطفلة قبل التصوير كي لا تصبح “سكينة” جديدة يُعاد أحياؤها من أجل تبرأ كفّة قاتل على حساب قاتل أخرى. 

    بعد الآن، لن يكرم الميّت في سوريا بدفنه إلا بعد تصويره، الكاميرا هنا برهان على البراءة! برهان سيخلّف أجيالاً كاملة من الحقد، الحقد على طرفي نقيض الأزمة السورية. قناة “الدنيا” شبه الرسمية دخلت على خط الموت، أجرت سباقاً محموماً مع قنوات الجزيرة والعربية وما لفّ لفيفهما، دخلت في مرثون الدم السوري، الكل فائز فيه ولا خاسر غير الشعب.

    لا يهمُّ في هذه القضيّة السياسة، الذي يعني في هذا المحلّ الإنسان وما يُعاملُ به.

    قبل أن تدخل قناة “الدنيا” إلى داريا، كانت الفضائيات العربية تنقل صوراً لا تقلُّ بشاعة عمّا يحدث، الفارق الذي أجّج الأمر، إن من يصوّر الجرحى والقتلى في تلك المعارك أناس من العامّة، أما ما حدث في مجزرة داريا فإن مراسلة صحفية جميلة هي من أعدّت التغطية ضاربة عرض الحائط كل الأخلاق المهنية.

  • العقل والإرادة .. أن نكون أو لا نكون ؟

    هذه أبحاث فلسفية, سبق اليها علم الكلام , ولكن الفلسفة بسطت ظلالها عليه واتسعت رقعتها وبانت هيمنتها , فأصبح علم الكلام من منتسبيها التاريخيين رغم شهرة الاشعرية والمعتزلة في علم الكلام, وإذا كان أبو حامد الغزالي الذي كان على صلة بنظامية بغداد والسياسة السلجوقية, وعلاء الدين الطوسي كان تحت نفوذ الخلافة العثمانية, ويصدق هذا الحال على اغلب من اشتغل بالفلسفة لأنها تهتم بنظم العالم نظماً عقلياً , والسياسة والحكم جزء من نظم العالم لذلك يتحمل الفيلسوف مسؤولية الحديث عن العقل والإرادة باعتبارهما الحاضرين في فصل الخطاب, وفصل الخطاب يختزن فن إدارة الدولة الذي يعرف اليوم بعلوم الدبلوماسية التي تتقدم في مشروع التنمية البشرية, وهكذا رفعت الفلسفة رايتها في نظم العالم نظماً عقلياً .

    والإمام علي “عليه السلام” وضع قاعدة تأسيسية للأفكار والرؤى عندما قال : “ اضربوا الرأي ببعضه يتولد لكم الصواب “

    فمناقشة الأفكار سياحة عقلية, وهي أجمل وأبهى وأدوم السياحات ولهذه الحالة الفكرية وأهميتها وضع السيد الشهيد محمد باقر الصدر تعريفا للفكر حيث قال : “ الفكر نشاط ايجابي فعال للنفس “.

    وهذا النشاط الايجابي وعلاقته بالنفس هو السياحة الحقيقية التي تعوض عن كل السياحات التي استجدت اليوم والتي يقف وراء بعضها فراغ فكري للفلسفة فيه رأي, ولكن رجالاتها مغيبون نتيجة احتدام الصراع وانشغال أهله بمقولات وشعارات يعتقد القائمون عليها أنها بعيدة عن الفلسفة, ولكنهم في نهاية المطاف يجدون أنفسهم في سرادقات الفلسفة التي تحتفظ بما يلي من المفاهيم:-

    1-  مفاهيم الحرب

    2-  مفاهيم السلام

    3-  مفاهيم السعادة

    4-  مفاهيم الشقاء

    5-  مفاهيم الوحدة والاجتماع

    6-  مفاهيم الفرقة والتفرق والاختلاف

    وعندما يظل الحوار حاجة إنسانية , تكون الفلسفة هي الحاضنة ويكون العقل مرجعا قائدا , وتكون الفلسفة مرة أخرى هي الرائدة باعتبارها شجرة المعرفة الباسقة التي تجنى منها ثمار الحلول عندما يدلهم الخطب وتنسد منافذ التواصل لنفاد الحجة عند من لا يمتلك ينبوع الفلسفة المتدفق عبر مسارب العقل وتصميم الإرادة.

    ولقد سمعت احد الكتاب يفرق بين العقل والإرادة بطريقة لم يألفها علم الكلام , ولم تنتهجها الفلسفة في نظمها , فذهب ذلك الكاتب إلى القول : بان العقل يتشائم , والإرادة تتفائل ، قد نسب هذا الوصف للإمام علي “عليه السلام” .

    ولقد فات ذلك الكاتب، أن العقل عند الإمام علي “عليه السلام” هو  “القائد” وان العلم او المعرفة هي “ الرائد “.

    وعندما يتشاءم القائد لا يمكن أن يكون الرائد متفائلا للالتزام الدور وهو باطل وغير ممكن . وللتوضيح أكثر ، فإن العقل في التعريف الفلسفي : هو جوهر لا يتأثر بالمادة حدوثا ولا بقاء”.

    بينما الإرادة هي تعبير عن النفس , والنفس في التعريف الفلسفي : هي جوهر لا يتأثر بالمادة حدوثا ولكنها تتأثر بها بقاء “.وحتى نخرج من الالتباس الذي يتعرض له القراء ، نقول ، أن القائد وظيفته أن يشخص الأحداث والمواقف , ويضع لها حلولها المناسبة” “واتيناه الحكمة وفصل الخطاب”ونتيجة ذلك التشخيص يترتب علينا معرفة النتائج سلباً أو إيجاباً ويظل العقل القائد محتفظا بتفاؤله على مستوى نهاية الجولة التي تمتد بامتداد الزمان والمكان, ولا تتقوقع في لحظة من الزمن مثلما لا تتقوقع في بقعة من المكان وان حلت فيهما الخسارة التي ستكون مؤقتة في فهم الحدث على مستوى الزمان المحدب والمكان المحدب كما في النظرية النسبية لانشتاين .

    وعندما نقول أن الحكمة العقلية هي السياحة الحقيقية للنفس لا نكون مثاليين, لان حركة الكون ووقائع الأشياء فيه تنحى هذا المنحى “ وعنت الوجوه لله الواحد القهار” “ وأشرقت الأرض بنور ربها “.

    ففي المشهد الأول ينكشف التخاذل ويتهاوى, بينما يعلو الحق وأهله وهم مستبشرون, وفي المشهد الثاني يكون النور تعبيرا عن الفرح الحقيقي, ويندم أصحاب الفرح المصطنع وغير الحقيقي الذي ضيعوا فيه فرص الحياة عندما حولوها إلى سجن كبير ومأساة مفتعلة يقودها الإرهاب ويعاونه إرهاب الجنس والمال وكل الهوى الزائف صاحب الانكسارات الكبرى في حياة البشرية.إن النبي نوح لم يكن متشائما عندما قال :” وقال نوح رب لاتذر على الأرض من الكافرين ديارا “ وإنما كان مشخصا لحالة المجتمع الذي كان يعمل معه , ونتائج التشخيص عندما تكون سلبية فإنها تتوقف عند حدود هذه المعرفة الجزئية التي ترتبط بمعرفة كلية تتصل بمسارات الكون وحركته الموزونة بإيقاع “ وما كنا لاعبين “ حيث تنعدم الغفلة وينتفي السهو , وتستحضر الجدية والحيوية في كل شيء “ فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون “ “ كتب الله لاغلبن أنا ورسلي أن الله قوي عزيز “

    إن الإرادة تابعة للعقل, فعندما يكون العقل حاضرا تكون الإرادة مستوفية لشروط صناعة الموقف “ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون “ وهذه الإرادة الربانية هي مرجعية كل الإرادات المخلوقة تستلهم منها العزم والتصميم والثبات قال علي “عليه السلام” لابنه محمد بن الحنفية :” تد في الأرض قدمك, واعر الله جمجمتك” وتتوج قمة الإرادة بالموقف التالي:” فلما بلغ معه السعي قال يا بني اني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى , قال : يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين “

    فالعقل عند إبراهيم النبي الأب والإرادة عند إسماعيل النبي الابن هما تؤمان عملية التغيير والبناء .

    وكل عملية بناء وتغيير تفتقد لحضور العقل والإرادة لا يكتب لها النجاح على قاعدة “ وتلك الأيام نداولها بين الناس “والعمل السياسي في العراق في هذا المقطع من التاريخ يفتقد لمستلزمات العقل بملاك الحكمة مثلما يفتقد الإرادة بمستوى النفس المطمئنة , ولذلك نشهد تراجع دوره على مستوى البناء الداخلي تعثر العملية السياسية ومثالها ورقة الإصلاح التي ينكرها الحاضر ولا يعرفها الغائب, وعلى مستوى الخارج حيث يسوق دورنا من قبل الآخرين ونحن نتفرج في طابور المتفرجين بلا دعوة ؟ فلا الجامعة العربية استرجعنا رئاستنا لها , ولا منظمة المؤتمر الإسلامي حافظنا على حضورنا فيها , ولا مؤتمر دول عدم الانحياز حملنا مشروعا له , فهل تصبح كينونتنا مهددة ؟ آمل أن لا يكون ذلك .

  • غزل سياسي !!

    المتطرف في وطنيته مثلي، هو المتفائل الذي ينظر إلى المستقبل بثقة عالية، ويؤمن بأن الخير آت ولو طال قدومه أربعين او خمسين سنة، ولا يرى في مظاهر الفساد والاضطراب الامني والبطالة، وتردي الخدمات، إلا غمامات عابرة ستنجلي ويستعيد العراق عافيته، ويقف على قدميه عنوانا للحضارة والثقافة والعطاء الإنساني، وتصبح كوابيس الطائفية والمحاصصة والدستور، مجرد ذكريات مؤلمة عفا عليها الزمن!!

    في الثالث والعشرين من تموز الشهر الماضي، ودرجات الحرارة (المعلنة) تبلغ الخمسين، والساعة تقرب من الثانية ظهرا، وانا اعاني من الجوع والعطش والشمس التي فقدت رحمتها، وانتظر سيارة اجرة تقلني الى منزلي بأي مبلغ، استوقفتني (مراسلة) احدى الفضائيات الأجنبية مع من استوقفت من مواطنين وموطنات قبلي وبعد ان سألتني عن اسمي استفسرت عن طبيعة مهنتي، فقلت لها بشيء من الحياء (انا صحافي) ويبدو ان اجابتي راقتها، فقد انشرحت أساريرها ظنا منها ان كل من يعمل في الصحافة هو وحيد زمانه في السياسة، ولذلك سألتني «ما هو رأيك بالصراعات المحتدمة بين أطراف العملية السياسية، وهل تعتقد ان ورقة الاصلاح السياسي مجدية او قادرة على حل الخلافات»؟!

    انا كما يعرف زملائي المقربون متحدث سيئ، وأتلعثم ولا أحسن ترتيب أربع جمل سليمة، ولهذا أقسمت منذ زمن بعيد على عدم الظهور في التلفاز، ولكن تلك المراسلة الملعونة كانت من الرقة والجمال والأنوثة، ما جعلني أنسى جوعي وعطشي وحرارة تموز، وأنسى قسمي، بل نسيت نفسي، وانطلقت بالحديث من دون تلكؤ او تلعثم او تمتمة، وكأنني من أعضاء البرلمان المدمنين على الفضائيات، وأجبتها اجابة ظاهرها سياسي، وباطنها غزلي، (سيدتي الرائعة، اتمنى عليك ابتداء لو اخترت مطعما من مطاعم النجوم الخمس مكانا للحوار، فأنت تثيرين مخاوفي عليك من شمس العراق المحرقة، مثلما أن تغيري مصطلح الصراعات المحتدمة لان ما يجري بين الكتل السياسية لا يعد صراعا، بل هو تفاهمات حبايب، وانفعال عشاق يتابعون ولعلك تدركين يا سيدتي، أن الحب الذي يجمعنا، اقصد نحن العراقيين، وفي مقدمتنا أولياء أمرنا ونعمتنا، السياسيون، هو الذي جعل رؤساء الأحزاب والكتل والقوائم وممثليهم يطيلون مشارواتهم، ويتبادلون العتب حول عبارة صدرت هنا حول سحب الثقة عن المالكي او استجوابه او عبارة صدرت هناك حول سحب الثقة عن النجيفي او تشكيل حكومة أغلبية او استجواب البارزاني او حل البرلمان… الخ، نحن في العراق نسمي هذا كله ( عركه حبايب ) اي سرعان ما تنتهي ويصحو الجو وتنقشع الغمامة وينسى الجميع زعلهم وهذه الحقيقة يمكن ملاحظتها بسهولة، انتهى كيف تسود لقاءاتهم الودية لغة الأحضان والقبل العاطفية، ولو أرادوا سحب ثقة او استجوابا او حكومة أغلبية لفعلوا ذلك بين ليلة وضحاها،، على اية حال انه شيء لطيف حقا، ان يبقى هؤلاء وأولئك وانا وانت والجميع حبايب فالحياة حلوة مثلك يا سيدي وتستحق ان نحتضنها بمشاعر صادقة!) نظرت المراسلة الفاتنة التي لا تشبه نسواننا الى إجابتي باستغراب وحذت اللقاء معي لاعتقادها على ما يبدو انني قد اكون مجنونا او سياسيا يهرف بما لا يعرف، ولم يخطر على بالها مع الاسف، ان سحرها شغلني عن ورقة الاصلاح التي لا يعنيني امرها في شيء، فقد تمزقت فوق رأسي قبلها مئات الأوراق!! 

  • عربة مفككة يقودها البنتاغون

    لا فرق عندنا بين الأنظمة العربية الحاكمة من حيث فشلها في تحقيق العدل والإنصاف والمساواة, ومن حيث تخلفها وضعفها أمام المغريات المادية, ومن حيث تآمرها على الشعب, وتفريطها بموارده الطبيعية, وتجاهلها لتطلعاته المستقبلية, لكننا وجدنا إن النظامين (الجمهوري والملكي) انفصلا وتباعدا, وانقسما فجأة إلى معسكرين متنافرين, حتى طغت قوة معسكر السلاطين والأمراء على قوة  معسكر الجمهوريين, فكان الربيع العربي من نصيب الجمهوريات العربية, وصارت الأنظمة الملكية السلطانية هي التي تتحكم بمناخه, وهي التي تثير زوابعه العنيفة في الساحات والميادين, بدعم مطلق من قوى الشر, وبمشاركة سليل الأبالسة (برنار هنري ليفي). 

    لا للمفاوضات نعم للفوضى

    هذا هو الشعار الذي آمن به الأمراء والسلاطين العرب في تفعيل مساعيهم الحثيثة للتآمر على الجمهوريين العرب, كانوا أول من أعلن الحرب على العراق بكل الوسائل المتاحة والمباحة, ثم اتخذوا من (الربيع العربي) جسرا عبروا فوقه نحو إشعال فتيل الفوضى العارمة في ربوع العواصم العربية الجمهورية, ووقفوا وراء فكرة التقسيم والتشرذم.  وإلا بماذا تفسرون هذا الأعاصير والزوابع التي استهدفت القصور الجمهورية, واجتاحتها وحدها, بينما نأت بعيدا عن القصور الملكية والأميرية والسلطانية ؟, وهل الصدفة وحدها هي التي حددت مسارات تلك الأعاصير, ووجهتها نحو بغداد وطرابلس وتونس والجزائر وصنعاء والقاهرة, ومنعتها من الوصول إلى المنامة والدوحة وأبو ظبي والكويت وعمان ومسقط والدار البيضاء ؟, وهل انفرد الجمهوريون وحدهم بالظلم والتعسف, وتحصن الملكيون بالعفة والنزاهة والورع والتقوى, وهل صار العدل هو القاسم المشترك الأعظم في البلاطات الأميرية كلها من دون استثناء؟. 

    غراتسياني يعود من جديد

    نحن لسنا مع الأنظمة الجمهورية ولا ضد الأنظمة الملكية, لكننا نريد الوقوف على الحقيقة لتحديد الملامح السياسية لمستقبلنا الغامض, ونريد أن نعرف بالضبط متى تستقر أوضاعنا المتأرجحة ؟, خصوصا بعد أن تكررت المشاهد المؤلمة في العراق واليمن وليبيا, وبعد أن طغت أجواء الفوضى في المدن والأرياف, وبعد أن وصل الخلاف في ليبيا على أكياس القمامة إلى القتال في الشوارع والميادين بالأسلحة الخفيفة, وشهدت البلاد اشتباكات دموية عنيفة بين القبائل المتناحرة, بينما راح الايطاليون يحتفلون في الفنادق الليبية بتحقق أحلام الجنرال رودلفو غراتسياني, شاهدوا هذا الشريط الوثائقي, ولاحظوا ما الذي تلبسه عريفة الحفل, وأين تضع العلم الليبي الجديد: بينما انزلقت الأوضاع في اليمن نحو المجهول, ما ينذر بتفجر زلازل هائلة قد تهدد أمن المنطقة برمتها, وقد تعيد اليمن إلى زمن الجاهلية الأولى, أما في العراق فقد صارت العبوات الناسفة هي الإيقاعات المدوية في تفعيل مشاريع تخريب البلاد, وقتل العباد, ولن تكون الأوضاع في سوريا أفضل حالا من الأوضاع في اليمن وليبيا والعراق ومصر وتونس, والدليل على ذلك انه لا يوجد حتى الآن من يستطيع أن يتكهن بمستقبلها بعد انهيار نظامها الحالي, ولم يشرح لنا فلاسفة (الربيع العربي) أبعاد الشكل الذي ستكون عليه سوريا بعد الانهيار, حتى لا نفاجأ, أو تفاجأ المؤسسات المتلاعبة بمناخ (الربيع), ولا نستغرب أن تنتهي الأنظمة الملكية والسلطانية والأميرية إلى ما انتهت إليه بعد تآمرها على العراق, واستمرارها بالتآمر حتى يومنا هذا, لا نستغرب أن ينتهوا إلى النهاية نفسها في الأيام القليلة القادمة, فالفوضى الخلاقة هي الهدف, وهي البرنامج المخطط له, وهي التي تحمل تفاصيل السيناريو المعول عليه في إشاعة البلبلة, والعودة إلى القرارات المزاجية الارتجالية في حسم الأزمات المزمنة, مع الأخذ بنظر الاعتبار توفير الدعم المطلق للتنظيمات الطائفية والمذهبية والعرقية إلى أقصى الحدود الممكنة. 

    عربة التآمر المدولبة

    قبل قرن من الزمان بالتمام والكمال كانت بريطانيا هي التي تقود العرب للتمرد على الخلافة العثمانية, والتحرر من حكومتها (السنية), فوقف معظمهم مع الحلفاء ضد الخلفاء, وانتهت الحرب بتحرر تركيا نفسها, بينما سقطت المدن العربية كلها في قبضة الهيمنة البريطانية, واقتطعت فلسطين من جسد الوطن العربي الكبير بموجب وعد (بلفور), وها هي الولايات المتحدة تقود المتأمركون العرب من جديد لخوض حرب ضروس ضد أفغانستان (السنية), وضد حماس (السنية), وضد إيران (الشيعية), وضد سوريا (العلوية) المتمردة على المشروع الغربي, فتعاطفوا معها ومنحوها الضوء الأخضر لإقامة قواعدها الحربية حيثما تشاء, من دون إن يستفيدوا من الدروس السابقة, ومن دون أن يكون لهم موقفهم المستقل في التعبير عن تطلعاتهم المستقبلية مثل بقية الأمم الآمنة المستقرة, وكأنهم عربة مدولبة يقودها جنرالات البنتاغون نحو الهاوية. .

    وعادوا الآن لأداء دورهم المخجل في الحرب بالإنابة عندما كانوا يفتعلون المعارك بين عرب الغساسنة وعرب المناذرة بتوجيه وتحريك من الإمبراطورية الساسانية في الشرق, وغريمتها البيزنطية في الغرب, فتقمصوا أدوارهم القديمة بعدما أضحت مهمتهم الحالية مقتصرة على تحويل الشام إلى حطام, والتجحفل في خندقين متناقضين, خندق يقاتل تحت راية (الجهاد), التي يحملها قادة البنتاغون, وخندق يقاتل تحت راية (الجهاد), التي يحملها قادة الكرملن, وهذا هو منطق الحرب بالإنابة, التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل.  لقد تعاظمت وتيرة التآمر في الشرق الأوسط هذه الأيام, حتى بلغت أعلى معدلاتها في المدن الأردنية, التي تحولت إلى محطة دولية لقادة أجهزة المخابرات, الذين يعدون العدة لتأجيج حروب العرب ضد العرب, وتفعيل حروب المسلمين ضد المسلمين, من دون أن يدرك قادة الدول العربية المتأمركة أنهم يقفون الآن على حافة الهاوية, وإنهم يجرون المنطقة برمتها إلى حرب طويلة الأمد ستحرق الأخضر واليابس, وبات من السهل على القوى الدولية الغاشمة ممارسة الخديعة ضد العرب بأيسر الطرق وأسهلها, من دون أن يشعر العرب بخطورة المخططات الدولية, التي ستقضي عليهم كلهم من دون استثناء. 

    لقد سارت الحكومات العربية المتأمركة على النهج الذي رسمه قادة البنتاغون, فوقفت وقفتها المعروفة ضد العراق, حتى سحقت بنيته التحتية والفوقية, وألحقت به الدمار الشامل بذريعة البحث عن أسلحة الدمار الشامل, وسارت ثانية على النهج الذي رسمه قادة الناتو فوقفت وقفتها المعروفة ضد ليبيا, وحفرت في رمالها خنادق الحروب القبلية التي لن تنتهي ولن تهدأ حتى قيام الساعة, ثم تخلت عن السودان بناء على التوجهات الغربية فاقتطعت منه أعز ما يملك في جنوبه الغني بالثروات, وأسهمت في الحصار المفروض على غزة بناء على الرغبات الصهيونية, وشاركت في الحرب المعلنة ضد الكتائب الجهادية في أفغانستان, حتى وصل الأمر إلى تبجح أحد أمراء الدويلات الخليجية بدور بلاده في محاربة الطلائع الإسلامية الكامنة في كهوف كندهار, بذريعة مكافحة الإرهاب. 

    أسئلة لا جواب لها

    أسئلة بسيطة نطرحها على وكلاء البنتاغون وعملاء الناتو في المنطقة, فنقول لهم: هل كانت لديكم تصورات مسبقة عما ستؤول إليه الأمور بعد مشاركتكم في الحرب على ليبيا ؟, وهل تعلمون بما آلت إليه الأمور الآن ؟, وما الذي حصلتم عليه بعد توزيع حصص الحقول النفطية الليبية على الشركات الأمريكية والغربية ؟, وهل ارتاحت ضمائركم بعد تأجج الفوضى بين القبائل الليبية ؟, وهل تمتلكون مخططات مسبقة لإعادة بناء سوريا بعد مشاركتكم في تدميرها مع الجيوش التركية والغربية ؟, وهل لديكم صورة واضحة للأوضاع السورية بعد انهيار نظامها ؟, أم إنكم ستشاركون في حملات الفتوحات الغربية في الأراضي العربية من اجل كسب الثواب والأجر والبركة؟, وما الذي ستجنونه من وراء تهافتكم وراء المخططات الأمريكية, التي رسمها (برنارد لويس) لتفكيك المنطقة وتمزيقها بما فيها الأقطار الخليجية, التي سيأتي عليه الدور إن عاجلاً أو آجلاً ؟, ألا تخشون من عقاب الله بعد أن وليتم عليكم القوى الغاشمة ؟, ثم منذ متى كانت أمريكا داعمة للمؤمنين وهي المعادية لله ولرسوله ؟, ومنذ متى كانت أمريكا حريصة على الإسلام ؟, ومنذ متى كانت بريطانيا قلقة على المسلمين ؟, ومنذ متى كانت فرنسا مهتمة بالشأن الإسلامي ؟, ومنذ متى كانت مناورات (الأسد المتأهب), التي شاركت فيها (19) دولة على الأرض الأردنية بقيادة أمريكا طبعا, منذ متى كانت هي العنوان الجهادي لتحرير الشام من قبضة العلويين ؟, ثم ألا تلاحظون إن أمريكا وعلى مدى ربع قرن من السنين خاضت معاركها كلها على الأرض العربية, وتحديدا في الشرق الأوسط ؟, ماذا يعني هذا ؟, ألا يعني إنها وجدت من يتعاون معها ويسمع كلامها ويحترمها ويقدسها ؟.  ختاما نقول لن تستطيعوا أن تجيبوا على هذه الأسئلة, لأنكم مجرد توابع ذليلة تدور في فلك النظام العالمي الجديد, وان دويلاتكم هذه لن تسلم من تطلعات التوسع الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة, ولن يعصمكم منها عاصم, فأمريكا (دولة العهر والغدر) ليست لديها لحية مُسرّحة, وإن مصلحتها فوق كل شيء, بل فوق مصالحكم الضيقة كلها, ويتعين عليكم أن تتعلموا الدرس من خادمها المطيع (عمر سليمان), الذي باع دينه وضميره وضحى بمستقبل بلاده من أجل تحقيق أحلامها, فأعادوه إلى بلاده جثة مشوية بأفران المايكروويف, وينبغي أن تعلموا إن قرارات الكاهن (برنارد لويس) هي المعوّل عليها في إقامة دولة علوية في سوريا, وأخرى درزية, وواحدة شيعية, ودولة سنية, وإقامة دولة البصرة التي ستضم الكويت والبحرين, وإقامة دولة في  الحجاز, ودولة في الدمام, ودولة في جيزان, ودولة في عدن, ودولة في صنعاء, ودولة في بوشهر, ودولة للكرد, ودولة لقبائل اللر, ودولة في أرض الصومال, ودولة في مضيق هرمز, ودولة للأقباط, ودولة للصعايدة, ودويلات هشة أخرى مبعثرة هنا وهناك, ومن لم يصدق هذا الكلام يتعين عليه مراجعة مخططات وخرائط البنتاغون, التي أعدها عرّاب التقسيم والتفرقة, الكاهن (برنارد لويس), والتي تبرعتم أنتم بتنفيذها حرفيا, من دون أن تدركوا إنكم تنكرتم لعروبتكم, وتركتم كتاب الله وراء ظهوركم واتبعتم ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان.  لابد لنا في الختام من وقفة تاريخية نستذكر فيها نداءات الفريق (ضاحي بن خلفان), التي حذركم فيها مراراً وتكراراً من خبث المخططات الأمريكية في أكثر من مناسبة, وأوصاكم بعدم السير خلفها, وخاطبكم بلسان عربي فصيح, فكان فيكم كدريد بن الصمّة, عندما حذر قبيلته (غزية) بهذا البيت الخالد, فلم يستجيبوا له, فوقعت الكارثة, ولات حين مندم, قال دريد:

    أمرتكم أمري بمنعرج اللوى # فلم تستبينوا النصح إلا ضحى الغد

    والله يستر من الجايات

  • الأحــزاب الدينيــة بيـــن مــرحلتيــن ؟

    اقصد بالأحزاب الدينية كل حزب يرفع شعارات الدين ويجعل منها هوية سياسية لعمله .

    وهذا الإطلاق في التسمية يشمل جميع الأحزاب الدينية ليس في المحيط الإسلامي وإنما في كل المناخات التي تشترك في مسمى المصطلح الديني فيكون النصارى واليهود مشمولين بهذا المعنى.وذلك انطلاقا من قوله تعالى :” شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه “

    ولكني سأركز هنا على الأحزاب الدينية العراقية من خلال تجربتها في الحكم التي أصبحت بعد عقد من الزمان تقف أمام استحقاقات ليست لصالحها ؟

    وهذه الاستحقاقات تناولت الأفراد المتدينين المنتمين لتلك الأحزاب مثلما أصبحت لا تستثني حتى المتدينين من غير المنتمين للأحزاب الدينية على قاعدة الإسقاط التي لا تكون دائما صحيحة ولكن لا مجال للفرار منها أمام مشاعر العامة من الناس حيث يكون المقياس لديهم من خلال التجربة بعموميتها دون التأمل بتفاصيلها فالتأمل بالتفاصيل مهمة أهل الرأي والخبرة وهم قلة , والحكم بالعموميات هو ما تستحضره العامة من الناس وهم الأغلبية

    وإما المرحلتان فاقصد بهما بالنسبة للأحزاب الدينية : مرحلة ما قبل تسلم الحكم اي مرحلة المعارضة , ومرحلة ما بعد تسلم الحكم اي مرحلة التطبيق وهي مرحلة الاختبار والامتحان ؟

    وقبل أن ادخل بتفاصيل هذه الدراسة : أحب أن أبين للقراء والمتابعين إنني ومن خلال مواكبتي من داخل العمل التنظيمي أيام المعارضة بمراحله التأسيسية وسريتها ومراحل الانتشار وسياستها المعلنة , من خلال كل ذلك أميز بين الأحزاب العقائدية في التنظيم والعمل , وبين الأحزاب التي ولدت كردات فعل فظهرت كتجمعات مطلبية تهيمن عليها العناوين الشخصية والمصالح الذاتية مما افقدها طابع الأحزاب العقائدية ؟

    وفي التجربة العراقية شهدنا سقوط الحالتين وفشلهما : أي فشل الأحزاب العقائدية , وفشل وسقوط الأحزاب غير العقائدية

    ولان العقائد لا تموت , فان الأحزاب هي التي تموت  ومن هنا علينا أن نفرق بين العقيدة وهي الإسلام او المسيحية او اليهودية وتركيزنا هنا على العقيدة الإسلامية لان المشهد المتحرك ميدانيا يتطلب ذلك , لان الحزب في المفهوم السياسي :” انتماء ولائي “ ينمو ويكبر بسرعة , ويهرم ويموت بسرعة “

    ولان التنظيم سنة كونية فعلينا أن نميز بين المفهوم التنظيمي الذي تحتاجه الحياة دائما , قال تعالى :” كلوا واشربوا ولا تسرفوا “ “ وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن “ “ ولا تصعر خدك للناس “ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم “ “ وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن “ “ فلا تخضعن في القول فيطمع الذي في قلبه مرض “

    أما المفهوم الحزبي فهو حالة خاصة لظرف خاص يكتسب مشروعيته من الحاجة إلى التنظيم كسنة في الحياة , ويفتقد هذه المشروعية عندما يصبح عرضة للأهواء والرغبات الشخصية والامتيازات كما هو جار اليوم في العراق , ومفهوم “ فان حزب الله هم الغالبون “ في الآية القرآنية لا ينطبق على الحالات الحزبية التي لم تلتزم بمصاديق الأصالة التنظيمية التي تقول “ إذا اجتمع خمسة وعشرون نفر منكم ولم يؤمروا من هو أعلمهم فعملهم باطل” ؟

    ثم أن مفهوم حزب الله هم الغالبون يكتسب شمولية واتساع باتساع مفهوم العبودية الخالصة لله وهذه سنجد بعضها في ثلة من النصارى واليهود والصابئة , فهي ليست حكرا على أتباع مذهب دون مذهب آخر , ولا أقول إتباع دين ودين آخر فالدين عند الله واحد , والذين تفرقت بهم السبل هم الذين يفرقون ويفترقون فيجعلون الحياة مليئة بمرارة الصراعات الدامية وما نشهده اليوم هو ترجمة لتلك الفرقة التي تعمدها البعض بأهواء لا تنتمي لبوصلة السماء ولا لحاضنة الفطرة الإنسانية المصاغة بعناية من خلق وسوى “ فطرة الله التي فطر الناس عليها “

    إن فشل تجربة الأحزاب الدينية في الحكم هو ليس فشلا للعقيدة الإسلامية التي ظلمت بسبب من ادعى الانتساب إليها ولم يكن صادقا في ادعائه , قال تعالى :” يا أيها الذين امنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله إن تقولوا ما لا تفعلون “

    وهذا التقييم والنقد المبكر في القران الكريم من قبل الله تعالى سبق كل ما قيل في نقد المتدينين والأحزاب الدينية والذي جاء متأخرا من قبل العلمانيين ومن يعتقد بالفكر الديمقراطي , وهي كلها أفكار إنسانية نحترمها ولكن لا نضعها في مصاف ومرتبة فكر السماء لا لشيء إلا لحاجة إنسانية حياتية تفرض نفسها على واقع الأشياء , فنحن نريد الفكر الذي يحضر معنا في القوة وفي الضعف , وفي الصحة والمرض , وكذلك ما بعد المرض وما بعد الضعف وهو الموت ؟

    أما الفكر الذي يتركنا في حالة ضعفنا ومرضنا وموتنا وهو حقيقة فليس من المنطقي والعقل أن نتمسك بهذا ونترك ذاك لأنه سينطبق علينا قوله تعالى “ اتستبدلون الذي هو ادنى بالذي هو خير “

    والأحزاب الدينية التي فشلت في الحكم او في الاجتماع عليها إن تراجع نفسها على القاعدة التي وضعها الإمام علي بن أبي طالب عندما قال :” في التجارب علم مستأنف “ ؟

    ولنا أن نسال الجميع : ما هو العلم الذي اخذتموه من تجربتكم في الحكم؟

    وما هي العبرة التي استخلصتموها من عملكم الحزبي ؟

    وكل من يراقبكم لا يرى لديكم من مشروع سوى الشعارات والخطب المستهلكة التي ملها الناس , لأنكم سكنتم مساكن الذين ظلموا وانشغلتم بمفاتن ذلك السكن وتركتم الناس تعاني بعضها بلا سكن وبعضها بلا دواء , والبعض الآخر بلا طعام ؟

    إن التاريخ الذهبي للبعض منكم أيام المعارضة تبخر بسرعة نتيجة نهمكم غير المبرر تجاه الامتيازات التي أفسدت مؤسسات الدولة ونتيجة السلوك الملتوي للكثير منكم الذي غادر صفحة الوفاء إلى حيث يكون المكر والخيانة التي تختصرها كلمة الإمام علي عليه السلام لطلحة والزبير عندما قال لهم بعد أن أخذتهم الفتنة , حيث قال عليه السلام : “ عرفتماني بالحجاز وأنكرتماني في العراق فما عدا مما بدا “ ؟