Blog

  • الرصيف !!

    منذ شهور وأنا أٌلازم البيت ولا أبرحه، مع إن ملازمة البيت أمر لا تحمد عقباه للرجل، لأنه يتحّول الى (ضّرة) مكروهة من زوجه، هذا غير اضراره الصحية، ولذلك نصحني ابن خالتي ـ وهو طبيب بيطري ـ أن امارس رياضة المشي، وقد أخذت بنصيحته، وبدأت أغادر منزلي عصر كل يوم واتمشى في حدود منطقتي السكنية، حيث الشارع التجاري!

    كنت أراقب بحزن سعة الرصيف، بينما أسير مضطرا في وسط الشارع ، لأن الأرصفة من الجانبين محتلة من قبل الباعة وسقائفهم وبضائعهم.. وهكذا أصبح الرصيف موطنا ومستقرا لهم، لا ينازعهم عليه أحد!!

    قبل أيام وأنا أقطع الشارع ذهابا وإيابا، حدث أمامي شجار عنيف بين إثنين من الباعة، كان أحدهما يحمل (توثية) أما الآخر فيشهر سكينا، ولولا وقوف الخيرين بينهما لوقعت جريمة قتل، ولهذا أسرعت الخطى الى مكان (العركة) في محاولة لتهدئة الأمر، وتسوية الخلاف، فأنا أعرف الطرفين، وكلاهما يكنٌّ لي احترام كبيرا لا يقل عن احترام الآخرين لكوني صحفيا… والصحفي في منطقتنا إنسان مهم مثل عضو البرلمان في لندن، والحق فقد هدأ الموقف لحظة وصولي، ولأنني أجهل سبب الخلاف قمت بتوجيه سؤال الى الشخص الأول (خير عبد الله.. شكو؟) فردّ عليّ  (تقبل ستاد… ياخذ جاسم مكاني؟!) والتفت الى الشخص الثاني وسألته  (شنو القضية جاسم… ليش  ماخذ مكان عبد الله؟) فأجابني (ستاد… اني ما ماخذ مكانه… بس هوه صار شهرين ماكو… اسألك بالله ستاد.. قابل الرصيف ورث مال أهله) وسارع عبد الله الى الرد (خلي الله بين عيونك… يصير اني مريض… تجي انت  تاخذ مكاني، شنو هيه عفتره… خو مو عفتره) وبدأ الجو يتلبد بالغيوم السود، وكان عليّ أن احكم بينهما بالعدل، واقترح تقسيم المكان مناصفة فهو يكفيهما وزيادة، إلا إنني وددت أن امازحهما لكي اهدئ من ثورتهما، ولهذا قلت لهما (تريدان الحق؟) وفي الحال ردّا (طبعا ستاد)، وشجعني ذلك على مواصلة مزحتي فقلت (المكان ليس لكما)، وصدم الرجلان وسألاني السؤال ذاته كأنه الزي الموحد (لعد إلمن المكان ستاد؟!) أجبتهما وأنا ابتسم، حتى يدركا إنني أمزح (المكان ليس من حقكما وإنما هو من حقنا نحن المارة المساكنين، لأنه…) ولم أكمل عبارتي، فقد تكاتف الخصمان، ونسيا شجارهما، فرفع الأول (توثيته)، وشهر الثاني سكينه وهجما عليّ هجمة رجل واحد، وبدا عليهما وكأنهما أباحا هدر دمي ولولا وجود الخيرين ووقفتهم الكريمة لأصبحت في عداد الموتى، ولهذا هربت بأقصى سرعتي الى البيت، مفضلا أن أكون ضّرة مزعجة لزوجتي على أن أمارس تلك الرياضة اللعينة، ومن يومها تعلمت درسا بليغا، إذ لا شيء يوحد الخصوم غير مصلحتهما المشتركة!!

  • معاول المستشفى الجمهوري بالبصرة

    عثر ثلاثة أصدقاء على حفرة قرب بوابة مستشفى, فقال الأول: دعونا نستنجد بسيارة الإسعاف لتقف بجوار الحفرة تحسبا للطوارئ, فقاطعه الثاني, وقال: كلا بل نردم هذه الحفرة ونحفر واحدة أخرى في مكان آخر, فرفض الثالث رفضا قاطعا, وقال لأصدقائه: كلا, كلا, اتركا الحفرة في مكانها, وانقلا المستشفى إلى موقع آخر. 

    لا ادري ما الذي يجعلني أتذكر هذه النكتة كلما مررت بواجهة المستشفى الجمهورية في البصرة, ونظرت إلى اللافتة المثبّتة على الرصيف, عند التقاطع القريب من مصرف الدم. الملفت للانتباه إنها تعلن عن مشروع متعدد المحاور, تتكرر فيه عبارة (هدم وبناء) مرات عديدة في متوالية إعلانية تبعث على الدهشة, من مثل: هدم وإعادة بناء المختبر, هدم وإعادة بناء صالة العمليات الأولى, هدم وإعادة بناء ردهة الأنف والإذن والحنجرة, هدم وإعادة بناء ردهة التدرن والأمراض الصدرية, هدم وإعادة بناء ردهة الحروق, هدم وإعادة بناء ردهة الجملة العصبية, هدم وإعادة بناء شعبة العيون, هدم وإعادة بناء مخازن الأدوية. وكأننا نقف أمام حملة شاملة لتهديم أركان المستشفى وردهاتها وقواطعها والمباشرة بإعادة البناء من جديد في المكان نفسه, وفي المساحة القديمة التي شيد عليها المشفى في العقد الأول من القرن الماضي, وصار عندنا انطباع إن البصرة ضاقت بما رحبت, ولم تجد وزارة الصحة إلا هذا المكان المحاصر بأنهار الصرف الصحي, في بيئة أقل ما يقال عنها, إنها لا تصلح للسكن, فما بالك إذا كان المشروع المتعدد الخطوات يتمحور في منطقة تعج بسقائف وكالات بيع الاسمنت ومواد البناء, وتحيط بها طرق مغطاة بطبقات الرمال والأتربة, ولا تبعد عن الكراج المركزي الخاص بالسيارات والحافلات والباصات سوى خطوات معدودات, حيث يطغي ضجيج السيارات وصخبها على الأجواء المشبعة بالهواء الفاسد. 

     وهنا لابد لنا من طرح مجموعة من التساؤلات المنطقية, فنقول: أليس الأفضل أن نلجأ إلى البناء الجديد بدلا من التورط بدوامة الهدم والبناء؟. ثم ما الذي يضطرنا لتحمل تكاليف الهدم والردم والدفان, وتكاليف نقل الأنقاض, وتكاليف إزالة الأسس القديمة الضاربة في عمق الأرض, وتكاليف الإجراءات الوقائية التي يفرضها واقع المنطقة المزدحمة الصاخبة المتربة المزعجة؟, وما الذي يدفعنا للتضحية بالوقت والجهد, ومواصلة الإصرار على إعادة البناء في مكان لا تتوفر فيه الشروط الصحية ولا البيئية ؟, ألا يعلم المخططون إن التخطيط لبناء مستشفيات جديدة في أماكن أوسع وأجمل سيؤدي إلى تحقيق نتائج أفضل وأوفر وأكثر نفعا ؟, أما المستشفيات القديمة فيفترض أن تدخل ضمن المواقع التراثية, أو تتحول إلى متاحف ومعاهد صحية, أو مواقع سكنية للأطباء, ويتعين علينا نقل المستشفيات من المناطق المكتظة إلى الضواحي الريفية الفسيحة, فالنمو العمراني في البصرة يحتاج إلى تفرغ علمي لدراسته, حتى نستطيع التعمق بالرؤية المستقبلية لما يجب أن تكون عليه مشاريعنا المرتقبة, ويحقق لنا التغلب على الظواهر التنموية السلبية, وفي مقدمتها التقوقع في الأماكن العتيقة المزدحمة بالسكان.

     مع وجوب الاستفادة القصوى من نظم المعلومات الجغرافية عند البحث عن الأماكن المناسبة لبناء المستشفيات, حيث ينبغي أن يبعد الموقع عن أقرب طريق رئيس بنحو (500) متر, وان يبعد عن أقرب مستشفى بحوالي عشرة كيلومترات, وأن يكون قريبا من شبكات المياه العذبة, والطاقة الكهربائية, وقنوات الصرف الصحي, مع وجوب مراعاة الشروط البيئية في ضوء المعايير القياسية التي أقرتها منظمة الصحة الدولية. 

     ختاما نقول نأمل أن تحمل التصاميم الجديدة سمات العمارة الموروثة في البصرة, كالشناشيل والشرفات الخشبية, التي تعكس ملامح الفن المعماري الشائع في هذه المدينة المينائية العريقة, وتحمل المعالم التاريخية. وأن لا تكون التصاميم الجديدة عبارة عن كتل خراسانية صماء بكماء, لا تسر المرضى, ولا تبعث في قلوبهم الفرحة والسعادة والأمل.

  • مكين عاد.. أغلقوا الأبواب

    أينما حل السيناتور الأميركي جون مكين في المنطقة العربية، حلت معه الفواجع. فهو الرجل الذي غالباً ما يترك خلفه سرباً من الأرامل والأيتام المتسربلين من حمامات الدم التي يجيد هذا الرجل إنشاؤها.

    في ليبيا، حل السيناتور ضيفاً عزيزاً على ثوّار بنغازي أثناء المعارك الطاحنة التي كانت تدور للإطاحة بنظام العقيد الليبي معمر القذافي، وفي اليوم الثاني لزيارته، أصدر الرئيس الأمريكي باراك أوباما، قراره باستخدام طائرات بدون طيار في قصف مواقع تابعة للعقيد معمر القذافي. والنتيجة معروفة للجميع. تدمير مدن بكاملها على رؤوس قاطنيها، بذريعة شل حركة القوات التابعة للقذافي، والتي كانت في أحسن حالات القصف الوحشي، تبعد عشرات الكيلومترات عن موقعه. حينها اعترف وزير الحرب الأميركي، روبرت غيتس، «إن استخدام الطائرات بدون طيار في العمليات العسكرية الجارية في ليبيا، يسمح بتوجيه (بعض) الضربات الدقيقة لقدرات القوات الموالية للقذافي».

    الدكتور عمرو حمزاوي عضو مجلس الشعب المصري، وهو أحد كبار الباحثين في مراكز البحث الأميركية، ومن المقربين من صقور الإدارة الأميركية، لم يعد يحتمل اللعب على حبلين بعد أن أصبح عضواً في مجلس الشعب، واختار أن يكون أميناً لموقعه الجديد، لذا رفض دعوة السفارة الأميركية له لحضور لقاء بالسيناتور الأميركي جون ماكين أثناء زيارته الأخيرة لمصر.

    حمزاوي أرجع أسباب رفضه إلى 4 نقاط أساسية، أولها أن السيناتور جون ماكين معروف عنه العدوانية الشديدة للمسلمين، وسبق أن أساء إلى الإسلام في أكثر من مناسبة، فضلاً على كونه أحد مؤيدي الغزو الأميركي على العراق، وكذلك فهو أحد المتشددين في مجمل قضايا الشرق الأوسط والمنحاز بدرجة كبيرة إلى مصلحة إسرائيل، إضافة إلى أن جون ماكين هو نفسه الذي طالب بقطع المعونات العسكرية عن مصر قبل زيارته إلى القاهرة بأيام قليلة.

    السيناتور الجمهوري الأميركي جون مكين، لم يعجبه دور المتفرج على الأزمة السورية، إنها فرصة أخرى لإسالة الدم العربي فوق أرض عربية جديدة، ولم يعجبه كذلك، دور واشنطن في هذه الأزمة، ثمة فرصة سانحة لتقديم خدمة كبيرة لإسرائيل، هكذا يحدث المقربين منه أثناء زيارته الأخيرة لتل أبيب، لذا، اختار الوقت المناسب ليطلق دعوته إلى حكومة الرئيس الأميركي باراك أوباما، بضرورة «أن تقود جهوداً دولية لحماية المراكز السكانية الأساسية في سوريا عن طريق شن هجمات جوية على القوات الحكومية السورية».

    إنها الدعوة السافرة الأكثر وضوحاً للتدخل العسكري في الشأن الداخلي السوري، ولا عجب، طالما كان مصدرها السيناتور جون ماكين.

    إنه يقول في كلمة ألقاها في مجلس الشيوخ «ينبغي أن يكون الهدف النهائي للغارات الجوية هو إقامة مناطق آمنة في سوريا ولاسيما في الشمال والدفاع عنها بحيث يمكن في هذه المناطق لقوات المعارضة أن تنظم نفسها وتخطط لأنشطتها السياسية والعسكرية ضد الرئيس السوري بشار الأسد».

    وكان مكين قد دعا من قبل إلى بذل جهود لتسليح المعارضة السورية لكنه قال يوم أمس إن المساعدة التي يحتاج إليها المعارضون السوريون بإلحاح شديد هي «التخلص من حصار دبابات الأسد ومدافعه في كثير من المدن».

    عودة مكين إلى الساحة العربية تنذر من جديد بقوافل من النازحين والأرامل والأيتام، لذا، على من يعنيهم الأمر.. أن يغلقوا الأبواب.

  • كفى..

    مسؤولون لا يتغاضون عما يجري من فواجع في البلد.. بل لا يدرون ولا يشعرون.. كأنهم مصابون بنقص ولادي بالاحساس والشعور والنباهة والضمير… ولا يعتقدون ان العراقيين مصابون بالغثيان وفاض قيئهم وشمته شياطين الارض والسماء وامتعضت واصيبت بالدوار.. فنوع هؤلاء المسؤولين قد انضم الى قائمة الارقام القياسية العراقية في العالم من حيث البلادة وانعدام الاحساس, ولا يزالون يتحدثون عن المحاصصة وعن الطائفية وعن الاعداء والارهاب والجهات التي تتآمر على الحكومة وعلى العراق… وان ساحرات (دلفي) او ساحرات السراديب هن اللواتي عملن عملهن ففشلت الحكومة وقيدها عن انجاز ما يمكن رؤيته بالمجهر.. وصارت اعادة التيار الكهربائي من ضروب المستحيلات.. وتتكون الحياة بتسعة اشهر ويكمل الجامعي دراسته بأربع سنوات.. ويحصل على الدكتوراه بسنوات اقل في حين ان الحكومة لم تنجز الكهرباء بتسع سنوات.. ولم يخطر لها انها مشغولة بنفسها وامتيازات افرادها, والاستحواذ على كل ما يمكن الوصول اليه… مع لازمة الارهاب والمحاصصة… ومشتقاتهما، ولم يخطر لها ان مهمتها ان توفر الحياة,, وحياة رغيدة يتمناها السويسري والامريكي والفرنسي.. وتوفر له الامان.. وتوفر له ان يحقق ذاته ويمارس كل طاقاته ومواهبه.. انها مسؤوليتها.. وتقدمت الى مهمتها لهذا الغرض… مع وضع الاحتمالات كافة من المصاعب والمشاق والاحداث… وانها مسؤولة حتى عن احداث الطبيعة والاقدار هذا شأنها وعليها ان تتكفل به.. وسكوت المواطن على ذريعة الارهاب وكل هذا الوقت لم تعد مقبولة… والمواطن يريد الامان والحياة من الحكومة… وانها المعنية بتوفيره…

    وكان على السياسي ان يدرك الحقيقة من ان العراقي متعب ومرهق وبلغ مع الاحتلال حد الاعياء ويستدعي النجدة ودخول ردهة الانعاش.. ولم يكن قادرا على فهم ترف الديمقراطية.. ولا يجيد تمييز الرجال ولا اختيارهم في الانتخابات.. وقاد بعضهم التخلف والنعرات المختلفة.. وربما ما زال هناك من يجهل التفريق بين الشخصيات المملوءة والوطنية والجديرة بقيادة البلد وبين المتاجر بالسياسة,, وفقير الجاه والمال… والسلطان.. وكان على السياسي ان يوقظ البسطاء ويبصرهم ويرشدهم ويعيد تثقيفهم وتربيتهم ويقودهم الى العصر بدل هذا الضخ المتواصل للمحاصصة والطائفية وذريعة التآمر والارهاب… فوظيفتها ومهمتها ان توفر الامان والحياة الكريمة للمواطن.. وكان عليها ان تبحث وتنقب عما يحول دون هذه المهمة في اسابيع وشهور وحتى بوقت اطول في حين مرت كل هذه السنوات والمحنة تتفاقم مع بقاء اللغط المعروف ولم يعد للعراقي ما يتقيؤه.. لا سيما ازاء عدم احساس بعض السياسيين بما يحل بالمواطن والوطن.. مع قناعتهم انهم محصنون من المساءلة.. فالمحاصصة والارهاب واعداء الديمقراطية يحولون دون العمل والبناء… بل هناك من يظن انه يبني ويعمر ويقيم تجربة بلا مثيل… (لا مثيل لامتيازات الرئاسات الثلاث في العالم) في اثرى بلد ثلثه تحت خط الفقر.. وربما فيه العدد الاكبر من الارامل واليتامى والمعوقين… وما زال المترفون يشتمون المحاصصة والطائفية والقتلة,, ولا يشعرون انهم يعلنون عن وقوعهم تحت سطوة من يشتمونهم..

  • حرائق الغابات القطرية

    بدأت تصفية الحسابات القطرية الداخلية تطفو على السطح من جديد. وإذا كانت الأسرة القطرية الحاكمة قد نجحت في إطفاء حرائقها الداخلية بخراطيم الدم الليبي، فإنها الآن أمام استحقاقات وحرائق، قد لا تتمكن من إطفائها كل خراطيم الدم التي تنزف في المنطقة بدءاً من سوريا، وليس انتهاءً باليمن، الذي لم تكتمل سعادته بالانتقال السلمي والسلس للسلطة فيه، على وقع الهجمات المتزايدة للتنظيمات السلفية، والنشاط المتزايد لقوى الانشطار اليمني الجنوبي، التي تعمل على عودة عقارب الساعة اليمنية لأكثر من عشرين عاماً، حيث كان اليمن «يمنان».

    الحرائق القطرية الجديدة بدأت هذه المرّة من مواقع التواصل الاجتماعي، وهذه المواقع كانت الشرارة الأولى في الثورتين التونسية والمصرية، وقد يبدو إنها أخفقت، أو لم تمتلك التأثير ذاته في ساحتي الحراك الشعبي الليبي والسوري، لكنها مرشحة لاستعادة هذا الدور، وبقوة، في الساحة القطرية، لأنها بدأت على يد (مغرد) قطري يبدو انه ينتمي إلى الأسرة الحاكمة، أو مقرب منها، يدعى (هداد آل ثاني) الذي بدأ بنشر سلسلة فضائح عن الأسرة، بدأت حول طريقة وصول وزير الخارجية ورئيس مجلس الوزراء الحالي حمد بن جاسم إلى موقعه، لكن لا أحد يعلم إلى أين ستنتهي.

    الدوحة نجحت إلى حد كبير في الانضمام إلى منظومة علاقات دولية وإقليمية، تستهدف تحقيق أهدافها عبر إسقاط أنظمة وتقليم أظفار أنظمة أخرى في المنطقة. هذه المنظومة قوامها الولايات المتحدة الأميركية وتركيا وبعض دول حلف الناتو، ولقطر دور محوري فيها، حقق لها نجاحات، دون معرفة ما حصة قطر فيها. لكن الدوحة بالمقابل، حققت منظومة أعداء عبر تدخلها في شؤون دول المنطقة الداخلية، وأصبحت الكثير من دول المنطقة بانتظار لحظة وصول الحرائق إلى الغابات القطرية.

    من هنا، قد تجد مجموعات الحراك الاجتماعي القطرية على صفحات التواصل الاجتماعي مساعدة قوية من أطراف عدة، تجعلها أكثر تأثيراً في توسيع دائرة هذا الحراك، وقد تبدو تظاهرات (البدون) القطريين، أولى شرارات ثورة اجتماعية واسعة، قد تعيد الأوساط السياسية القطرية إلى دائرة البحث عن مشروعية الرئيس القطري حمد بن ثاني، على خلفية استحواذه على السلطة أثر انقلابه على أبيه، في خطوة تشكك المعارضة القطرية في مدى مشروعيتها.

    المعارضة القطرية التي وجدت نفسها معزولة بعد التقارب القطري مع أنظمة عربية عدِّة، استعادت الروح الآن، بعد أن التقت مصالحها في إسقاط النظام القطري من جديد، مع عدد من أنظمة المنطقة التي وجدت نفسها في خضم صراع وجود مع الدوحة، ضمن اللعبة القطرية في إتمام لعبة الدومينو الإقليمية، التي تتحمس لها الدوحة، في دور يجمع المراقبون، على إنّه أكبر من حجمها بكثير، وإنها ستدفع ثمنه آجلاً أم عاجلاً، ويبدو أن الحرائق التي تشتعل بقوة الآن على مواقع التواصل الاجتماعي، هي جزء من ذلك الثمن، وإنها قد تشعل الغابات القطرية.. قريباً.

  • عضة أسد.. ولا نظرة حسد

       في غرة شهر شباط العام الماضي سربت لنا وسائل الأعلام خبرا عن (تجاسر) عدد من أعضاء مجلس النواب الجدد(وهم كثر) على حد تعبيرما يرد في قصيدة أبي فراس الحمداني التي غنتها أم كلثوم (أراك عصي الدمع شيمتك الصبر…أما للهوى نهي عليك ولا أمر)بأن قاموا بتمرير طلب(يستجدي)شراء سيارات مصفحة لهم من من كد وجد وأموال قوت الشعب.    قال في حينها من قال وخمن من خمن وأكد من أكد وأستبعد من أستبعد ان تحصل الموافقة عليه،، بسبب تحسن نسبي للوضع الأمني،،وبقاء (جنجلوتية) محنة الكهرباء قائمة فضلا على شحوب مفردات الحصة التموينية وغيرها من طاقم باقي الآمال التي لم يتحقق منها- للآن- شيئا يستحق التضحية بأقيام مبالغ تلك الصفقة المصفحة التي تبلغ خمسة وسبعين مليار دينار عراقي،، بما يعادل ثلاثة وستون مليون ونصف المليون دولار أمريكي .  كتبت- حينها- مقالا بعنوان …(أحلام مصفحة)… نشر في جريدة الزمان منتصف ذلك الشهر من العام نفسه الذي شهد فيه الخامس والعشرين منه بداية اندلاع احتجاجات جماهيرية واسعةعرفت بـ(تظاهرات ساحة التحرير) كانت تطالب بتوفير الخدمات ومكافحة البطالة بتوفير فرص العمل،، ولعل من أهم تداعياتها الواقعية تقليص عدد الوزارات العراقية.  وفي (23من شباط هذا العام) تأكد الخبر وتحول الحلم الى حقيقة واقعة بموافقة برلمانية جرى تصويتها بشكل منهجي و(نموذجي)من قبل ممثلي الشعب،، واليوم(الثلاثاء6آذار) تعيد هيئة رئاسة المجلس مناقشة فقرات هذا الموضوع،، بعد أن أدعى بعض النواب عدم موافقته عليه،، فيما أشارت دلائل واثباتات دامغةعكس ذلك!!،، كما قام أحدهم بتعرية نائب صرح باعتراضه على تمرير هذه الصفقة،، بأن كشف مدعيا أنه يملك ثلاث سيارات من هذا النوع المدني/ ومن الصنف المصفح.!!

    وهكذا مابين موافقة نائب جسور ونائب – معارض حذور(من الحذر) وآخر مبهور باضافة امتياز أخر لقوائم امتيازات النيابية،، ولسنا-هنا- بصدد حسد من يمثلنا في قبة البرلمان،،بعد أن انتظر الشعب لأكثر من ثمانية أشهر ويزيد،، منذ تأريخ رحلة فرز الأصوات ومارافقها من تشكيك وتحريك ومحاولات اعادة عمليات الفرز اليدوي وتفضيلها على العمليات الالكترونية الحديثة(جدا) حتى نهائيات حسم أطول عملية انتخابية معاصرة جرت- ربما في العالم- توصلت الى من سيجلس على مقاعد ذلك المجد النيابي،، لكي يتمتع بالحصانة والوجاهة ومطاردة وسائل الاعلام المرئية والسموعة والمقروءة محلية منها والعربية والعالمية له،، نعود لنقول ونكرر،، لسنا بصدد الحسد أو الدفاع عن ثرواتنا وأرواحنا وهي تزهق- بالجملة- بفعل التفخيخ والتفجيرات والكواتم وكل أدوات الموت والخراب المستوردة والمحلية بل بصدد التذكير بضرورة الابتعاد عن الحسد كونها صفة ذميمة وأنها تزيل النعم،، فالحسود لا يسود ،، وتبقى العبارة الأكثر اثارة ووقعا في نفسي كلما صادفها مكتوبة على أبدان بعض سيارات الأجرة واللوريات أوالكوسترات أوالتاتات والتي تقول:(عضة أسد… ونظرة حسد) تجعلني -حقيقة – أقف حائرا متسائلا،، ومفكرا بمخيلة طفل شقي،، عن كيفية شكل تلك العـضة وماهي نتائجها المحتملة… ياجماعة الخير!!

  • في القمة العربية ..إحذروا “اللبننة”

    سمعنا بعض أطراف من القائمة العراقية ممن نعرف وطنيتهم ونشخّص ضعف الاداء السياسي لديهم, يقولون: “نريد طرح ورقة عن حالة العملية السياسية في العراق في مؤتمر القمة”.

    مثلما سمعنا مطالبات باسم بعض العشائر في الأنبار, ولا نظن عشائرنا العربية في الانبار تقبل بذلك, حيث تقول تلك المطالبات بضرورة تسليح المعارضة في سورية. 

    كما تأكد ان بعض المنابر في صلاة الجمعة في بعض المناطق ابدى موقفا متحيزا في المسألة السورية عندما هاجم قيادة النظام في سورية, وهو مما لاينسجم مع موقف الحكومة العراقية الذي حمل مشروعا للمقاربة بين المعارضة والنظام في سورية, ولو تم ذلك لكان فيه خير للشعبين السوري والعراقي وللعمل العربي الذي افتقد كثيرا من مصداقية التوازن السياسي منذ قرارات الجامعة العربية بتجميد عضوية سورية ثم نقل ملفها الى مجلس الأمن والأمم المتحدة, ثم مشاركتها في مؤتمر ماسمي “باصدقاء سورية” الذي تفضح ممارساته عنوانه الذي يتناقض مع ابسط مفاهيم الصداقة مع الشعب السوري في غالبيته العظمى التي تعظ على جراحها وتلملم احزانها جراء عبث العصابات المسلحة المدعومة من الخارج بصريح الخطابات ووضوح الشعارات وبرامج الفضائيات التي لم تترك وجها للحقيقة إلا وشوهته ولا معنى للحرية إلا وحرفته ولا لونا للديمقراطية إلا وتجاوزته وذلك عندما تغاضت عن مواقف الغالبية من الشعب السوري التي ايدت برنامج الاصلاحات, وتغاضت عن موقف الجيش السوري الموحد مع النظام, وصادرت اصوات الحواضن الدينية للشعب السوري من اسلامية ومسيحية المؤيدة لبرنامج اصلاحات النظام الذي انتج دستورا جديدا للشعب السوري حصل في الاستفتاء على 89|0 من نسبة المقترعين في 26|2|2012 وهذا يعني ان هناك نظاما جديدا سيولد في سورية, وحياة سياسية جديدة تغادر مفهوم الحزب الواحد الى التعددية الحزبية وقد اجيزت ستة احزاب جديدة اغلبها من فضاء المعارضة.

    واللبننة التي لانريدها لأحزابنا وعشائرنا وسياستنا، هي التي ظهرت في ساحة الشهداء في بيروت تتباكى على حمص السورية وكأن حمص ظلامتها اكبر من ظلامة القدس الشريف مدينة الاديان ومهبط البركة والايمان, ولو كان هناك عقل سياسي مدرك لبارك لحمص خلاصها من عصابات القتل والجريمة المستعينة بالمال الخارجي وبالسلاح الأجنبي والصهيوني, ولبكى وتباكى على القدس الشريف التي يعبث الاسرائيلي بمقدساتها ويصادر حرية اهلها, ولألتحق المتباكون على حمص بالمؤتمر الذي نظمته الاطراف المقاومة من فلسطينية ولبنانية في بيروت في اليوم ذاته.

    ولكن النفس الطائفي هو الذي جعل البعض يتباكى زورا على حمص المعتدى عليها بشهادة اهالي باب عمرو المنكوبين بحماقة وتفاهة واجرام العصابات المسلحة والتي سميت من قبل هؤلاء بالمعارضة, وهو امر يرفضه المنطق والعقل والحس السليم، إذ كيف تسمى معارضة من تقتل على الهوية, وكيف تسمى معارضة وطنية من تحرق ممتلكات الشعب, وتفجر سكك الحديد, وتحرق مصافي وخزانات النفط في عز الشتاء وتساقط الثلوج. 

    وكيف وبأي فهم سياسي وطني تسمى معارضة من تدعو الدول الخارجية للتدخل العسكري، بل كيف تسمى معارضة وطنية من تتوسل الرضا الصهيوني وهذا ما قامت به المدعوة “قضماني” وهي من مجلس اسطنبول. 

    واللبننة هي التي سيّرت تظاهرات في لبنان لاتحظى بغطاء شعبي ضد الشعب السوري وبرنامجه الاصلاحي في كل من صيدا وبر الياس وطرابلس, واللبننة المتطرفة هي التي تهرب السلاح من لبنان الى العصابات المسلحة في سورية, واللبننة المتطرفة هي التي تحتضن الجماعات الارهابية التي لاتحمل خيرا للبنان , وهي التي تدير ظهرها للمقاومة الوطنية التي يديرها حزب الله في لبنان.

    هذه “اللبننة” لانريدها ان تصبح عدوى طائفية باسم المشاريع السياسية المشبوهة, ولانريدها ان تكون مشروعا لعشائرنا واحزابنا حيث تصنع الانقسام والفرقة كما يحدث في توجهات بعض الأطراف اللبنانية التي خذلت التدين والعلمنة معا, وقدمت للعدو الصهيوني ماكان يحلم به من وقوع الاحتراب في صفوف الرافضين لكيانه. واللبننة لانريدها ان تستحضر ادواتها غير المرغوب بها في مناسبة انعقاد القمة العربية, حيث تترك الجميع يضحك علينا ويسخر من سذاجتنا ومراهقتنا السياسية التي اضرت بشعبنا وضعفت دولتنا.في مناسبة انعقاد القمة العربية في بغداد والتي يحيطها الضعف من كل جانب, نريد للجميع ان يتحلوا بالتوازن واظهار المحبة وروح الوطنية العراقية, ويستعملوا القاعدة العقلائية القائلة: “عظموا انفسكم بالتغاضي” ، “واستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان” “وتحاببوا بقلوبكم لا بالسنتكم” تكبرون في عيون ضيوفكم, وتقدموا للعراق بتضامنكم اجمل هدية طالما تأخرتم عن تقديمها, ولا تنشروا غسيلكم الفئوي فأنه يكشف عوراتكم وهي كثيرة. 

  • الأفندي!!

    لعن الله الخمرة وفعلتها إذا ما عششت في الرأس، فأنها تٌذهب رزانة العقل وتفك عقدة اللسان، وتطلق اجنحة الخيال، فإذا شاربها غير الذي عهدناه، وكأنه في امسيته المنتشية غريب على اصبوحته الكئيبة وذلك هو حال صاحبنا يوسف أفندي، الرجل الذي قارب الستين من عمره، ولم ينهره اشتعال الرأس شيبا عن معاقرة الكأس، وما زال إذا دب دبيبها يزعم انه رب الخورنق والسدير، ويقول لنديمه، إسقينها وقل لي هي الخمر!!

    كذلك هو الأفندي في نهاره وصحوه، إنسان لا أودع منه ولا أشد تواضعا ولا أنبل خلقا، عفيف اللسان رحيما بأهله، لا يردٌّ سائلا ولا يخيب عنده محتاج، حتى إذا جنّ الليل وأمسى على مائدتها، رأينا منه العجب، يضحك مرة ويبكي مرة أخرى، ويهذي كمن تلبس الجنٌّ روحه ، ثم يتحامل على نفسه ويقف مترنحا، ويطلق عبارة أثيرة لديه (لو كنت زعيم العراق لأصلحت الأوضاع في يوم واحد) ، وبعد أن يصفق لنفسه يعود إلى مقعده حزينا ويملأ كأسه ويبكي بمرارة!!

    مرة واحدة في العقد التسعيني من القرن الماضي ـ وكنا مدعوين إلى حفل خاص في بيت أحد الأصدقاء ـ وبعد أن عاقر صاحبنا الخمرة وأطلق عبارته الأثيرة، في تلك المرة الوحيدة سأله صاحب الدعوة  (ماذا يفعل الأفندي لو أصبح زعيما؟!) 

    فرد عليه في الحال (سألغي حملة صدام حسين الايمانية، لأنها اكبر كذبة) وضحكنا من اعماقنا، ولم نتحسب أن تلك العبارة سوف تقوده الى السجن 15 سنة، أمضى منها أربعا عجافا قبل أن يشمله العفو العام!

    الأفندي لم يتعظ من سجنه، ولم ينته من منادمة الخمرة، وظل على حاله كذلك حين غادر السجن، وزاد شراهة بعد سقوط النظام، ولم يغير عاداته ولا عبارته الأثيرة، حتى شاءت المصادفة أن تجمعنا من جديد، قبل شهر تقريبا، في حفل زواج أقامه أحد اصدقائنا، وكالعادة أقبل الأفندي على كؤوسه لا يكاد يفرغ من إحداها حتى يملأ الأخرى، وهو يضحك ويبكي، ثم يتحامل على قدميه ويطلق عبارته الأثيرة، وللمرة الثانية تشاء المصادفة أن يسأله أحد الحضور مازحا عما سيفعل لو أصبح زعيما ليوم واحد؟ فرد عليه كمن كان مستعدا للإجابة (سأقيم أفضل علاقة مع السعودية لكي لا تغلق طريق الحج على الناس، وافضل علاقة مع إيران لكي لا تحرمنا من الساهون والكرزات، وافضل علاقة مع سوريا لكي لا تمنع عنا قمر الدين في شهر رمضان، وافضل علاقة مع تركيا لكي لا تحجب المسلسلات التركية!!) ، وضحكنا كما لم نضحك في حياتنا، وحين هدأت اجسادنا من الإهتزاز، وتأملنا كلام الرجل وأبعاده، استغربنا كيف فات هذا الأمر على زعمائنا الصاحين، ولم يفت على الأفندي السكران، واكتشفنا أن البلاد تحتاج حقا إلى زعماء مخمورين من دون خمرة!!   

  • الفتنة الجديدة.. وقبل أن تستفحل

    لا اذكر العدد الذي قرأته من مجلة الكرملي العظيم والعظيمة؛ ولا عنوان المقالة؛ لكن الواقعة التي ذكرها الكاتب بقيت في ذاكرتي؛ وملخصها: ان الاخوة المسيحيين قد استعدوا لإحياء احد اعيادهم بالاستعراض في المنطقة القريبة من شورجة بغداد (كان ذلك في زمن الاحتلال البريطاني) ولا غرابة؛ فطالما شهدت شوارع بغداد والموصل والبصرة مثل هذه الكرنفالات؛ بل وكان المسلمون يشاركون فيها برشّ ماء الورد؛ او القاء اوراق الأزهار على المحتفلين وسط بهجة يضيفها المنظر ويكسر رتابة الأيام.

    يقول الكاتب: ان اخبارا من بعض ممن قد استيقظ ضميرهم وصلت الى اهالي المناطق القريبة من الشورجة؛ تفيد بأن هناك من سينّدس بين الجماهير(بدفع من الانكليز ودنانيرهم القذرة) حاملين متفجرات وأسلحة وسيرتكبون مجزرة ضد المسيحيين لإثارة الفتنة؛ ويضيف الكاتب؛ فما كان من (شقاوات) تلك المناطق والوجهاء ورجال الدين المسلمين إلا الاتفاق على ان يشكلوا لجانا شعبية مهمتها تشكيل سياج أمني لحماية ارتال المحتفلين؛ ومراقبة الجماهير تداركا لأي فعل من الممكن ان ينغّص على اخوانهم المسيحيين أفراح عيدهم.

    حدث ذلك التآمر في الاربعينيات أو الخمسينيات؛ ويوم كان الاستعمار يفكر بطريقة (بدائية) لزرع الفتن وإن كانت اطماعه متقدمة.

    في محاولة لشهادة عن التاريخ؛ قابلت احدى الفضائيات رجل الـ( سي آي ايه) المعروف روبرت بير؛ وكانت المحاور تدور حول ايامه في الشرق الأوسط وتحديدا منطقتنا العربية؛ ومما ذكره(بير) انه قد كلف ذات يوم بزرع عبوات ناسفة بحقائب الدبلوماسيين السوريين؛ مع وضع دلائل تشير الى أن الفاعلين هم جماعة حزب الله؛ وكان السوريون يومها يحتلون لبنان بالكامل!! وقد يكون هذا المثل الذي اعطاه الرجل من أبسط الأمثلة على نشاطات جهاز المخابرات الأشهر في العالم؛ وكيف يعمل على خلق الفتن انّا وكيفما يشاء؛ وقد جربنا اساليبه هنا في العراق ايام الاقتتال الطائفي الملعون في سنوات المحنة الماضية. فهل عادت(حليمة) لعادتها القديمة؟!! لنقرأ المشهد بدءا من صحراء النخيب؛ والجريمة البشعة التي كادت أن تعيد اقتتالنا الى المربع الاول بمصطلح السياسيين؛ ثم نذهب من النخيب الى ديالى؛ والتهجيرات الجديدة التي تقوم بها المجاميع المسلحة؛ وقد تداركت الفتنة رحمة الله في الحالتين؛ بعد ان غسلنا ايدينا من(الشقاوات) الذين تحولوا الى (رجال دين) ومن (رجال الدين) الذين تحولوا الى(شقاوات)!!

    المخطط الجديد هو: الاقتتال(الشيعي- الشيعي) وسيمسكون الجماهير من يدها التي توجع: المرجعيات الدينية!! ولذلك نناشد المرجعيات الدينية – أولا – والسياسيين – ثانيا – والبرلمانيين ورجال الصحافة والإعلام ومنظمات المجتمع المدني؛ التنبيه الى ما تريد مخابرات الضغينة ايقاعنا فيه؛ وإلا ليفسر لي احدكم ما حدث في محافظاتنا الجنوبية من اعتداءات متبادلة على مقار وممثلي مراجعنا العظام؟!!

    المراجع التي لا يذكرها العراقي إلا ويده فوق رأسه إجلالا وتقديرا؛ فماذا حدث.. وكيف؟!! يبقى السؤال مفتوحا وعلينا جميعا أن نجيب عليه.

  • إنهم يقتلون الموتى

    إكرام الميت دفنه. الأرض تحفظ وديعتها. وغيرها، العشرات من المقولات التي تختزل قيما إنسانية في بضع كلمات، تبرز العلاقة بين الأحياء والأموات.

    الحروب بين الدول، أفرزت ظاهرة المقابر الأجنبية. وفي معظم البلدان العربية، ثمة مقابر بريطانية أو تركية أو لدول أخرى، نتجت عن الحروب التي شهدتها المنطقة، ولاسيما الحربين العالميتين، الأولى والثانية.

     واذكر، إنني ترعرعت في بيت جدي الذي يتوسط المسافة بين المقبرة العثمانية والمقبرة البريطانية. والمقبرتان حصيلة معركة طاحنة دارت بين الجيشين البريطاني والتركي، يقول كبار السن أن الأرض التي شيّد عليها منزل جدي والمنازل المجاورة، كانت ميدان تلك المعركة الطاحنة، وفي فصل من رواية لوالدي لم تنشر بعد، يتحدث عن أكداس الجماجم والعظام البشرية التي أخرجتها الحفارات العملاقة من الشارع الممتد أمام البيت، حين كانت تمد أنابيب المجاري العملاقة مطلع سبعينات القرن الماضي.المقبرة البريطانية، حديقة غناء، تداخلت فيها الزهور مع شواهد القبور، ينتصب في وسطها قبر مود الذي يعتليه سيف طويل وصليب أطول، يتحدث الفصل من الرواية، عن شباب يرتادون المقبرة للعب، والمطالعة أثناء فترات الامتحانات. والموتى..؟ لم نقلق نومهم الأبدي، يخبرني أبي، تنفيذاً لتوصيات أهالينا، بل كنا نترحم عليهم، لأنّهم موحدون من أهل الكتاب، كما يقول أبي نقلاً عن جدي.

    هذه الذكريات ومنظومة القيم، قفزت إلى ذهني مرة واحدة، وأنا أقرأ تقريراً، نقلا عن صحيفة الغارديان، يتحدث عن مجموعة من التسجيلات التي تُظهر قيام عناصر ليبية مسلحة باقتحام مقبرة لجنود الجيش البريطاني الذي قاتلوا في شمال أفريقيا بالحرب العالمية الثانية، وقيام العناصر بهدم شواهد القبور وتحطيم الصلبان في الموقع. وتتابع الصحيفة بالقول: «أحد الرجال في الفيديو يقول لعناصره: «حطّموا صلبان هؤلاء الكلاب»، بينما ظهر عنصر آخر وهو يعتلي السلم وبيده مطرقة لتحطيم نصب على شكل صليب كبير عند سور المقبرة.لنتذكر أن بين فصل الرواية وتقرير الغارديان نصف قرن من الزمن، حقق فيه العالم انجازات كبيرة، لاسيما في مجال الاتصالات التي حولت العالم إلى قرية صغيرة. ولنتذكر أنه عصر تلاقح الأفكار، بين الشعوب على أقل تقدير. ولكن، لنتذكر أيضاً أن القوى المهيمنة على العالم، تواطأت مع قوى الظلام المحسوبة على الإسلام، من أجل تحقيق أهدافها الخاصة. لكن حسابات حقل القوى المهيمنة على العالم، لا تتطابق بالضرورة مع بيدر الشعوب، بل لا تتطابق بالضرورة، مع بيدر قوى الظلام التي تواطأت معها. ألم تلتفت القاعدة إلى الولايات المتحدة، بعد أن أنهت مهمتها في أفغانستان، وأسقطت نظامها الشيوعي وهزمت الجيش السوفيتي فوق أراضيها، لتجد نفسها فور إنهاء المهمة، في حالة بطالة وإهمال كاملين من واشنطن وحلفائها.

    الظلاميون ذاتهم، الذين قاتلوا تحت راية حلف الناتو، لم يستنكروا الصليب أو أهله، طالما يحقق لهم مصالحهم في الحكم والسيطرة والنفوذ، لكنهم ينبشون القبور، ويقتلون الموتى، تحت ذريعة محاربة الصليب. هل هي إعادة إنتاج لتجربة القاعدة مع حكم نجيب الله والولايات المتحدة الأميركية؟.قد تكون بداية أُخرى، وقد تكون أخطر من الأولى، ولكنها في كل الحالات، دعوة مفتوحة لواشنطن وللقوى الغربية الأخرى، للتعاون مع القوى الديمقراطية، ومع القوى الإسلامية المتنوّرة بكل مذاهبها، لأنها الضمانة الوحيدة لعالم يسوده الأمن والسلم الأهلي.